الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٥٠ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٠ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهكذا أمر رسوله ههنا أن يجيبهم فقال ( قل كونوا حجارة أو حديدا ) وهما أشد امتناعا من العظام والرفات
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمكذّبين بالبعث بعد الممات من قومك القائلين أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا كونوا إن عجبتم من إنشاء الله إياكم، وإعادته أجسامكم، خلقا جديدا بعد بِلاكم في التراب، ومصيركم رُفاتا، وأنكرتم ذلك من قُدرته حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم إن قدرتم على ذلك، فإني أحييكم وأبعثكم خلقا جديدا بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أوّل مرّة.
قوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديداقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا أي قل لهم يا محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديدا في الشدة والقوة .
قال الطبري : أي إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة أو حديدا إن قدرتم .
وقال علي بن عيسى : معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا الله - عز وجل - إذا أرادكم ; إلا أنه خرج مخرج الأمر ، لأنه أبلغ في الإلزام .
وقيل : معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم ، ولأماتكم ثم أحياكم .
وقال مجاهد : المعنى كونوا ما شئتم فستعادون .
النحاس : وهذا قول حسن ; لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة ، وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم ، فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة .
تفسير الآيتين 50 و51 :ـولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعادا: { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ } أي: يعظم { فِي صُدُورِكُمْ } لتسلموا بذلك على زعمكم من أن تنالكم قدرة الله أو تنفذ فيكم مشيئته، فإنكم غير معجزي الله في أي حالة تكونون وعلى أي وصف تتحولون، وليس لكم في أنفسكم تدبير في حالة الحياة وبعد الممات.
فدعوا التدبير والتصريف لمن هو على كل شيء قدير وبكل شيء محيط.
{ فَسَيَقُولُونَ } حين تقيم عليهم الحجة في البعث: { مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فكما فطركم ولم تكونوا شيئا مذكورا فإنه سيعيدكم خلقا جديدا { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ } أي: يهزونها إنكارا وتعجبا مما قلت، { وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ } أي: متى وقت البعث الذي تزعمه على قولك؟
لا إقرار منهم لأصل البعث بل ذلك سفه منهم وتعجيز.
{ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } فليس في تعيين وقته فائدة، وإنما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته وإلا فكل ما هو آت فإنه قريب.
( قل ) لهم يا محمد : ( كونوا حجارة أو حديدا ( في الشدة والقوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز أي : استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في القوة .
«قل» لهم «كونوا حجارة أو حديدا».
قل لهم -أيها الرسول- على جهة التعجيز: كونوا حجارة أو حديدًا في الشدة والقوة -إن قَدَرْتم على ذلك- فإن الله يُعيدكم كما بدأكم، وذلك هيِّن عليه يسير.
ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يُدْعَوْن فى هذا اليوم الهائل الشديد فقال : ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ .
.
.
) .والظرف ( يوم ) منصوب بفعل مضمر أى : اذكروا يوم يدعوكم .
.
ويجوز أن يكون منصوبا على البدلية من ( قريبا ) .والداعى لهم هو " إسرافيل " - عليه السلام - عندما يأذن الله - تعالى - له بالنفخ فى الصور ، كما قال - تعالى - : ( وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) وكما قال - سبحانه - : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الداع إلى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ) وقوله ( بحمده ) حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار ، والباء للملابسة .أى : اذكروا - أيها المكذبون - يوم يدعوكم الداعى إلى البعث والنشور فتلبون نداءه بسرعة وانقياد ، حال كونكم حامدين الله - تعالى - على كمال قدرته ، وناسين ما كنتم تزعمون فى الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب .
اعلم أنه تعالى لما تكلم أولاً في الإلهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة، وقد ذكرنا كثيراً أن مدار القرآن على المسائل الأربعة وهي: الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، وأيضاً أن القوم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه مسحوراً فاسد العقل، فذكروا من جملة ما يدل على فساد عقله أنه يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاماً ورفاتاً فإنه يعود حياً عاقلاً كما كان، فذكروا هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل.
قال الواحدي رحمه الله: الرفت كسر الشيء بيدك، تقول: رفته أرفته بالكسر كما يرفت المدر والعظم البالي، والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء يكسر.
يقال: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها، ويقال للتبن: الرفت لأنه دقاق الزرع.
قال الأخفش: رفت رفتاً، فهو مرفوت نحو حطم حطماً فهو محطوم والرفات والحطام الاسم، كالجذاد والرضاض والفتات، فهذا ما يتعلق باللغة.
أما تقرير شبهة القوم: فهي أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم.
أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى.
وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى، فهذا هو تقرير الشبهة.
والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته.
أما إذا سلما كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما سلمنا كونه تعالى قادراً على كل الممكنات كان قادراً على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنا متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية.
أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ فالمعنى أن القوم استبعدوا أن يردهم إلى حال الحياة بعد أن صاروا عظاماً ورفاتاً.
وهي وإن كانت صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاماً ورفاتاً مثل أن تصير حجارة أو حديداً، فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة، وذلك أن العظم قد كان جزءاً من بدن الحي.
أما الحجارة والحديد فما كانا ألبتة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حياً عاقلاً كما كان، والدليل على صحة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم يكن هذا القبول حاصلاً لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر.
وإله العالم عالم بجميع الجزئيات فلا تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي.
وقادر على كل الممكنات، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن إله العالم عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكناً قطعاً، سواء صارت عظاماً ورفاتاً أو صارت شيئاً أبعد من العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو حديداً، فهذا تقرير هذا الكلام بالدليل العقلي القاطع، وقوله: ﴿ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ ليس المراد منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة، وذلك كقول القائل للرجل: أتطمع في وأنا فلان فيقول: كن من شئت كن ابن الخليفة، فسأطلب منك حقي.
فإن قيل: ما المراد بقوله: ﴿ أَوْ خَلْقًا ﴾ .
قلنا: المراد أن كون الحجر والحديد قابلاً للحياة أمر مستبعد، فقيل لهم: فافرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلاً للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء، وقال ابن عباس: المراد منه الموت، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال: لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فإن الله يفقرك، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة، أما في نفس الأمر فهذا محال، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب عرضاً ثم بتقدير أن ينقلب عرضاً فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر، وقال مجاهد: يعني السماء والأرض.
ثم قال: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ والمعنى أنه لما قال لهم: كونوا حجارة أو حديداً أو شيئاً أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنة فعند ذلك قالوا: من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه، قال تعالى قل يا محمد: الذي فطركم أول مرة يعني أن القول بصحة الإعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى.
فإذا ثبت ذلك فنقول: إن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم قادر لذاته عالم لذاته فلا يبطل علمه وقدرته ألبتة، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادراً على الإعادة، وهذا كلام تام وبرهان قوي.
ثم قال تعالى: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ ﴾ قال الفراء يقال: أنغض فلان رأسه ينغضه إنغاضاً إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وسمي الظليم نغضاً لأنه يحرك رأسه، وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إنكاراً له قد أنغض رأسه فقوله: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ ﴾ يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هُوَ ﴾ واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكناً في نفسه، فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالبحث الأول، فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل، بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته.
واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحداً من الخلق على وقته المعين، فقال: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ فلا جرم.
قال تعالى: ﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه قريب.
فإن قالوا: كيف يكون قريباً وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر؟
قلنا: إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريباً قليلاً، ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار، ثم نقول انتصب يوماً على البدل من قوله: ﴿ قريباً ﴾ ، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفحة الأخيرة كما قال: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ يقال: إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه وتكوينه، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَيْء نُّكُرٍ ﴾ وقوله: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة، وقوله: ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون: سبحانك وبحمدك، فهو قوله: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ وقال قتادة بمعرفته وطاعته، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم.
فلهذا قال المفسرون: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد، وقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده.
أي تستجيبون حامدين كما يقال: جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب الكشاف: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر، أي ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد.
ثم قال: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت، والدليل عليه قوله في سورة يس: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين، وقال الحسن: معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة؛ لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة.
القول الثاني: أن الكلام مع الكفار تم عند قوله: ﴿ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ وأما قوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، والقول الأول هو المشهور، والثاني ظاهر الاحتمال.
<div class="verse-tafsir"
لما قالوا: أئذا كنا عظاماً قيل لهم ﴿ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ فردّ قوله: كونوا، على قولهم: كنا، كأنه قيل: كونوا حجارة أو حديداً ولا تكونوا عظاماً، فإنه يقدر على إحيائكم والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحيّ وغضاضته بعدما كنتم عظاماً يابسة، مع أنّ العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبني عليه سائره، فليس ببدع أن يردّها الله بقدرته إلى حالتها الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحيّ ومن جنس ما ركب منه البشر- وهو أن تكونوا حجارة يابسة أو حديداً مع أن طباعها الجسارة والصلابة- لكان قادراً على أن يردّكم إلى حال الحياة ﴿ أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ يعني أو خلقاً مما يكبر عندكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه فإنه يحييه.
وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت.
وقيل: السموات والأرض ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ ﴾ فسيحرّكونها نحوك تعجباً واستهزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ جَوابًا لَهم.
﴿ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ .
﴿ أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ مِمّا يَكْبُرُ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنها، فَإنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا تَقْصُرُ عَنْ إحْيائِكم لِاشْتِراكِ الأجْسامِ في قَبُولِ الأعْراضِ، فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ غَضَّةً مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ والشَّيْءُ أقْبَلَ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وكُنْتُمْ تُرابًا وما هو أبْعَدُ مِنهُ مِنَ الحَياةِ.
﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ فَسَيُحَرِّكُونَها نَحْوَكَ تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً.
﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ﴾ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَإنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الخَبَرِ أوِ الظَّرْفِ أيْ يَكُونُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، و ﴿ أنْ يَكُونَ ﴾ اسْمُ ﴿ عَسى ﴾ أوْ خَبَرُهُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)
{قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مما يكبر في صدوركم} أي السموات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول الحياة {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ} يعيدكم {الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة بعدما كنتم عظاماً يابسة مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة هو أن تكونوا حجارة أو حديداً لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاءً {وَيَقُولُونَ متى هو} أي البعث استعبادا له ونفياً {قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} أي هو قريب وعسى للوجوب
﴿ قُلْ ﴾ جَوابًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما اسْتَبْعَدُوهُ.
﴿ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ رَدَّ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ ﴿ كُونُوا ﴾ عَلى قَوْلِهِمْ «كُنّا» فَهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ بِالجِنْسِ، ومَعْنى الأمْرِ كَما قِيلَ الِاسْتِهانَةُ كَما في قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ وجَعَلَهُ صاحِبُ الإيضاحِ أمْرَ إهانَةٍ والفاضِلُ الطِّيبِيُّ أمْرَ تَسْخِيرٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلى الفَرْضِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَوْ جُعِلَ مِن بابِ كُنْ فُلانًا عَلى مَعْنى أنْتَ فُلانٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الطَّلَبِ في مَعْنى الخَبَرِ أيْ: أنْتُمْ حِجارَةٌ ولَسْتُمْ عِظامًا ومَعَ ذَلِكَ تُبْعَثُونَ لا مَحالَةَ.
لَكانَ وجْهًا قَوِيمًا، وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقالُ: أنْتُمْ حِجارَةٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ وهو غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَلا بُدَّ مِن قَصْدِ الإهانَةِ وعَدَمِ المُبالاةِ وجَعْلِ الأمْرِ مَجازًا عَنِ الخَبَرِ، والخَبَرُ خَبَرٌ فَرْضِيٌّ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى الفَرْضِ كانَ ولَوِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ فَهو مِمّا لا يَخْفى بُعْدُهُ ولَيْسَ بِأقْرَبَ مِمّا اسْتَبْعَدَهُ فالصَّوابُ أنَّهُ لِلْإهانَةِ كَما جَنَحَ إلَيْهِ صاحِبُ الإيضاحِ فَتَدَبَّرْ، والحِجارَةُ جَمْعُ حَجَرٍ كَأحْجارٍ وهو مَعْرُوفٌ، وكَذا الحَدِيدُ وهو مُفْرَدٌ وجَمْعُهُ حَدائِدُ وحَدِيداتٌ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: كُونُوا مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً اللفظ لفظ الأمر، ومعناه معنى الخبر، يعني: لو كنتم من الحجارة، أَوْ من الحديد.
أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ قال مجاهد: معناه، حجارة أو حديداً أو ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله الذي فطركم أول مرة كما كنتم.
ويقال: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يعني: السماء والأرض والجبال وقال الكلبي: معناه لو كنتم الموت لأماتكم الله.
وعن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، يعني: الموت، فيبعثكم كما خلقكم أول مرة.
قالوا: لو كنا من الحجارة أو من حديد أو من الموت فمن يعيدنا؟
وهو قوله تعالى: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ يا محمد: فسيعيدكم الله الَّذِي فَطَرَكُمْ، أي خلقكم أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ، يهزون إليك رؤوسهم تعجباً من قولك.
وقال القتبي: يعني: يحركونها استهزاء بقولك.
وقال الزجاج: أي سيحركون رؤوسهم تحريك من يستثقله ويستبطئه.
وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ، يعنون البعث.
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً.
وكل ما هو آتٍ فهو قريب، وعَسى من الله واجب.
قالوا يا محمد: فمتى هذا القريب؟
فنزل: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ يعني: إسرافيل، وهي النفخة الأخيرة.
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ يقول: تخرجون من قبوركم بأمره وتقصدون نحو الداعي.
وقال مقاتل: يوم يدعوكم من قبوركم فتستجيبون للداعي بأمره، وذلك أن إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن: أيتها العظام البالية، واللحوم المتفرقة، والعروق المتقطعة، اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم.
ثم قال: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ، في القبور إِلَّا قَلِيلًا أي: ما لبثتم في القبور إلا يسيراً.
قال الكلبي: وذلك أنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، فينسون العذاب، فيظنون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يسيراً، وروي ذلك عن ابن عباس.
وهذا أصح ما قيل فيه، لأن بعض المبتدعين قالوا: إذا وضع الميت في قبره لا يكون عليه العذاب إلى وقت البعث، فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلاً.
قوله عز وجل: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال ابن عباس: «كان أصحاب رسول الله يؤذيهم المشركون بمكة بالقول، فشكوا إلى رسول الله ، فنزل» وَقُلْ لِعِبادِي، أي المسلمين يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أي يجيبوا بجواب حسن، برد السلام بلا فحش.
وهذا كقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر سبّه رجل عند رسول الله ، فأمر الله بالكف عنه، ويقال: نزلت في شأن عمر كان بينه وبين كافر كلام.
ثم قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ أي يوسوس ويوقع بينهم العداء، لعنه الله، ليفسد أمرهم.
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً، أي ظاهر العداوة.
وهذا كقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: 6] .
<div class="verse-tafsir"
نزلَتْ في الوليدِ بْنِ المُغِيرة وأصحابه.
وقوله سبحانه: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، أي: إلى إِفساد أمرك وإطفاء نورك، وقولهم: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً الآية في إِنكارهم البَعْثَ، وهذا منهم تعجُّب وإنكار واستبعاد و «الرُّفَاتُ» من الأشياء: ما مَرَّ عليه الزمانُ حتى بلغ غايةَ البِلَى، وقربه مِنْ حالة التُّرَابَ.
وقال ابن عباس: رُفاتاً غباراً «١» وقال مجاهد: تُرَاباً «٢» ، وقوله سبحانه: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ...
الآية: المعنى: قل لهم، يا محمَّد، كونوا إِن استطعتم هذه الأشياءَ الصَّعبة الممتَنِعَةَ التأتِّي لا بُدَّ من بعثكم، ثم احتَجَّ عليهم سبحانه في الإعادة بالفِطْرة الأولى من حيثُ خلقُهم واختراعهم من تُرَاب.
وقوله سبحانه: فَسَيُنْغِضُونَ معناه يرفعون ويُخْفِضُون، يريد على جهة التكذيب والاستهزاء.
قال الزَّجَّاج: وهو «٣» تحريك مَنْ يبطل الشيء ويَسْتَبْطِئُهُ ومنه قول الشاعر:
[الرجز]
أَنْغَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا ...
كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئاً أَطْمَعَا «٤»
ويقال: أَنْغَضَتِ السِّنُّ إِذا تحرَّكَتْ، قال الطبري «٥» وابنُ سَلاَّمٍ: عَسى من اللَّه واجبةٌ، فالمعنى: هو قريبٌ، وفي ضمن اللفْظِ توَّعد.
وقوله سبحانه: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ: بدل من قوله: قَرِيباً ويظهر أن يكون المعنى «هو يَوْمَ» جواباً لقولهم: «متى هو» ، ويريد يدعوكم من قبوركم بالنفْخ في الصُّور لقيامِ الساعة.
