الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٠ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن إخوة يوسف : أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين ، الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه ، وعاهدوه على ذلك ، فامتنع عليهم ذلك ، ( خلصوا ) أي : انفردوا عن الناس ) نجيا ) يتناجون فيما بينهم .
( قال كبيرهم ) وهو روبيل ، وقيل : يهوذا ، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله ، قال لهم : ( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ) لتردنه إليه ، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ، ( فلن أبرح الأرض ) أي : لن أفارق هذه البلدة ، ( حتى يأذن لي أبي ) في الرجوع إليه راضيا عني ، ( أو يحكم الله لي ) قيل : بالسيف .
وقيل : بأن يمكنني من أخذ أخي ، ( وهو خير الحاكمين ) .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره: (فلما استيأسوا منه) فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك.
* * * وقوله (استيأسوا) ،" استفعلوا " ، من: " يئس الرجل من كذا ييأس "، كما:- 19617 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (فلما استيأسوا منه) يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره.
* * * وقوله: (خلصوا نجيًّا) ، يقول بعضهم لبعض يتناجون ، لا يختلط بهم غيرهم .
* * * و " النجيّ"، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة ، كما يقال: " رجل عدل، ورجال عدل " ، و " قوم زَوْر، وفِطْر ".
وهو مصدر من قول القائل: " نجوت فلانا أنجوه نجيًّا " ، جعل صفة ونعتًا .
ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا، قول الله تعالى وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [ سورة مريم : 52] فوصف به الواحد ، وقال في هذا الموضع: (خلصوا نجيًّا) فوصف به الجماعة ، ويجمع " النجيّ" أنجية ، كما قال لبيد: وَشَــهِدْتُ أنْجِيَــةَ الأفَاقَـةِ عَاليًـا كَــعْبي وَأَرْدَافُ المُلُــوكِ شُــهُودُ (2) وقد يقال للجماعة من الرجال: " نَجْوَى " كما قال جل ثناؤه: وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [سورة الإسراء: 47 ] وقال: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ [سورة المجادلة: 7 ] وهم القوم الذين يتناجون .
وتكون " النجوى " أيضا مصدرًا ، كما قال الله: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [سورة المجادلة: 10 ] تقول منه ": نجوت أنجو نجوى " فهي في هذا الموضع، المناجاة نفسها ، ومنه قول الشاعر (3) بُنَــيَّ بَـدَا خِـبُّ نَجْـوَى الرِّجَـالِ فَكُــنْ عِنْــدَ سـرّكَ خَـبَّ النَّجِـيّ (4) فـ" النجوى " و " النجي"، في هذا البيت بمعنى واحد ، وهو المناجاة ، وقد جمع بين اللغتين .
* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: (خلصوا نجيًّا) قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19618- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا) وأخلص لهم شمعون ، وقد كان ارتهنه ، خَلَوْا بينهم نجيًّا، يتناجون بينهم .
19619 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (خلصوا نجيًّا) خلصوا وحدهم نجيًّا.
19620 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (خلصوا نجيًّا) : أي خلا بعضهم ببعض ، ثم قالوا: ماذا ترون؟
* * * وقوله: (قال كبيرهم) اختلف أهل العلم في المعنيِّ بذلك.
فقال بعضهم: عنى به كبيرهم في العقل والعلم ، لا في السن ، وهو شمعون.
قالوا: وكان روبيل أكبر منه في الميلاد .
*ذكر من قال ذلك: 19621 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله: (قال كبيرهم) قال: هو شمعون الذي تخلّف ، وأكبر منه ، أو: أكبر منهم ، في الميلاد، روبيل.
19622- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (قال كبيرهم) : ، شمعون الذي تخلّف ، وأكبر منه في الميلاد روبيل.
19623- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19624- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (قال كبيرهم) ، قال: شمعون الذي تخلف ، وأكبرهم في الميلاد روبيل.
* * * وقال آخرون: بل عنى به كبيرهم في السن، وهو روبيل .
*ذكر من قال ذلك: 19625 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (قال كبيرهم)، وهو روبيل، أخو يوسف ، وهو ابن خالته ، وهو الذي نهاهم عن قتله.
19626- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (قال كبيرهم) ، قال: روبيل ، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.
19627 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي: (قال كبيرهم) في العلم (5) ، (إن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض) ، الآية ، فأقام روبيل بمصر ، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبرَ ، فبكى وقال: يا بنيّ ما تذهبون مرَّة إلا نقصتم واحدًا!
ذهبتم مرة فنقصتم يوسف ، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون ، وذهبتم الآن فنقصتُم روبيل!
19628 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا) قال: ماذا ترون؟
فقال روبيل كما ذكر لي ، وكان كبير القوم: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف) ،الآية.
* * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عنى بقوله: (قال كبيرهم) روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا.
ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: " فلان كبير القوم "، مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن.
فأما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه ، فقالوا: " هو كبيرهم في العقل ".
فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت.
وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون ، وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به ، على إخوته رياسةٌ وسؤدد ، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: (قال كبيرهم) فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر ، وهو الكبر في السن ، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا ": روبيل كان أكبر القوم سنًّا " ، فصح بذلك القول الذي اخترناه .
* * * وقوله: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله، ) يقول: ألم تعلموا، أيها القوم؛ أنَّ أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه: (6) لنأتينه به جميعا ، إلا أن يحاط بكم ، ( ومن قبل ما فرطتم في يوسف )، (7) ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف.
يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟
، وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه ، كانت " ما " حينئذ في موضع نصب .
وقد يجوز أن يكون قوله: (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) خبرا مبتدأ ، ويكون قوله: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله) خبرًا متناهيًا فتكون " ما " حينئذ في موضع رفع ، كأنه قيل: " ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف " ، فتكون " ما " مرفوعة بـ" من " قبلُ.
هذا ويجوز أن تكون " ما " التي هي صلة في الكلام ، (8) فيكون تأويل الكلام: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف .
(9) * * * وقوله: (فلن أبرح الأرض) التي أنا بها، وهي مصر فأفارقها ، (حتى يأذن لي أبي) بالخروج منها ، كما:- 19629 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (فلن أبرح الأرض) التي أنا بها اليوم ، (حتى يأذن لي أبي) ، بالخروج منها.
19630 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: قال شمعون: (لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين).
* * * وقوله: (أو يحكم الله لي) ، أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين ، وإلا فإني غير خارج ، (وهو خير الحاكمين) ، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس .
(10) * * * وكان أبو صالح يقول في ذلك بما:- 19631 - حدثني الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله: (حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ،) قال: بالسيف.
* * * ، وكأنَّ أبا صالح وجّه تأويل قوله: (أو يحكم الله لي) ، إلى: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب ، فأحاربه .
* * * ---------------------- الهوامش:
قوله تعالى : فلما استيأسوا منه أي يئسوا ; مثل عجب واستعجب ، وسخر واستسخر .
" خلصوا " أي انفردوا وليس هو معهم .
" نجيا " نصب على الحال من المضمر في خلصوا وهو واحد يؤدي عن جمع ، كما في هذه الآية ; ويقع على الواحد كقوله تعالى : وقربناه نجيا وجمعه أنجية ; قال الشاعر :إني إذا ما القوم كانوا أنجيه واضطرب القوم اضطراب الأرشيههناك أوصيني ولا توصي بيهوقرأ ابن كثير : " استايسوا " " ولا تايسوا " " إنه لا يايس " " أفلم يايس " بألف من غير همز على القلب ; قدمت الهمزة وأخرت الياء ، ثم قلبت الهمزة ألفا لأنها ساكنة قبلها فتحة ; والأصل قراءة الجماعة ; لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء - يأسا - والإياس [ ص: 211 ] ليس بمصدر أيس ; بل هو مصدر أسته أوسا وإياسا أي أعطيته .
وقال قوم : أيس ويئس لغتان ; أي فلما يئسوا من رد أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس ، يتناجون فيما عرض لهم .
والنجي فعيل بمعنى المناجي .قوله تعالى : قال كبيرهم قال قتادة : وهو روبيل ، كان أكبرهم في السن .
مجاهد : هو شمعون ، كان أكبرهم في الرأي .
وقال الكلبي : يهوذا ; وكان أعقلهم .
وقال محمد بن كعب وابن إسحاق : هو لاوي ، وهو أبو الأنبياء .ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أي عهدا من الله في حفظ ابنه ، ورده إليه .ومن قبل ما فرطتم في يوسف " ما " في محل نصب عطفا على أن والمعنى : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ، وتعلموا تفريطكم في يوسف ; ذكره النحاس وغيره .
و " من " في قوله : " ومن قبل " متعلقة ب " تعلموا " .
ويجوز أن تكون ما زائدة ; فيتعلق الظرفان اللذان هما " من قبل " و " في يوسف " بالفعل وهو " فرطتم " .
ويجوز أن تكون ما والفعل مصدرا ، و " من قبل " متعلقا بفعل مضمر ; التقدير : تفريطكم في يوسف واقع من قبل ; فما والفعل في موضع رفع بالابتداء ، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به " من قبل " .فلن أبرح الأرض أي ألزمها ، ولا أبرح مقيما فيها ; يقال : برح براحا وبروحا أي زال ، فإذا دخل النفي صار مثبتا .حتى يأذن لي أبي بالرجوع فإني أستحي منه .أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين بالممر مع أخي فأمضي معه إلى أبي .
وقيل : المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب وآخذ أخي ، أو أعجز فأنصرف بعذر ، وذلك أن يعقوب قال : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن حارب وعجز فقد أحيط به ; وقال ابن عباس : وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يرد وجهه مائة ألف ; يقوم شعره في صدره مثل المسال فتنفذ من ثيابه .
وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته - وكان أشدهم غضبا - : إما أن تكفوني الملك ومن معه أكفكم أهل مصر ; وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملك ومن معه ; قالوا : بل اكفنا الملك ومن معه نكفك أهل مصر ، فبعث واحدا من إخوته فعدوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق ، فأخذ كل واحد منهم سوقا ; ثم إن يهوذا دخل على يوسف وقال : أيها الملك !
