الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٩٦ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن عباس والضحاك : ( البشير ) البريد .
وقال مجاهد والسدي : كان يهوذا بن يعقوب .
قال السدي : إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب ، فأراد أن يغسل ذلك بهذا ، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه ، فرجع بصيرا .
وقال لبنيه عند ذلك : ( ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) أي : أعلم أن الله سيرده إلي ، وقلت لكم : ( إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون )
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (96) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما أن جاء يعقوبَ البشيرُ من عند ابنه يوسف ، وهو المبشّر برسالة يوسف ، وذلك بريدٌ، فيما ذكر، كان يوسف أبردَهُ إليه.
(1) * * * وكان البريد فيما ذكر، والبشير: يهوذا بن يعقوب، أخا يوسف لأبيه .
*ذكر من قال ذلك: 19857- حدثني محمد بن سعد ، قال: حدثني أبي ، قال:حدثني عمي ، قال:حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه ) ، يقول: " البشير ": البريدُ.
19858- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثنا هشيم ، قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ( فلما أن جاء البشير ) قال: البريد .
19859- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن جويبر ، عن الضحاك: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال: البريد.
19860- ...
قال، حدثنا شبابة ، قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال:يهوذا بن يعقوب.
19861- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( البشير ) قال:يهوذا بن يعقوب.
19862- حدثني المثنى ، قال، حدثنا أبو حذيفة ، قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: يهوذا بن يعقوب.
19863- ...
قال:حدثنا إسحاق ، قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: هو يهوذا بن يعقوب.
19864- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال:يهوذا بن يعقوب، كان البشير.
19865- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال:هو يهوذا بن يعقوب.
، قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرأ: " وَجَاءَ البَشِيرُ مِنْ بَيْنِ يَدَي العِيرِ" (2) .
19866- حدثنا ابن وكيع ، قال:حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال: البريد، هو يهوذا بن يعقوب.
19867- ...
قال:حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال، قال يوسف: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ، قال يهوذا:أنا ذهبتُ بالقميص ، ملطخًا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حيٌّ فأفرحه كما أحزنته .
فهو كان البشير.
19868- حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال:حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك: ( فلما أن جاء البشير ) ، قال: البريد.
* * * قال أبو جعفر: وكان بعضُ أهل العربيّة من أهل الكوفة يقول: " أنْ" في قوله: ( فلما أن جاء البشير ) وسقوطُها، بمعنى واحدٍ ، وكان يقول هذا في: " لما " و " حتى " خاصّة ، ويذكر أن العرب تدخلها فيهما أحيانًا وتسقطها أحيانًا ، كما قال جل ثناؤه: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا [سورة العنكبوت:33] ، وقال في موضع آخر: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا [سورة هود:77] ، وقال:هي صلة، (3) لا موضع لها في هذين الموضعين.
يقال: " حتى كان كذا وكذا " ، أو " حتى أن كان كذا وكذا " .
* * * وقوله: ( ألقاه على وجهه ) ، يقول: ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، كما:- 19869- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: فلما أن جاء البشير ألقى القميص على وجهه.
* * * وقوله: ( فارتد بصيرًا ) ، يقول:رجع وعادَ مبصرًا بعينيه، (4) بعد ما قد عمي ، ( قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) ، يقول جل وعز وجل: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده:ألم أقل لكم يا بني إني أعلم من الله أنه سيردّ عليَّ يوسف ، ويجمع بيني وبينه ، وكنتم لا تعلمون أنتم من ذلك ما كنت أعلمه ، لأن رؤيا يوسف كانت صادقة ، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا ، فكنت مُوقنًا بقضائه .
---------------------- الهوامش: (1) في المطبوعة:"برده إليه"، وأثبت ما في المخطوطة، وكلاهما صواب.
يقال:"برد بريدًا، وأبرده" ، أي: أرسله.
(2) هذه قراءة لا يقرأ بها كما سلف مرارًا لمخالفتها ما في المصحف ، ولكن هذه فيها إشكال ، فلو صح أنها :" وجاء البشير" ، لوجب أن تكون القراءة بعدها :" فألقاه" بالفاء .
وإلا وجب أن تكون القراءة :" فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البشِيرُ مِنْ بَيْنِ يَدَي العِيرِ } .
(3) قوله :" صلة"، أي زيادة ، وانظر ما سلف : 1 : 190 ، 405 ، 406 ، 548 .
4 : 289 / 5 : 460 ، 462 / 7 : 340 ، 341 / 12 : 325 ، 326 / 13 : 508 / 14 : 30 / 15 : 497 .
(4) انظر تفسير" ارتد" فيما سلف 3 : 163 / 4 : 316 / 10 : 170 ، 409 ، 410 .
قوله تعالى : فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه أي على عينيه .
فارتد بصيرا و " أن " زائدة ، والبشير قيل هو شمعون .
وقيل : يهوذا قال : أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به ملطخا بالدم ; قاله ابن عباس .
وعن السدي أنه قال لإخوته : قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة .
وقال يحيى بن يمان عن سفيان : لما جاء البشير إلى يعقوب قال له : على أي دين تركت يوسف ؟
قال : على الإسلام ; قال : الآن تمت النعمة ; وقال الحسن : لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئا يثيبه به ; فقال : والله ما أصبت عندنا شيئا ; وما خبزنا شيئا منذ سبع ليال ، ولكن هون الله عليك سكرات الموت .قلت : وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز ، وأفضل العطايا والذخائر .
ودلت هذه الآية على جواز البذل والهبات عند البشائر .
وفي الباب حديث كعب بن مالك - الطويل - وفيه : " فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته " وذكر الحديث ، وقد تقدم بكماله في قصة الثلاثة الذين خلفوا ، وكسوة كعب ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به .
وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغم والترح .
ومن هذا الباب جواز حذاقة الصبيان ، وإطعام الطعام فيها ، قد نحر عمر بعد حفظه سورة " البقرة " جزورا .
والله أعلم .قوله تعالى : قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ذكرهم قوله : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون .
{ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ } بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، { أَلْقَاهُ } أي: القميص { عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا } أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفندون رأيه، ويتعجبون منه منتصرا عليهم، متبجحا بنعمة الله عليه: { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } حيث كنت مترجيا للقاء يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن.
( فلما أن جاء البشير ) وهو المبشر عن يوسف قال ابن مسعود : جاء البشير بين يدي العير .
قال ابن عباس : هو يهوذا .
قال [ السدي : قال يهوذا ] أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي فأفرحه كما أحزنته .
قال ابن عباس : حمله يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه ، وكانت المسافة ثمانين فرسخا .
وقيل : البشير مالك بن ذعر .
( ألقاه على وجهه ) يعني : ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب ( فارتد بصيرا ) فعاد بصيرا بعدما كان عمي وعادت إليه قوته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم ، وسروره بعد الحزن .
( قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا .
وروي أنه قال للبشير : كيف تركت يوسف قال : إنه ملك مصر فقال يعقوب : ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال : على دين الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة
«فلما أن» زائدة «جاء البشير» يهوذا بالقميص وكان قد حمل قميص الدم فأحب أن يفرحه كما أحزنه «ألقاه» طرح القميص «على وجهه فارتد» رجع «بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون».
فلما أن جاء من يُبشِّر يعقوب بأن يوسف حيٌّ، وطرح قميص يوسف على وجهه فعاد يعقوب مبصرًا، وعمَّه السرور فقال لمن عنده: ألـمْ أخبركم أني أعلم من الله ما لا تعلمونه من فضل الله ورحمته وكرمه؟
وتحقق ما وجده يعقوب من رائحة يوسف .
.
وحل أوان المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله ( فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .أى : وحين أقترب أبناء يعقوب من دار أبيهم ، تقدم البشير الذى يحمل قميص يوسف إلى يعقوب ، فألقى القميص على وجهه فعاد إلى يعقوب بصره كأن لم يكن به ضعف أو مرض من قبل ذلك .وهذه معجزة أكرم الله - تعالى - بها نبيه يعقوب - عليه السلام - حيث رد إليه بصره بسبب إلقاء قميص يوسف على وجهه .وهنا قال يعقوب لأبنائه ولمن أنكر عليه قوله ( إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) ( أَلَمْ أَقُلْ ) قبل ذلك ( إني أَعْلَمُ مِنَ الله ) أى : من رحمته وفضله وإحسانه ( مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أنتم .
يقال: فصل فلان من عند فلان فصولاً إذا خرج من عنده.
وفصل مني إليه كتاباً إذا أنفذ به إليه.
وفصل يكون لازماً ومتعدياً وإذا كان لازماً فمصدره الفصول وإذا كان متعدياً فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال يعقوب عليه السلام لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده ﴿ إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ ﴾ ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم: ﴿ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ واختلفوا في قدر المسافة فقيل: مسيرة ثمانية أيام، وقيل عشرة أيام، وقيل ثمانون فرسخاً.
واختلفوا في كيفية وصول تلك الرائحة إليه، فقال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: ﴿ إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما قوله: ﴿ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ فإن نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق وكساه إسحاق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في الجب القميص في عنقه فذلك قوله: ﴿ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا ﴾ » والتحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لا وصول الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه السلام حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة له.
قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ومعنى: لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم، وقوله: ﴿ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ ﴾ قال أبو بكر ابن الأنباري: أفند الرجل إذا حزن وتغير عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفند قال صاحب الكشاف: يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله: ﴿ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ ﴾ أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف، ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون عنده: ﴿ تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم ﴾ وفي الضلال هاهنا وجوه: الأول: قال مقاتل: يعني بالضلال هاهنا الشقاء، يعني شقاء الدنيا والمعنى: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: ﴿ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضلال وَسُعُرٍ ﴾ يعنون لفي شقاء دنيانا، وقال قتادة: لفي ضلالك القديم، أي لفي حبك القديم لا تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ ثم قال قتادة: قد قالوا كلمة غليظة ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره، ذاهباً عن الرشد والصواب وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَن جَاء البشير ﴾ في أن قولان: الأول: أنه لا موضع لها من الإعراب وقد تذكر تارة كما هاهنا، وقد تحذف كقوله: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع ﴾ والمذهبان جميعاً موجودان في أشعار العرب.
والثاني: قال البصريون هي مع ما في موضع رفع بالفعل المضمر تقديره: فلما ظهر أن جاء البشير، أي ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع قال جمهور المفسرين البشير هو يهودا قال أنا ذهبت بالقميص الملطخ بالدم وقلت إن يوسف أكله الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله: ﴿ أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ ﴾ أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه نفسه ﴿ فارتد بَصِيرًا ﴾ أي رجع بصيراً ومعنى الارتداد انقلاب الشيء إلى حالة قد كان عليها وقوله: ﴿ فارتد بَصِيرًا ﴾ أي صيره الله بصيراً كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية فالله تعالى جعله بصيراً في هذا الوقت.
وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص على وجهه، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، فعند هذا قال: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا، لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ روي أنه سأل البشير وقال: كيف يوسف قال هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة، ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه ﴿ وَقَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ﴾ وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ذلك، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة.
الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة، لأنها أوفق الأوقات للإجابة.
الثالث: أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا.
الرابع: استغفر لهم في الحال، وقوله: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ﴾ معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده إلى السماء وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عليه، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه: قد غفرت لك ولهم أجمعين.
وروي أن أبناء يعقوب عليه السلام قالوا ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء: ما يغني عنا إن لم يغفر لنا، فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم فظنوا أنها الهلكة فنزل جبريل عليه السلام وقال: إن الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَصَلَتِ العير ﴾ خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولاً، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه.
وقرأ ابن عباس: ﴿ فلما انفصل العير ﴾ ﴿ قَالَ ﴾ لولد ولده ومن حوله من قومه: ﴿ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمان.
والتفنيد: النسبة إلى الفند، وهو الخرف وإنكار العقل من هرم.
يقال: شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها.
والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني ﴿ لَفِى ضلالك القديم ﴾ لفي ذهابك عن الصواب قدما في إفراط محبتك ليوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات ﴿ ألقاه ﴾ طرح البشير القميص على وجه يعقوب.
أو ألقاه يعقوب ﴿ فارتد بَصِيرًا ﴾ فرجع بصيراً.
يقال: ردّه فارتد، وارتده إذا ارتجعه ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ ﴾ يعني قوله ﴿ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أو قوله: ﴿ وَلاَ تيأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ [يوسف: 87] وقوله: ﴿ إِنِي أَعْلَمُ ﴾ كلام مبتدأ لم يقع عليه القول، ولك أن توقعه عليه وتريد قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86] وروي: أنه سأل البشير كيف يوسف؟
فقال: هو ملك مصر: فقال: ما أصنع بالملك؟
على أي دين تركته؟
قال: على دين الإسلام.
قال: الآن تمت النعمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ يَهُوذا.
رُوِيَ: أنَّهُ قالَ كَما أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ فَأُفْرِحُهُ بِحَمْلِ هَذا إلَيْهِ.
﴿ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ﴾ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ.
﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ عادَ بَصِيرًا لِما انْتَعَشَ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ.
﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْزالِ الفَرَحِ.
وقِيلَ ﴿ إنِّي أعْلَمُ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ والمَقُولُ (لا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ)، أوْ ﴿ إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)
{فَلَمَّا أَن جَاء البشير} أي يهوذا {أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ} طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو ألفاه يعقوب {فارتد} فرجع {بصيرا} يقال رده فارتده وارتده إذا ارتجعه {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} يعني قوله إني لأجد ريح يوسف أو قوله ولا تيأسوا من روح الله وقوله {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} كلام مبتدأ لم يقع عليه القول أو وقع عليه والمراد قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ورُوي أنه سأل البشير كيف يوسف قال هو ملك مصر فقال ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال على دين الإسلام قال الآن تمت النعمة
﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ هو يَهُوذا رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلى أبِي بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ والرِّوايَةُ الشَّهِيرَةُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ و( أنْ ) صِلَةٌ وقَدِ اطَّرَدَتْ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُدَّ ذَلِكَ قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ( وجاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ ) .
﴿ ألْقاهُ ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿ عَلى وجْهِهِ ﴾ أيْ وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: فاعِلُ ألْقى ضَمِيرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: فَألْقَوْهُ عَلى وجْهِ أبِي وهو يَبْعُدُ كَوْنَ البَشِيرِ مالِكًا كَما لا يَخْفى والثّانِي قِيلَ: هو الأنْسَبُ بِالأدَبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى فَرْقَدٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى بَصَرِهِ ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوَجْهِ كُلِّهِ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما فِيهِ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ وارْتَدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِن أخَواتِ كانَ وهي بِمَعْنى صارَ فَبَصِيرًا خَبَرُها وصَحَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّها لَيْسَتْ مَن أخَواتِها فَبَصِيرًا حالٌ والمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ بَصَرَهُ صارَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ وما عَدَلَ مِن يُفْعِلُ إلَيْهِ إلّا لِهَذا المَعْنى وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ إذْ ما يَكُونُ لَها هو المَعْدُولُ عَنْ فاعِلٍ وأمّا بَصِيرٌ هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوِ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ ألِيمٍ وسَمِيعٍ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَصِيرًا بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ ولَيْسَ الخارِقُ بِدْعًا في هَذِهِ القِصَّةِ وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَعَشَ حَتّى قَوِيَ قَلْبُهُ وحَرارَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ فَأوْصَلَ نُورَهُ إلى الدِّماغِ وأدّاهُ إلى البَصَرِ ومِن هَذا البابِ اسْتِشْفاءُ العُشّاقِ بِما يَهُبُّ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أرْضِ المَعْشُوقِ كَما قالَ: وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ وقالَ آخَرُ: ألا يا نَسِيمَ الصُّبْحِ ما لَكَ كُلَّما ∗∗∗ تَقَرَّبْتَ مِنّا فاحَ نَشْرُكَ طِيبا كَأنَّ سُلَيْمى نُبِّئَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتُهُ آنِفًا عَنِ الإمامِ هَذا وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ قالَ: مَلَكَ مِصْرَ فَقالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ما وجَدْتَ عِنْدَنا شَيْئًا وما اخْتَبَزْنا مُنْذُ سَبْعَةِ أيّامٍ ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: ما أدْرِي ما أُثِيبُكَ اليَوْمَ ثُمَّ دَعا لَهُ بِذَلِكَ ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِبَنِيهِ القادِمِينَ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم لا تَيْأسُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
(96) .
فَإنَّ مَدارَ النَّهْيِ العِلْمُ الَّذِي أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الأخِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقُولَ القَوْلِ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم حِينَ أرْسَلْتُكم إلى مِصْرَ وأمَرْتُكم بِالتَّحَسُّسِ ونَهَيْتُكم عَنِ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَها مَقُولَ القَوْلِ وهو كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ يعني: خرجت العير من مصر قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ قال ابن عباس: «لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال، فقال يعقوب: إني لأشم ريح يوسف» لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ يقول لولا أن تعيروني وتجهلوني.
يقال: فنده الهرم، إذا خلط في كلامه قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يعني: ولد ولده قالوا ليعقوب: إنك مختلط في الكلام كما كنت في القديم من ذكر يوسف.
قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ يعني: جاء يهوذا بالبشارة أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ يعني: دفع القميص إليه، ووضعه على وجهه، فذلك قوله: فَارْتَدَّ بَصِيراً يعني: رجع بصيراً كما كان قالَ يعقوب لولد ولده أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ويقال: قال لولده: ألم أقل لكم حين قلت لكم: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لاَ تَعْلَمُونَ أن يوسف في الأحيا قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا فاعتذروا إليه لما فعلوا به، وطلبوا منه أن يستغفر لهم، واعترفوا بذنبهم أنهم كانوا خاطئين حيث قالوا: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ.
قالَ لهم يعقوب سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ يعني: عند السحر استغفر لكم.
ويقال: معناه سوف استغفر لكم إن شاء الله على وجه التقديم في قوله: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فأخّر الاستغفار، إلى أن قدموا مصر، فاستغفر لهم ليلة الجمعة عند السحر إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن تاب ورجع وندم على ما فعل.
فخرجوا كلهم بأثقالهم وأهاليهم ومواشيهم، وكانوا اثنين وسبعين رأساً، وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان أهل بيت يعقوب حين دخلوا مصر ثلاثة وسبعين إنساناً، رجالهم ونساؤهم، فخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، فلما دنوا من مصر، خرج يوسف بجماعته وحاشيته حتى أدخلهم مصر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ عفوٌ جميلٌ، وقال عكرمة: أوحى اللَّه إِلى يوسف بِعَفْوِكَ عَنْ إِخوتك، رَفَعْتُ لك ذكْرَك «١» ، و «التثريب» : اللوْمُ والعقوبةُ وما جَرَى معهما من سوءِ مُعْتَقَدٍ ونحوه، وعبَّر بعضُ الناس عن التثْرِيب بالتعيير، ووقف بعض القراءة عَلَيْكُمُ، وابتدأ «٢» : الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ووقف أكثرهم: الْيَوْمَ وابتدأ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ على جهة الدعاء وهو تأويلُ ابن إِسحاق «٣» والطبريِّ، وهو الصحيحُ الراجح في المعنَى لأن الوقْفَ الآخِرَ فيه حُكْم على مغفرة اللَّه، اللَّهُمَّ إلا أن يكون ذلك بوحي.
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)
وقوله: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي: قال النَّقَّاش: روي أن هذا القميصَ كَانَ مِنْ ثياب الجَنَّة، كساه اللَّه إِبراهيم، ثم توارَثَهُ «٤» بنوه.
قال ع «٥» : هذا يحتاجُ إِلى سندٍ والظاهرُ أنه قميصُ يوسُفَ كسائر القُمُصِ، وقولُ يوسف: يَأْتِ بَصِيراً فيه دليلٌ على أنَّ هذا كلَّه بوحْيٍ وإِعلامٍ مِنَ اللَّه تعالى، وروي أنَّ يعقوب وجد ريحَ يوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَميصِ مسيرةُ ثمانيةِ أيامٍ قاله ابن عباس «٦» ، وقال: هاجَتْ ريحٌ، فحملَتْ عَرْفَه، وقول يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ:
مخاطبةٌ لحاضريه، فروي أنهم كانوا حَفَدَتَهُ، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا/ قرابته وتُفَنِّدُونِ معناه: تردُّون رأْيي، وتدْفَعُون في صَدْره، وهذا هو التفنيد لغة، قال مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ: يقال: شَيْخٌ مُفَند، أيْ: قد فسد رأيه «٧» والذي يشبه أنَّ تفنيدهم ليعقوبَ إِنما كان لأَنهم كانوا يعتقدون أنَّ هواه قد غَلَبَهُ في جانب يوسف.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ هاهُنا: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمْ ﴾ .
فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ خاطَبَهم اللَّهُ بِهِما جَمِيعًا، فَدُخُولُ " أنْ " لِتَوْكِيدِ مُضِيِّ الفِعْلِ، وسُقُوطُها لِلِاعْتِمادِ عَلى إيضاحِ الماضِي بِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْقاهُ ﴾ يَعْنِي القَمِيصَ ﴿ عَلى وجْهِهِ ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ ، الِارْتِدادُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ ارْتَدَّ، ولَمْ يَقُلْ: رُدَّ، لِأنَّ هَذا مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ إلى المَفْعُولِينَ، كَقَوْلِهِمْ: طالَتِ النَّخْلَةُ، واللَّهُ أطالَها، وتَحَرَّكَتِ الشَّجَرَةُ، واللَّهُ حَرَّكَها: قالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، وقُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وشَبابُهُ بَعْدَ الهَرَمِ، وسُرُورُهُ بَعْدَ الحُزْنِ.
وَرَوى يَحْيى بْنُ يَمانٍ عَنْ سُفْيانَ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟
قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قَبْلَ هَذا بِقَلِيلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ سَألُوهُ يَسْتَغْفِرُ لَهم ما أتَوْا، لِأنَّهُ نَبِيٌّ مُجابُ الدَّعْوَةِ.
﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ في سَبَبِ تَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَّرَهم لِانْتِظارِ الوَقْتِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُ أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
قالَ وهْبٌ: كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلَّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.
والثّانِي: إلى وقْتِ السَّحَرِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ طاوُوسُ: فَوافَقَ ذَلِكَ لَيْلَةَ عاشُوراءَ.
والثّالِثُ: إلى وقْتِ السَّحَرِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما أرادَ الوَقْتَ الَّذِي هو أخْلَقُ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ ضَنَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وهَذا أشْبَهُ بِأخْلاقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ دَفَعَهم عَنِ التَّعْجِيلِ بِالوَعْدِ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ وإلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ أخَّرَهم لِيَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهم، اسْتَغْفَرَ لَهم، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهم قالُوا: يا أبانا إنْ عَفا اللَّهُ عَنّا، وإلّا فَلا قُرَّةَ عَيْنٍ لَنا في الدُّنْيا، فَدَعا يَعْقُوبُ وأمَّنَ يُوسُفُ، فَلَمْ يُجِبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَفا عَمّا صَنَعُوا بِهِ، واعْتَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدُ عَلى النُّبُوَّةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُوسُفُ قَدْ بَعَثَ مَعَ البَشِيرِ إلى يَعْقُوبَ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ، وسَألَهُ أنْ يَأْتِيَهُ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَلَمّا ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ ودَنا مِن مِصْرَ، اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ المَلِكَ الَّذِي فَوْقَهُ في تَلَقِّي يَعْقُوبَ، فَأذِنَ لَهُ، وأمَرَ المَلَأ مِن أصْحابِهِ بِالرُّكُوبِ مَعَهُ، فَخَرَجَ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ، وخَرَجَ مَعَهم أهْلُ مِصْرَ.
وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ خَرَجَ مَعَهم أيْضًا.
فَلَمّا التَقى يَعْقُوبُ ويُوسُفُ، بَكَيا جَمِيعًا فَقالَ يُوسُفُ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، أما عَلِمْتَ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنِي وإيّاكَ ؟
قالَ: أيْ بُنَيَّ، خَشِيْتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَلا نَجْتَمِعُ.
وَقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ابْتَدَأهُ بِالسَّلامِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ ﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ﴾ ﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي ﴾ قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ.
وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا.
ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ.
ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟
قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ.
وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ .
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟
مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وَتَعالى: ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".» ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا ﴾ الآيَةَ.
هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ.
و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"».
وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ.
و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ.
وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟
قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟
قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟
إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً.
وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ.
لا إلَهَ إلّا هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ".
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟
فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
التقدير: فخرجوا وارتحلوا في عير.
ومعنى فصلتْ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم * فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إنى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خاطئين * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } ابتعدت عن المكان، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ في سورة البقرة (249).
والعير تقدم آنفاً، وهي العير التي أقبلوا فيها من فلسطين.
ووجدَانُ يعقوب ريح يوسف عليهما السلام إلهام خارق للعادة جعله الله بشارة له إذ ذكره بشمه الريح الذي ضمّخ به يوسف عليه السلام حين خروجه مع إخوته وهذا من صنف الوحي بدون كلام ملك مُرسل.
وهو داخل في قوله تعالى: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ﴾ [سورة الشورى: 51].
والريح: الرائحة، وهي ما يعبق من طيب تدركه حاسة الشم.
وأكد هذالخبر بإنّ } واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه ب ﴿ لولا أن تفندون ﴾ .
وجواب ﴿ لولا ﴾ محذوف دلّ عليه التأكيد، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك.
والتفنيد: النسبة للفنَد بفتحتين، وهو اختلال العقل من الخرف.
وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة.
والذين قالوا: ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ هم الحاضرون من أهله ولم يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم إليه.
والضلال: البُعْد عن الطريق الموصّلة.
والظرفية مجاز في قوة الاتّصاف والتلبّس وأنه كتلبس المظروف بالظرف.
والمعنى: أنك مستمر على التلبس بتطلب شيء من غير طريقه.
أرادوا طمعه في لقاء يوسف عليه السلام.
ووصفوا ذلك بالقديم لطول مدّته، وكانت مدة غيبة يوسف عن أبيه عليهما السلام اثنتين وعشرين سنة.
وكان خطابهم إياه بهذا مشتملاً على شيء من الخشونة إذ لم يكن أدب عشيرته منافياً لذلك في عرفهم.
و ﴿ أن ﴾ في قوله: ﴿ فلما أن جاء البشير ﴾ مزيدة للتأكيد.
ووقوع ﴿ أنْ ﴾ بعد ﴿ لمّا ﴾ التوقيتية كثير في الكلام كما في «مغني اللّبيب».
وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه السلام لأنها خارق عادة، ولذلك لم يؤت ب ﴿ أن ﴾ في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد.
والبشير: فعيل بمعنى مُفعل، أي المُبشر، مثل السميع في قول عمرو بن معديكرب: أمِن ريحانة الداعي السميع والتبشير: المبادرة بإبلاغ الخبر المسرّ بقصد إدخال السرور.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يبشرّهم ربهم برحمة منه ﴾ في سورة براءة (21).
وهذا البشير هو يهوذا بن يعقوب عليه السلام تقدم بين يدي العِير ليكون أول من يخبر أباه بخبر يوسف عليه السلام.
وارتد: رجع، وهو افتعال مطاوع ردّه، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له وليوسف عليهما السلام وخارق للعادة.
وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وابيضّت عيناه من الحزن ﴾ [سورة يوسف: 84].
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إنى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ ياأبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خاطئين * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} جواب للبشارة لأنها تضمنت القول، ولذلك جاء فعل ﴿ قال ﴾ مفصولاً غير معطوف لأنه على طريقة المحاورات، وكان بقية أبنائه قد دخلوا فخاطبهم بقوله: ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فبيّن لهم مجمل كلامه الذي أجابهم به حين قالوا: ﴿ تالله تفتأ تذكر يوسف ﴾ [يوسف: 85] الخ.
وقولهم: استغفر لنا ذنوبنا } توبة واعتراف بالذنب، فسألوا أباهم أن يطلب لهم المغفرة من الله.
وإنما وعدهم بالاستغفار في المستقبل إذ قال: ﴿ سوف أستغفر لكم ربي ﴾ للدلالة على أنه يلازم الاستغفار لهم في أزمنة المستقبل.
ويعلم منه أنه استغفر لهم في الحال بدلالة الفحوى؛ ولكنه أراد أن ينبههم إلى عظم الذنب وعظمة الله تعالى وأنه سيكرر الاستغفار لهم في أزمنة مستقبلة.
وقيل: أخّر الاستغفار لهم إلى ساعة هي مظنة الإجابة.
وعن ابن عباس مرفوعاً أنه أخر إلى ليلة الجمعة، رواه الطبري.
وقال ابن كثير: في رفعه نظر.
وجملة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ في موضع التعليل لجملة ﴿ أستغفر لكم ربي ﴾ .
وأكد بضمير الفصل لتقوية الخبر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شَمْعُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَهُوذا.
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أتاهُ بِبِشارَةٍ.
﴿ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ﴾ يَعْنِي ألْقى قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ.
﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ أيْ رَجَعَ بَصِيرًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَصِيرًا بِخَبَرِ يُوسُفَ.
الثّانِي: بَصِيرًا مِنَ العَمى.
﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إنِّي أعْلَمُ مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ ما لا تَعْلَمُونَ.
الثّانِي: إنِّي أعْلَمُ مِن قَوْلِ مَلَكِ المَوْتِ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَ يُوسُفَ ما لا تَعْلَمُونَ.
الثّالِثُ: إنِّي أعْلَمُ مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالمِحَنِ ونُزُولِ العِراجِ ونَيْلِ الثَّوابِ ما لا تَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ وإنَّما سَألُوهُ ذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم أدْخَلُوا عَلَيْهِ مِن آلامِ الحُزْنِ ما لا يَسْقُطُ المَأْثَمُ عَنْهُ إلّا بِإجْلالِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ نَبِيٌّ تُجابُ دَعْوَتُهُ ويُعْطى مَسْألَتَهُ، فَرَوى ابْنُ وهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ يَعْقُوبَ وإخْوَةَ يُوسُفَ قامُوا عِشْرِينَ سَنَةً يَطْلُبُونَ التَّوْبَةَ فِيما فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم حَتّى لَقِيَ جِبْرِيلُ يَعْقُوبَ فَعَلَّمَهُ هَذا الدُّعاءَ: يا رَجاءَ المُؤْمِنِينَ لا تُخَيِّبْ رَجائِي، ويا غَوْثَ المُؤْمِنِينَ أغِثْنِي، ويا عَوْنَ المُؤْمِنِينَ أعِنِّي، ويا مُجِيبَ التَّوّابِينَ تُبْ عَلَيَّ فاسْتُجِيبَ لَهم.
فَإنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَتِ المَغْفِرَةُ لَهم بِقَوْلِ يُوسُفَ مِن قَبْلُ ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةِ، فَلِمَ سَألُوا أباهم أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: لِأنَّ لَفْظَ يُوسُفَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ صارَ وعْدًا، ولَمْ يَكُنْ عَنْ ماضٍ فَيَكُونَ خَبَرًا.
الثّانِي: أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن يُوسُفَ كانَ مَغْفِرَةً في حَقِّهِ، ثُمَّ سَألُوا أباهم أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في حَقِّ نَفْسِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهم عَلِمُوا نُبُوَّةَ أبِيهِمْ فَوَثِقُوا بِإجابَتِهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا نُبُوَّةَ أخِيهِمْ فَلَمْ يَثِقُوا بِإجابَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ وفي تَأْخِيرِهِ الِاسْتِغْفارَ لَهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَّرَهُ دَفْعًا عَنِ التَّعْجِيلِ ووَعْدًا مِن بَعْدُ، فَلِذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ وإلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ الثّانِي: أنَّهُ أخَّرَهُ انْتِظارًا لِوَقْتِ الإجابَةِ وتَوَقُّعًا لِزَمانِ الطَّلَبِ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِنْدَ صَلاةِ اللَّيْلِ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
الثّانِي: إلى السَّحَرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ.
رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ)» .
الثّالِثُ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ مَرْفُوعًا.
وَإنَّما سَألُوهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وإنْ كانَ المُسْتَحَقُّ في ذُنُوبِهِمُ التَّوْبَةَ مِنها دُونَ الِاسْتِغْفارِ لَهم ثَلاثَةُ أُمُورٍ: أحَدُها: لِلتَّبَرُّكِ بِدُعائِهِ واسْتِغْفارِهِ.
الثّانِي: طَلَبًا لِاسْتِعْطافِهِ ورِضاهُ.
الثّالِثُ: لِحَذَرِهِمْ مِنَ البَلْوى والِامْتِحانِ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه ﴾ قال: البريد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما أن جاء البشير ﴾ قال: البشير، يهودا بن يعقوب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سفيان رضي الله عنه قال: البشير، هو يهودا.
قال: وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ: ﴿ وجاء البشير من بين يدي العير ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام، قال: ما وجدت عندنا شيئاً، وما اختبزنا منذ سبعة أيام.
ولكن هوّن الله عليك سكرة الموت.
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن لقمان الحنفي رضي الله عنه قال: بلغنا أن يعقوب عليه السلام، لما أتاه البشير قال له: ما أدري ما أثيبك اليوم، ولكن هوّن الله عليك سكرات الموت.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: لما أن جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام فألقى عليه القميص، قال: على أي دين خلفت عليه يوسف عليه السلام؟
قال: على الإِسلام.
قال: الآن تمت النعمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ ﴾ : (أن) هاهنا لا موضع لها من الإعراب، وهي تزاد مع لمَّا توكيدًا على جهة الصلة (١) (٢) ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ ، والمذهبان جميعًا موجودان في أشعار العرب.
وقال البصريون: موضع (أن) رفع بفعل مضمر تلخيصه: فلما ظهر أن جاء البشير، أي: ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع.
قال ابن عباس (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال ابن عباس: ألقي القميص على وجه يعقوب فارتد بصيرًا، يريد: انجلى البياض وذهبت الظلمة.
وقال المفسرون (٨) قال ابن الأنباري (٩) (١) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345.
(٢) "زاد المسير" 4/ 286.
(٣) الطبري 13/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2199، كما في "الدر" 4/ 68، الثعلبي 7/ 110 أ، البغوي 4/ 276، "زاد المسير" 4/ 286، ابن عطية 8/ 76، القرطبي 9/ 261.
(٤) الطبري 13/ 63، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2199، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.
(٥) الطبري 13/ 63، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.
(٦) الطبري 13/ 63، والثعلبي 7/ 110 أ، و"زاد المسير" 4/ 286، وابن عطية 8/ 76، وا لقرطبي 9/ 261، وابن أبي حاتم 7/ 2199 - 2200.
(٧) "تفسير مقاتل" 157 ب.
(٨) الثعلبي 7/ 110 أ، "زاد المسير" 4/ 286، الرازي 18/ 209 (٩) "زاد المسير" 4/ 286.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذهبوا بِقَمِيصِي ﴾ روي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله له حين أخرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به، والظاهر أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص كل أحد ﴿ يَأْتِ بَصِيراً ﴾ الظاهر أنه علم ذلك بوحي من الله ﴿ فَصَلَتِ العير ﴾ أي خرجت من مصر متوجهة إلى يعقوب ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ كان يعقوب ببيت المقدس، ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة ﴿ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ﴾ أي تلومونني أو تردون علي قولي، وقيل: معناه تقولون: ذهب عقلك، لأن الفند هو الخرف ﴿ ضلالك القديم ﴾ أي ذهابك عن الصواب، بإفراط محبتك في يوسف قديماً ﴿ فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير ﴾ روي أن البشير يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص القرحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ﴾ وعدهم بالاستغفار لهم، فقيل سوّفهم إلى السَّحَر لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل إلى ليلة الجمعة ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ هنا محذوفات يدل عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف ﴿ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ أي ضمهما، وأراد بالأبوين أباه وأمه، وقيل أباه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت، وسمى الخالة على هذا أمّا ﴿ إِن شَآءَ الله ﴾ راجع إلى الأمن الذي في قوله آمنين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.
﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.
﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.
﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.
الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.
﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.
﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.
التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.
والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.
والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.
وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟
الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.
قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.
قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.
وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.
روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.
وعن رسول الله أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟
وجد سبعين ثكلى.
قال: فما كان له من الأجر؟
قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
ونقل أن جبريل دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.
فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.
وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.
وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟
وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
ومما يدل على أن يعقوب أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.
والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.
ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.
يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟
قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.
عن النبي : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.
وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.
﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.
وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.
قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.
والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.
فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.
فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.
وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا "أعوذ بك منك" .
ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.
يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.
فقال: الذي بي لكثرة غمومي.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟
فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.
فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.
وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.
واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟!
أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.
وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟
قال: لا يا نبي الله.
ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.
وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.
وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.
وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.
ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.
وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.
قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.
ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.
قال الكلبي.
هي من لغة العجم.
وقيل: لغة القبط.
والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.
قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.
وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.
وقيل: سويق المقل والأقط.
وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.
﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.
﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.
واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟
فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد .
وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.
وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.
كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.
فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.
أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.
وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.
وفيه تصديق لقوله : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.
وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.
وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.
ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.
ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.
وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.
﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.
ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.
قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.
وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".
والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.
قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.
واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.
سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.
وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.
وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.
وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.
وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.
ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.
وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.
يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.
فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.
عن رسول الله أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟
قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.
فقال : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .
قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.
وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.
وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.
روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.
وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.
﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.
قال أهل التحقيق: إن الله أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.
والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.
﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ .
وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.
قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.
﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.
والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟
فقال: هو ملك مصر.
قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟
قال: على دين الإسلام.
قال: الآن تمت النعمة.
ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.
قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.
وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.
وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.
وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.
فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.
روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.
فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.
واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟
قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟
قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.
ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.
قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.
وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.
قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.
وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.
وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.
﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟
وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله فمن أين جاز سجدة أبويه له؟
والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.
وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.
واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.
بأن الخرور قد يعني به المرور قال .
﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ أي لم يمروا.
وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.
ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.
وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.
وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.
﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.
﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.
مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.
قال ابن الأنباري.
بدا موضع معروف هنالك.
روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.
قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.
وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.
﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.
﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.
يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!
قال: أمرني جبريل.
قال: أو ما تسأله؟
قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ قال: فهلا خفتني.
ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.
فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.
ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.
قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟
والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.
وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟
أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.
سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.
فما الفائدة في الطلب؟
الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.
وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.
وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.
قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.
وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.
ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.
ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.
وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.
ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.
وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.
ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.
فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.
وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ فليتذكر.
قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.
وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله أعلم بحقائق الأمور.
التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ بل أول ملامتي هو الله حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.
فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .
يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ ﴾ .
قيل خرجت؛ وفصلت؛ وانفصلت - واحد.
﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ .
قال أهل التأويل: كان بينهما ثمانون فرسخاً؛ يعني: بين مصر وبين كنعان مكان يعقوب.
وقيل: مسيرة ثمانية أيام؛ ما بين الكوفة والبصرة.
ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أن كم كان بينهما؛ سوى أنا نعلم أنه كان بينهما مسيرة أيام؛ ثم وجد يعقوب ريح يوسف من ذلك المكان؛ ولم يجد غيره ممن كان معه؛ فذلك آية من آيات الله؛ حيث وجد ريحه من مكان بعيد لم يجد ذلك غيره، وذلك من آثار البشارة والسرور الذي يدخل فيه بقدومه.
قال بعض أهل التأويل: ذلك القميص هو من كسوة الجنة؛ كان الله كساه إبراهيم، وكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف؛ لذلك وجد ريحه؛ لأنه كان من ثياب الجنة، فهو - وإن ثبت ما قالوا - فذلك أيضاً حيث وجد هو ذلك، ولم يجد غيره.
وكان أيضاً هو لا يجد ذلك الريح قبل فصول العير، وكان مع يوسف.
احتمل ما قالوا، أو احتمل أن يكون قميصاً من قمصه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ﴾ .
قيل: تحزنون، وقيل: تهرمون، وقيل: تكذبون، وقيل: تضعفون، وقيل: تعجزون، وقيل: تجهلون، وقيل: تسفهون، وقيل: تحمقون، وقيل: لولا أن تقولوا ذهب عقلك.
والمفند: معروف عند الناس: هو الذي يبلغ من الكبر غايته؛ كقوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَوْلاَ ﴾ إذا كان على الابتداء؛ فهو على النهي؛ أي لا تفندون، وإذا كان على الخبر؛ فهو على النفي؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ﴾ أي: لم ينفع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه يمين اعتادوه في كلامهم؛ على غير إرادة القسم به.
﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴾ .
قيل: في حُبّ يوسف، وذكره القديم كان عندهم؛ بأنه هالك؛ لذلك أنكروا عليه وخطئوه؛ فيما يجد من ريحه، وعنده أنه في الأحياء؛ لذلك كان ما ذكروا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً ﴾ .
أي رجع بصيراً على ما كان: قال أهل التأويل: البشير كان يهوذا، وقيل: البريد، ولا ندري من كان؛ وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة - سوى أن المدفوع إليه الثواب كان واحداً؛ وإن قال في الابتداء: ﴿ ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: وذلك أن يعقوب قال لهم قبل ذلك: ﴿ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنتم؛ من تصديق رؤيا يوسف؛ وأنه حي، وكان يعلم هو من الله أشياء ما لا يعلمون هم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ قال يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي.
طلبوا من أبيهم الاستغفار؛ فأخرهم ذلك إلى وقت، وطلبوا من يوسف العفو وأقروا له بالخطأ والذنب؛ فعفا عنهم وقت سؤالهم العفو، فمن الناس من يقول: إنما أخر يعقوب الاستغفار؛ وعفا عنهم يوسف؛ لأن قلب الشاب يكون ألين وأرقّ من قلب الشيخ؛ لذلك كان ما كان، لكن هذا ليس بشيء؛ إنما يكون هذا في عوامّ من الناس؛ فأمّا الأنبياء كلما مضى وقت فتزداد قلوبهم ليناً ورقّة وخشوعاً.
ومنهم من يقول: إنما كان كذلك؛ لأن وَجْد يعقوب كان أكثر مِنْ وَجْد يوسف؛ لذلك كان أجابهم يوسف وقت سؤالهم العفو؛ وأخر يعقوب إلى وقت.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: والوجه فيه عندنا - والله أعلم -: أنهم إنما سألوا يعقوب؛ وطلبوا منه الاستغفار من ربهم؛ ليكون لهم شفيعاً؛ فأخر ذلك إلى وقت الاستغفار والشفاعة؛ إذ ليس كل الأوقات يكون وقتاً للاستغفار، وطلبوا من يوسف العفو منه؛ فعفا عنهم وقت طلبهم منه العفو؛ لهذا الوجه، يحتمل أن يخرج معناه.
والله أعلم.
أو أن يكون يعقوب أخّر الاستغفار؛ لأن الذنب في ذلك كان بينهم وبين ربهم؛ فأخر إلى أن يجيء الإذن من ربه، وأما الذنب في يوسف؛ ففيما بينهم وبين يوسف؛ فعفا عنهم في ساعته.
ويحتمل قوله: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ ﴾ .
إن استغفرتم [أنتم]، أو قال: سوف أستغفر لكم ربي؛ إذا جاء وقته؛ وهو ما قال ابن عباس - -: إنه [أخر وقت الاستغفار] إلى وقت السحر، أو أن يكون أخره إلى أن يقدم شيئاً بين [يدي] الاستغفار والشفاعة؛ ليكون أسرع إلى الإجابة.
<div class="verse-tafsir"
فلما جاء المُخْبِر بما يسرّ يعقوب ألقى قميص يوسف على وجهه فصار بصيرًا، عندئذ قال لأبنائه: ألم أقل لكم إني أعلم من لطف الله وإحسانه ما لا تعلمونه أنتم؟
<div class="verse-tafsir" id="91.6KyDb"