وقوله: فَتَسْتَجِيبُونَ، أي: بالقيامِ، والعودة والنهوض نحو الدعوة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحِجابَ هو الأكِنَّةُ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ حِجابٌ يَسْتُرُهُ فَلا تَرَوْنَهُ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ إذا قَرَأ القُرْآَنَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وهم أبُو سُفْيانَ، والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو جَهْلٍ، وأُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَحَجَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْ أبْصارِهِمْ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآَنِ، فَكانُوا يَأْتُونَهُ ويَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم عَنْ أذاهُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي مَعْنى ﴿ مَسْتُورًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى ساتِرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يَكُونُ الفاعِلُ في لَفْظِ المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ مَشْؤُومٌ عَلَيْنا، ومَيْمُونٌ عَلَيْنا، وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ؛ لِأنَّهُ مِن ( شَأْمِهِمْ، ويُمْنِهِمْ ) .
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: حِجابًا مَسْتُورًا عَنْكم لا تَرَوْنَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا قِيلَ: الحِجابُ: هو الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهو مَسْتُورٌ عَنِ الأبْصارِ، فَيَكُونُ " مَسْتُورًا " باقِيًا عَلى لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ٢٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ﴾ يَعْنِي: قُلْتَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنْتَ تَتْلُو القُرْآَنَ، ﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: عَلى أعْقابِهِمْ، " نُفُورًا " وهُوَ: جَمْعُ نافِرٍ، بِمَنزِلَةِ قاعِدٍ وقُعُودٍ، وجالِسٍ وجُلُوسٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَحْتَمِلُ مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: المَصْدَرُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ " نُفُورًا " جَمْعُ نافِرٍ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللهِ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ، ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، وكانُوا يَسْتَمِعُونَ ويَقُولُونَ فِيما بَيْنَهُمْ: هو ساحِرٌ، هو مَسْحُورٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ »؛ أيْ: يَسْتَمِعُونَهُ، والباءُ زائِدَةٌ.
﴿ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مَصْدَرٌ مِن ( ناجَيْتَ ) واسْمٌ مِنها، فَوَصَفَ القَوْمَ بِها، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّما هو عَذابٌ، وأنْتُمْ غَمٌّ، فَجاءَتْ في مَوْضِعِ ( مُتَناجِينَ ) .
وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وإذْ هم ذَوُو نَجْوى، وكانُوا يَسْتَمِعُونَ مِن رَسُولِ اللهِ ويَقُولُونَ بَيْنَهُمْ: هو ساحِرٌ، وهو مَسْحُورٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ، ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ ؛ أيْ: ما تَتْبَعُونَ، ﴿ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي سُحِرَ فَذُهِبَ بِعَقْلِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَخْدُوعًا مَغْرُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: لَهُ سَحْرٌ؛ أيْ: رِئَةٌ، وكُلُّ دابَّةٍ أوْ طائِرٍ أوْ بَشَرٍ يَأْكُلُ فَهُوَ: مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ؛ لِأنَّ لَهُ سِحْرًا، قالَ لَبِيَدُ: فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ وَقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أرانا مُرْصَدِينِ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ: نُغَذّى؛ لِأنَّ أهْلَ السَّماءِ لا يَأْكُلُونَ، فَأرادَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا لَهُ سِحْرٌ، خَلَقَهُ اللَّهُ كَخَلْقِكُمْ، ولَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ [ أيْ: مَخْدُوعًا ]؛ لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، ومَعْنى قَوْلِ لَبِيدٍ: ( المُسَحَّرُ ): المُعَلَّلُ، وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ( ونُسْحَرُ )؛ أيْ: نُعَلَّلُ، وكَأنّا نُخْدَعُ، والنّاسُ يَقُولُونَ: سَحَرْتَنِي بِكَلامِكَ؛ أيْ: خَدَعْتَنِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ ؛ لِأنَّهم لَوْ أرادُوا رَجُلًا ذا رِئَةٍ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبُوهُ، فَلَمّا أرادُوا مَخْدُوعًا - كَأنَّهُ بِالخَدِيعَةِ سُحِرَ - كانَ مَثَلًا ضَرَبُوهُ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْمًا يُعَلِّمُونَهُ ويَخْدَعُونَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ : بَيَّنُوا لَكَ الأشْباهَ، حَتّى شَبَّهُوكَ بِالسّاحِرِ والشّاعِرِ والمَجْنُونِ، ﴿ فَضَلُّوا ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَجِدُونَ سَبِيلًا إلى تَصْحِيحِ ما يَعِيبُونَكَ بِهِ.
والثّانِي: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى؛ لِأنّا طَبَعْنا عَلى قُلُوبِهِمْ.
والثّالِثُ: لا يَأْتُونَ سَبِيلَ الحَقِّ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلى فُلانٍ، يَعْنُونَ: أنا مُبْغِضٌ لَهُ، فَنَظَرِي إلَيْهِ يَثْقُلُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أيْذا ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ مَدٍّ، " أيْنّا " مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآَنِ.
وكَذَلِكَ رَوى قالُونَ عَنْ نافِعٍ، إلّا أنَّ نافِعًا كانَ لا يَسْتَفْهِمُ في ( أيْنا )، كانَ يَجْعَلُ الثّانِي خَبَرًا في كُلِّ القُرْآَنِ، وكَذَلِكَ مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، غَيْرَ أنَّهُ يَهْمِزُ الأُولى هَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( إذا كُنّا ) بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، ( آَئِنّا ) بِهَمْزَتَيْنِ يَمُدُّ بَيْنَهُما مَدَّةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرُفاتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التُّرابُ، ولا واحِدَ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الدُّقاقِ والحُطامِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ العِظامُ ما لَمْ تَتَحَطَّمْ، والرُّفاتُ: الحُطامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّفاتُ: التُّرابُ.
والرُّفاتُ: كُلُّ شَيْءٍ حُطِمَ وكُسِرَ.
و ﴿ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ في مَعْنى مُجَدَّدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّماءُ والأرْضُ والجِبالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] ما يَكْبُرُ في صُدُورِكم مِن كُلِّ ما اسْتَعْظَمُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى تَغَيُّرِ حالاتِكُمْ، فَكُونُوا حِجارَةً أوْ أشَدَّ مِنها، فَإنّا نُمِيتُكُمْ، ونُنَفِّذُ أحْكامَنا فِيكُمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُكَ.
والثّانِي: تَصَوَّرُوا أنْفُسَكم حِجارَةً أوْ أصْلَبَ مِنها، فَإنّا سَنُبِيدُكُمْ، قالَ الأحْوَصُ: إذا كُنْتَ عَزْهاةً عَنِ اللَّهْوِ والصِّبى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدًا مَعْناهُ: فَتَصَوَّرْ نَفْسَكَ حَجَرًا، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ اعْتَرَفُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُهم وجَحَدُوا البَعْثَ، فَأُعْلِمُوا أنَّ الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَهم هو الَّذِي يُحْيِيهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُحَرِّكُونَها تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.
قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: أنَغَضَ رَأْسَهُ: إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقٍ وإلى أسْفَلٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُحَرِّكُونَها، كَما يُحَرِّكَ الآَيِسُ مِنَ الشَّيْءِ والمُسْتَبْعِدُ [ لَهُ ] رَأْسَهُ، يُقالُ: نَغَضَتْ سِنُّهُ: إذا تَحَرَّكَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: البَعْثَ، ﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ ؛ أيْ: هو قَرِيبٌ.
ثُمَّ بَيِّنْ مَتى يَكُونُ، فَقالَ: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ يَعْنِي: مِنَ القُبُورِ بِالنِّداءِ الَّذِي يَسْمَعُكُمْ، وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ " فَتَسْتَجِيبُونَ "؛ أيْ: تُجِيبُونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُومُ إسْرافِيلُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو أهْلَ القُبُورِ في قَرْنٍ، فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ، وأيَّتُها اللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، وأيَّتُها الشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ، وأيَّتُها العُرُوقُ المُتَقَطِّعَةُ، اخْرُجُوا إلى فَصْلِ القَضاءِ لِتُجْزَوْا بِأعْمالِكُمْ، فَيَسْمَعُونَ الصَّوْتَ فَيَسْعَوْنَ إلَيْهِ.
وَفِي مَعْنى " بِحَمْدِهِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " بِحَمْدِهِ ": بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَسْتَجِيبُونَ مُقِرِّينَ أنَّهُ خالِقُكم.
والرّابِعُ: تُجِيبُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِ أنْفُسِكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ في هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ.
وأيْنَ يَظُنُّونَ أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا ؟
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، ومِقْدارُهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، يَنْقَطِعُ في ذَلِكَ العَذابُ عَنْهُمْ، فَيَرَوْنَ لُبْثَهم في زَمانِ الرّاحَةِ قَلِيلًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في الدُّنْيا، لِعِلْمِهِمْ بِطُولِ اللُّبْثِ في الآَخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: في القُبُورِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَعَلى هَذا إنَّما قَصَرَ اللُّبْثُ في القُبُورِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهم خَرَجُوا إلى ما هو أعْظَمُ عَذابًا مِن عَذابِ القُبُورِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يُجِيبُونَ المُنادِيَ وهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، ويَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ اللُّبْثِ في القُبُورِ؛ لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُعَذَّبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا ﴾ ﴿ أو خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلِ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ لَهُ هو قَوْلُهُمْ: مَسْحُورٌ، ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، مُتَكَهِّنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مُتَيَقِّنًا بِأحَدِ هَذِهِ، فَإنَّما كانَتْ مِنهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ أنَّ أقْرَبَ هَذِهِ الأُمُورُ عَلى تَخَيُّلِ الطارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ، ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِالضَلالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، فَتَجْرِي الآيَةُ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ ونَحْوَ هَذا.
والآخَرُ: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ، وَإطْفاءِ نُورِ اللهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ لَكَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهَذا مِنهم تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ واسْتِبْعادٌ.
و"الرُفاتُ" مِنَ الأشْياءِ: ما مَرَّ عَلَيْهِ الزَمَنُ حَتّى بَلَغَ بِهِ غايَةَ البِلى، وقَرَّبَهُ مِن حالَةِ التُرابِ، يُقالُ: رُفِتَ رَفْتًا فَهو مَرْفُوتٌ، وفُعالٌ بِناءُها لِهَذا المَعْنى، كالحُطامِ والفُتاتِ والرُضاضِ والدُقاقِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُفاتًا": غُبارًا، وقالَ مُجاهِدٌ: تُرابًا.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذَيْنِ الاسْتَفْهامَيْنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أئَذا، أئَنا" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرُو يَمُدُّ الهَمْزَةَ، ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدَّةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ الأُولى مِثْلَ أبِي عَمْرُو، واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ الثانِيَةَ: "إنّا" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ مِنَ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا".
"أئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنّا" يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ، ورُوِيَ عنهُ مِثْلُ قِراءَةِ حَمْزَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي سُورَةِ الرَعْدِ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ و"جَدِيدٌ" صِفَةٌ لِما قَرُبَ حُدُوثُهُ مِنَ الأشْياءِ، وهَكَذا يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، فَيُقالُ: مِلْحَفَةٌ جَدِيدُ، وقَوْلُهُمْ: جَدِيدَةٌ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَأتِّي لا بُدَّ مِن بَعْثِكم.
وقَوْلُهُ: "كُونُوا" هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَعْجِيزَ، مِن أنْواعِ لَفْظَةِ: افْعَلْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهُمْ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَعْجِيزُ حَيْثُ يُقْضى بِالأمْرِ فِعْلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فادْرَءُوا عن أنْفُسِكُمُ المَوْتَ ﴾ ونَحْوَهُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها: كُونُوا بِالتَوَهُّمِ والتَقْدِيرِ كَذا وكَذا، الَّذِي فَطَرَكم كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالخَلْقِ الَّذِي يَكْبُرُ في الصُدُورِ السَماواتُ والأرْضُ والجِبالُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: أرادَ المَوْتَ، وقالَ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ: بَلْ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ عُمُومًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِشَيْءٍ صُلْبٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أقْوى مِنهُ، ثُمَّ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ إنْ شاءَ، وفي أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ في الإعادَةِ بِالفِطْرَةِ الأُولى مِن حَيْثُ خَلَقَهم واخْتَرَعَهم مِن تُرابٍ، وكَذَلِكَ يُعِيدُهم إذا شاءَ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ: "فَسَيُنْغِضُونَ" مَعْناهُ: يَرْفَعُونَ ويَخْفِضُونَ يُرِيدُ عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والِاسْتِهْزاءُ.
قالَ الزَجّاجُ: تَحْرِيكُ مَن يُبْطِلُ الشَيْءَ ويَسْتَبْطِئُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَغْضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ويُقالُ: نَغَضَتِ السِنُّ إذا تَحَرَّكَتْ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ تَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ قالَ الطَبَرِيُّ، وابْنُ سَلّامٍ: و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، فالمَعْنى: وهو قَرِيبٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ إنَّما هي مِنَ النَبِيِّ ، ولَكِنَّها بِأمْرِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيُقَرِّبُها ذَلِكَ مِنَ الوُجُوبِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ"،» وفي ضِمْنِ اللَفْظَةِ تَوَعُّدٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
جواب عن قولهم: ﴿ أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً ﴾ [الإسراء: 49].
أمر الله رسوله بأن يجيبهم بذلك.
وقرينة ذلك مقابلةُ فعل ﴿ كنا ﴾ [الإسراء: 49] في مقالهم بقوله: ﴿ كونوا ﴾ ، ومقابلة ﴿ عظاماً ورفاتاً ﴾ في مقالهم بقوله: ﴿ حجارة أو حديداً ﴾ الخ، مقابلة أجسام واهية بأجسام صُلبة.
ومعنى الجواب أن وهن الجسم مساوٍ لصلابته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى على تكييفه كيف يشاء.
لهذا كانت جملة ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ الخ غير معطوفة، جرْياً على طريقة المحاورات التي بينتُها عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة [البقرة: 30].
وإن كان قوله: ﴿ قل ﴾ ليسَ مبدأ محاورة بل المحاورة بالمقول الذي بعده؛ ولكن الأمر بالجواب أعطي حكم الجواب فلذلك فصلت جملة ﴿ قل ﴾ .
واعلم أن ارتباطَ رد مقالتهم بقوله: ﴿ كونوا حجارة ﴾ الخ غامض، لأنهم إنما استبعدوا أو أحالوا إرجاعَ الحياة إلى أجسام تَفرّقت أجزاؤُها وانخرم هيكلها، ولم يعللوا الإحالة بأنها صارت أجساماً ضعيفة، فيرد عليهم بأنها لو كانت من أقوى الأجسام لأعيدت لها الحياة.
فبنا أن نبين وجه الارتباط بين الرد على مقالتهم وبين مقالتهم المردودة، وفي ذلك ثلاثة وجوه: أحدها: أن تكون صيغة الأمر في قوله: ﴿ كونوا ﴾ مستعملة في معنى التسوية، ويكون دليلاً على جواببٍ محذوف تقديره: إنكم مبعوثون سَواء كنتم عظاماً ورُفاتاً أو كنتم حجارة أو حديداً، تنبيهاً على أن قدرة الله تعالى لا يتعاصى عليها شيء.
وذلك إدماج يجعل الجملة في معنى التذييل.
الوجه الثاني: أن تكون صيغة الأمر في قوله: ﴿ كونوا ﴾ مستعملة في الفرض، أي لو فُرض أن يكون الأجساد من الأجسام الصلبة وقيل لكم: إنكم مبعوثون بعد الموت لأحلتم ذلك واستبعدتم إعادة الحياة فيها.
وعلى كلا الوجهين يكون قوله: ﴿ مما يكبر في صدوركم ﴾ نهايةَ الكلام، ويكون قوله: ﴿ فسيقولون من يعيدنا ﴾ مفرعاً على جملة ﴿ وقالوا أئذا كنا ﴾ [الإسراء: 49] الخ تفريعاً على الاستئناف.
وتكون الفاء للاستئناف وهي بمعنى الواو على خلاف في مجيئها للاستئناف، والكلام انتقال لحكاية تكذيب آخر من تكذيباتهم.
الوجه الثالث: } أن يكون قوله: ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ كلاماً مستأنفاً ليس جواباً على قولهم: ﴿ أئذا كنا عظاماً ورفاتاً ﴾ [الإسراء: 49] الخ وتكون صيغة الأمر مستعملة في التسوية.
وفي هذا الوجه يكون قوله: ﴿ فسيقولون من يعيدنا ﴾ متصلاً بقوله: ﴿ كونوا حجارة أو حديداً ﴾ الخ، ومفرعا على كلام محذوف يدل عليْه قوله: ﴿ كونوا حجارة ﴾ ، أي فلو كانوا كذلك لقالوا: من يعيدنا، أي لانْتقلوا في مدارج السفسطة من إحالة الإعادة إلى ادعاء عدم وجود قادر على إعادة الحياة لهم لصلابة أجسادهم.
وبهذه الوجوه يلتئم نظم الآية وينكشف ما فيه من غموض.
والحديد: تراب معدني، أي لا يوجد إلا في مغاور الأرض، وهو تراب غليظ مُختلف الغلظ، ثقيل أدكن اللون، وهو إما محتت الأجزاء وإما مورّقُها، أي مثل الورَق.
وأصنافه ثمانية عشر باعتبار اختلاف تركيب أجزائه، وتتفاوت ألوان هذه الأصناف، وأشرف أصنافه الخالصُ، وهو السالم في جميع أجزائه من المواد الغريبة.
وهذا نادر الوجود وأشهر ألوانه الأحمر، ويقسم باعتبار صلابته إلى صنفين أصليين يسميان الذكر والأنثى، فالصلب هو الذكر واللين الأنثى.
وكان العرب يصفون السيف الصلب القاطع بالذكر.
وإذا صهر الحديد بالنار تمازجت أجزاؤه وتميع وصار كالحلواء فمنه ما يكون حديدَ صب ومنه ما يكون حديدَ تطريق، ومنه فُولاذ.
وكل صنف من أصنافه صالح لما يناسب سبكه منه على اختلاف الحاجة فيها إلى شدة الصلابة مثل السيوف والدروع.
ومن خصائص الحديد أن يعلوَه الصدأُ، وهو كالوسخ أخضرُ ثم يستحيل تدريجاً إلى أكسيد (كلمة كيمياوية تدل على تعلق أجزاء الأكسجين بجسم فتفسده) وإذا لم يتعهد الحديد بالصقل والزيت أخذ الصدأ في نخر سطحه، وهذا المعدن يوجد في غالب البلاد.
وأكثر وجوده في بلاد الحبشة وفي صحراء مصر.
ووجدت في البلاد التونسية معادن من الحديد.
وكان استعمال الحديد من العصور القديمة؛ فإن الطور الثاني من أطور التاريخ يعرف بالعصر الحديدي، أي الذي كان البشر يستعمل فيه آلات متخذة من الحديد، وذلك من أثر صنعة الحديد، وذلك قبل عصر تدوين التاريخ.
والعصر الذي قبله يعرف بالعصر الحجري.
وقد اتصلت بتعيين الزمن الذي ابتدئ فيه صنع الحديد أساطير واهية لا ينضبط بها تاريخه.
والمقطوع به أن الحديد مستعمل عند البشر قبل ابتداء كتابة التاريخ ولكونه يأكله الصدأ عند تعرضه للهواء والرطوبة لم يَبق من آلاته القديمة إلا شيء قليل.
وقد وُجدتُ في (طيبَة): ومَدافن الفراعنة في (منفيس) بمصر صور على الآثار مرسوم عليها: صور خزائن شاحذين مداهم وقد صبغوها في الصور باللون الأزرق لون الفولاذ، وذلك في القرن الحادي والعشرين قبل التاريخ المسيحي.
وقد ذكر في التوراة وفي الحديث قصة الذبيح، وقصة اختتان إبراهيم بالقدوم.
ولم يذكر أن السكين ولالقدوم كانتا من حجر الصوان، فالأظهر أنه بآلة الحديد، ومن الحديد تتخذ السلاسل للقيد، والمقامع للضرب، وسيأتي قوله تعالى: ﴿ ولهم مقامع من حديد ﴾ في سورة [الحج: 21].
والخلق: بعنى المخلوق، أي أو خلقاً آخر مما يعظم في نفوسكم عن قبوله الحياة ويستحيل عندكم على الله إحياؤه مثل الفولاذ والنحاس.
وقوله: مما يكبر في صدوركم } صفة ﴿ خلقاً ﴾ .
ومعنى ﴿ يكبر ﴾ يعظم وهو عظم مجازي بمعنى القوي في نوعه وصفاته، والصدور: العقول، أي مما تعدونه عظيماً لا يتغير.
وفي الكلام حذف دل عليْه الكلام المردود وهو قولهم: ﴿ أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون ﴾ [الإسراء: 49].
والتقدير: كونوا أشياء أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات.
والمعنى: لو كنتم حجارة أو حديداً لأحياكم الله، لأنهم جعلوا كونهم عظاماً حجة لاستحالة الإعادة، فرد عليهم بأن الإعادة مقدرة لله تعالى ولو كنتم حجارة أو حديداً، لأن الحجارة والحديد أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات إذ لم يسبق فيهما حلول الحياة قط بخلاف الرفات والعظام.
والتفريع في فسيقولون من يعيدنا } على جملة ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ أي قل لهم ذلك فسيقولون لك: من يعيدنا.
وجُعِلَ سؤالهم هنا عن المعيد لا عن أصل الإعادة لأن البحث عن المعيد أدخل في الاستحالة من البحث عن أصل الإعادة، فهو بمنزلة الجواب بالتسليم الجدلي بعد الجواب بالمنع فإنهم نفوا إمكان إحياء الموتى، ثم انتقلوا إلى التسليم الجدلي لأن التسليم الجدلي أقوى، في معارضة الدعوى، من المنع.
والاستفهام في ﴿ من يعيدنا ﴾ تهكمي.
ولما كان قولهم هذا محقق الوقوع في المستقبل أمر النبي بأن يجيبهم عندما يقولونه جواب تعيين لمن يعيدهم إبطالاً للازم التهكم، وهو الاستحالة في نظرهم بقوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ إجراء لظاهر استفهامهم على أصله بحمله على خلاف مرادهم، لأن ذلك أجدر على طريقة الأسلوب الحكيم لزيادة المحاجة، كقوله في محاجة موسى لفرعون ﴿ قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ [الشعراء: 25 26].
وجيء بالمسند إليه موصولاً لقصد ما في الصلة من الإيماء إلى تعليل الحكم بأن الذي فطرهم أول مرة قادر على إعادة خلقهم، كقوله تعالى: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27] فإنه لقدرته التي ابتدأ بها خلقكم في المرة الأولى قادر أن يخلقكم مرة ثانية.
والإنغاض: التحريك من أعلى إلى أسفل والعكس.
فإنغاض الرأس تحريكه كذلك، وهو تحريك الاستهزاء.
واستفهموا عن وقته بقولهم: متى هو} استفهام تهكم أيضاً؛ فأمر الرسول بأن يجيبهم جواباً حقاً إبطالاً للازم التهكم، كما تقدم في نظيره آنفاً.
وضمير ﴿ متى هو ﴾ عائد إلى العود المأخوذ من قوله: ﴿ يعيدنا ﴾ كقوله: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].
و (عسى] للرجاء على لسان الرسول: والمعنى لا يبعد أن يكون قريباً.
ويوم يدعوكم } بدل من الضمير المستتر في ﴿ يكون ﴾ من قوله: ﴿ أن يكون قريباً ﴾ .
وفتحته فتحة بناء لأنه أضيف إلى الجملة الفعلية.
ويجوز أن يكون ظرفاً ل ﴿ يكون ﴾ ، أي يكون يوم يدعوكم، وفتحته فتحة نصب على الظرفية.
والدعاء يجوز أن يحمل على حقيقته، أي دعاء الله الناس بواسطة الملائكة الذين يسوقون الناس إلى المحشر.
ويجوز أن يحمل على الأمر التكويني بإحيائهم، فأطلق عليه الدعاء لأن الدعاء يستلزم إحياء المدعو وحصول حضوره، فهو مجاز في الإحياء والتسخير لحضور الحساب.
والاستجابة مستعارة لمطاوعة معنى ﴿ يدعوكم ﴾ ، أي فتحيون وتمثلون للحساب.
أي يدعوكم وأنتم عظام ورفات.
وليس للعظام والرفات إدراك واستماع ولا ثم استجابة لأنها فرع السماع وإنما هو تصوير لسرعة الإحياء والإحضار وسرعة الانبعاث والحضور للحساب بحيث يحصل ذلك كحصول استماع الدعوة واستجابتها في أنه لا معالجة في تحصيله وحصوله ولا ريث ولا بطْء في زمانه.
وضمائر الخطاب على هذا خطاب للكفار القائلين ﴿ من يعيدنا ﴾ والقائلين ﴿ متى هو ﴾ .
والباء في ﴿ بحمده ﴾ للملابسة، فهي في معنى الحال، أي حامدين، فهم إذا بعثوا خلق فيهم إدراك الحقائق فعلموا أن الحق لله.
ويجوز أن يكون ﴿ بحمده ﴾ متعلقاً بمحذوف على أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والتقدير: انطق بحمده، كما يقال: باسم الله، أي ابتدئ، وكما يقال للمعرس: باليمن والبركة، أي احمد الله على ظهور صدق ما أنبأتكم به، ويكون اعتراضاً بين المتعاطفات.
وقيل: إن قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ استئناف كلام خطاب للمؤمنين فيكون ﴿ يوم يدعوكم ﴾ متعلقاً بفعل محذوف، أي اذكروا يوم يدعوكم.
والحمد على هذا الوجه محمول على حقيقته، أي تستجيبون حامدين الله على ما منحكم من الإيمان وعلى ما أعد لكم مما تشاهدون حين انبعاثكم من دلائل الكرامة والإقبال.
وأما جملة ﴿ وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً ﴾ فهي عطف على ﴿ تستجيبون ﴾ ، أي وتحسبون أنكم ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً.
والمراد: التعجيب من هذه الحالة، ولذلك جاء في بعض آيات أخرى سؤال المولى حين يبعثون عن مدة لبثهم تعجيباً من حالهم، قال تعالى: ﴿ قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ [المؤمنون: 112 114]، وقال: ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259].
وهذا التعجيب تنديم للمشركين وتأييد للمؤمنين.
والمراد هنا: أنهم ظنوا ظناً خاطئاً، وهو محل التعجيب.
وأما قوله في الآية الأخرى: قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون فمعناه: أنه وإن طال فهو قليل بالنسبة لأيام الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّفاتَ التُّرابُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّهُ ما أرْفَتَ مِنَ العِظامِ مِثْلَ الفُتاتِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قالَ الرّاجِزُ: صُمَّ الصَّفا رَفَتَ عَنْها أصْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إنْ عَجِبْتُمْ مِن إنْشاءِ اللَّهِ تَعالى لَكم عِظامًا ولَحْمًا فَكُونُوا أنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا إنْ قَدَرْتُمْ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّكُمْ: لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَمْ تَفُوتُوا اللَّهَ تَعالى إذا أرادَكم إلّا أنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأمْرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ الإلْزامِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا لَأماتَكُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياكم.
﴿ أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذَلِكَ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ لِعِظَمِها في النُّفُوسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ المَوْتَ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنهُ وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: نادَوْا إلَهَهُمُ لِيُسْرِعَ خَلْقَهم ∗∗∗ ولِلْمَوْتِ خَلْقٌ لِلنُّفُوسِ فَظِيعُ وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ البَعْثَ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ شَيْءٍ في صُدُورِهِمْ قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: ما يَكْبُرُ في صُدُورِكم مِن جَمِيعِ ما اسْتَعْظَمْتُمُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ يَبْعَثُكم، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ؛ أيْ يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا، قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها صَلِّي فَقالَتْ مِضِّ ∗∗∗ وحَرَّكَتْ لِي رَأْسَها بِالنَّغْضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى يَدْعُوكم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نِداءُ كَلامٍ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ النّاسِ يَدْعُوهُمُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ فِيهِ إلى أرْضِ المَحْشَرِ.
الثّانِي: أنَّها الصَّيْحَةُ الَّتِي يَسْمَعُونَها فَتَكُونُ داعِيَةً لَهم إلى الِاجْتِماعِ في أرْضِ القِيامَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَتَسْتَجِيبُونَ حامِدِينَ لِلَّهِ تَعالى بِألْسِنَتِكم.
الثّانِي: فَتَسْتَجِيبُونَ عَلى ما يَقْتَضِي حَمْدُ اللَّهِ مِن أفْعالِكم.
الثّالِثُ: مَعْناهُ فَسَتَقُومُونَ مِن قُبُورِكم بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِ أنْفُسِكم.
الرّابِعُ: فَتَسْتَجِيبُونَ بِأمْرِهِ، قالَهُ سُفْيانُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا في الدُّنْيا لِطُولِ لُبْثِكم في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: مَعْناهُ الِاحْتِقارُ لِأمْرِ الدُّنْيا حِينَ عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم لِما يَرَوْنَ مِن سُرْعَةِ الرُّجُوعِ يَظُنُّونَ قِلَّةَ اللُّبْثِ في القُبُورِ.
الرّابِعُ: أنَّهم بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ يُرْفَعُ عَنْهُمُ العَذابُ فَلا يُعَذَّبُونَ، وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً فَيَرَوْنَها لِاسْتِراحَتِهِمْ قَلِيلَةً; قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ لِقُرْبِ الوَقْتِ، كَما قالَ الحَسَنُ كَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ورفاتاً ﴾ قال غباراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورفاتاً ﴾ قال: تراباً.
وفي قوله: ﴿ قل كونوا حجارة أو حديداً ﴾ قال: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله كما أنتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو خلقاً مما يكبر في صدروكم ﴾ قال: الموت.
قال: لو كنتم موتى لأحييتكم.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير والحاكم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو خلقاً مما يكبر في صدروكم ﴾ قال: الموت.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن الحسن رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد الله بن أحمد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو خلقاً مما يكبر في صدروكم ﴾ قال: هو الموت ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت فكونوا الموت ان استطعتم، فإن الموت سيموت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ قال: يحركون رؤوسهم استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ قال: يحركون رؤوسهم استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: اتنغض لي يوم الفخار وقد ترى ** خيولاً عليها كالأسود ضواريا وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقولون متى هو ﴾ قال: الإعادة والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية.
اختلفوا في معنى قوله: {خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني الموت (١) (٢) قال الكلبي: قالوا: يا محمد، أرأيت لو كنا الموت، من يميتنا؟
فأنزل الله تعالى ﴿ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ (٣) وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: يعني السماء والأرض والجبال (٤) وروي عن ابن [أبي] (٥) (٦) قال أبو إسحاق: ومعنى هذه الآية فيه غموض؛ لأن القائل يقول: كيف يقال لهم: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فالجواب في ذلك أنهم كانوا يُقِرُّون أن الله خالقهم وينكرون أن الله يعيدهم (٧) (٨) (٩) ﴿ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ قال الفراء: نَغَض فلان رأسَه يَنْغُضه إنغاضًا؛ إذا حَرّكه إلى فوق وإلى أسفل، ونَغَض رأسُه إذا تَحَرَّك، ونَغَضَتْ سِنُّهُ، تَنْغَضُ وتَنْغُضُ وتَنْغِضُ، نَغْضًا ونَغَضَانًا ونُغُوضًا، وسُمِّيَ الظَّلِيمُ (١٠) (١١) (١٢) أَسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجًا ...
مُسْتهرِجٌ يحمل على أن يَهْرِجَ هَرْجَانًا (١٣) (١٤) وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أُخْبِر بشيء فحَرَّك رأسَه إنكارًا له: قد أَنْغَضَ رأسه (١٥) قال ابن عباس في رواية الوالبي، في قوله: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ ﴾ قال: يهزون (١٦) (١٧) وقال عطاء عن ابن عباس: يحركون رؤوسهم تكذيبًا لهذا القول (١٨) وقال الزجاج] (١٩) (٢٠) ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ﴾ .
وقال ابن قتيبة: أي يحركونها تحريك المستبعدِ رأسَه (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ﴾ ، أي: البعث أو الإعادة، وقد تَقدّم الفعل منهما (٢٢) ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ قال المفسرون: يعني هو قريب (٢٣) (٢٤) ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ .
(١) أخرجه "الطبري" 15/ 98 من طريق العوفي (ضعيفة) قال: إن كنتم الموت أحييكم، والحاكم: تفسير، الإسراء 2/ 362 بلفظه من طريق مجاهد (صحيحة) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379، بنحوه عن الكلبي، وابن أبي شيبة 7/ 134، بنحوه عن ابن عمر، و"الطبري" 15/ 98، بنحوه عن ابن عمر وابن جريج عن ابن جبير، وعن أبي صالح والحسن قالا: الموت، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 212 مختصرًا عن الحسن، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163 - مختصرًا عن ابن عمر ومجاهد وعكرمة وأبي صالح، و"تفسير السمرقندي" 2/ 272، بنحوه عن الكلبي والحسن وعكرمة، و"هود الهواري" 2/ 424، بنحوه عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 110 ب مختصرًا عن مجاهد وعكرمة، و"الماوردي" 3/ 248 مختصرًا عن ابن عمر، وأورده السيوطي في "الدرالمنثور" 4/ 339، بنحوه، وزا د نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر.
(٣) لم أقف عليه، وقد انفرد المؤلف بإيراد هذا القول على أنه سببٌ في النزول، ولم يورده في كتابه: "أسباب النزول" أو تفسيره الوسيط، وهذا القول لا يعتد به -في باب أسباب النزول- لعدم وروده بسند، وحتى مع إسناده فإن الرواية عن طريق الكلبي ضعيفة كما هو معلوم.
(٤) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 ب، و"الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 248، و"ابن عطية" 9/ 107، و"ابن الجوزي" 5/ 44.
(٥) ساقطة من جميع النسخ.
(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 263 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 98 بنصه من طريقين، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163، و"تفسير السمرقندي" 2/ 271، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الطبري وتبعه ابن عطية ونصره، وحجته أن الله عَزَّ وَجَلَّ أطلق القول ولم يخصصه بشيء، لذلك فكل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه يكون مقصودًا.
انظر: "تفسير الطبري" 15/ 99، و"ابن عطية" 9/ 107.
(٧) في جمبع النسخ: (يعيدكم)، والعواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام وتنسجم الضمائر.
(٨) ساقطة من (أ)، (د).
(٩) "معاني القران وإعرابه" 3/ 244 بتصرف يسير.
(١٠) الظليم: هو الذَّكر من النَّعَام، وجمعه: ظِلْمان.
انظر: "لتلخيص" 2/ 641، و"الصحاح" (ظلم) 5/ 1978.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 125، بنحوه بعض الفقرات، وورد بعضها بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24، و"تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3621، ولعله قد ركب النص من هذه المصادر الثلاث، ولمّا كان أغلب النقل عن الفراء نسبه إليه من دونهم - والله أعلم.
(١٢) الضمير يعود على الفراء، لكن الذي أنشد البيت هو الزجاج وليس الفراء.
(١٣) "ديوانه" 2/ 17، وروايته مختلفة ومقلوبة: واستبدلت رُسومُهُ سَفَنَّجَا.
.
.
أصَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مستهدجًا وورد برواية الديوان في: "المعاني الكبير" 1/ 329، والاقتضاب ص 420، وورد صدره في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245، و"تهذيب اللغة" (هدج) 4/ 3738، و"الصحاح" (نغض) 3/ 1109، و"تفسير الطوسي" 6/ 487، و"اللسان" (هدج) 8/ 4630، (نغض) 8/ 4489، وفي بعض هذه المصادر: (أصكَّ) بدل (أسكَّ)، (أسكَّ)؛ السَّكَكُ: الصمم، يقال: ظليم أسكّ؛ لأنه لا يسمع، وقيل: السكك: صِغَرُ الأذن ولزوقها بالرأس، (أصك)؛ الصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين، وظليم أصكّ: لتقارب ركبتيه؛ يصيب بعضها بعضًا إذا عدا، (سفنَّجًا): يعني بالسفنج الظليم؛ وهو ذكر النعام، (لا يَني): لا يزال، (مستهدَجا): يُحمل على الهدَج؛ وهو تقارب الخطو مع سرعة المشي.
قال ابن الأعرابي: مستهدِجا: == مستعجلاً؛ أي أُفْزعَ فمرّ، ومن رواه بكسر الدال أراد أنه لا يزال عَجْلان في عَدْوِه، (مستهرج): الهَرْجُ: الاختلاط؛ وأصل الهرج: الكثرة في الشيء.
انظر: "اللسان" (هرج، سكك، صكك).
(١٤) الضمير يعود على الاسْتِهْدَاج.
(١٥) ورد في "تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3738، بنصه تقريبًا.
(١٦) أخرجه "الطبري" 15/ 100 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).
(١٧) " تفسير مجاهد" ص 1/ 364، بنحوه.
(١٨) أخرجه "الطبري" 15/ 100، بنحوه، عن عطاء الخرساني (منقطعة)، وورد بنحوه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وورد بنحوه عن عطاء في "تفسير مجاهد" 1/ 364، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).
(٢٠) في جميع النسخ: (يستطيعه)، ولا معنى لها، والتصويب من المصدر، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 244، بنصه.
(٢١) "الغريب" لابن قتيبة ص 257، بنحوه.
(٢٢) في قوله: ﴿ أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ﴾ (٢٣) ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 101، و"السمرقندي" 2/ 272، و"الثعلبي" 7/ 111 أ، و"الطوسي" 6/ 488.
(٢٤) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 438 بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه -لم أقف عليه- من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).
<div class="verse-tafsir"
﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال ﴾ أي مثلوك بالساحر، والشاعر، والمجنون ﴿ فَضَلُّواْ ﴾ عن الحق ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ﴾ إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من الكفار ﴿ وقالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً ﴾ الآية معناها إنكار للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقاً جديداً بعد فنائهم، والرفات الذي بلي حتى صار غباراً أو فتاتاً، وقد ذكر في سورة [الرعد: 5] اختلاف القراء في الاستفهامين ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ المعنى لو كنتم حجارة أو حديداً لقدرنا على بعثكم وإحيائكم، مع أن الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن الرطوبة التي في الحياة، فأولى وأحرى أن يبعث أجسادكم ويحيي عظامكم البالية، فذكر الحجارة والحديد تنبيهاً بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما، ومعنى قوله: كونوا أي كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التعجيز كما قال بعضهم في ذلك ﴿ أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ قيل: يعني السموات والأرض والجبال، وقيل: بل أحال على فكرتهم عموماً في كل ما هو كبير عندهم: أي لو كنتم حجارة أو حديداً أو شيئاً أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة لقدرنا على بعثكم ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ ﴾ أي يحركونها تحريك المستبعد للشيء والمستهزئ ﴿ وَيَقُولُونَ متى هُوَ ﴾ أي متى يكون البعث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.
﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.
الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.
﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.
التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.
ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.
وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.
والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.
وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.
عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.
ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.
وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.
قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.
وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.
ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال { وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.
ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.
قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.
وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.
وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.
وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.
وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.
وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.
واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.
ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.
ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله إذا قرأ القرآن عليهم.
يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.
وعن أسماء.
كان رسول الله جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.
فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.
فتلا رسول الله هذه الآيات.
فجاءت وما رأت رسول الله .
وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.
وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول ويسمعون حديثه.
فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.
وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.
وقال أبو جهل: هو مجنون.
وقال أبو لهب: كاهن.
وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.
وكان رسول الله إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ .
وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.
وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".
وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.
وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.
والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ الآية.
على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ﴾ .
وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.
وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.
وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.
ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.
قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.
وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.
وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.
وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.
قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.
وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.
وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.
وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟
فأجاب الله عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟
فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.
أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .
فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.
وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.
وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.
وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.
وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.
وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.
ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.
ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.
قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.
قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.
لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.
قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.
يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.
والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.
وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.
وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.
وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.
وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.
وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.
ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.
ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.
ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.
والهداية إلى الله.
وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.
وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.
وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.
ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.
ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.
ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.
وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله فنزلت.
وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.
وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله إلا بمزية إيتاء الكتاب.
وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ أي محمد وأمته.
ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.
والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.
وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.
ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.
وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.
قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.
وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.
سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟
فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.
جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.
على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله .
يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.
رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.
وقد جرب فوجد كذلك.
ثم إنه أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟
والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.
وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.
واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟
وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.
ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.
وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.
ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.
عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.
وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي من الله ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.
فقال الرسول : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.
والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله به عادته.
والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.
ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.
وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.
عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.
أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.
الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.
وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله أنا ندخل البيت فنطوف به.
فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.
فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ .
الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.
الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.
ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.
والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.
قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.
قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.
والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله هذه الآية.
ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ .
ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.
وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.
وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.
وقيل: هي الشيطان.
وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟
جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.
ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.
ثم ذكر سبباً آخر في أنه لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.
التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.
﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .
قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.
قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.
وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.
لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.
﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.
﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي على داود كفضل القرآن على الزبور.
﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً ﴾ .
أي: أئذا كنا عظاماً بالية ناخرة و ﴿ وَرُفَاتاً ﴾ ، قيل: ترابا، وقيل: غباراً، وقيل ﴿ وَرُفَاتاً ﴾ : أي: بالية؛ حتى إذا فتتت - تكسرت وذهبت، كقوله: ﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ ، أي: غير كائنة، قالوا ذلك كله: إنكاراً للبعث واستهزاءً به أنهم يبعثون ويجزون بأعمالهم، وهذا كأنهم قالوا ذلك على التعجب، والاستبعاد عن كون ذلك، والاستهزاء بذلك، والجهل به هو الذي حملهم على التعجب والاستهزاء بما ذكر.
أنكر هؤلاء الكفرة قدرة الله على البعث كما أنكر المعتزلة قدرته على خلق أفعال العباد، وليس لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة بإنشاء الأوّل؛ لأن لهم أن يقولوا: إنكم تقرون بالقدرة على خلق الأول، وتنكرون خلق أفعالهم، وليس لكم الاحتجاج.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أي: لو كنتم حجارة أو حديداً فيميتكم، لكن هذا بعيد؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون الموت؛ إذ كانوا يشاهدون الموت؛ فلا يحتمل الإنكار، ولكن كانوا ينكرون البعث بعد الموت وبعدما صاروا تراباً ورفاتاً، إلا أن يقال: إنكم لو كنتم بحيث لا تبعثون ولا تجزون بأعمالكم لكنتم حجارة أو حديداً، لم تكونوا بشراً؛ لأن الحجارة والحديد ونحو ذلك غير ممتحن، ولا مأمور بشيء، ولا منهي عن شيء، وأما البشر فإنهم لم ينشئوا إلا للامتحان بأنواع المحن والأمر والنهي والحل والحرمة، فلا بد من الامتحان؛ فإذا امتحنوا بأشياء لا بدّ من البعث للجزاء والعقاب، فإذا لم تكونوا ما ذكر ولكن كنتم بشراً فاعلموا أنكم تبعثون وتجزون بأعمالكم على هذا يحتمل أن يصرف تأويلهم، لا إلى ما قالوا؛ وإلا ظاهر ما قالوا وتأولوا لا يحتمل؛ لما لا أحد أنكر الموت.
ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ، أي: لو كنتم ما ذكر حجارة أو حديداً أو أشدّ ما يكون من الخلق لقدر أن ينشئكم بشراً من ذلك؛ فكيف إذا كنتم بشراً في الابتداء؟!
أي: يعيدكم بشراً على ما كنتم كما أنشأكم في الابتداء من ماء وتراب، وليس في ذلك الماء والتراب من آثار بشر شيء من العظام واللحوم والعصب والجلد وغيرها؛ فمن قدر على إنشاء [هذا قدر على إنشاء] البشر بعد الموت وبعد ما صار تراباً ورفاتاً، على هذا يجوز أن يتأول.
ووجه آخر أن يقال: ظنوا أن لو كنتم حجارة أو حديداً أو ما ذكر لبعثكم؛ فكيف تظنون أنه لا يبعثكم إذا كنتم تراباً ورفاتاً أو كلام نحوه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ .
ذكروا هذا وكل ما يكبر في صدورهم على ما ذكر.
﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ﴾ .
استهزاء منهم به.
﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
إنهم، وإن قالوا ما قالوا استهزاء به وسخرية، فقد أمر الله - - أولياءه المؤمنين أن يحاجّوهم محاجة العقلاء والحكماء مع الحجج والبراهين، وإن كانوا قالوا سفهاً واستهزاء، وعلى ذلك عاملهم الله، وإن كانوا سفهاء في قولهم مستهزئين، وكذلك أمر رسله أن يعاملوا قومهم أحسن المعاملة؛ حيث قال: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقال: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ وإنما ذكر الله هذه الآيات؛ ليحاجّ بها هؤلاء، ويعلم أن كيف المعاملة مع هؤلاء؛ إذ قد أقام الله - - من الآيات والحجج على بعثهم وإحيائهم حججاً كافية ما لم يحتج إلى مثل هذا، لكنّه ذكر هذا؛ لما ذكرنا - والله أعلم -: كأن الذي حملهم على إنكار ذلك وجوه من الاعتبار: أحدها: أنهم لم يروا من الحكمة إماتتهم ثم الإحياء على مثل ذلك إذ لو كان يحييهم ثانياً - لكان لا يميتهم؛ كنقض البناء على قصد بناء مثله.
والثاني: لما رأوا أقواماً قد ماتوا منذ زمن طويل ثم لم يبعثوا؛ فيقال لهم: إنه قد تأخر كونكم وإنشاؤكم، ثم لم يدلّ تأخركم على أنكم لا تكونون؛ فعلى ذلك لا يدلّ تأخر البعث على أنه لا يكون.
وأما جواب الأوّل فإنه يقال لهم: إنكم تقرون أنه أنشأكم أوّل مرة وأنه يميتكم، فليس من الحكمة إنشاء ثم الإماتة؛ لأنه يكون كمن بنى بناء للنقض والإفناء؛ فإذا كان [الأول] حكمة كان الثاني - أيضاً - حكمة، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
أي: يعيدكم الذي خلقكم أوّل مرة ولم تكونوا شيئاً على ما ذكرنا وإعادة الشيء [في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ لا أحد في الشاهد يتكلف تعلم إعادة الشيء] ومعرفته، وإنما يتكلفون تعلم ابتداء الصناعات ومعرفتها، ثم يعرفون إعادة [ذلك] بمعرفة ابتدائية؛ فدلّ [ذلك] أنه أهون وأيسر، وهو ما قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: في عقولكم ذلك أهون وأيسر.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ ﴾ .
أي: يحركون رءوسهم؛ استهزاء به وهزواً.
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ﴾ .
على الاستهزاء أيضاً، أي: لا يكون.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ﴾ : قالوا ذلك جهلاً به وإنكاراً، وإلاّ لو علموا أنه كائن لا محالة لكانوا لا يقولون ذلك؛ بل يخافون كما خاف الذين آمنوا به.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً ﴾ .
و (عسى) من الله واجب، أي: يكون لا محالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَرِيباً ﴾ ، أي: كائناً، القريب يقال على الكون، أي: كائناً، ويقال على القريب والبعيد كذلك يقال على الإنكار رأساً، ويقال على الاستبعاد؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: هم لا يرونه كائناً، ونراه نحن كائناً؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ ﴾ : كانوا يستعجلون بها؛ لما لم يكونوا يرونه كائناً والمؤمنون يرونه كائناً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِه ﴾ .
يحتمل هذا الدعاء، والإجابة: دعاء الخلقة، وإجابة الخلقة؛ لما كانت خلقتهم تعظم ربهم، وتحمده في كل وقت، وتنبئ على ما ذكرنا في غير آية من القرآن.
ويحتمل دعاء القول وإجابة القول والعمل؛ لما كانوا عاينوا قدرته وعظمته أجابوا له بحمده وثنائه؛ كقوله: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ [ونحوه] أو أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ : يوم القيامة - كقوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ...
﴾ الآية [القمر: 6].
وقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...
﴾ الآية [إبراهيم: 43]: أخبر أنهم يجيبون داعيهم يومئذ ويثنون على الله؛ لما رأوا من الأهوال من ترك الإجابة له في الدّنيا.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِه ﴾ ، أي: تجيبون داعيه بثنائه وبحمده، أي: تثنون على الله وتحمدونه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ ﴾ أي: تعلمون وتيقنون أنكم ما لبثتم في الدّنيا إلا قليلاً، وكذلك قال قتادة، أي: يستحقرون الدنيا ويصغرونها؛ لما عاينوا القيامة وأهوالها.
[وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ في القبر وجائز أن يكون في الدنيا يستقصرون المقام فيها لطول مقام الآخرة وأهوالها] ثم من أنكر عذاب القبر احتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً ﴾ ، ومثله قالوا في العذاب والشدة: لم يكونوا يستقصرون ويستصغرون المقام فيه؛ إذ كل من كان في عذاب وبلاء وشدة - يستعظم ذلك ويستكثر ولا ينساه أبداً، هذا المعروف عند الناس فإذا هم استقلوا ذلك واستصغروه حتى قالوا: ﴿ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وقالوا: ﴿ قَلِيلاً ﴾ ويسيرا، دلّ ذلك أنهم لم يكونوا في عذاب وبلاء.
ويتأولون قوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ على التقديم والتأخير، يقولون تأويله: ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيّاً - ليس على ألاَّ يكون لهم عذاب فيما بين ذلك؛ ولكن على ما [ذكر] في الجنة: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
ومن يقول بالعذاب في القبر يقول: قوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ في الدنيا، أو يقولون ذلك في وقت وهو ما بين النفختين.
كذلك يقولون: إنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفخة الأولى والثانية، وهذا احتيال.
ويقال - أيضاً -: ليس في استقلالهم المقام والاستقصار ما يدلّ على أن لم يكن لهم عذاب في القبر؛ لأن العرف في الناس أنهم [إذا] كانوا في بلاء وشدّة ونوع من المرض، ثم نزل بهم ما هو أشدّ من ذلك وأعظم؛ استصغروا ما كانوا هم فيه ونسوا ذلك؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا عاينوا عذاب القيامة وأهوالها و أفزاعها استصغروا ما كان بهم من العذاب في القبر، ونسوا ذلك؛ ألا ترى أنهم إذا عاينوا الجنة ونعيمها نسوا ما كان لهم من النعم في الدنيا، ولا شك أنه قد كان لهم نعيم في الدنيا فعلى ذلك العذاب.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَرُفَاتاً ﴾ ، قال: رفاتاً منكسرة، وفتته، أي: كسرته.
وقال القتبي: ﴿ أَكِنَّةً ﴾ : جمع كنان، مثل غطاء وأغطية.
﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ ﴾ ، أي: يتناجون، يسار بعضهم بعضاً أنه مجنون، وأنه ساحر كاهن وأساطير الأولين.
وقال بعضهم: كان نجواهم ما ذكر في سورة الأنبياء حين قالوا: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 3]؛ فذلك قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ ﴾ أي: ما تتبعون ﴿ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ﴾ .
قال أبو عبيدة: ﴿ مَّسْحُوراً ﴾ ؛ أي: قد سحر به، وهو يناقض قولهم، وقد ذكرنا وجه تناقض قوله فيما تقدم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل لهم -أيها الرسول-: كونوا -أيها المشركون- إن استطعتم حجارة في شدتها، أو كونوا حديدًا في قوته، ولن تستطيعوا ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ay0NO"