لئن لم تخل معنا أخانا لأصيحن صيحة لا تبقي في مدينتك حاملا إلا أسقطت ما في بطنها ; وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب ، فأغضبه يوسف وأسمعه كلمة ، فغضب يهوذا واشتد غضبه ، وانتفجت شعراته ; وكذا كان كل واحد من بني يعقوب ; كان إذا غضب ، اقشعر جلده ، وانتفخ جسده ، وظهرت شعرات ظهره ، من تحت [ ص: 212 ] الثوب ، حتى تقطر من كل شعرة قطرة دم ; وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدم البنيان ، وإن صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها ، تماما أو غير تمام ; فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دما ، أو تمسكه يد من نسل يعقوب ; فلما علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد تم وكمل كلم ولدا له صغيرا بالقبطية ، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من حيث لا يراه ; ففعل فسكن غضبه وألقى السيف فالتفت يمينا وشمالا لعله يرى أحدا من إخوته فلم يره ; فخرج مسرعا إلى إخوته وقال : هل حضرني منكم أحد ؟
قالوا : لا !
قال : فأين ذهب شمعون ؟
قالوا : ذهب إلى الجبل ; فخرج فلقيه ، وقد احتمل صخرة عظيمة ; قال : ما تصنع بهذه ؟
قال أذهب إلى السوق الذي وقع في نصيبي أشدخ بها رءوس كل من فيه ; قال : فارجع فردها أو ألقها في البحر ، ولا تحدثن حدثا ; فوالذي اتخذ إبراهيم خليلا !
لقد مسني كف من نسل يعقوب .
ثم دخلوا على يوسف ، وكان يوسف أشدهم بطشا ، فقال : يا معشر العبرانيين !
أتظنون أنه ليس أحد أشد منكم قوة ، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله فدحا به من خلف الجدار - الركل الضرب بالرجل الواحدة ; وقد ركله يركله ; قال الجوهري - ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه لجنبه ، وقال : هات الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم ، ثم صعد على سريره وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه فوضع بين يديه ، ثم نقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا !
قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبي هؤلاء هم ولا غم ولا كرب إلا بسببهم ، ثم نقر نقرة ثانية وقال : إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخا لهم صغيرا فحسدوه ونزعوه من أبيهم ثم أتلفوه ; فقالوا : أيها العزيز !
استر علينا ستر الله عليك ، وامنن علينا من الله عليك ; فنقره نقرة ثالثة وقال إنه يقول : إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجب ، ثم باعوه بيع العبيد بثمن بخس ، وزعموا لأبيهم أن الذئب أكله ; ثم نقره رابعة وقال : إنه يخبرني أنكم أذنبتم ذنبا منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه ; ولم تتوبوا إليه ، ثم نقره خامسة وقال إنه يقول : إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام حتى يرجع فيخبر الناس بما صنعوا ; ثم نقره سادسة وقال إنه يقول : لو كنتم أنبياء أو بني أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم ; لأجعلنكم نكالا للعالمين .
ايتوني بالحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم ، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة وقالوا : لو قد أصبنا أخانا يوسف إذ هو حي لنكونن طوع يده ، وترابا يطأ علينا برجله ; فلما رأى ذلك يوسف من إخوته بكى وقال لهم : اخرجوا عني !
قد خليت سبيلكم إكراما لأبيكم ، ولولا هو لجعلتكم نكالا .
أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم { خَلَصُوا نَجِيًّا } أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فـ { قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ } في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم { وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ } ، فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي.
{ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ } أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها { حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي } أي: يقدر لي المجيء وحدي، أو مع أخي { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ }
( فلما استيئسوا منه ) أي : أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه .
وقال أبو عبيدة : استيئسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم .
( خلصوا نجيا ) أي : خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم .
والنجي يصلح للجماعة كما قال ها هنا ، ويصلح للواحد كقوله : ( وقربناه نجيا ) ( مريم - 52 ) وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل والزور ، ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا ، قال الله تعالى : ( وإذ هم نجوى ) ( الإسراء - 47 ) ، أي : متناجون .
وقال : ( ما يكون من نجوى ثلاثة ) ( المجادلة - 7 ) ، وقال في المصدر ( إنما النجوى من الشيطان ) ( المجادلة - 10 ) .
( قال كبيرهم ) يعني : في العقل والعلم لا في السن .
قال ابن عباس والكلبي : هو يهوذا وهو أعقلهم .
وقال مجاهد : هو شمعون وكانت له الرئاسة على إخوته .
وقال قتادة ، والسدي ، والضحاك : هو روبيل وكان أكبرهم في السن ، وهو الذي نهى الإخوة عن قتل يوسف .
( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ) عهدا .
( من الله ومن قبل ما فرطتم ) قصرتم ( في يوسف ) واختلفوا في محل " ما " ; قيل : هو نصب بإيقاع العلم عليه ، يعني : ألم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف .
وقيل : وهو في محل الرفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله : ( من الله ) ثم قال ( ومن قبل ) هذا تفريطكم في يوسف ] وقيل : ( ما ) صلة .
أي : ومن قبل هذا فرطتم في يوسف .
( فلن أبرح الأرض ) التي أنا بها وهي أرض مصر ( حتى يأذن لي أبي ) بالخروج منها ويدعوني ( أو يحكم الله لي ) برد أخي إلي ، أو بخروجي وترك أخي .
وقيل : أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي .
( وهو خير الحاكمين ) أعدل من فصل بين الناس .
«فلما استيأسوا» يئسوا «منه خلصوا» اعتزلوا «نجيا» مصدر يصلح للواحد وغيره أي يناجي بعضهم بعضا «قال كبيرهم» سنًّا روبيل أو رأيا: يهوذا «ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا» عهدا «من الله» في أخيكم «ومن قبل ما» زائد «فرطتم في يوسف» وقيل ما مصدرية مبتدأ خبره من قبل «فلن أبرح» أفارق «الأرض» أرض مصر «حتى يأذن لي أبي» بالعود إليه «أو يحكم الله لي» بخلاص أخي «وهو خير الحاكمين» أعدلهم.
فلما يئسوا من إجابته إياهم لِمَا طلبوه انفردوا عن الناس، وأخذوا يتشاورون فيما بينهم، قال كبيرهم في السن: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم العهد المؤكد لتردُّنَّ أخاكم إلا أن تُغلبوا، ومن قبل هذا كان تقصيركم في يوسف وغدركم به؛ لذلك لن أفارق أرض "مصر" حتى يأذن لي أبي في مفارقتها، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وأتمكن مِن أَخْذِ أخي، والله خيرُ مَن حَكَمَ، وأعدل مَن فَصَلَ بين الناس.
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ .
.
.
) .وقوله ( استيأسوا ) يئسوا يأساً تاماً فالسين والتاء للمبالغة .و ( خلصوا ) من الخلوص بمعنى الانفراد .و ( نجيا ) حال من فاعل خلصوا .
وهو مصدر أطلق على المتناجين فى السر على سبيل المبالغة .والفاء فى قوله ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ .
.
.
) معطوفة على محذوف يفهم من الكلام .والتقدير : لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم بنيامين ، فلما يئسوا يأساً تاماً من الوصول إلى مطلوبهم ، انفردوا عن الناس ليتشاوروا فيما يفعلونه ، وفيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون إليه ولا يجد معهم " بنيامين " .هذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) من أبلغ الجمل التى اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك الإِمام الثعالبى فى كتاب " الإيجاز والإعجاز " فقد قال : من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإِيجاز ، ويفطن لكفاية الإِيجاز ، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام .ثم قال : فمن ذلك قوله - تعالى - فى إخوة يوسف ( فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً ) وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن ، وأخذهم فى تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث .فتضمنت تلك الكلمات القصيرة ، معانى القصة الطويلة .وقوله : ( قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ .
.
.
) إلخ بيان لما قاله لهم أحدهم خلال تناجيهم مع بعهضم فى عزلة عن الناس .ولم يذكر القرآن اسم كبيرهم ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض منهم ، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد به " روبيل " لأنه أسنهم ، وذكر بعضهم أنه " يهوذا " لأنه كبيرهم فى العقل .
.أى : وحين اختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا فى أمرهم بعد أن احتجز عزيز مصر أخاهم بنيامين ، قال لهم كبيرهم :( أَلَمْ تعلموا ) وأنتم تريدون الرجعو إلى أبيكم وليسم معكم " بنيامين " .( أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) عندما أرسله معكم ، بأن تحفظوا عليه ، وأن لا تعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم .وألم تعلموا كذلك أنكم فى الماضى قد فرطتم وقصرتم فى شأن يوسف ، حيث عاهدتم أباكم على حفظه ، ثم ألقيتم به فى الجب .والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ تعلموا .
.
.
) للتقرير ، أى : لقد علمتم علما يقينا بعهد أبيكم عليكم بشأن بنيامين ، وعلمت علما يقينا بخيانتكم لعهد أبيكم فى شأن يوسف ، فبأى وجه ستعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوكم بنيامين؟قال الشوكانى : قوله : ( أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله ) أى عهدا من الله - تعالى - بحفظ ابنه ورده إليه .
ومعنى كونه من الله : أنه بإذنه .وقوله ( وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ) معطوف على ما قبله .
والتقدير : ألم تعلموا أن أباكم .
.
.
وتعلموا تفريطكم فى يوسف ، فقوله ( وَمِن قَبْلُ ) متعلق بتعلموا .أى : تعلموا تفريطكم فى يوسف من قبل .
على أن ما مصدرية .وقوله ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي .
.
.
) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق أرض مصر ( حتى يَأْذَنَ لي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين ( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي .
.
) حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .أى : قال كبير إخوة يوسف لهم : لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم ، فانظروا فى أمركم ، أما أنا ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ) أى : فلن أفارق مصر ( حتى يَأْذَنَ لي أبي ) بمفارقتها ، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن أخى بنيامين .
( أَوْ يَحْكُمَ الله لِي ) بالخروج منها وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض الميقا مع أبى ( وهو ) - سبحانه - ( خَيْرُ الحاكمين ) لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنهم لما قالوا: ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه: ﴿ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ ﴾ فانقطع طمعهم من يوسف عليه السلام في رده، فعند هذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ وهو مبالغة في يأسهم من رده ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون ولا شبهة أن المراد يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه، لأنهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه إلى أبيهم لحصلت محن كثيرة: أحدها: أنه لو لم يعودوا إلى أبيهم وكان شيخاً كبيراً فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة.
وثانيها: أن أهل بيتهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة.
وثالثها: أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية وذلك غم شديد ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فإن ظاهر الأمر يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول، ولكان يوهم أيضاً أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع فكرة وحيرة، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلباً للأصلح الأصوب فهذا هو المراد من قوله: ﴿ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ .
المسألة الثانية: قال الواحدي روي عن ابن كثير استياسوا ﴿ حتى إِذَا استيئس الرسل ﴾ بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ويحسب ومن قال استيأس قلب العين إلى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ثم خففت الهمزة.
قال صاحب الكشاف: استيأسوا يئسوا، وزيادة السين والتاء للمبالغة كما في قوله: ﴿ استعصم ﴾ وقوله: ﴿ مِنْهُ خَلَصُواْ ﴾ قال الواحدي: يقال خلص الشيء يخلص خلوصاً إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ثم فيه وجهان: الأول: قال الزجاج خلصوا أي انفردوا، وليس معهم أخوهم، والثاني: قال الباقون تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر.
وأما قوله: ﴿ نَجِيّاً ﴾ فقال صاحب الكشاف: النجي على معنيين يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل: النجوى بمعنى المتناجين، فعلى هذا معنى ﴿ خَلَصُواْ نَجِيّا ﴾ اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم ﴿ نَجِيّاً ﴾ أي مناجياً.
روي ﴿ نجوى ﴾ أي فوجاً ﴿ نَجِيّاً ﴾ أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً، وأحسن الوجوه أن يقال: إنهم تمحضوا تناجياً، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار غير ذلك الشيء، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم، صاروا نفس التناجي حقيقة.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ فقيل المراد كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في العقل وهو يهودا، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف، ثم حكى تعالى عن هذا الكبير أنه قال: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما قال يوسف عليه السلام: ﴿ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ ﴾ غضب يهودا، وكان إذا غضب وصاح فلا تسمع صوته حامل إلا وضعت ويقوم شعره على جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا وقالوا: إن أبانا قد أخذ علينا موثقاً عظيماً من الله.
وأيضاً نحن متهمون بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة.
المسألة الثانية: لفظ ما في قوله: ﴿ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ فيها وجوه: الأول: أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام، ولم تحفظوا عهد أبيكم.
الثاني: أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو من قبل.
ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف.
الثالث: النصب عطفاً على مفعول ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ والتقدير: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف.
الرابع: أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة، ومحله الرفع والنصب على الوجهين المذكورين، ثم قال: ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الارض ﴾ أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف إليه أو يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف ممن أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين، لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو غيره قاله انقطاعاً إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ استيأسوا ﴾ يئسوا.
وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في استعصم.
والنجي على معنيين: يكون بمعنى المناجي، كالعشير والسمير بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ [مريم: 52] وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل النجوى بمعناه.
ومنه قيل: قوم نجى، كما قيل ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى ﴾ [الإسراء: 47] تنزيلا للمصدر منزلة الأوصاف.
ويجوز أن يقال: هم نجى، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية.
قال: إنِّي إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنجِيَهْ ومعنى ﴿ خَلَصُواْ ﴾ اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم ﴿ نَجِيّاً ﴾ ذوي نجوى أو فوجا نجياً، أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً.
وأحسن منه أنهم تمحضوا تناجياً؛ لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه بجدّ واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، على أيّ صفة يذهبون؟
وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟
كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور ﴿ كَبِيرُهُمْ ﴾ في السنّ وهو روبيل.
وقيل: رئيسهم وهو شمعون: وقيل كبيرهم في العقل والرأي وهو يهوذا ﴿ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ فيه وجوه: أن تكون (ما) صلة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم.
وأن تكون مصدرية، على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف.
أو النصب عطفاً على مفعول ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ وهو ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل في يوسف، وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي قدّمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى ﴾ في الانصراف إليه ﴿ أَوْ يَحْكُمَ الله لِى ﴾ بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ﴾ لأنه لا يحكم أبداً إلا بالعدل والحق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ إيّاهم، وزِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ خَلَصُوا ﴾ انْفَرَدُوا واعْتَزَلُوا.
﴿ نَجِيًّا ﴾ مُتَناجِينَ، وإنَّما وحَّدَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ بِزِنَتِهِ كَما قِيلَ هو صِدِّيقٌ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ كَنَدِيٍّ وأنْدِيَةٍ.
﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، أوْ في الرَّأْيِ وهو شَمْعُونُ وقِيلَ يَهُوذا.
﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وأنَّما جَعَلَ حَلِفَهم بِاللَّهِ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ بِإذْنٍ مِنهُ وتَأْكِيدٍ مِن جِهَتِهِ.
﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ ومِن قَبْلِ هَذا.
﴿ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، و ﴿ ما ﴾ مَزِيدَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَعْلَمُوا، ولا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، أوْ عَلى اسْمِ ﴿ أنَّ ﴾ وخَبَرُهُ في ﴿ يُوسُفَ ﴾ أوْ (مِن قَبْلُ) أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ (مِن قَبْلُ) وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ ﴿ قَبْلُ ﴾ إذا كانَ خَبَرًا أوْ صِلَةً لا يُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ حَتّى لا يَنْقُصَ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: ما فَرَّطْتُمُوهُ بِمَعْنى ما قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الجِنايَةِ ومَحَلُّهُ ما تَقَدَّمَ.
﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ.
﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ في الرُّجُوعِ.
﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾ أوْ يَقْضِيَ لِي بِالخُرُوجِ مِنها، أوْ بِخَلاصِ أخِي مِنهم أوْ بِالمُقاتَلَةِ مَعَهم لِتَخْلِيصِهِ.
رُوِيَ: أنَّهم كَلَّمُوا العَزِيزَ في إطْلاقِهِ فَقالَ رُوبِيلُ: أيُّها المَلِكُ واللَّهِ لَتَتْرُكْنا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً تَضَعُ مِنها الحَوامِلُ، ووَقَفَتْ شُعُورُ جَسَدِهِ فَخَرَجَتْ مِن ثِيابِهِ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ: قُمْ إلى جَنْبِهِ فَمِسَّهُ، وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا غَضِبَ أحَدُهم فَمَسَّهُ الآخَرُ ذَهَبَ غَضَبُهُ.
فَقالَ رُوبِيلُ مَن هَذا إنَّ في هَذا البَلَدِ لَبَزْرًا مَن بَزْرِ يَعْقُوبَ.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ لِأنَّ حُكْمَهُ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
{فَلَمَّا استيأسوا} يئسوا وزيادة السين والتاء للمبالغة كما مر في استعصم {مِنْهُ} من يوسف وإجابته إياهم {خَلَصُواْ} انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم {نَجِيّاً} ذوي نجوى أو فوجاً نجيا أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً أو تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه بجد واهتمام كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته فالنجيُّ يكون بمعنى المناجي كالسمير بمعنى المسامر وبمعنى المصدر الذي هو التناجي وكان تناجيهم في تدير أمرهم على أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم {قَالَ كَبِيرُهُمْ} في السن وهو روبين أو في العقل والرأي وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون {أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ} ما صلة أي ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم أو مصدرية ومحل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف وهو من قبل ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض} فلن أفارق أرض مصر {حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى} في الانصراف إليه {أَوْ يَحْكُمَ الله لِى} بالخروج منها أو بالموت أو
يوسف (٨٠ _ ٨٤)
بقتالهم {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} لأنه لا يحكم إلا بالعدل
﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإجابَتُهُ لَهم وإلى مُرادِهِمْ فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ سَخِرَ واسْتَسْخَرَ وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ السِّينَ والتّاءَ زائِدَتانِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ يَئِسُوا يَأْسًا كامِلًا لِأنَّ المَطْلُوبَ المَرْغُوبَ مُبالَغٌ في تَحْصِيلِهِ ولَعَلَّ حُصُولَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَأْسِ لَهم لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ ومِن تَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا إذًا لَظالِمُونَ ﴾ .
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْا خُرُوجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ وكانُوا قَدْ أفْتَوْا بِما أفْتَوْا تَذَكَّرُوا عَهْدَهم مَعَ أبِيهِمُ اسْتَشاطَ مِن بَيْنِهِمْ رُوبِيلُ غَضَبًا وكانَ لا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ لَتَتْرُكَنَّ أخانا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا يَبْقِينَ بِها في مِصْرَ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إلى هَذا فَمِسَّهُ أوْ خُذْ بِيَدِهِ وكانَ إذا مَسَّهُ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْكُنُ غَضَبُهُ فَلَمّا فَعَلَ الوَلَدُ سَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ لِإخْوَتِهِ: مَن مَسَّنِي مِنكم فَقالُوا: ما مَسَّكَ أحَدٌ مِنّا فَقالَ: لَقَدْ مَسَّنِي ولَدٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ لِإخْوَتِهِ كَمْ عَدَدُ الأسْواقِ بِمِصْرَ قالُوا: عَشْرَةٌ قالَ: اكْفُونِي أنْتُمُ الأسْواقَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ أوِ اكْفُونِي أنْتُمُ المَلِكَ أوِ وأنا أكْفِيكُمُ الأسْواقَ فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ قامَ إلَيْهِ وأخَذَ بِتَلابِيبِهِ وصَرَعَهُ وقالَ: أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العِبْرانِيِّينَ تَزْعُمُونَ أنْ لا أحَدَ أشَدَّ مِنكم قُوَّةً فَعِنْدَ ذَلِكَ خَضَعُوا وقالُوا: ﴿ يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ ..
إلَخْ ويُمْكِنُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حُصُولُ اليَأْسِ الكامِلِ لَهم مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ ﴿ مِنهُ ﴾ لِبِنْيامِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لَمْ يَيْأسُوا مِنهُ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِ كَبِيرِهِمْ لِأجْلِهِ ورَوى أبُو رَبِيعَةَ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ( اسْتَآيَسُوا ) مِن أيِسَ مَقْلُوبِ يَئِسَ ودَلِيلُ القَلْبِ عَلى ما في البَحْرِ عَدَمُ انْقِلابِ ياءِ أيِسَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها وحاصِلُ المَعْنى لَمّا انْقَطَعَ طَمَعُهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿ خَلَصُوا ﴾ انْفَرَدُوا عَنْ غَيْرِهِمْ واعْتَزَلُوا النّاسَ.
وقَوْلُ الزَّجّاجِ: انْفَرَدَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ فِيهِ نَظَرٌ ﴿ نَجِيًّا ﴾ أيْ مُتَناجِينَ مُتَشاوِرِينَ فِيما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وحَّدَهُ وكانَ الظّاهِرُ جَمْعَهُ لِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ كالتَّناجِي أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ وكَعَشِيرٍ بِمَعْنى مُعاشِرٍ أيْ مُناجٍ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَكُونُونَ مُتَناجِينَ وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ قالَ لَبِيَدٌ: وشَهِدَتْ أنْجِيَةُ الخِلافَةِ عالِيًا كَعْبَيْ وأرْدافَ المُلُوكِ شُهُودُ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ: إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ∗∗∗ واضْطَرَبُوا مِثْلَ اضْطِرابِ الأرْشِيَهْ هُناكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيهْ.
وهُوَ عَلى خِلافِ القِياسِ إذْ قِياسُهُ في الوَصْفِ أفْعِلاءُ كَغَنِيٍّ وأغْنِياءَ ﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ أيْ رَئِيسُهم وهو شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ أوْ كَبِيرُهم في العَقْلِ وهو يَهُوذا قالَهُ وهْبٌ والكَلْبِيُّ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ لاوى ﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا ﴾ كَأنَّهم أجْمَعُوا عِنْدَ التَّناجِي عَلى الِانْقِلابِ جُمْلَةً ولَمْ يَرْضَ بِهِ فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ عَهْدًا يُوثَقُ بِهِ وهو حَلِفُهم بِاللَّهِ تَعالى وكَوْنُهُ مِنهُ تَعالى لِأنَّهُ بِإذْنِهِ فَكَأنَّهُ صَدَرَ مِنهُ تَعالى أوْ هو مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ فَـ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ ﴿ ومِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ وقَدْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ و( ما ) مَزِيدَةٌ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ وهَذا عَلى ما قِيلَ أحْسَنُ الوُجُوهِ في الآيَةِ وأسْلَمُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّ المَصْدَرِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿ تَعْلَمُوا ﴾ أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم مَوْثِقًا عَلَيْكم وتَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ وفي جَوازِهِما خِلافٌ لِلنُّحاةِ والصَّحِيحُ الجَوازُ خُصُوصًا بِالظَّرْفِ المُتَوَسَّعِ فِيهِ وقِيلَ: بِجَوازِ العَطْفِ عَلى اسْمِ ( أنَّ ) ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى خَبَرٍ لِأنَّ الخَبَرَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَهُ فَهو ﴿ فِي يُوسُفَ ﴾ أوْ ( مِن قَبْلُ ) عَلى مَعْنى ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ تَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ وقَعَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ أنَّ تَفْرِيطَكُمُ الكائِنَ أوْ كائِنًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَ مِن قَبْلُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ إنَّما هو الإخْبارُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ التَّفْرِيطِ لا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ السّابِقُ واقِعًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو مُفادُ الأوَّلِ ولا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ الكائِنُ في شَأْنِهِ واقِعًا مِن قَبْلُ كَما هو مُفادُ الثّانِي.
وفِيهِ أيْضًا ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الغاياتِ لا تَقَعُ خَبَرًا ولا صِلَةً ولا صِفَةً ولا حالًا وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ سَواءً جَرَتْ أمْ لَمْ تَجْرِ فَنَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ ولا تَقُولُ والسَّفَرُ بَعْدُ وأجابَ عَنْهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالمُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ فَيَنْبَغِي الجَوازُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ورُدَّ بِأنَّ جَوازَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ في الغاياتِ مَشْرُوطٌ بِقِيامِ القَرِينَةِ عَلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فَدَلَّ عَلى أنَّ الِامْتِناعَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ ما ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: إنَّها تَقَعُ صِفاتٍ وأخْبارًا وصِلاتٍ وأحْوالًا ونُقِلَ هَذا الإعْرابُ المَذْكُورُ هُنا عَنِ الرُّمّانِيِّ وغَيْرِهِ واسْتُشْهِدَ لَهُ بِما يُثْبِتُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ ثُمَّ إنَّ في تَعَرُّفِها بِالإضافَةِ بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ يُعُيِّنُهُ الكَلامُ السّابِقُ عَلَيْها اخْتِلافًا والمَشْهُورُ أنَّها مَعارِفُ وقالَ بَعْضُهم: نَكِراتٌ وإنَّ التَّقْدِيرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والفاضِلُ صاحِبُ الدُّرِّ سَلَكَ مَسْلَكًا حَسَنًا وهو أنَّ المُضافَ إلَيْهِ إذا كانَ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا مُعَيَّنًا صَحَّ الإخْبارُ لِحُصُولِ الفائِدَةِ فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأنْ قامَتْ قَرِينَةُ العُمُومِ دُونَ الخُصُوصِ وقُدِّرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ الإخْبارُ ونَحْوَهُ إذْ ما شَيْءٌ إلّا وهو قَبْلَ شَيْءٍ ما فَلا فائِدَةَ في الإخْبارِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْرِفَةً ونَكِرَةً ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الرَّضِيِّ مَعَ أنَّ كَلامَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ انْتَهى وهو كَما قالَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ وقِيلَ: مَحَلُّ مَصْدَرِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ( مِن قَبْلُ ) وفِيهِ البَحْثُ السّابِقُ وقِيلَ: ﴿ ما ﴾ مَوْصُولَةٌ ومَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وجُمْلَةُ ﴿ فَرَّطْتُمْ ﴾ صِلَتُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيطُ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ مِنَ الفَرْطِ لا بِمَعْنى التَّقْصِيرِ أيْ ما قَدَّمْتُمُوهُ مِنَ الجِنايَةِ.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مِن قَبْلُ ) تَكْرارًا فَإنْ جُعِلَ خَبَرًا يَكُونُ الكَلامُ غَيْرَ مُفِيدٍ وإنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِالصِّلَةِ يَلْزَمُ مَعَ التَّكْرارِ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ وهو غَيْرُ جائِزٍ وقِيلَ: ( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ومَحَلُّها ما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى ما ذَكَرَهُ وذَكَرَ بِهِ و( بَرَحَ ) تامَّةٌ وتُسْتَعْمَلُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ كَما في قَوْلِهِمْ: بَرَحَ الخَفاءُ وقَدْ ضُمِّنَتْ هُنا مَعْنى فارَقَ فَنُصِبَتِ الأرْضُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّ الأرْضَ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنِ المُتَكَلِّمِ هُنا ولَيْسَتْ مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا بِنَزْعِ الخافِضِ وعَنى بِها أرْضَ مِصْرَ أيْ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ جَرْيًا عَلى قَضِيَّةِ المِيثاقِ ﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ فِي البَراحِ بِالِانْصِرافِ إلَيْهِ ﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾ بِالخُرُوجِ مِنها عَلى وجْهٍ لا يُؤَدِّي إلى نَقْضِ المِيثاقِ أوْ بِخَلاصِ أخِي بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ قالَ في البَحْرِ: إنَّهُ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ خاصَّةٌ وهي إذْنُ أبِيهِ وعامَّةٌ وهي حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لَهُ وكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ غَيّا بِالأُولى رَجَعَ وفَوَّضَ الأمْرَ إلى مَن لَهُ الحُكْمُ جَلَّ شَأْنُهُ وأرادَ حُكْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ عُذْرًا لَهُ ولَوِ المَوْتُ والظّاهِرُ أنَّ أحَبَّ الغايَتَيْنِ إلَيْهِ الأُولى فَلِذا قَدَّمَ ﴿ لِي ﴾ فِيها وأخَّرَهُ في الثّانِيَةِ فَلِيُفْهَمْ ﴿ وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ .
(80) .
إذْ لا يَحْكُمُ سُبْحانَهُ إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يعني: ضعيفاً حزيناً على ابن له مفقود فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ رهناً إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إن فعلت ذلك إلينا، فقد أحسنت إلينا الإحسان كله.
ويقال: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى من أتاك من الآفاق فأحسن إلينا.
فقال يوسف : قالَ مَعاذَ اللَّهِ يعني: أعوذ بالله أَنْ نَأْخُذَ رهناً إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ لو أخذنا غيره.
قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يعني: أيسوا من بنيامين أن يرد عليهم، ويقال: أيسوا من الملك أن يقضي حاجتهم خَلَصُوا نَجِيًّا يعني: اعتزلوا يتناجون بينهم، ليس فيهم غيرهم.
قالَ كَبِيرُهُمْ يعني: كبيرهم في العقل وهو يهوذا.
ولم يكن أكبرهم في السن، وهذا في رواية الكلبي ومقاتل.
وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي: أعلمهم وهو شمعون، وكان رئيسهم.
وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي كَبِيرُهُمْ في السن روبيل، وهو الذي أشار إليهم ألا يقتلوه أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: عهداً من الله في هذا الغلام لَتَأْتُنَّنِي بِهِ أي: لتردنه إليَّ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ يعني: ما تركتم وضيعتم العهد في أمر يوسف من قبل هذا الغلام فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يعني: فلن أترك أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أي: حتى يبعث إليَّ أحداً أن آتيه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي فيرد عليّ أخي بنيامين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يعني: أعدل العادلين، وأفصل الفاصلين.
وروى أسباط، عن السدي.
أنه قال: كان بنو يعقوب إذا غضبوا، لم يطاقوا.
فغضب روبيل، فقال: أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا تبقى امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها، وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه.
وقال ابن عباس: «كان يهوذا إذا غضب وصاح، لم تسمع صوته امرأة حامل إلا وضعت حملها، وتقوم كل شعرة في جسده، فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فيسكن.
فقال يوسف لابن له صغير: اذهب وضع يدك عليه، فذهب ووضع يده عليه، فسكن غضبه، فقال: إن في هذا الدار أحداً من آل يعقوب» .
ثم قال لإخوته: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ يعني: قال يهوذا فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ أي: سرق الصواع، يعني: إناء الملك.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ بضم السين وكسر الراء مع التشديد، يعني: اتهم بالسرقة وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي: وما قلنا إلا ما رأينا حين أخرج من رحله وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ يعني: وما كنا نرى أنه سرق، ولو علمنا ما ذهبنا به.
ويقال: إنا لم نطلع على أنه سرق، ولكنهم سرّقوه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ...
الآية: الظاهر منه أنه قالها إِفصاحاً كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً: أي: لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام، وقالتْ فرقة: لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد: قال في نَفْسِهِ: أنتم شرُّ مكاناً، وذكر الطبريُّ هنا قصصاً اختصاره أنَّه لما استخرجت السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته:
يا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ: بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا: لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال: إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال: أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا اختصاره.
وروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ: لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا/ يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا من قوّته ما استعظموه، وقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ...
الآية، وخاطبوه باسم العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازاً، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...
الآية.
وقوله سبحانه: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ...
الآية: يقال: يَئِسَ واستيأس بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ
وأَنْجِيَة انتهى.
وقال الهَرَوِيُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: أي تميّزوا عن الناس متناجين انتهى.
وكَبِيرُهُمْ: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم «١» ، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم «٢» ، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ «٣» ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] .
وقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ: قال: ص: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب» ، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فاحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق» ، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح» : ناقصةٌ انتهى.
وقوله: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فاقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ» ، وروي عن الكسائي «٤» وغيره:
«سُرِقَ» - ببنائه للمفعول-.
وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: أي: باعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر قاله ابن عباس «٥» ، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: سَوَّلَتْ: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ:
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأرض،
ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر أنه يدعو له برؤْية ابنه.
وقوله سبحانه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه: وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.
قال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب:
يا أَسَفى «١» .
قال ع «٢» : والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً نحو:
يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع الاسترجاع، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام/ حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، فَهُوَ كَظِيمٌ بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه.
ت وهذا ينظر إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يرضي الرّبّ ...
» الحديث، ذكر هذا صلّى الله عليه وسلّم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم «٤» ، قال ابن المبارِك في «رقائقه» : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً «٥» انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّه قال في ابنه إِبراهيم: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» ، وقال أيضا في الصحيح صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» «٦» انتهى.
خرَّجه البخاريُّ وغيره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ أيْ: أيِسُوا.
وَفِي هاءِ " مِنهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، فالمَعْنى: يَئِسُوا مِن يُوسُفَ أنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ أخِيهِمْ.
والثّانِي: إلى أخِيهِمْ، فالمَعْنى: يَئِسُوا مِن أخِيهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ أيِ: اعْتَزَلُوا النّاسَ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم، يَتَناجَوْنَ ويَتَناظَرُونَ ويَتَشاوَرُونَ، يُقالُ: قَوْمٌ نَجِيٌّ، والجُمَعُ أنْجِيَةٌ، قالَ الشّاعِرُ: إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ واضْطَرَبَتْ أعْناقُهم كالأرْشِيَهْ وَإنَّما وحَّدَ " نَجِيًّا " لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: انْفَرَدُوا مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَبِيرُهم في العَقْلِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، ولَمْ يَكُنْ أكْبَرَهم سِنًّا، وإنَّما كانَ أكْبَرَهم سِنًّا رُوبِيلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ في حِفْظِ أخِيكم ورَدِّهِ إلَيْهِ ﴿ وَمِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " ما " في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: ومِن قَبْلِ هَذا تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها نَصْبًا، المَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا هَذا، وتَعْلَمُوا مِن قَبْلُ تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، وإنْ شِئْت جَعَلْتَ " ما " صِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: ومِن قَبْلُ فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أجْوَدُ الوُجُوهِ، أنْ تَكُونَ " ما " لَغْوًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ أيْ: لَنْ أخْرُجَ مِن أرْضِ مِصْرَ، يُقالُ: بَرِحَ الرَّجُلُ بَراحًا: إذا تَنَحّى عَنْ مَوْضِعِهِ.
﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى يَبْعَثَ إلَيَّ أنْ آتِيَهُ، ﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، فَيَرُدَّ أخِي عَلَيَّ.
والثّانِي: يَحْكُمُ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ، فَأُحارِبُ مَن حَبَسَ أخِي.
والثّالِثُ: يَقْضِي في أمْرِي شَيْئًا، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وأفْضَلُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " سُرِّقَ " بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وما شَهِدْنا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ إلّا بِما عَلِمْنا، لِأنّا رَأيْنا المَسْرُوقَ في رَحْلِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إلّا بِما عَلِمْنا مِن دِينِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الغَيْبَ هو اللَّيْلُ، والمَعْنى: لَمْ نَعْلَمْ ما صُنِعَ بِاللَّيْلِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التُّهْمَةَ وقَعَتْ بِهِ لَيْلًا.
والثّانِي: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمَعْنى: لَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ أنَّهُ يَسْرِقُ فَيُؤْخَذُ.
والثّالِثُ: لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَحْفَظَهُ فَلا يَسْرِقَ، رَواهُ عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: لَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ سَرَقَ لِلْمَلِكِ شَيْئًا، ولِذَلِكَ حَكَمْنا بِاسْتِرْقاقِ السّارِقِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ رَأيْنا السَّرِقَةَ قَدْ أُخِذَتْ مِن رَحْلِهِ، ولا عِلْمَ لَنا بِالغَيْبِ فَلَعَلَّهم سَرَقُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: ما كُنّا لِغَيْبِ ابْنِكَ حافِظِينَ، إنَّما نَقْدِرُ عَلى حِفْظِهِ في مَحْضَرِهِ، فَإذا غابَ عَنّا، خَفِيَتْ عَنّا أُمُورُهُ.
والسّابِعُ: لَوْ عَلِمْنا مِنَ الغَيْبِ أنَّ هَذِهِ البَلِيَّةَ تَقَعُ بِابْنِكَ ما سافَرْنا بِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّامِنُ: لَمْ نَعْلَمْ أنَّك تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ، ولَوْ عَلِمْنا لَمْ نَذْهَبْ بِهِ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ مَعاذَ اللهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أو يَحْكُمَ اللهِ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ خاطَبُوهُ بِاسْمِ العَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ اللَحْظَةِ بِعَزْلِ الأوَّلِ أو مَوْتِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بَدَلَ مَن أحْكَمَتِ السُنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: "اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا"، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنْ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: "مَعاذَ اللهِ" لِأنَّهُ تَعَوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ -وَهم أنْبِياءُ- أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الحَمالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ، ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ، فَمَنَعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذَلِكَ؛ إذِ الحَمالَةُ في الحُدُودِ ونَحْوِها بِمَعْنى إحْضارُ المَضْمُونِ جائِزَةٌ مَعَ التَراضِي غَيْرَ لازِمَةٍ إذا أبى الطالِبُ، وأمّا الحَمالَةُ في مِثْلِ هَذا -عَلى أنْ يَلْزَمَ الحَمِيلَ ما كانَ يَلْزَمُ المَضْمُونَ مِن عُقُوبَةٍ- فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إجْماعًا، وفي "الواضِحَةِ" أنَّ الحَمالَةَ بِالوَجْهِ فَقَطْ في جَمِيعِ الحُدُودِ جائِزَةٌ إلّا في النَفْسِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا وصْفَهُ بِما رَأوهُ مِن إحْسانِهِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ مَعَهم ومَعَ غَيْرِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا: إنّا نَرى لَكَ إحْسانًا عَلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الفِعْلِ مَعَهُ، والظُلْمُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمُونَ" عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ هو وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا أيْأسَهم بِلَفْظِهِ هَذا قالَ لَهُمْ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَلامَ، وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ ألّا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ الآيَةُ.
يُقالُ: يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْتَسْخِرُونَ"، وكَما يُقالُ: عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أناتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ ومِنهُ: نَوِكَ واسْتَنْوَكَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ الشاعِرِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ: .............................
واسْتَنْوَكَتْ ولِلشَّبابِ نُوكُ.
وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اسْتايَسُوا" و"لا تايَسُوا" و"لا يايَسُ" و"حَتّى إذا اسْتايَسَ الرُسُلُ"، أصْلُهُ: اسْتَأْيَسُوا "اسْتَفْعَلُوا" مِن "أيِسَ" عَلى قَلْبِ الفِعْلِ مَن "يَئِسَ" إلى "أيِسَ"، ولَيْسَ هَذا كَجَذَبَ وجَبَذَ، بَلْ هَذانِ أصْلانِ والأوَّلُ قَلْبٌ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِن "يَئِسَ وأيِسَ" واحِدٌ وهو "اليَأْسُ"، ولِجَذَبَ وجَبَذَ مَصْدَرانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ مَعْناهُ: انْفَرَدُوا عن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَجِيُّ لَفَظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوى، واحِدًا أو جَماعَةً، أو مُؤَنَّثًا أو مُذَكَّرًا، فَهو مِثْلُ عَدُوٍّ وعَدْلٍ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ، قالَ لَبِيَدُ: وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ و"كَبِيرُهُمْ" قالَ مُجاهِدٌ: هو شَمْعُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرُهم رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وإنْ كانَ رُوبِيلُ أسَنَّهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّهُمْ، وهَذا أظْهَرُ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وقالَ كَبِيرُهم في العِلْمِ، وذَكَّرَهم أخُوهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ ما فَرَّطْتُمْ ﴾ ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" صِلَةً في الكَلامِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ قَوْلُهُ: ﴿ فِي يُوسُفَ ﴾ ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٌّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿ ما فَرَّطْتُمْ ﴾ ، وإنَّما تَكُونُ -عَلى هَذا- مَصْدَرِيَّةً، التَقْدِيرُ: "مِن قَبْلِ تَفْرِيطِكم في يُوسُفَ واقِعٌ أو مُسْتَقِرٌّ"، وبِهَذا المُقَدَّرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ .
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا، عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: "وَتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكُمْ" أو "وَتَعْلَمُوا الَّذِي فَرَّطْتُمْ"، فَيَصِحُّ -عَلى هَذا الوَجْهِ- أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ ، أرادَ أرْضَ القُطْرِ والمَوْضِعِ الَّذِي نالَهُ فِيهِ المَكْرُوهُ المُؤَدِّي إلى سُخْطِ أبِيهِ، والمَقْصِدُ بِهَذا اللَفْظِ التَحْرِيجُ عَلى نَفْسِهِ والتِزامُ التَضْيِيقِ، كَأنَّهُ سَجَنَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القُطْرِ لِيُبْلِيَ عُذْرًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَحْكُمَ اللهُ لِي ﴾ لَفْظٌ عامٌّ بِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَرُدَّهُ مِنَ القَدَرِ كالمَوْتِ أوِ النُصْرَةِ وبُلُوغِ الأمَلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أو يَحْكُمُ اللهُ لِي بِالسَيْفِ، ونُصِبَ "يَحْكُمَ" بِالعَطْفِ عَلى "يَأْذَنَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أو" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "إلّا أنْ"، كَما تَقُولُ: "لَألْزَمْنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، فَتَنْصِبُ عَلى هَذا "يَحْكُمَ" بِـ"أو".
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ بَكى وقالَ: "يا بَنِيَّ، ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتَهَنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ".
<div class="verse-tafsir"
﴿ استيأسوا ﴾ بمعنى يئسوا فالسين والتاء للتأكيد، ومثلها ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ [سورة يوسف: 34] واستعصَم } .
واليأس منه: اليأس من إطلاقه أخاهم، فهو من تعليق الحكم بالذات.
والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام للمبالغة.
وقرأ الجمهور ﴿ استيأسوا ﴾ بتحتية بعد الفوقية وهمزة بعد التحتية على أصل التصريف.
وقرأه البزي عن ابن كثير بخلف عنه بألف بعد الفوقية ثم تحتية على اعتبار القلب في المكان ثم إبدال الهمزة.
و ﴿ خلصوا ﴾ بمعنى اعتزلوا وانفردوا.
وأصله من الخلوص وهو الصفاء من الأخلاط.
ومنه قول عبد الرحمان بن عوف لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في آخر حجة حجّها حيث عزم عمر رضي الله عنه على أن يخطب في الناس فيحذرهم من قوم يريدون المزاحمة في الخلافة بغير حق، قال عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين إن المَوسم يجمع رَعاع الناس فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه...» إلخ.
والنجيّ: اسم من المناجاة، وانتصابه على الحال.
ولما كان الوصف بالمصدر يلازم الإفراد والتذكير كقوله تعالى: ﴿ وإذْ هم نجوى ﴾ .
والمعنى: انفردوا تناجيا.
والتناجي: المحادثة سراً، أي متناجين.
وجملة ﴿ قال كبيرهم ﴾ بدل من جملة ﴿ خلصوا نجيا ﴾ وهو بدل اشتمال، لأن المناجاة تشتمل على أقوال كثيرة منها قَول كبيرهم هذا، وكبيرهم هو أكبرهم سناً وهو رُوبين بِكرُ يعقوب عليه السلام.
والاستفهام في ﴿ ألم تعلموا ﴾ تقريري مستعمل في التذكير بعدم اطمئنان أبيهم بحفظهم لابنه.
وجملة ﴿ ومن قبل ما فرطتم ﴾ جملة معترضة.
و ﴿ ما ﴾ مصدرية، أي تفريطكم في يوسف عليه السلام كان من قبل المَوثق، أي فهو غير مصدقكم فيما تخبرون به من أخذ بنيامين في سرقة الصُّوَاع.
وفرع عليه كبيرهم أنه يبقى في مصر ليكون بقاؤه علامة عند يعقوب عليه السلام يعرف بها صدقهم في سبب تخلف بنيامين، إذ لا يرضى لنفسه أن يبقى غريباً لولا خوفه من أبيه، ولا يرضى بقية أشقائه أن يكيدوا له كما يكيدون لغير الشقيق.
وقوله: ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ ترديد بين ما رسمه هو لنفسه وبين ما عسى أن يكون الله قد قدره له مما لا قبل له بدفعه، فحذف متعلّق ﴿ يحكم ﴾ المجرور بالباء لتنزيل فعل ﴿ يحكم ﴾ منزلة ما لا يطلب متعلقاً.
واللام للأجل، أي يحكم الله بما فيه نفعي.
والمراد بالحكم التقدير.
وجملة ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ تذييل.
و ﴿ خير الحاكمين ﴾ إن كان على التعميم فهو الذي حكمه لا جور فيه أو الذي حكمه لا يستطيع أحد نقضه، وإن كان على إرادة وهو خير الحاكمين لي فالخبر مستعمل في الثناء للتعريض بالسؤال أن يقدر له ما فيه رأفة في رد غربته.
وعدم التعرّض لقول صدَر من بنيامين يدافع به عن نفسه يدل على أنه لازم السكوت لأنه كان مطلعاً على مراد يوسف عليه السلام من استبقائه عنده، كما تقدم في قوله: ﴿ آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك ﴾ [يوسف: 69].
ثم لقنّهم كبيرهم ما يقولون لأبيهم.
ومعنى وما كنا للغيب حافظين} احتراس من تحقق كونه سرق، وهو إما لقصد التلطف مع أبيهم في نسبة ابنه إلى السرقة وإما لأنهم علموا من أمانة أخيهم ما خالجهم به الشك في وقوع السرقة منه.
والغيب: الأحوال الغائبة عن المرء.
والحفظ: بمعنى العلم.
وسؤال القرية مجاز عن سؤال أهلها.
والمراد بها مدينة مصر.
والمدينة والقرية مترادفتان.
وقد خصت المدينة في العرف بالقرية الكبيرة.
والمراد بالعير التي كانوا فيها رفاقهم في عيرهم القادمين إلى مصر من أرض كنعان، فأما سؤال العير فسهل وأما سؤال القرية فيكون بالإرسال أو المراسلة أو الذهاب بنفسه إن أراد الاستثبات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن رَدِّ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: اسْتَيْقَنُوا أنَّهُ لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: أقُولُ لَها بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسَ زَهْدَمِ ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ يَتَناجَوْنَ ويَتَشاوَرُونَ لا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهم.
﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في العَقْلِ والعِلْمِ وهو شَمْعُونُ الَّذِي كانَ قَدِ ارْتَهَنَ يُوسُفُ عِنْدَهُ حِينَ رَجَعَ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ ابْنُ خالَةِ يُوسُفَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى كَبِيرَهم في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ وهو يَهُوذا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ إيفادِ ابْنِهِ هَذا مَعَكم.
﴿ وَمِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ أيْ ضَيَّعْتُمُوهُ.
﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ.
﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ يَعْنِي بِالرُّجُوعِ.
﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أوْ يَقْضِيَ اللَّهُ لِي بِالخُرُوجِ مِنها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: أوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ والمُحارَبَةِ لِأنَّهم هَمُّوا بِذَلِكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (سُرِقَ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.
﴿ وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ بِأنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن وُجُودِ السَّرِقَةِ في رَحْلِهِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن دِينِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يُسْتَرَقُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ وهي مِصْرُ، والمَعْنى واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الأهْلِ إيجازًا، لِأنَّ الحالَ تَشْهَدُ بِهِ.
﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ وفي "والعِيرَ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها القافِلَةُ، وقافِلَةُ الإبِلِ تُسَمّى عِيرًا عَلى التَّشْبِيهِ.
الثّانِي: الحَمِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والمَعْنى: أهْلَ العِيرِ.
وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهم أرادُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْألَ القَرْيَةَ وإنْ كانَتْ جَمادًا، أوْ نَفْسَ العِيرِ وإنْ كانَتْ حَيَوانًا بَهِيمًا لِأنَّهُ نَبِيٌّ، والأنْبِياءُ قَدْ سُخِّرَ لَهُمُ الجَمادُ والحَيَوانُ بِما يَحْدُثُ فِيهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ إعْجازًا لِأنْبِيائِهِ، فَأحالُوهُ عَلى سُؤالِ القَرْيَةِ والعِيرِ لِيَكُونَ أوْضَحَ بُرْهانًا.
﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ أيْ يَسْتَشْهِدُونَ بِصِدْقِنا أنَّ ابْنَكَ سَرَقَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير، عن ابن إسحاق رضي الله عنه ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ قال: أيسوا ورأوا شدته في الأمر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ خلصوا نجياً ﴾ قال: وحدهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال كبيرهم ﴾ قال: شمعون الذي تخلف أكبرهم عقلاً، وأكبر منه في الميلاد، روبيل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو روبيل، وهو الذي كان نهاهم عن قتله، وكان أكبر القوم.
وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ قال: أقاتل بالسيف حتى أقتل.
وأخرج أبو الشيخ، عن وهب رضي الله عنه قال: إن شمعون كان أشد بني يعقوب بأساً، وإنه كان إذا غضب، قام شعره وانتفخ، فلا يطفئ غضبه شيء إلا أن يمسه أحد من آل يعقوب.
وإنه كان قد أغار مرة على أهل قرية فدمرهم.
وإنه غضب يوم أخذ بنو يعقوب بالصواع غضباً شديداً.
حتى انتفخ، فأمر يوسف عليه السلام ابنه أن يمسه، فسكن غضبه وبرد، وقال: قد مسني يد من آل يعقوب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ﴾ وروي عن ابن كثير: استايسوا (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وكانَ الإله هو المستآسا وهو مستفعل من العطاء، أي: يُسأل أن يعطى، هذا قول أبي علي الفارسي (٧) قال ابن عباس (٨) وقوله تعالى: ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ يقال: خلص الشيء خلوصًا، إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ومعنى خلصوا هاهنا: انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم، والنجي صفة فعيل بمعنى المناجي، يقع على الكثير كالصديق والرفيق والحميم، ومثله: العري والنجوى مصدر ثم يوصف بهما، فيستوي فيهما الواحد والجمع والمؤنث والمذكر، قال الله تعالى: ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾ فوصف به الواحد، وقال في الجمع: ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ ، وقال ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴾ فجعله جمعًا، وقال: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ ﴾ .
والنجوى: الرجال المتناجون هاهنا، وقال في المصدر: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ ﴾ يقال: نجوت فلانًا أنجوه نجوى، إذا ناجيته، هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل اللغة (٩) (١٠) والبيت للصلتان العبدي (١١) (١٢) وشَهِدْتُ أنْجِيةَ الأفاقةِ عاليًا ...
كَعْبي وأرْدَافُ الملوك شُهُودُ ويجمع النبي أيضًا أنجيا، وأما تفسير ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ فقال أبو إسحاق (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقال مجاهد (٢١) وقال قتادة (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) [وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ] (٢٧) ﴿ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ﴾ (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ وذكر الفراء (٢٩) (٣٠) الثاني: أن يكون "ما" في موضع نصب نسق على المعنى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ ، ومن قبل تفريطكم في يوسف.
الثالث: أن تكون لغوًا لا موضع لها من الإعراب، وتلخيصها: ومن قبل فرطتم في يوسف (٣١) ﴿ وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾ (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ﴾ يقال: برح الرجل براحًا وبروحًا، إذا رام من موضعه، ذكره الفراء (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ﴾ قال ابن عباس (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَحْكُمَ الله لِي ﴾ قال: يريد أو يقضي في أمري شيئًا، وقال غيره: أو يحكم الله لي لمحاربة (٣٨) ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ : أعدلهم وأفضلهم.
(١) في (ج): (استياسوا).
(٢) في (ج): (استياس).
(٣) روى خلف والهيثم عن عُبيدة عن شبل عن ابن كثير بغير همز، والباقون بالهمز بين الباء والسين، انظر: السبعة ص350، "إتحاف" ص 266.
(٤) في (ج): (واستياس).
(٥) في "الحجة" 4/ 434: "مثل القياس والقياد".
(٦) عجز بيت للجعدي، وصدره: ثلاثة أهلية أفنيتهم والمستآس: المستعاض.
انظر: شعره: 78 ، و"اللسان" (أوس) 1/ 170، و"التنبيه == والإيضاح" 2/ 259، كتاب العين 7/ 330 و"مقاييس اللغة" 1/ 150، 156، و"تهذيب اللغة" 1/ 230، و"مجمل اللغة" 1/ 107، و"أساس البلاغة" (أوس)، و"تاج العروس" (أوس) 8/ 194، و"الشعر والشعراء" ص 180.
(٧) "الحجة" 4/ 433 - 435 بتصرف.
(٨) انظر: "زاد المسير" 4/ 266، القرطبي 9/ 241.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510، و"اللسان" (نجا) 7/ 4361.
(١٠) للصلتان العبدي، من وصيته المشهورة لابنه.
== انظر: "الحماسة" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 333، "الخزانة" 1/ 308، والطبري 13/ 33، والخب (بكسر الخاء): المكر، والخب (بفتحها): المكار.
(١١) وهو قثم بن خبية العبدي من بني محارب بن عمرو، من بني عبد القبس، شاعر حكيم، وله قصيدة في الحكم بين جرير والفرزدق، فضل فيها شعر جرير وقوم الفرزدق، توفي سنة 80 هـ، انظر: "الشعر والشعراء" ص 331، و"الأعلام" 5/ 190.
(١٢) انظر: "ديوانه" ص 47، وابن عطية 8/ 43، و"البحر المحيط" 5/ 335، و"الدر المصون" 6/ 539، و"مجاز القرآن" 1/ 315، والطبري 13/ 33، و"اللسان" (ردف) 3/ 1626، و"تهذيب اللغة" 1/ 173، و"تاج العروس" (أفق) 13/ 8.
من أبيات يقولها لابنته بسرة يذكر طول عمره، والأفاقة: اسم موضع حيث كان اليوم المشهود بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي، وأرداف الملوك: من الردف وهو الذي يكون مع الملك وينوب عنه إذا قام من مجلسه.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.
(١٤) "مشكل القرآن وغريبه" ص 227.
(١٥) "تهذيب اللغة" (خلص) 1/ 1082.
(١٦) في (ج): (على).
(١٧) "زاد المسير" 4/ 266، البغوي 4/ 265.
(١٨) الثعلبي 7/ 101 ب.
(١٩) البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب، القرطبي 9/ 241.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 156 ب.
(٢١) الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب، القرطبي 9/ 241.
(٢٢) الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.
(٢٣) الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.
(٢٤) البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.
(٢٥) الثعلبى 7/ 101 ب.
(٢٦) قلت: وقد رجح هذا القول الطبري 13/ 34، فقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عني بقوله ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًا، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: "فلان كبير القوم" مطلقًا بغير وصل، إلا أحد معنيين، إما في الرئاسة عليهم والسؤدد وإما في السنن وإما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه فقالوا: "وهو كبيرهم في العاقل" == فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلا ما ذكرت، وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عني بقوله ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا: "روبيل كان أكبر القوم سنًا" فصح بذلك القول الذي اخترناه.
اهـ" واستظهر هذا القول ابن عطية 8/ 43.
(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من ب.
(٢٨) عند قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ﴾ 67.
(٢٩) "معاني القرآن" 2/ 53.
(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.
(٣١) قال الزجاج وهو أجود الأوجه.
"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.
(٣٢) الأنعام: 61، وقد قال هنالك: (ومعني التفريط: تقدمة العجز) تفسير البسيط، تحقيق: د.
الفايز ص 260.
(٣٣) كتاب المصادر مفقود.
(٣٤) في (ب): (بالأرض).
(٣٥) "تنوير المقباس" ص 153 (٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 125.
(٣٧) "زاد المسير" 4/ 267.
(٣٨) في (ج): (كمحاربة).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ﴾ استعطافاً وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ على وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ﴿ مِنَ المحسنين ﴾ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على الإطلاق ﴿ استيأسوا ﴾ أي يئسوا ﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدراً ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي هو: شمعون، وقيل: يهوذا ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ تحتمل ﴿ ما ﴾ وجوها: الأول: أن تكون زائدة، والثاني: أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث: أن تكون موصولة ومحلها أيضاً الرفع كذلك، والأول أظهر ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ﴾ يريد الموضع الذي وقعت فيه القصة ﴿ ارجعوا إلى أَبِيكُمْ ﴾ من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف وهو بعيد ﴿ إِنَّ ابنك سَرَقَ ﴾ قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة ﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع في رحله من غير علمه.
وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول ﴿ وَسْئَلِ القرية ﴾ واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية ﴿ بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أني أنا أخوك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب.
بالنون وبالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون وعلى الإضافة.
﴿ فلما استيأسوا ﴾ وبابه بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة الباقون: بياء ثم همزة على الأصل ﴿ لي أبي ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي.
الوقوف: ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لسارقون ﴾ ه ﴿ تفقدون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه ﴿ سارقين ﴾ ه ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فهو جزاؤه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من وعاء أخيه ﴾ ط ﴿ ليوسف ﴾ ط ﴿ يشاء الله ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مكاناً ﴾ ج ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ مكانه ﴾ ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين} ه عنده لا لتعلق "إذا" بما قبلها ﴿ لظالمون ﴾ ه ﴿ نجيا ﴾ ط ﴿ يوسف ﴾ ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب ﴿ يحكم الله لي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ سرق ﴾ ج لانقطاع النظممع اتحاد القائل ﴿ حافظين ﴾ ه ﴿ أقبلنا فيها ﴾ ط لاختلاف الجملتين والابتداء بأنّ: ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه.
فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته.
ثم أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتاً وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معى فآواه إليه أي أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه: فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح.
ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟
قال: من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل: فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إني أنا أخوك ﴾ قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش.
وقال ابن عباس وسائر المفسرين: أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورة ﴿ فلا تبتئس ﴾ افتعال من البؤس الشدّة والضر أراد نهيه عن اجتلاب الحزن ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي أقدموا عليها.
يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك.
فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس يحسن.
قال: أنا راض بما رضيت.
قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك أنك قد سرقته فذلك قوله ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ والسقاية مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعاً يكال به.
وكان مستطيلاً من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعاً بالجواهر أقوال ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى منادٍ ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد التكثير أو التصويب بالنداء ﴿ أيتها العير ﴾ أراد أصحاب العير كقوله : "يا خيل الله اركبي" والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء.
وقيل: هي قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها "فعل" بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء كما في "بيض" ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم برآء؟
وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا السقاية غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، أو المراد أنهم سرقوا يوسف من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقاً وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ذلك.
ثم إن إخوة يوسف ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ﴾ قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ﴿ ولمن جاء به ﴾ أي بالصواع ﴿ حمل بعير ﴾ من طعام جعلاً لمن حصله ﴿ وأنا به زعيم ﴾ كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم أيضاً إذا كان معلوماً فكأن حمل بعير كان عندهم شيئاً معلوماً كوسق مثلاً إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم ﴿ قالوا تالله ﴾ التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل.
حلفوا على أمرين معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفاً من أن تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.
وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة.
﴿ قالوا ﴾ أي أصحاب يوسف: ﴿ فما جزاؤه ﴾ قال في الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟
قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي جزاؤه الرق.
قال الزجاج: وقوله ﴿ فهو جزاؤه ﴾ زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى "من" ولكنه وضع المظهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة.
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ جزاؤه ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه.
أما قوله: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء ﴿ نجزي الظالمين ﴾ فيحتمل أن يكون من بقية كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم.
ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به.
قال قتاة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً.
فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر.
﴿ ثم استخرجها ﴾ أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث.
﴿ من وعاء أخيه ﴾ فأخذوا برقبته وحكموا برقيته.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الكيد العظيم ﴿ كدنا ليوسف ﴾ يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه.
والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه محمولة على النهايات لا على البدايات.
وما هذا الكيد؟
قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله نصره وقواه.
وقيل: الكيد يستعمل في الخير أيضاً والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه.
ومعنى ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ هو أن الله كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية.
ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال: ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ فوقه أرفع درجة منه في علمه.
ثم إن أطلق على الله أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصاً لأنه لا عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقياً على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله والميل إلى هذا التفسير لأن قوله: ﴿ ذو علم ﴾ مشعر بكون علمه زائداً على حقيقته ووصفه عين ذاته، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية.
يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟
فقال: بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم فعند ذلك ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ عنوا به يوسف.
واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها.
وقيل: سرق عناقاً من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين.
وقيل: كانت لإبراهيم منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه منها وكانت تحبه حباً شديداً فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
وقيل إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسداً وغيظاً.
﴿ فأسرّها يوسف ﴾ قال الزجاج وغيره: الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها لهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ قال أنتم شر مكاناً ﴾ والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية.
وطعن الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره.
وقيل: الضمير: عائد على الإجابة أي أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر.
وقيل: يعود إلى المقالة أو السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والعار.
وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه بها، وبالحبس الطويل لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وبقولهم: ﴿ فقد سرق أخ له من قبل ﴾ لقوله: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ ومعنى ﴿ شر مكاناً ﴾ شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم على التحقيق وقلتم أكله الذئب ﴿ والله أعلم بما تصفون ﴾ المراد أنه يعلم أني لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذماً أم لا.
قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه.
فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على الأرض ليريه أن شديد وجذبه فسقط فعند ذلك ﴿ قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً ﴾ في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ استعباداً أو رهناً حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزاً أيضاً عندهم ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعدما اشترى رقابهم بالطعام ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ معاذ الله ﴾ من ﴿ أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً ﴾ أي إذا أخذنا غيره ﴿ لظالمون ﴾ في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملاً بخلاف الوحي ﴿ فلما استيأسوا منه ﴾ حيث لم يقبل الشفاعة أي يئسوا والزيادة للبالغة.
﴿ خلصوا ﴾ اعتزلوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم ﴿ نجياً ﴾ مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجاً نجياً بمعنى مناجياً بعضهم لبعض كالعشير بمعنى المعاشر.
وفيم كان تناجيهم؟
الجواب في تدبير أمرهم على أيّ وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك ﴿ قال كبيرهم ﴾ في السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل والرأي وهو يهوذا.
وقوله: ﴿ ما فرطتم ﴾ إما أن تكون "ما" صلة أي ومن قبل هذا قصرتم ﴿ في ﴾ شأن ﴿ يوسف ﴾ ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو النصب عطفاً على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على الوجهين.
﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ فلن أفارق أرض مصر ﴿ حتى يأذن لي أبي ﴾ في الانصراف ﴿ أو يحكم الله لي ﴾ بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب.
ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ﴾ قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة.
وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ سرق ﴾ مشدداً مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة.
وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا الأمر على الظاهر قوله ﴿ وما شهدنا إلا بما علمنا ﴾ أي إلا بقدر ما تيقناه من رؤية الصواع في وعائه ﴿ وما كنا للغيب ﴾ للأمر الخفي ﴿ حافظين ﴾ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله.
وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق أخذ أخونا بتلك الحيلة.
ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: ﴿ واسأل القرية التي كنا فيها ﴾ الأكثرون على أنها مصر.
وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ﴿ و ﴾ اسأل أصحاب ﴿ العير التي أقبلنا فيها ﴾ وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب.
وقيل: قوماً من أهل صنعاء.
وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات لأجله معجزة، فالمراد اسأل القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجبيك بصحة ما ذكرنا.
وقيل: إن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ويراد إنه ليس للشك فيه مجال.
ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين ﴿ وإنا لصادقون ﴾ وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل فيما ذكرته ليزول عنك الشك.
وههنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: ﴿ قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ وقد مر تفسيره في أول السورة.
ولكن المفسرين زادوا شيئاً آخر فقيل: المراد أنه خيل إليكم أنه سرق وما سرق.
وقيل: أراد سوّلت لكم أنفسكم إخراج بنيامين والمسير به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم عليّ في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم.
وقيل: أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته.
واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله ؟
وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق له مسلماً وكان الملك في ظن يعقوب كافراً، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن والرجاء أنه سيجعل له فرجاً ومخرجاً عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ قد بقيا في مصر فلذلك قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم ﴾ أي بالثلاثة الغائبين ﴿ جميعاً إنه هو العليم ﴾ بحالي ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما يفعله من الابتلاء والإبلاء.
التأويل: لما دخل الأوصاف البشرية ومعهم السر ﴿ على يوسف ﴾ القلب ﴿ آوى ﴾ القلب السر ﴿ إليه ﴾ لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية ﴿ فلا تبتئس ﴾ إذا وصلت بي ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقاً من قلب مقارناً للأوصاف كان محروماً عن كمالات هو مستعد لها ﴿ فلما جهزهم ﴾ جهز القلب الأوصاف بما يلائم أحوالها ﴿ جعل السقاية ﴾ وهي مشربة كان منها شربه ﴿ في رحل أخيه ﴾ لأنهما رضيعا لبان واحد ﴿ إنكم لسارقون ﴾ سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ﴿ ولمن جاء به حمل بعير ﴾ من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقاً للشرب من مشارب الملوك ﴿ لقد علمتم ﴾ أن المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما كنا سارقين ﴾ إذ أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال مملكة مصر العبودية ليكون عزيزاً فيها ونحن أذلاء له ﴿ جزاؤه من وجد في رحله ﴾ أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية.
ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب المحبة بذل الوجود ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعاً في أن يكونوا حريف الملك وشريبه ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ أي كما كاد الأوصاف البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك.
﴿ وفوق كل ذي علم ﴾ آتيناه علم الصعود ﴿ عليم ﴾ بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع لا تسعه أوعية الإنسانية ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ فيه إشارة إلى السر والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهم قابلان للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية ولما رأت الأوصاف البشرية عزة القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح فقالت: ﴿ فخذ أحدنا مكانه ﴾ ﴿ قال معاذ الله ﴾ أن نقبل بالصحبة والمخالطة ﴿ إلا من وجدنا متاعنا ﴾ من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية ﴿ فلما استيأسوا ﴾ من صحبة القلب ﴿ خلصوا ﴾ عن الأوصاف الذميمة للتناجي ﴿ قال كبيرهم ﴾ هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو الروح ﴿ قد أخذ عليكم موثقاً من الله ﴾ يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله ﴿ فلن أبرح ﴾ أرض فناء القلب وهي الصدر.
والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة لأحكام الحق.
﴿ ارجعوا إلى أبيكم ﴾ الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق ﴿ إن ابنك سرق ﴾ لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده.
﴿ وما كنا للغيب ﴾ عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة ﴿ حافظين ﴾ لأنه جعل السقاية في رحله في غيبتنا.
﴿ واسأل ﴾ أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء ﴿ قال بل سولت ﴾ فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه ﴿ عسى الله أن يأتيني ﴾ فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده مليك مقتدر ﴿ إنه هو العليم ﴾ بافتراقهم ﴿ الحكيم ﴾ بما في التفريق والجمع من الفوائد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ﴾ .
قيل: أيسوا عن أن يُرَدّ إليهم أخوهم.
﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ .
قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه.
﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان.
قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون.
ولكن لا نعلم من كان قائل هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ إمَّا أن كان كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن.
﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ (ألم تعلموا) و(ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ .
هذا يدل أن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ هو إلا أن يعمكم أمرٌ ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعاً، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما يمنعكم عن ردّه؛ أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن ردّه؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم عن ردّه، ثم أبي أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: إن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الردّ؛ استدل بقوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ فلو كان على ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر.
وأما أهل التأويل الأول يقولون: إن قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ .
أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف.
﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ﴾ .
[هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمره ابنه أو يأذن لي أبي] بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه.
﴿ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي ﴾ في الرجوع أيضاً أو في القتال معه.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعاً، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ .
يحتمل على الأمر؛ على ما هو [في] الظاهر.
ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو رجعتم إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضاً في التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر.
﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ بما أخرج المتاع من وعائه.
﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ .
هذا على التأويل الذي قيل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي: يعمكم ويجمعكم؛ أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .
أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول.
﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ .
فإن قيل: كيف قال لهم: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا شيئاً مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً...
﴾ الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين، وأمَّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ لكن يشبه أن يكون قال ذلك؛ لأنهم لما اتّهموا جميعاً بالسرقة؛ فقيل: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ قطعوا فيه القول؛ أنهم لم يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة ﴿ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ ولكن سولت لكم أنفسكم أمراً من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ والله أعلم.
فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على غير علم منه.
وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .
قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
قال أهل التأويل: قال: ﴿ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه.
وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ أفي الأحياء أم في الأموات؟
فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟
فقال ذلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق.
وقال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا.
وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف.
وهو النهاية في الغضب أيضاً.
كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: لما أغضبونا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ضميره، وذلك جائز؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ ﴾ أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن قالوا ذلك باللسان.
ويحتمل القول به على غير قصد منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم به.
والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال [والجزع يظهر في الأفعال] ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَاللهِ ﴾ .
هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ .
أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دَعَوْه إلى السلوّ من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر يوسف.
﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً ﴾ .
قيل: دنفاً وقيل: ﴿ حَرَضاً ﴾ : هرماً؛ وأصل الحرض: الضعف.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ .
كذلك صار يعقوب ضعيفاً في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشدّ الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يَبُثَّه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (مَنْ بَثَّ فلم يصبر)؛ أي: شكا، وما ذكر من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب.
وقال الحسن: ﴿ أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث والحزن واحداً ذكر على التكرار.
وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر.
﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ فتموت والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له.
وقال ابن عباس - -: [قوله]: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حي لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم.
ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئاً لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول إبراهيم [...]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وما ذكروا هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا.
وقوله: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من حال أخيه بنيامين أنه أين هو؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعاً؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح.
أو أن يكون قوله: ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ﴾ على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردَّ أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه.
وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؟
قال: لا.
وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال هذا القول.
لكنا نقول: إنه كان عالماً بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعدُ بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه.
وأصل هذا: أن ما حَلّ بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يُعْلِم أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: من رحمة الله.
﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن مَنْ آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأمّا الكافر؛ فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته.
فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴾ لما قال لهم: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ وأخوه كان محبوساً بالسرقة؛ والمحبوس لا يرد في حكمهم.
أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ خبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من [رحمة الله] إلا القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: ﴿ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطاً عن ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ ﴾ والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على قولهم - من رَوْح الله، وقد أخبر أنه ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من رَوْح الله، وهو ليس بكافر.
<div class="verse-tafsir"
فلما يئسوا من إجابة يوسف لطلبهم انفردوا عن الناس للتشاور، قال أخوهم الكبير: أذكِّركم أن أباكم قد أخذ عليكم عهد الله مؤكدًا على أن تردوا إليه ابنه إلا أن يحاط بكم بما لا تقدرون على دفعه، ومن قبل ذلك قد فرطتم في يوسف، ولم تفوا بعهدكم لأبيكم فيه، فلن أترك أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالرجوع إليه، أو يقضي الله لي بأخذ أخي، والله خير القاضين، فهو يقضي بالحق والعدل.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZEveO"