الآية ٢٨ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٢٨ من سورة الإسراء

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًۭا مَّيْسُورًۭا ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى ] ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ) أي وإذا سألك أقاربك ومن أمرنا بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة ( فقل لهم قولا ميسورا ) أي عدهم وعدا بسهولة ولين : إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله هكذا فسر قوله ( فقل لهم قولا ميسورا ) بالوعد مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإن تعرض يا محمد عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم إذا وجدت إليها السبيل بوجهك عند مسألتهم إياك، ما لا تجد إليه سبيلا حياء منهم ورحمة لهم ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) يقول: انتظار رزق تنتظره من عند ربك، وترجو تيسير الله إياه لك، فلا تؤيسهم، ولكن قل لهم قولا ميسورا: يقول: ولكن عدهم وعدا جميلا بأن تقول: سيرزق الله فأعطيكم، وما أشبه ذلك من القول اللين غير الغليظ، كما قال جلّ ثناؤه وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ .

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) قال: انتظار الرزق ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) قال: لينا تَعِدُهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) قال: رزق أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ .

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة، في قوله ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) قال: انتظار رزق من الله يأتيك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) قال: إن سألوك فلم يجدوا عندك ما تعطيهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ترجوه ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) قال: عدهم عدة حسنة، إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعلنا، أعطيناكم، فهو القول الميسور.

قال ابن جريج، قال مجاهد: إن سألوك فلم يكن عندك ما تعطيهم، فأعرضت عنهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) قال: انتظار رزق الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن عبيدة في قوله ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) قال: ابتغاء الرزق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) قال: أي رزق تنتظره ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) أي معروفا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) قال: عدهم خيرا.

وقال الحسن: قل لهم قولا لينا وسهلا.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان ، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) يقول: لا نجد شيئا تعطيهم ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) يقول: انتظار الرزق من ربك، نـزلت فيمن كان يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم من المساكين.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثني عمارة، عن عكرمة في قول الله ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) قال: الرفق.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم ( ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) إذا خشيت إن أعطيتهم.

أن يتقووا بها على معاصي الله عزّ وجلّ، ويستعينوا بها عليها، فرأيت أن تمنعهم خيرا، فإذا سألوك ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ) قولا جميلا رزقك الله، بارك الله فيك.

وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن زيد مع خلافه أقوال أهل التأويل في تأويل هذه الآية، بعيد المعنى، مما يدل عليه ظاهرها، وذلك أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ) فأمره أن يقول إذا كان إعراضه عن القوم الذين ذكرهم انتظار رحمة منه يرجوها من ربه (قَوْلا مَيْسُورًا) وذلك الإعراض ابتغاء الرحمة، لن يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها لنفسه، فيكون معنى الكلام كما قلناه، وقال أهل التأويل الذين ذكرنا قولهم، وخلاف قوله؛ أو يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها للسائلين الذين أُمِر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بزعمه أن يمنعهم ما سألوه خشية عليهم من أن ينفقوه في معاصي الله، فمعلوم أن سخط الله على من كان غير مأمون منه صَرْف ما أُعْطي من نفقة ليتقوّى بها على طاعة الله في معاصيه، أخوف من رجاء رحمته له، وذلك أن رحمة الله إنما ترجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه، إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلى أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر بمنعهم ما سألوه، لينيبوا من معاصي الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه، فيكون ذلك وجها يحتمله تأويل الآية، وإن كان لقول أهل التأويل مخالفا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا فيه ثلاث مسائل :الأولى : أنه - سبحانه وتعالى - خص نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها .

وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع ، أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم .

وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض وعائق يعوق ، وأنت عند ذلك ترجو من الله - سبحانه وتعالى - فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل ; فإن قعد بك الحال فقل لهم قولا ميسورا .الثانية : في سبب نزولها ; قال ابن زيد : نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأبى أن يعطيهم ; لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد ، فكان يعرض عنهم رغبة في الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم .

وقال عطاء الخراساني في قوله - تعالى - وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها قال : ليس هذا في ذكر الوالدين ، جاء ناس من مزينة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحملونه ; فقال : لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ; فأنزل الله - تعالى - : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها .

والرحمة الفيء .

والضمير في عنهم عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل .الثالثة : قوله تعالى : فقل لهم قولا ميسورا أمره بالدعاء لهم ، أي يسر فقرهم عليهم بدعائك لهم .

وقيل : ادع لهم دعاء يتضمن الفتح لهم والإصلاح .

وقيل : المعنى وإما تعرضن أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولا ميسورا ; أي أحسن [ ص: 225 ] القول وابسط العذر ، وادع لهم بسعة الرزق ، وقل إذا وجدت فعلت وأكرمت ; فإن ذلك يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة .

وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارا لرزق يأتي من الله - سبحانه وتعالى - كراهة الرد ، فنزلت هذه الآية ، فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال : يرزقنا الله وإياكم من فضله .

فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر .

وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة .

و قولا ميسورا أي لينا لطيفا طيبا ، مفعول بمعنى الفاعل ، من لفظ اليسر كالميمون ، أي وعدا جميلا ، على ما بيناه .

ولقد أحسن من قال :إلا تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقيإما نوالي وإما حسن مردوديتقول : يسرت لك كذا إذا أعددته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى مع القدرة والغنى، فأما مع العدم أو تعسر النفقة الحاضرة فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر ترجو فيه من الله تيسير الأمر.

{ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } أي: لطيفا برفق ووعد بالجميل عند سنوح الفرصة واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر لينقلبوا عنك مطمئنة خواطرهم كما قال تعالى: { قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر عبادة حاضرة لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير وينوي فعل ما لم يقدر عليه ليثاب على ذلك ولعل الله ييسر له بسبب رجائه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإما تعرضن عنهم ( نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزل ( وإما تعرضن عنهم ( وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم ( ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ( انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك ( فقل لهم قولا ميسورا ( لينا وهي العدة أي : عدهم وعدا جميلا وقيل : القول الميسور أن تقول : يرزقنا الله وإياك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإما تعرضن عنهم» أي المذكورين من ذي القربى وما بعدهم فلم تعطهم «ابتغاء رحمة من ربك ترجوها» أي لطلب رزق تنتظره يأتيك تعطيهم منه «فقل لهم قولاً ميسورا» لينا سهلاً بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن أعرضت عن إعطاء هؤلاء الذين أُمِرْت بإعطائهم؛ لعدم وجود ما تعطيهم منه طلبًا لرزق تنتظره من عند ربك، فقل لهم قولا ليِّنًا لطيفًا، كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق، وعِدْهم بأن الله إذا أيسر من فضله رزقًا أنك تعطيهم منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله فى حال عدم قدرته على تقديم العون للأقارب والمحتاجين ، فقال - تعالى - : ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ) .ولفظ ( إما ) مركب من " إن " الشرطية ، ومن " ما " المزيدة .

أى : إن تعرض عنهم .وقوله ( تعرضن ) من الإِعراض ، بمعنى صرف الوجه عن السائل حياء منه وبسبب عدم القدرة على تلبية طلبه .وقوله : ( ابتغاء ) مفعول لأجله منصوب بتعرضن ، وهو من باب وضع المسبب موضع السبب .

لأن الأصل : وإما تعرضن عنهم لإِعسارك .والمراد بالرحمة : انتظار الحصول على الرزق ، وحلول الفرج بعد الضيق .والميسور : اسم مفعول من يسر الأمر - بالبناء للمفعول - مثل سعد الرجل ، ومعناه : السهل اللين .والمعنى : وإما تعرضن - أيها المخاطب - عن ذى قرابتك وعن المسكين وابن السبيل ، بسبب إعسارك وانتظارك لرزق يأتيك من الله - عز وجل - فقل لهم فى هذه الحالة قولا لينا رفيقا يدل على اهتمامك بشأنهم ، ويدخل السرور على نفوسهم ، كأن تقول لهم مثلا - : ليس عندى اليوم ما أقدمه لكم ، وإن يرزقنى الله بشئ فسأجعل لكم نصيبا منه .قال القرطبى ما ملخصه : وهو تأديب عجيب ، وقول لطيف بديع ، أى لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم ، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض ، وعائق يعوق ، وأنت عند ذلك ترجو من الله - تعالى - فتح باب الخير ، لتتوصل به إلى مواساة السائل ، فإن قعد بك الحال ( فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ) أى لينا لطيفا .

.

ولقد أحسن من قال :إلاَّ تكن وَرِقٌ يوماً أجود بها ...

للسائلين فإنى لينُ العودلا يعدم السائلون الخير من خلقى ...

إما نوالى وإما حسنُ مردود

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من أعمال الخير والطاعة المذكورة في هذه الآيات وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَءاتِ ﴾ خطاب مع من؟

فيه قولان: القول الأول: أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فأمره الله أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضاً إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المثالين.

والقول الثاني: أنه خطاب للكل والدليل عليه أنه معطوف على قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه  ﴾ والمعنى: أنك بعد فراغك من بر الوالدين، يجب أن تشتغل ببر سائر الأقارب الأقرب فالأقرب، ثم بإصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ ﴾ مجمل وليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو؟

وعند الشافعي رحمه الله أنه لا يجب الإنفاق إلا على الولد والوالدين، وقال قوم: يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم فلا حق لهم إلا الموادة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة في السراء والضراء.

أما المسكين وابن السبيل فقد تقدم وصفهما في سورة التوبة في تفسير آية الزكاة.

ويجب أن يدفع إلى المسكين ما يفي بقوته وقوت عياله، وأن يدفع إلى ابن السبيل ما يكفيه من زاده وراحلته إلى أن يبلغ مقصده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا ﴾ والتبذير في اللغة إفساد المال وإنفاقه في السرف.

قال عثمان بن الأسود: كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه إلى أبي قبيس وقال: لو أن رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهماً واحداً في معصية الله كان من المسرفين.

وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير، وعن عبد الله بن عمر قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟

فقال: أو في الوضوء سرف؟

قال: نعم: وإن كنت على نهر جارٍ ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين فقال: ﴿ إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين ﴾ والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخاً له، فيقولون: فلان أخو الكرم والجود، وأخو السفر إذا كان مواظباً على هذه الأعمال، وقيل قوله: ﴿ إخوان الشياطين ﴾ أي قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم  ﴾ أي قرناءهم من الشياطين، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان فقال: ﴿ وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا ﴾ ومعنى كون الشيطان كفوراً لربه، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للناس.

وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفوراً لنعمة الله تعالى، والمقصود: أن المبذرين إخوان الشياطين، بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه فيلزم كون المبذر أيضاً كفوراً لربه، وقال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله، وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أعمالهم في هذا الباب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا ﴾ والمعنى: أنك إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ أي سهلاً ليناً وقوله: ﴿ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا ﴾ كناية عن الفقر، لأن فاقد المال يطلب رحمة الله وإحسانه.

فلما كان فقد المال سبباً لهذا الطلب ولهذا الابتغاء أطلق اسم السبب على المسبب فسمى الفقر بابتغاء رحمة الله تعالى، والمعنى: أن عند حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن، بل تعدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال، أو تقول لهم: الله يسهل، وفي تفسير القول الميسور وجوه: الأول: القول الميسور هو الرد بالطريق الأحسن.

والثاني: القول الميسور اللين السهل قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته له.

الثالث: قال بعضهم: القول الميسور مثل قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى  ﴾ قالوا: والميسور هو المعروف، لأن القول المتعارف لا يحوج إلى تكلف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الردّ ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

قوله ﴿ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ ﴾ إمّا أن يتعلق بجواب الشرط مقدّماً عليه، أي: فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً، رحمة لهم وتطييباً لقلوبهم، ابتغاء رحمة من ربك، أي: ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم.

وإما أن يتعلق بالشرط، أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فسمى الرزق رحمة، فردّهم ردّاً جميلاً، فوضع الابتغاء موضع الفقد؛ لأنّ فاقد الرزق مبتغ له، فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه، فوضع المسبب موضع السبب.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ وإن لم تنفعهم ولم ترفع خصاصتهم لعدم الاستطاعة، ولا يريد الإعراض بالوجه كناية بالإعراض عن ذلك؛ لأن من أبى أن يعطي: أعرض بوجهه.

يقال: يسر الأمر وعسر، مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول.

وقيل معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، كأن معناه: قولاً ذا ميسور، وهو اليسر، أي: دعاء فيه يسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ وإنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ الرَّدِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإعْراضِ عَنْهم أنْ لا يَنْفَعَهم عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.

﴿ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها ﴾ لِانْتِظارِ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُوهُ أنْ يَأْتِيَكَ فَتُعْطِيَهُ، أوْ مُنْتَظِرِينَ لَهُ وقِيلَ مَعْناهُ لِفَقْدِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهُ أنْ يَفْتَحَ لَكَ فَوُضِعَ الِابْتِغاءُ مَوْضِعَهُ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالجَوابِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ أيْ فَقُلْ لَهم قَوْلًا لَيِّنًا ابْتِغاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ بِإجْمالِ القَوْلِ لَهم، والمَيْسُورُ مِن يُسْرِ الأمْرِ مِثْلَ سَعُدَ الرَّجُلُ ونَحُسَ، وقِيلَ القَوْلُ المَيْسُورُ الدُّعاءُ لَهم بِالمَيْسُورِ وهو اليُسْرُ مِثْلَ أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإما تعرضن عنهم} وان أغرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد {ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم رداً جميلاً فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه فوضع المسبب موضع السبب يقال يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول وقيل معناه فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم كأن معناه قولاً ذا ميسور وهو اليسر أي دعاء

الإسراء (٢٩ _ ٣٣)

فيه يسر وابتغاء مفعول له أو مصدر في موضع الحال وترجوها حال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ أيْ: عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: عَنِ السّائِلِينَ مُطْلَقًا، والإعْراضُ في الأصْلِ إظْهارُ العَرْضِ أيِ النّاحِيَةِ، فَمَعْنى أعْرَضَ عَنْهُ: ولّى مُبْدِيًا عَرْضَهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا حَقِيقَتُهُ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ  كانَ إذا سُئِلَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَهُ صَرَفَ وجْهَهُ الشَّرِيفَ وسَكَتَ فَنَزَلَتْ: ﴿ وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها ﴾ » والخِطابُ عامٌّ لَهُ  ولِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ الرِّزْقُ، ونُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.

قالَ في الكَشْفِ: قَدْ أُقِيمَ ابْتِغاءُ الرِّزْقِ مَقامَ فِقْدانِهِ وفِيهِ لُطْفٌ، فَكانَ ذَلِكَ الإعْراضُ لِأجْلِ السَّعْيِ لَهُمْ، وهو مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ كَما أوْضَحَهُ في الكَشّافِ، وقَدْ يُفَسَّرُ الِابْتِغاءُ بِالِانْتِظارِ ويَجُوزُ جَعْلُهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ تُعْرِضَنَّ ﴾ أيْ: مُبْتَغِيًا، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعِيدٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإعْراضُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّفْعِ وتَرْكِ الإعْطاءِ لِأنَّهُ لازَمَهُ عُرْفًا والِابْتِغاءُ مَجازًا عَنْ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ والتَّعَلُّقِ أيْضًا بِالشَّرْطِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: ﴿ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأُعِينُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ﴾ ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ الآيَةَ».

وفَسَّرَ الرَّحْمَةَ بِالفَيْءِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ في المُسْتَقْبَلِ أنَّكَ أعْرَضْتَ عَنْهم في الماضِي ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ إلَخْ.

والمُرادُ سَبَبِيَّةُ الثُّبُوتِ لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ فَتَأمَّلْ.

وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ بِجَوابِ الشَّرْطِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ أيْ: إمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهم فَقُلْ لَهم ذَلِكَ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، وقَدَّمَ هَذا الوَجْهُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واعْتُرِضَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها في غَيْرِ بابِ أمّا وما يَلْحَقُ بِها.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ المُجَوِّزِ لِلْعَمَلِ مُطْلَقًا أوْ أرادَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ فَيُضْمَرُ ما يَنْصِبُهُ ويُجْعَلُ المَذْكُورُ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ، والإعْراضُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ كِنايَةً مُخْتَصٌّ بِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرْطِ عَلى ما زَعَمَهُ الطِّيبِيُّ والحَقُّ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ كَما لا يَخْفى.

وجُمْلَةُ: ﴿ تَرْجُوها ﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وصْفًا لِرَحْمَةٍ وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ و ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْجُوها.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَحْمَةٍ، والمَيْسُورُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن يُسِّرَ الأمْرُ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ مِثْلَ سَعِدَ الرَّجُلُ ومَعْناهُ السَّهْلُ؛ أيْ: فَقُلْ لَهم قَوْلًا سَهْلًا لَيِّنًا وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا، قالَ الحَسَنُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكُمْ، وقِيلَ: المَيْسُورُ مَصْدَرٌ وجُعِلَ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: قَوْلًا ذا مَيْسُورٍ، أيْ: يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ بِاليُسْرِ مِثْلَ: أغْناكُمُ اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَ لَكُمْ، وفَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ بِرَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكُمْ، بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكم.

وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ المَيْسُورَ مَعْناهُ ذا يُسْرٍ؛ ولِهَذا وقَعَ صِفَةً لِقَوْلٍ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ في أنْ يُجْعَلَ مَصْدَرًا ثُمَّ يُؤَوَّلُ بِذا مَيْسُورٍ، ودُفِعَ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ القَوْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ لا يَكُونُ القَوْلُ حِينَئِذٍ مَيْسُورًا بَلْ مُيَسِّرٌ لِما أرادُوهُ.

ومَيْسُورٌ مَصْدَرًا مِمّا ثَبَتَ في اللُّغَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَجَعْلُهُ صِفَةَ مُبالَغَةٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والحُقُّ أنَّ اعْتِبارَهُ مَصْدَرًا خِلافُ الظّاهِرِ، وفي الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لِلسّائِلِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ لا يَرى أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ إذا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا: رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوَهُ؛ قائِلًا: إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَكْرَهُ سَماعَهُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى لِمَن لا يَهَشُّ لَهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ مَغْزًى بَعِيدٌ، وأفادَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ الإعْراضِ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ فَإنَّ المَعْنى: إنْ أرَدْتَ الإعْراضَ عَنْهم فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ولا تُعْرِضْ، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ بَصَرٌ حَدِيدٌ.

واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ جَعْلَ: ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ مِن مُتَعَلِّقاتِ الشَّرْطِ بِأنّا مَأْمُورُونَ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ إنِ انْتَظَرْنا شَيْئًا يَحْصُلُ لَنا أوْ لَمْ نَنْتَظِرْ.

وأجابَ بِأنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ الوَعْدُ بِالعَطاءِ فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ: لا تَعِدُوا إلّا إذا كُنْتُمْ عَلى رَجاءٍ مِن حُصُولِ ما تَعِدُونَ بِهِ فالتَّقْيِيدُ بِالِابْتِغاءِ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِلشَّرْطِ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَعْدُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجاءِ لِما أنَّهُ يُؤَدِّي إلى الإخْلافِ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أي: عن قرابتك في الرحم وغيرهم ممن يسألك حياء منهم ورحمة لهم ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي: انتظار رزق من ربك أن يأتيك، أو قدوم مال غائب عنك ترجو حضوره فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي: هينا لينا.

وعدهم عدة حسنة.

وقال مقاتل: نزلت الآية في خباب بن الأرت وبلال وعمَّار ونحوهم من أصحاب الصُّفة، كانوا يسألون النبيّ  فلا يجد شيئاً يعطيهم، فيعرض عنهم، فنزلت الآية.

وقال السدي: معناه لا تعرض عنهم ابتغاء أن تصيب مالاً فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي: قل لهم نعم وكرامة، ليس عندنا اليوم شيء، فإِن أتانا شيء نعرف حقكم.

وقال محمد بن الحنفية: «كان رسول الله  لا يقول لشيء لا، فإِذا سئل وأراد أن يفعل، يقول: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت، فكان قد علم ذلك منه» .

قوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ يقول: لا تمسك يدك في النفقة من البخل، بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ في الإسراف فتعطي جميع ما عندك، فيجيء الآخرون ويسألونك فلا تجد ما تعطيهم، وهذا قول ابن عباس.

وقال قتادة: لا تمسكها عن طاعة الله وَعَنِ حقه، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ يقول: لا تنفقها في المعصية وفيما لا يصلح.

وقال مقاتل في قوله: لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، في العطية فلا يبقى عندك شيء، وإذا سئلت لم تجد ما تعطيهم.

وقال بعض الحكماء: «كان النبيّ  لأمته كالوالد، ولا ينبغي للوالد أن يعطي جميع ماله لبعض ولده ويترك الآخرين، فنهاه الله تعالى أن يعطي جميع ماله لمسكين واحد، وأمره أن يقسم بالسوية كي لا ييأسوا منه» .

ثم قال تعالى: فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً يعني: لو أعطيت جميع مالك فتبقى مَلُوماً يلومك الناس وتلوم نفسك مَحْسُوراً منقطعاً عن المال لا مال لك، والمحسور في اللغة: المنقطع.

وروي في الخبر: «أن امرأة بعثت ابنها إلى النبيّ  فقالت له: قل له إن أمي تستكسيك درعاً، فإن قال لك حتى يأتينا شيء، فقل له: إنها إِذَنْ تستكسيك قميصك.

فأتاه فقال له: إن أمي تستكسيك درعاً فقال له: «حتى يأتينا شيء» .

فقال: إنها تستكسيك قميصك، قال: فنزع قميصه ودفعه إليه، ولم يبق له قميص يخرج به إلى الصلاة» (١) قال الفقيه: إذا أردت أن تعرف أن البخل قبيح، فانظر إلى هذه الآية، وذلك أن النبي  لما أعطى قميصه حتى عجز عن الخروج إلى الصلاة عاتبه الله تعالى على ذلك، فبدأ بالنهي عن الإمساك فقال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً فنهاه أولاً عن البخل، ثم نهاه عن دفع الكل وهو التبذير.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 276 إلى ابن أبي حاتم عن المنهال بن عمر وابن جرير عن ابن مسعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المنتظر، وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والميسور: من اليسر.

وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ استعارةٌ لليد المقبوضةِ عن الانفاق جملةً، واستعير لليد التي تستنفِذُ جميعَ ما عنْدها غايةَ البَسْطِ ضِدّ الغُلِّ، وكلُّ هذا في إِنفاق الخير، وأما إِنفاق الفساد، فقليله وكثيره حرامٌ، أو الملامة هنا لاحقةٌ ممن يطلب من المستحقين، فلا يجدُ ما يعطى، «والمحسورُ» الذي قد استنفدَتْ قوته، تقولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إِذا أتْعَبْتَهُ حتى لم تَبْقَ له قوة ومنه البَصَرِ الحَسِير.

قال ابنُ العربيِّ «٢» وهذه الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمته، وكثيراً ما جاء هذا المعنى في القرآن، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان سيِّدَهم وواسطَتَهم إِلى ربِّهم، عبِّر به عنهم، على عادة العرب في ذلك.

انتهى من «الأحكام» ، و «الحسير» : هو الكالُّ.

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ معنى يَقْدِرُ: يضيِّق.

وقوله سبحانه: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً، أي: يعلم مصلحة قَوْمٍ في الفقر، ومصلحةَ آخرين في الغنى.

وقال بعضُ المفسِّرين: الآية إِشارةٌ إِلى حال العرب التي كانَتْ يصلحها الفَقْرَ، وكانت إِذا شبعتْ، طَغَتْ.

ت: وهذا التأويلُ يَعْضُدُهُ قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...

الآية [الشورى: ٢٧] ولا خصوصيَّة لذكْر العرب إِلا مِنْ حيث ضرب المثل.

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)

وقوله سبحانه: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ...

الآية: نهي عن الوأد الذي

كانت العرب تفعله، «والإِملاق» .

الفقر وعَدَم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَلمْ يَئِدْهَا، ولَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا- قال:

يَعْني الذُّكُورَ- أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنة» «١» انتهى.

والحق الذي تقتل به النفس: قد فسّره النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «لاَ يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلاَّ إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: كُفْرُ بَعْدَ/ إِيمَانٍ، أو زناً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ» «٢» أي: وما في هذا المعنى مِنْ حرابةٍ أو زندقةً ونحو ذلك.

وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي: بغير الوجوه المذكورة، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً، ولا مدخل للنساء في ولاية الدَّمِ عند جماعة من العلماءِ، ولهنَّ ذلك عند آخرين، «والسلطان» : الحجة والملك الذي جُعِلَ إِليه من التخيير في قبول الدية أو العفو قاله ابن عبَّاس «٣» .

قال البخاريُّ: قال ابن عباس: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حُجَّة «٤» .

انتهى، وقال قتادة: «السلطان» : القود «٥» .

وقوله سبحانه: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ المعنى: فلا يَتَعَدَّ الوليُّ أمْرَ اللَّه بأنْ يقتل غير قاتِلِ وليِّه، أو يقتل اثنين بواحدٍ إلى غير ذلك من وجوه التعدِّي، وقرأ «١» حمزة والكسائيُّ، وابن عامر: «فَلاَ تُسْرِفْ» - بالتاء من فوق-، قال الطبري «٢» : على الخطاب للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والأئمة بعده.

قال ع: ويصحَّ «٣» أنْ يراد به الوليُّ، أي: فلا تسرفْ أيُّها الولي، والضميرُ في «إِنه» عائدٌ على «الوليِّ» ، وقيل: على المقتول، وفي قراءة أبي بن «٤» كعب: «فَلاَ تُسْرُفوا في القِتَال إِنَّ وليَّ المَقْتُول كانَ مَنْصُوراً» ، وباقي الآية تقدَّم بيانه، قال الحسن:

بِالْقِسْطاسِ هو «٥» القَبَّان «٦» ، وهو القرسطون، وقيل: القِسْطَاسِ: هو الميزانُ، صغيراً كان أو كبيراً.

قال ع «٧» : وسمعت أبي رحمه الله تعالى يَقُولُ: رأيْتُ الواعِظَ أبا الفضْلِ الجَوْهَرِيَّ رحمه الله في جامعِ عمرو بن العاص يعظُ النَّاسَ في الوزْن، فقال في جملة كلامه: إِن في هيئة اليَدِ بالميزانِ عِظَةً، وذلك أنَّ الأصابعَ يجيءُ منها صُوَرةُ المكتوبة ألف ولامَانِ وهاء، فكأنَّ الميزان يقولُ: اللَّه، اللَّه.

قال ع «٨» : وهذا وعظٌ جميلٌ، «والتأويل» ، في هذه الآية المآل قاله «٩» قتادة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرابَةُ الرَّجُلِ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، فَعَلى هَذا في حَقِّهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ: بِرُّهم وصِلَتُهم.

والثّانِي: النَّفَقَةُ الواجِبَةُ لَهم وقْتَ الحاجَةِ.

والثّالِثُ: الوَصِيَّةُ لَهم عِنْدَ الوَفاةِ.

والثّانِي: أنَّهم قَرابَةُ الرَّسُولِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ، والسُّدِّيُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ حَقَّهُمْ: إعْطاؤُهم مِنَ الخُمْسِ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلْوُلاةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ، يَعْنِي: الزَّكاةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْطاؤُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ.

وقِيلَ: حَقُّ المِسْكِينِ مِنَ الصَّدَقَةِ، وابْنُ السَّبِيلِ مِنَ الضِّيافَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ في التَّبْذِيرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ الرَّجُلُ مالَهُ كُلَّهُ في حُقِّ، ما كانَ مُبَذِّرًا، ولَوْ أُنْفِقَ مَدًّا في غَيْرِ حَقٍّ كانَ مُبَذِّرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: التَّبْذِيرُ: النَّفَقَةُ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ الإبِلَ وتُبَذِّرُ الأمْوالَ تَطْلُبُ بِذَلِكَ الفَخْرَ والسُّمْعَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالنَّفَقَةِ في وجْهِها فِيما يَقْرُبُ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْرافُ المُتْلِفُ لِلْمالِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُبَذِّرُ: هو المُسْرِفُ المُفْسِدُ العائِثُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ ﴾ لِأنَّهم يُوافِقُونَهم فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ويُشاكِلُونَهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

﴿ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جاحِدًا لِنِعَمِهِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ أنَّ المُسْرِفَ كَفُورٌ لِلنِّعَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ الأقارِبِ والمَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، فَعَلى هَذا في عِلَّةِ هَذا الإعْراضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الإعْسارُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: خَوْفُ إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وعَلى هَذا في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاحُ والتَّوْبَةُ، هَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فالمَعْنى: وإمّا تُعْرِضْنَّ عَنْهم لِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

فَتَحْتَمِلُ إذًا الرَّحْمَةُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: انْتِظارُ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: الهِدايَةُ لَهم.

والثّالِثُ: أنَّهم ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ جاؤُوا يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ: ﴿ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ ، فَبَكَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في خَبّابٍ، وبِلالٍ، وعَمّارٍ، ومَهْجَعٍ، ونَحْوِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ، كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ  فَلا يَجِدُ ما يُعْطِيهِمْ، فَيُعْرِضُ عَنْهم ويَسْكُتُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ بِمَعْنى: الرِّزْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيِّنًا هَيِّنًا، وهو مِنَ اليُسْرِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ العِدَةُ الحَسَنَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ القَوْلُ الجَمِيلُ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُداراةُ لَهم بِاللِّسانِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآَيَةُ النَّسْخَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ  والمُرادُ الأُمَّةُ.

و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ.

قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ  ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ.

و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ.

و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ  ﴾ ، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  ﴾ ، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ  بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ.

ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ  فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ.

والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي.

و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ.

وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: "وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ.

قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ ﴾ ، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ.

و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وآت ذا القربى والمسكين ﴾ [الإسراء: 26] لأنه من تمامه.

والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب.

والمقصود بالخطاب النبي لأنه على وزان نظم قوله: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ [الإسراء: 23] فإن المواجهة ب ربك } في القرآن جاءت غالباً لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعدله ما روي أن النبي كان إذا سأله أحد مالاً ولم يكن عنده ما يعطيه يعرض عنه حياء فنبهه الله إلى أدب أكمل من الذي تعهده من قبل ويحصل من ذلك تعليم لسائر الأمة.

وضمير ﴿ عنهم ﴾ عائد إلى ذي القُربى والمسكين وابن السبيل.

والإعراض: أصله ضد الإقبال مشتق من العُرض بضم العين أي الجانب، فأعرض بمعنى أعطى جانبه ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ [الإسراء: 83]، وهو هنا مجاز في عدم الإيتاء أو كناية عنه لأن الإمساك يلازمه الإعراض، أي إن سألك أحدهم عطاءً فلم تجبه إليه أو إن لم تفتقدهم بالعطاء المعروف فتباعدتَ عن لقائهم حياءً منهم أن تلاقيهم بيد فارغة فقل لهم قولاً ميسوراً.

والميسور: مفعول من اليُسر، وهو السهولة، وفعله مبني للمجهول.

يقال: يُسِر الأمرُ بضم الياء وكسر السين كما يقال: سُعِد الرجل ونُحِس، والمعنى: جُعِل يسيراً غير عسير، وكذلك يقال: عُسِر.

والقول الميسور: اللين الحسن المقبول عندهم؛ شبه المقبول بالميسور في قبول النفس إياه لأن غير المقبول عسير.

أمر الله بإرفاق عدم الإعطاء لعدم الموجدة بقول لين حسن بالاعتذار والوعد عند الموجدة، لئلا يُحمل الإعراض على قلة الاكتراث والشح.

وقد شرط الإعراض بشرطين: أن يكون إعراضاً لابتغاء رزق من الله، أي إعراضاً لعدم الجدة لا اعتراضاً لبخل عنهم، وأن يكون معه قول لين في الاعتذار.

وعلم من قوله: ابتغاء رحمة من ربك} أنه اعتذار صادق وليس تعللاً كما قال بشار: وللبخيل على أمواله علل *** رزق العيون عليها أوجه سود فقوله: ﴿ ابتغاء رحمة من ربك ﴾ حال من ضمير ﴿ تعرضن ﴾ مصدر بالوصف، أي مبتغياً رحمة من ربك.

و ﴿ ترجوها ﴾ صفة ل ﴿ رحمة ﴾ .

والرحمة هنا هي الرزق الذي يتأتى منه العطاء بقرينة السياق.

وفيه إشارة إلى أن الرزق سبب للرحمة لأنه إذا أعطاه مستحقه أثيب عليه، وهذا إدماج.

وفي ضمن هذا الشرط تأديب للمؤمن إن كان فاقداً ما يبلغ به إلى فعل الخير أن يرجوَ من الله تيسير أسبابه، وأن لا يحمله الشح على السرور بفقد الرزق للراحة من البذل بحيث لا يَعدِم البذلَ الآن إلا وهو راج أن يسهل له في المستقبل حرصاً على فضيلته، وأنه لا ينبغي أن يعرض عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل إلا في حال رجاء حصول نعمة فإن حصلت أعطاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إذا أعْرَضْتَ عَمَّنْ سَألَكَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِتَعَذُّرِهِ عِنْدَكَ ﴿ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها ﴾ أيِ انْتِظارًا لِلرِّزْقِ مِنهُ ﴿ فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ أيْ عِدْهم خَيْرًا ورُدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا جَمِيلًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ إذا أعْرَضْتَ عَمَّنْ سَألَكَ حَذِرًا أنْ يُنْفِقَهُ في مَعْصِيَةٍ فَمَنَعْتَهُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ لَهُ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، أيْ لَيِّنًا سَهْلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآت ذا القربى حقه ﴾ قال: أمره بأحق الحقوق، وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده، وكيف يصنع إذا لم يكن، فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ﴾ قال: إذا سألوك وليس عندك شيء انتظرت رزقاً من الله ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ يقول: إن شاء الله يكون شبه العدة.

قال: سفيان رحمه الله والعدة من النبي صلى الله عليه وسلم دين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

قال: هو أن تصل ذا القرابة، وتطعم المسكين، وتحسن إلى ابن السبيل.

وأخرج ابن جرير، عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟

قال: نعم.

قال: أفما قرأت في بني إسرائيل؟

﴿ وآت ذا القربى حقه ﴾ قال: وإنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه؟

قال: نعم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية.

قال: كان ناس من بني عبد المطلب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه، فإذا صادفوا عنده شيئاً أعطاهم، وإن لم يصادفوا عنده شيئاً سكت لم يقل لهم نعم، ولا، لا.

والقربى، قربى بني عبد المطلب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ قال: هو أن توفيهم حقهم إن كان يسيراً، وإن لم يكن عندك ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ وقل لهم الخير.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآت ذى القربى حقه ﴾ الآية.

قال: بدأ فأمره بأوجب الحقوق، ودله على أفضل الأعمال إذا كان عنده شيء.

فقال: ﴿ وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ وعلمه إذا لم يكن عنده شيء كيف يقول.

فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ عدة حسنة كأنه قد كان، ولعله أن يكون إن شاء الله ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ لا تعطي شيئاً ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ تعطي ما عندك ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ يلومك من يأتيك بعد، ولا يجد عندك شيئاً ﴿ محسوراً ﴾ قال: قد حسرك من قد أعطيته.

وأخرج البخاري في الأدب، عن كليب بن منفعة رضي الله عنه قال: قال جدي يا رسول الله، من أبر؟

قال: «أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة» .

وأخرج أحمد والبخاري والبخاري في الأدب وابن ماجة والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب» .

وأخرج البخاري في الأدب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أنفق الرجل نفقة على نفسه وأهله يحتسبها، إلا آجره الله فيها، وابدأ بمن تعول، فإن كان فضل فالأقرب الأقرب، وإن كان فضل فناول.

وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا بعد للرحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، ولا قرب لها إذا بعدت، وإن كانت قريبة، وكل رحم آتية يوم القيامة امام صاحبها تشهد له بصلته إن كان وصلها، وعليه بقطيعته إن كان قطعها» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه أن أعرابياً قال: «يا رسول الله، إني رجل موسر، وإن لي أماً وأباً وأختاً وأخاً وعماً وعمة وخالاً وخالة، فأيهم أولى بصلتي؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك» .

وأخرج أحمد والحاكم والبيهقي، عن أبي رمثة التيمي تيم الرباب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ويقول: «يد المعطي العليا أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» .

وأخرج الطبراني والحاكم والشيرازي في الألقاب والبيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليَعْمر للقوم الديار ويُكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً قيل يا رسول الله، وبم ذلك: قال: بصلتهم أرحامهم» .

وأخرج البيهقي وابن عدي وابن لال في مكارم الأخلاق وابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل البيت إذا تواصلوا أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الرحمن عز وجل» .

وأخرج البيهقي وابن جرير والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا الرحم، وإن أعجل المعصية عقاباً، البغي، واليمين الفاجرة، تذهب المال، وتعقم الرحم، وتدع الديار بلاقع» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ثعلبة بن زهدم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: «يد المعطي العليا، ويد السائل السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك» .

وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وآت ذي القربى حقه ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ وآت ذي القربى حقه ﴾ أقطع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فاطمة فدكا.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعطي وكيف يعطي وبمن يبدأ فأنزل الله: ﴿ وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ فأمر الله أن يبدأ بذي القربى، ثم بالمسكين وابن السبيل ومن بعدهم.

قال: ﴿ ولا تبذر تبذيراً ﴾ يقول الله عز وجل: ولا تعط مالك كله فتقعد بغير شيء.

قال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ فتمنع ما عندك، فلا تعطي أحداً ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ فنهاه أن يعطي إلا ما بين له.

وقال له: ﴿ وأما تعرضن عنهم ﴾ يقول: تمسك عن عطائهم ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ يعني قولاً معروفاً، لعله أن يكون، عسى أن يكون.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟

قال: «تخرج الزكاة المفروضة، فإنها مطهرة تطهرك، وتصل أقاربك، وتعرف حق السائل، والجار والمسكين» فقال: يا رسول الله، أقلل لي؟

قال: ﴿ فآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً ﴾ قال: حسبي رسول الله.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تبذر تبذيراً ﴾ قال: التبذير، إنفاق المال في غير حقه.

وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن المبذرين ﴾ قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تبذر تبذيراً ﴾ يقول: لا تعط مالك كله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: من السرف، أن يكتسي الإنسان ويأكل ويشرب مما ليس عنده، وما جاوز الكفاف فهو التبذير.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة، فذلك حظ الشيطان.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: جاء ناس من مزينة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ﴾ [ التوبة: 92] حزناً ظنوا ذلك، من غضب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله تعالى ﴿ وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ﴾ الآية.

قال: الرحمة، الفيء.

وأخرج ابن جرير من طريق الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إبتغاء رحمة ﴾ قال: رزق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ترجوها ﴾ قال: انتظار رزق الله.

وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ يقول: لا تجد شيئاً تعطيهم ﴿ ابتغاء رحمة من ربك ﴾ يقول: انتظار رزق الله من ربك، نزلت فيمن كان يسأل النبي- صلى الله عليه وسلم- من المساكين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ قال: ليناً سهلاً، سيكون إن شاء الله تعالى فأفعل، سنصيب إن شاء الله فأفعل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ يقول: قل لهم نعم وكرامة، وليس عندنا اليوم، فإن يأتنا شيء نعرف حقكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قولاً ميسوراً ﴾ قال: قولاً جميلاً، رزقنا الله وإياك بارك الله فيك.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ قال: العدة.

قال سفيان: والعدة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ قال [ابن] (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ قال الحسن وعكرمة: انتظار رزق من الله يأتيك (٤) قال الزجاج: وهو نصب؛ لأنه مفعول له، المعنى: وإن أعرضت عنهم لابتغاء رحمة من ربك (٥) ﴿ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ﴾ ، قد أومئ به إلى الإضاقة والإعسار؛ لأن معناه: رجاء صنيع الله وكفايته، وفيه إشارة إلى الإضاقة، فيكون المعنى أن تُعرض عن السائل إضاقة وإعسارًا.

وذكر الكلبي وغيره: أن النبيّ -  - (كان إذا سأله فقراء أصحابه فلا يجد ما يعطيهم، أعرض عنهم حياءً منهم ويسكت، فعلمه الله كيف يصنع، فقال: ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ (٦) وقال الزجاج: يُروى أن النبيّ -  - كان إذا سُئل وليس عنده ما يعطي أمسك انتظار الرزق يأتي من الله؛ كأنه يكره الرَّدّ، فلما نزلت هذه الآية: (كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: "يرزقنا الله وإياكم من فضله") [[أخرجه الطبراني في "الأوسط" [مجمع البحرين] 6/ 197، بنحوه عن علي، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 ب بنصه، و"القرطبي" 10/ 249، و"ابن عطية" 9/ 62، وأورده الهيثمي في "المجمع" 9/ 13 وقال: وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف.

فالحديث ضعيف.]] (٧) ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ ، قال ابن زيد: قولًا جميلًا، رزقك الله وبارك الله فيك (٨) وقال الكلبي: عِدْهم عِدَةً حسنة (٩) (١٠) وأما الميسور فقال الكسائي: يَسَرْتُ أَيْسِرُ له القول، أي لَيَّنْتُه (١١) وقال أبو الدُّقيش (١٢) (١٣) (١) التصويب من الطبري، وفي جميع النسخ: (زيد).

(٢) أخرجه "الطبري" 15/ 75 بنصه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.

(٤) أخرجه "الطبري" 8/ 70 بنصه عن عكرمة.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.

(٦) وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 214 أ.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.

(٨) أخرجه "الطبري" 15/ 75 - 76 بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، و"الدر المنثور" 4/ 321 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٩) ورد عن ابن عباس والحسن، كما في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، و"تنوير المقباس" ص 299، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 266 بنصه، و"الطوسي" 6/ 470، بنحوه.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 122 بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، عن مجاهد.

(١١) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 194.

(١٢) أبو الدُّقيش القنانيّ الغنوِيّ، لم أجد له ترجمة، وذكره القفطي في إنباه الرواة 4/ 121، ولم يترجم له.

(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (يسر) 4/ 3980 بنصه، ويعني بالصناعة هنا الاجتهاد في تغذيته وتربيته، وفي "المحيط في اللغة" (صنع) 1/ 337: يقال: صنعت الفرس: أحسنت القيام عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ ﴾ خطاب لجميع الناس لصلة قرابتهم والإحسان إليهم، وقيل: وهو خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي قرابته حقهم من بيت المال، والأول أرجح ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ ﴾ الآية: معناه إن أعرضت عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم، فقل لهما كلاماً حسناً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد فلم يكن عنده ما يعطيه أعرض عنه، حياء منه، فأمر بحسن القول مع ذلك وهو أن يقول: رزقكم الله وأعطاكم الله وشبه ذلك، والميسور مشتق من اليسر ﴿ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ مفعول من أجله، يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ والمعنى على هذا: أنه يعرض عنهم انتظاراً لرزق يأتيه، فيعطيه إياهم، فالرحمة على هذا هو ما يرتجيه من الرزق أو يتعلق بقوله: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ أي ابتغ رحمة ربك بقول ميسور، والرحمة على هذا هي: الأجر والثواب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجلّ -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ : حكم، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ - هاهنا -: أمر، أي: أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: وصّى ربّك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبيّ -  ما - أنهما كانا يقرآن: (ووصى ربّك)، وقال بعضهم: (وعهد ربك).

وقال القتبي: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: حتم ربّك، وهو من الفرض والإلزام، أي: فرض ربك وألزم ألا تعبدوا إلا إياه، وكذلك "حكم" ربك وهو أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ : دل قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ أن قوله: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ  ﴾ - معناه، أي: فرض الله ورسوله وحكماً أمراً.

ثم قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ : فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا إلا إياه، إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية، لا تعبدوا دونه أحداً، وقد أبان لنا أنه هو الإله والربّ المستحق للعبادة والألوهية والربوبية، لا الذين تعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة: أحدها: عجز العقول وجهالتها عن درك كيفية العقول وما بينها؛ لأن العقول لا تعرف كيفية أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها؛ فقد عَرَفَتِ الألوهية لله، وحسن العبادة له، وقبحها لغيره.

والثاني: ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيّته وربوبيته، وجعل العبادة له شكراً له؛ وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة؛ شكراً له لما فيها من آثار ألوهيته.

والثالث: السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهيّة لسواه دونه؛ فذلك معنى ما فرض على خلقه وأمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، وتأويل حكم ربّك ألا تعبدوا إلا إياه؛ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته، وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له، فذلك تأويل من قال: قضى، أي: حكم.

وأما تأويل من قال: قضى، أي: أمر ربك وكلف ألا تعبدوا إلا إياه - يكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره؛ كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه، ونهاكم أن تعبدوا غيره، ثم الفرق بين الطاعة والعبادة: يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره؛ لأن الطاعة هي الائتمار؛ كقوله: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ  ﴾ ، أي: ائتمروا، وأما العبادة هي الاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره سوى الله، أو أن يكون في العبادة معنى لا يدرك، كمعنى الرحمن؛ لا يدرك، حيث لم يجوّز تسمية غيره به؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: وبالوالدين إحساناً.

كأنه قال: وفرض عليكم - أيضاً - وحكم إحسان الوالدين، [أو أمركم بإحسان الوالدين] ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة، لكن المراد بالإحسان إلى الوالدين هو الشكر، لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ ، لأن الشكر هو المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف؛ فهو، والله أعلم.

وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ ، وغيرها من الآيات - فالمراد منه، والله أعلم: الشكر لهما؛ لما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ ، والشكر هو المكافأة: أمره أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية، والبر، والعطف عليه، والوقاية من كل سوء ومكروه: في البطن، وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على أنفسهما [في السرور، ويجعلان أنفسهما وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه؛ جزاء ومكافأة لما كان منهما مما ذكر.

وهذا ذكر في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر أنفسهما] والحوائج لهما، وذلك - والله أعلم - لأنهما إذا كانا قويين، قادرين لحوائج أنفسهما ومنافعهما يبران ولدهما، ويحسنان إليه؛ فيحمل برّهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البرّ، والإحسان إليهما على المجازاة، وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضاً يبعث ذلك على المكافأة؛ ليدوم ذلك عليهم وألا ينقطع؛ لذلك ذكر - والله أعلم - الإحسان إلى الوالدين في الحال التي هي حال ضعف وعجز؛ حيث قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ .

ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره: أن كيف ربّياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا له - قولاً وفعلاً - حتى لم يستقذرا منه شيئاً مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث؟!

فأمره أن يعاملهما إذا بلغا الحال التي كان هو عليها: من الجهل والضعف، والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما ويبعد عنهما، أي: لا يستقذر هو منهما، ولا يبعد عنهما؛ كما لم يستقذرا هما منه، ولا ينهرهما عند السّؤال والحاجة إليه؛ كما لم يفعلا هما [له]؛ بل يلين لهما ويذل كما لانا هما له وخضعا، وهو ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 70]، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً  ﴾ أخبر أنه يرد من بعد القوة والعلم إلى الحال التي كانوا عليها وهو حال الضعف والجهل؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 78]، وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ...

﴾ الآية [الروم: 54].

فقال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ : هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تُعنِّفْهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.

وقال بعضهم: (أف) المراد به: هو (أف) لا غير، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تعنفهما، ولا تخشن، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي: لا تقل لهما (أف) على ما يستثقل الناس شيئاً ويكرهون في أول حال يرون شيئاً مستثقلاً مكروهاً - يقولون: أف، أي: لا تقل أف؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ...

﴾ الآية [النور: 30]، قال بعضهم: يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور.

وقال بعضهم قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ  ﴾ : ذكر أوّل حال وآخرها؛ ليمتنعوا عن كل ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ : ذكر أوّل الحال وآخرها.

والثاني: أي: لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ليحمل ذلك على العنف والانتهار.

فإن كان تأويل قوله: ﴿ أُفٍّ ﴾ - (أف) لا غير، ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إذا نفخ المصلي في موضع سجوده، فهو كلام يقطع صلاته؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ ، أي: لا تتكلم به، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ .

حيث نهاه أن يقول لهما: أف، ونهاه أن ينهرهما؛ فإذا امتنع عن الأفّ والنهر كان بعد ذلك قولاً ليّناً لطيفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: نهرته وانتهرته، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد.

وقال أبو بكر الكَيْساني: الكريم: هو الذي يُولِي على آخَرَ نعمه، ويهنيه بترك الأذى والمنّ؛ كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ، وقال غيره: في وصف السخي، فقال: الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه، وقطع طمعه عما احتوى عليه غيره عند حاجته إليه.

ويشبه أن يكون الكريم قريباً منه.

فإن قيل: إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البرّ لأولادهما، والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولاً به مطبوعاً عليه - برّ من لم يكن ذلك بطبعه.

قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل الوالدان من البرّ والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم.

ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ [ليس] القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛ فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان.

فإن قيل: ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن: ﴿ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ .

قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.

وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في المكاتب: إذا اشترى والده أو أمّه صار مكاتباً، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتباً؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأمّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك.

والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره؛ لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب؛ دلّ أنه أراد بالخطاب غيره - كل محتملٍ [منه] ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه؛ فكأنه قال: اخفض واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ ، أي: اخضع لهما قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي: اخضع لهما بجميع النفس والجوارح، وقوله: ﴿ ٱلذُّلِّ ﴾ : يحتمل أن يكون المراد من الذل: الذل نفسه، أي: كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلاً كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه.

ويحتمل أن يكون الذلّ كناية عن الرحمة التي تكون في القلب، أي: اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، أي: رحماء على المؤمنين أشداء على الكافرين؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا، ومقابل العزة - الشدة؟!

فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله: جناح الذل كناية عن الرحمة؛ فيكون معناه: أن اخضع لهما بالظاهر والباطن جميعاً على ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ ، ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: رب ارحمهما كما رحماني وربياني صغيراً.

وقول أهل التأويل: إن هذا منسوخ نسخه قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 113] - بعيد؛ وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين والكافرين؛ فالرحمة التي ذكر: تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم أهلاً للرحمة والمغفرة؛ وذلك جائز كقول نوح لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، أي: استهدوا ربكم؛ فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم؛ إنه كان لم يزل غفاراً؛ إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار ويعدهم بالمغفرة على الحال التي هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه.

أو أن تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم [بعضاً، والشفقة] التي تكون بين الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء، ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعاملهم الناس بعضهم بعضاً، غير أن هذا فيما بين الناس ليس بفرض لازم، وذلك [فرض] لازم؛ لأنها بحق الشكر والجزاء لهما بما كان منهما إليه من البرّ والإحسان، وحق التربية والتعظيم حقهما وجليل قدرهما وخصوصيتهما، وهو كما يقال لرسوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم على بعض؛ على ما ذكر: ﴿ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وأمرهم بذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ من أسرار المحبة لهما والبر والكرامة.

وقال [بعضهم]: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: أعلم ما تفعله نفوسكم، وهو كما قال عيسى -  -: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ ، أي: تعلم ما تفعله نفسي، ولا أعلم ما في نفسك من التدبير والتقدير؛ فعلى ذلك هذا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ - صلةَ قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ...

﴾ الآية، أي: ربكم أعلم بما في ضميركم: من الاستقذار إياهما، والاستثقال، والكراهة إذا بلغا المبلغ الذي ذكر، ولكن لا تظهر ذلك لهما ولا يوافق ظاهرك باطنك.

أو أن يقول: ربكم أعلم بما في نفوسكم [ولا يعلم غيره ما في نفوسكم؛ فلا تراءون الناس بما في قلوبكم]؛ ولا تصرفوا ما في ضميركم إلى من لا يعلم ذلك؛ يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره؛ بل يخلص له، أو أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: ما تفعله أنفسكم وتدبّرها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ .

أي: تصيروا صالحين؛ لأن قوله: ﴿ تَكُونُواْ ﴾ إنما هو في حادث الوقت.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، و ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ أي: لم يزل غفوراً للأوابين ولمن يشاء.

ثم اختلف في الأواب: قال بعضهم: الأوّاب: الرجّاع التواب، وهو قول أبي عوسجة.

قال القتبي: الأوّاب: التائب مرة بعد مرة، وهو من: آب يئوب، أي: رجع، وهما واحد.

وقال بعضهم: الأواب: المطيع، وقيل: المسبح ونحوه.

وقال أبو عوسجة في قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ ، أي: لِنْ لهما وارفق بهما؛ ذكر برّ اللسان للوالدين ولطفه إياهما قولاً وفعلاً، وليس في ظاهر الآية ذكر البر بالمال والإنفاق عليهما؛ فيشبه أن يكون ذلك داخلاً في قوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أو لم يذكر ذلك؛ لما أن المال للولد مال لهما؛ ألا ترى إلى ما روي عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل إلى النبي  ومعه أبوه فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإن لي أباً وله مال، وإن إبي يريد أن يأخذ مالي؛ فقال النبي  : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" أو لاَ ترى - أيضاً - أنه أضاف بيوت الولد إليهما؛ حيث قال: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ  ﴾ ؛ قوله: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ  ﴾ - معناه: بيوت أبنائكم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ : إنه صلاة الضحى، ويروى في ذلك خبر: روى زيد بن أرقم قال: خرج النبي  على قوم وهم يصلون الضحى؛ فقال: "صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمَضَتِ الفِصَالُ" ، وفي خبر آخر عن أبي هريرة -  - قال: أمرني رسول الله  بثلاث: "أمرني أن أصوم ثلاثاً في كل شهر، وألا أنام إلا على وتر، وأن أصلي ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين" ، وقد يروى أحاديث كثيرة في الحث على صلاة الضحى وفعلها، وأنه صلى هو: ركعتين، وأربعاً، وستّاً، وثمانياً - ما يكثر ذكرها ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع، ليس على سبيل اللزوم الواجب والسّنة المؤكدة؛ لأن النبي  صلاها مرة وتركها مرة؛ فكان كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

كأن الآية هي صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أي: وقضى - أيضاً - أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي: فرض، وحتم، وحكم؛ على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً...

﴾ الآية [النساء: 36] أمر - عزّ وجلّ - ببر الوالدين، والشكر لهما، وصلة ذي القربى، فريضة، ومن ذكر.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ : قال بعضهم: ذلك الحق فريضة، وهو الزكاة؛ حيث جعل تلك صلة ما هو فرض، وهو الشكر لله، وجعل العبادة له وشكر الوالدين؛ جزاء لما كان منهما إليه، وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم؛ فعلى ذلك صلة هؤلاء؛ إذ صلتهم فريضة؛ لما جاء من المواعيد الشديدة في قطع الرحم، والترغيب في صلتهم.

ومنهم من قال: ذلك الحق نفل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا  ﴾ ، فلا يحتمل ما ذكر من الإعراض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها في الفرض، دل أنّه في النفل، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ .

قال بعضهم: التبذير والإسراف: واحد، وهو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل في الإنفاق والحقوق، والمجاوزة: عن المحق، إلى غير المحق.

روي عن ابن مسعود "أنه سئل عن التبذير؛ فقال: إنفاق المال في غير حقه" .

وكذلك قول ابن عباس،  .

وقال بعضهم: التبذير هو الإنفاق فيما لا ينتفع به.

ويحتمل ما ذكرنا أنه يترك الإنفاق على المحق وهم ذوو القربى؛ وينفق على الأجنبيين.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ .

أي: كانوا أولياء الشياطين.

﴿ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ .

أي: كفوراً لنعم ربه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ .

عن الحسن قال: كان النبي  يُسأل فيقول: "ماَ لاَلِ مُحمدٍ - وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ - إِلا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ" فأنزل الله  : ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: عِدْهم أن سوف يأتي بالرزق.

عن ابن عباس -  - قال في قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إذا سألوك، وليس عندك شيء انتظرت من الله رزقاً يأتيك، ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ : يكون - إن شاء الله - شبه العِدَة.

وأمثال هذا قالوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إعراض الوجه، ويحتمل إعراض الإجابة؛ فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف، ولما ليس عنده شيء يعطيهم ثانياً، لكن لا نعرف أن الإعراض كان للاستثقال والاستخفاف، أو لما ليس عنده ما يعطيهم؛ فأمر أن يبين لهم أن الإعراض [عنهم] ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء؛ ليعلموا أنّ الأعراض عنهم ليس للاستخفاف ولا للاستثقال؛ ولكن لما ليس عنده ما يعطيهم، أو يطلب ما يعطيهم، وهو ما قال: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ .

أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض هو السؤال؛ لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ما يعطيهم، فذلك الإعراض يرجع منفعته إلى السؤال.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ : قال بعضهم: عِدْهم عِدَةً حسنة: إذا كان ذلك أعطيناك.

وقال بعضهم: أي: عدهم خيراً.

وقال بعضهم: قل لهم قولاً ليناً وسهلاً.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: حسناً، وهو من التيسير، ونحو ذلك قالوا، أي: اردد عليهم ردّاً حسناً؛ ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عنده شيء لا لوجه آخر والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ .

في الإنفاق إذا كان عندك.

﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ .

فيلومك من رجاك؛ ولكن كما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ...

﴾ الآية [الفرقان: 67] أمر الله أن ينفقوا نفقة ليس فيها سرف ولا إقتار، وهو قول ابن عباس -  - وغيره.

وقال بعضهم: لا تمسك عن النفقة فيما أمرك ربك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهاك عنه؛ فتقعد كذا.

وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسّرف، فلئن كان هذا نهياً عن البخل كان قوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ نهياً عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى أحد عن البخل والجود؛ لأنهما غريزتان طبعيّتان، ولا ينهى أحد عما كان سبيله الطبع والغريزة، ولكن ما ذكرنا - والله أعلم - من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في الحق و [ذي] الحق، وبسطها في غير الحق وذي الحق.

وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ أن قول اليهود: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ : أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن التضييق والتقتير، وكذلك لم يرد بقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ - حقيقة بسط اليد، ولكن أراد التوسيع في الرزق والتكثير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ  ﴾ .

ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أحدها: أنه خاطب رسوله بذلك كله، وشارك فيه قومه، وفي القرآن كثير أنه خاطب رسوله بأشياء فيشرك قومه في ذلك.

والثاني: خاطب كلاًّ في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ \[الانفطار 6، الانشقاق: 6\]، و ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ونحوه من الخطابات، خاطب كل أحد في نفسه؛ إذ لا يحتمل أن يخاطب في: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ رسول الله خاصة، ولا يخاطب غيره؛ بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان.

والثالث: خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له، نحو ما يخاطب ملوك الأرض خواصهم وأعقلهم من رعيتهم؛ على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، أو أن يكون خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ غيره ممّن يمسك، ويخاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ رسول الله؛ لأن رسول الله  لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل البسط؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَلُوماً ﴾ : عند نفسك وعند الناس، تلوم نفسك بأنك: لم أنفقت؟!

وعند الناس: لمَّا لَمْ تجد ما تنفق عليهم؛ وعند الله - أيضاً - إذا أنفقت في غير حق.

﴿ مَّحْسُوراً ﴾ : قال القتبي: أي: تحسرك العطية وتقطعك، كما يحسر السفرُ البعيرَ فيبقى منقطعاً: وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة، يقال: حسر الرجل فهو محسور، وقال: التبذير: الفساد، و ﴿ مَلُوماً ﴾ ، أي: ملوماً محزوناً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .

أي: هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتّر ويضيّق على من يضيق ويقتر، أي: ذلك إلى الله لا إلى الخلق؛ ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله لا يرون من غيره.

والثاني: ذكر هذا؛ ليدوم الفضل لمن ذكر الفضل، ويتبين لهم حيث قال: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً  ﴾ .

ومن الناس من قال بأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ، يقول - والله أعلم - إنك إن منعته وحرمته، وكان في تقدير الله التوسيع عليه والبسط - لم يضره منعك ولا حرمانك، ولو وسعت عليه وبسطت، وكان في تقديره التضييق والتقتير لم ينفعه بسطك ولا توسيعك؛ ليعلموا أن التوسيع والبسط، والتضييق والمنع من الله، أو ذكر ليقطعوا الرجاء من الخلق ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .

أي: عالماً بأعمالهم، بصيراً بمصالحهم وما لهم وما عليهم، أو أن يكون الخبير والبصير واحداً، أو ذكر هذا؛ ليعلم أنه على علم بما يكون - منهم أنشأهم -: من الخلاف لأمره والردّ والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم عن الحكمة؛ لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه وائتمارهم، ولا مضرة ولا منفعة في خلافهم إياه؛ بل المضرة والمنفعة في ذلك راجعة إليهم؛ لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك الأرض سفهاء وجهلاء؛ لأن ما يرسلون من الرسل، ويعملون من الأعمال، ويسعون لمنافع أنفسهم، ولدفع مضارّهم؛ فإذا فعلوا شيئاً يضرهم - على علم منهم بالضرر - كان ذلك سفها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن امتنعت عن إعطاء هؤلاء لعدم وجود ما تعطيهم إياه منتظرًا ما يفتح الله به عليك من رزق، فقل لهم قولا لينًا سهلًا، مثل أن تدعو لهم بسعة الرزق، أو تعدهم بالعطاء إن رزقك الله مالًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.oO1yn"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله