الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٦٤ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٤ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) قيل هو الغناء قال مجاهد باللهو والغناء أي استخفهم بذلك وقال ابن عباس في قوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) قال كل داع دعا إلى معصية الله عز وجل وقال قتادة واختاره ابن جرير وقوله ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) يقول واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم ؛ فإن الرجل جمع " راجل ، كما أن الركب جمع راكب " و صحب جمع " صاحب ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه وهذا أمر قدري كما قال تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) [ مريم 83 ] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا وتسوقهم إليها سوقا وقال ابن عباس ومجاهد في قوله ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) قال كل راكب وماش في معصية الله وقال قتادة إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه وتقول العرب أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه .
ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب ومنه اشتقاق " الجلبة ، وهي ارتفاع الأصوات وقوله : ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) قال ابن عباس ومجاهد هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله وقال عطاء هو الربا وقال الحسن هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام وكذا قال قتادة وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أما مشاركته إياهم في أموالهم فهو ما حرموه من أنعامهم يعني من البحائر والسوائب ونحوها وكذا قال الضحاك وقتادة ثم ] قال ابن جرير والأولى أن يقال إن الآية تعم ذلك كله وقوله : ( والأولاد ) قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يعني أولاد الزنا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفها بغير علم وقال قتادة عن الحسن البصري قد والله شاركهم في الأموال والأولاد ، مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان وكذا قال قتادة سواء وقال أبو صالح عن ابن عباس هو تسميتهم أولادهم : عبد الحارث " و عبد شمس " و عبد فلان قال ابن جرير وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته ما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله ووأده وغير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به وأطيع فيه الشيطان أو به فهو مشاركة وهذا الذي قاله متجه وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة فقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم " وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا " وقوله : ( وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) الآية إبراهيم 22 ] .
يعني تعالى ذكره بقوله (وَاسْتَفْزِزْ) واستخفف واستجهل، من قولهم: استفزّ فلانا كذا وكذا فهو يستفزّه ( مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ).
اختلف أهل التأويل في الصوت الذي عناه جلّ ثناؤه بقوله ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) فقال بعضهم: عنى به: صوت الغناء واللعب.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: باللهو والغناء.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر، عن مجاهد، في قوله: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: اللعب واللهو.
وقال آخرون: عنى به ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ) بدعائك إياه إلى طاعتك ومعصية الله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: صوته كلّ داع دعا إلى معصية الله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) قال: بدعائك.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ).
وقوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) يقول: وأجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يجلب عليها بالدعاء إلى طاعتك، والصرف عن طاعتي، يقال منه: أجلب فلان على فلان إجلابا: إذا صاح عليه.
والجَلَبة: الصوت، وربما قيل: ما هذا الجَلَب، كما يقال: الغَلَب، والشَّفَقَة والشَّفَق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد، في قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: كلّ راكب وماش في معاصي الله تعالى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال الرجال: المشاة.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: خيله: كل راكب في معصية الله؛ ورجله: كل راجل في معصية الله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) قال: ما كان من راكب يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل في معصية الله فهو من رجال إبليس، والرجْل: جمع راجل، كما التجْر: جمع تاجر، والصَّحْب: جمع صاحب.
وأما قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) في الأموال والأولاد فإن أهل التأويل اختلفوا في المشاركة التي عنيت بقوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) فقال بعضهم: هو أمره إياهم بإنفاق أموالهم في غير طاعة الله واكتسابهموها من غير حلها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) التي أصابوها من غير حلها.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) قال: ما أكل من مال بغير طاعة الله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رَباح، قال: الشرك في أموال الربا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) قال: قد والله شاركهم في أموالهم، وأعطاهم الله أموالا فأنفقوها في طاعة الشيطان في غير حقّ الله تبارك اسمه، وهو قول قتادة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال الحسن ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) مرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ ) قال: كل مال في معصيه الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: مشاركته إياهم في الأموال والأولاد، ما زَيَّن لهم فيها من معاصي الله حتى ركبوها.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ ) كلّ ما أنفقوا في غير حقه.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك كلّ ما كان من تحريم المشركين ما كانوا يحرّمون من الأنعام كالبحائر والسوائب ونحو ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: الأموال: ما كانوا يحرِّمون من أنعامهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى، عن عمران بن سليمان.
عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مشاركته في الأموال أن جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ ) فإنه قد فعل ذلك، أما في الأموال، فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاما.
قال أبو جعفر: الصواب: حاميا.
وقال آخرون: بل عُنِي به ما كان المشركون يذبحونه لآلهتهم.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) يعني ما كانوا يذبحون لآلهتهم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك كلّ مال عصى الله فيه بإنفاق في حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسييب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مما كان معصيا به أو فيه، وذلك أن الله قال ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ ) فكلّ ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصى الله فيه، فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس، فلا وجه لخصوص بعض ذلك دون بعض.
وقوله (والأوْلاد) اختلف أهل التأويل في صفة شركته بني آدم في أولادهم، فقال بعضهم: شركته إياهم فيهم بزناهم بأمهاتهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أولاد الزنا.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: أولاد الزنا، يعني بذلك أهل الشرك.
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: الأولاد: أولاد الزنا.
وقال آخرون: عنى بذلك: وأْدُهم أولادَهم وقتلهموهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام.
وقال آخرون: بل عنى بذلك: صبغهم إياهم في الكفر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجسوا وهوّدوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: قد فعل ذلك، أما في الأولاد فانهم هوّدوهم ونصَّروهم ومجّسوهم.
وقال آخرون: بل عنى بذلك تسميتهم أولادهم عبد الحرث وعبد شمس.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عيسى بن يونس، عن عمران بن سليمان، عن أبي صالح عن ابن عباس ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) قال: مشاركته إياهم في الأولاد، سموا عبد الحرث وعبد شمس وعبد فلان.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: كل ولد ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يخصص بقوله ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ ) معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكلّ ما عصى الله فيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فيه، فهو مشاركة من عصى الله فيه أو به إبليس فيه.
وقوله ( وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ) يقول تعالى ذكره لإبليس: وعد أتباعك من ذرّية آدم، النصرة على من أرادهم بسوء، يقول الله ( وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ) لأنه لا يغني عنهم من عقاب الله إذا نـزل بهم شيئا، فهم من عداته في باطل وخديعة، كما قال لهم عدو الله حين حصحص الحق إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ .
قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورافيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : واستفزز أي استزل واستخف .
وأصله القطع ، ومنه تفزز الثوب إذا انقطع .
والمعنى استزله بقطعك إياه عن الحق .
واستفزه الخوف أي استخفه .
وقعد مستوفزا أي غير مطمئن .
واستفزز أمر تعجيز ، أي أنت لا تقدر على إضلال أحد ، وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت .الثانية : بصوتك وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله - تعالى - ; عن ابن عباس .
مجاهد : الغناء والمزامير واللهو .
الضحاك : صوت المزمار .
وكان آدم - عليه السلام - أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل ، وولد قابيل أسفله ، وفيهم بنات حسان ، فزمر اللعين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزنوا ذكره الغزنوي .
وقيل : بصوتك بوسوستك .الثالثة : قوله تعالى : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق ; يقال : أجلب إجلابا .
والجلب والجلبة : الأصوات ; تقول منه : جلبوا بالتشديد .
وجلب الشيء يجلبه ويجلبه جلبا وجلبا .
وجلبت الشيء إلى نفسي واجتلبته بمعنى .
وأجلب على العدو إجلابا ; أي جمع عليهم .
فالمعنى أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وقال أكثر المفسرين : يريد كل راكب وماش في معصية الله - تعالى - .
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس .
فما كان من راكب وماش يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجالته .
وروى سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس قال : كل خيل سارت في معصية الله ، وكل رجل مشت في معصية الله ، وكل مال أصيب من حرام ، وكل ولد بغية فهو للشيطان .
والرجل جمع راجل ; مثل صحب وصاحب .
وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان ; يقال : رجل ورجل بمعنى راجل .
وقرأ عكرمة وقتادة " ورجالك " على الجمع .الرابعة : وشاركهم في الأموال والأولاد أي اجعل لنفسك شركة في ذلك .
فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله ; قاله الحسن .
وقيل : هي التي أصابوها من غير حلها ; قاله [ ص: 260 ] مجاهد .
ابن عباس : ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .
وقاله قتادة .
الضحاك : ما كانوا يذبحونه لآلهتهم .
والأولاد قيل : هم أولاد الزنا ، قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس .
وعنه أيضا هو ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم .
وعنه أيضا : هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه .
وقيل : هو صبغة أولادهم في الكفر حتى هودوهم ونصروهم ، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم ; قال قتادة .
وقول خامس - روي عن مجاهد قال : إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه ، فذلك قوله - تعالى - : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان وسيأتي .
وروى من حديث عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن فيكم مغربين قلت : يا رسول الله ، وما المغربون ؟
قال : الذين يشترك فيهم الجن .
رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول .
قال الهروي : سموا مغربين لأنه دخل فيهم عرق غريب .
قال الترمذي الحكيم : فللجن مساماة بابن آدم في الأمور والاختلاط ; فمنهم من يتزوج فيهم ، وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد أبويها من الجن .
وسيأتي بيانه إن شاء الله - تعالى - .الخامسة : قوله تعالى : وعدهم أي منهم الأماني الكاذبة ، وأنه لا قيامة ولا حساب ، وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أولى بالجنة من غيركم .
يقويه قوله - تعالى - : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي باطلا .
وقيل وعدهم أي عدهم النصرة على من أرادهم بسوء .
وهذا الأمر للشيطان تهدد ووعيد له .
وقيل : استخفاف به وبمن اتبعه .السادسة : في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو ; لقوله : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم على قول مجاهد .
وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه .
وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه ، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع !
أتسمع ؟
فأقول نعم ; فمضى حتى قلت له لا ، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا .
قال علماؤنا : إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال ، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [ لقمان ] إن شاء الله - تعالى - .
ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية.
{ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله فهو من خيل الشيطان ورجله.
والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله.
{ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر وأخذ الأموال بغير حقها أو وضعها بغير حقها أو استعمال المكاسب الردية.
بل ذكر كثير من المفسرين أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد فيه الحديث.{ وَعِدْهُمْ } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها ولهذا قال: { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } أي: باطلا مضمحلا كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة ويعدهم عليها الأجر لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
وقوله : ( واستفزز ( واستخفف واستجهد ( من استطعت منهم ( أي : من ذرية آدم ( بصوتك ( قال ابن عباس وقتادة : بدعائك إلى معصية الله .
وكل داع إلى معصية الله [ فهو من جند إبليس .
قال الأزهري : معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك أي : تستخفهم ] .
وقال مجاهد : بالغناء والمزامير .
( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ( قيل : اجمع عليهم مكايدك وخيلك ، ويقال : " أجلبوا " و " جلبوا " إذا صاحوا يقول : صح بخيلك ورجلك وحثهم عليه بالإغواء .
قال مقاتل : استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم والخيل : الركبان والرجل : المشاة .
قال أهل التفسير : كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس .
وقال مجاهد وقتادة : إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس ، وهو كل من يقاتل في المعصية والرجل والرجالة والراجلة واحد يقال : راجل ورجل مثل : تاجر وتجر وراكب وركب وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان .
( ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) فالمشاركة في الأموال : كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير .
وقال عطاء : هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام .
وقال الضحاك : هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم .
وأما الشركة في الأولاد : روي عن ابن عباس : أنها الموءودة .
وقال مجاهد والضحاك : هم أولاد الزنا .
وقال الحسن ، وقتادة : هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم .
وعن ابن عباس رواية أخرى : هو تسميتهم الأولاد عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار ونحوها وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل : " بسم الله " أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل .
وروي في بعض الأخبار : إن فيكم مغربين قيل : وما المغربون؟
قال : الذين يشارك فيهم الجن .
وروي أن رجلا قال لابن عباس : إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار؟
قال : ذلك من وطء الجن .
وفي الآثار : أن إبليس لما أخرج إلى الأرض قال : يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذريته قال : أنت مسلط فقال : لا أستطيعه إلا بك فزدني قال : واستفزز من استطعت منهم بصوتك الآية فقال آدم : يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك قال : لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه قال : زدني قال : الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال : زدني قال : التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد فقال : زدني قال : " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " الآية ( الزمر - 53 ) .
وفي الخبر : أن إبليس قال : يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟
قال : الشعر قال : فما كتابي؟
قال : الوشم قال : ومن رسلي؟
قال : الكهنة قال : وأين مسكني؟
قال الحمامات قال : وأين مجلسي؟
قال : الأسواق قال : أي شيء مطعمي؟
قال : ما لم يذكر عليه اسمي قال : ما شرابه؟
قال : كل مسكر قال : وما حبالي؟
قال النساء قال : وما أذاني؟
قال : المزامير .
قوله عز وجل ( وعدهم ( أي : منهم الجميل في طاعتك .
وقيل : قل لهم : لا جنة ولا نار ولا بعث .
( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ( والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق .
فإن قيل : كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول : " إن الله لا يأمر بالفحشاء " ( الأعراف - 28 ) ؟
قيل : هذا على طريق التهديد كقوله تعالى : " اعملوا ما شئتم " ( فصلت - 40 ) وكقول القائل : افعل ما شئت فسترى .
«واستفزز» استخف «من استطعت منهم بصوتك» بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية «وأجلب» صحْ «عليهم بخيلك ورجلك» وهم الركاب والمشاة في المعاصي «وشاركهم في الأموال» المحرمة كالربا والغصب «والأولاد» من الزنى «وعدهم» بأن لا بعث ولا جزاء «وما يعدهم الشيطان» بذلك «إلا غرورا» باطلاً.
واستَخْفِف كل مَن تستطيع استخفافه منهم بدعوتك إياه إلى معصيتي، واجمع عليهم كل ما تقدر عليه مِن جنودك من كل راكب وراجل، واجعل لنفسك شِرْكة في أموالهم بأن يكسبوها من الحرام، وشِرْكة في الأولاد بتزيين الزنى والمعاصي، ومخالفة أوامر الله حتى يكثر الفجور والفساد، وعِدْ أتباعك مِن ذرية آدم الوعود الكاذبة، فكل وعود الشيطان باطلة وغرور.
ثم ختم - سبحانه - الآيات بغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) .
اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء.
أولها: قوله: ﴿ اذهب ﴾ ومعناه: أمهلتك هذه المدة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ ﴾ يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى، وقيل: أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك.
وثالثها: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ في قوله: ﴿ وَأَجْلِبْ ﴾ وجوه: الأول: قال الفراء: إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح.
الثاني: قال الزجاج في فعل وأفعل، أجلب على العدو إجلاباً إذا جمع عليه الخيول.
الثالث: قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه.
والرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، فقوله: وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله: بخيلك زائدة على هذا القول، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا أيضاً يقرب من قول ابن الأعرابي، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده، ويدخل فيه كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية.
والقول الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل.
والقول الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب، والخيل تقع على الفرسان.
قال عليه الصلاة والسلام: «يا خيل الله اركبي» وقد تقع على الأفراس خاصة، والمراد هاهنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس، قال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن الفراء قال: يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد.
والنوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد ﴾ نقول: أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن وأما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً قال قتادة: المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئاً لغير الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا ﴾ والأصوب ما قاله القاضي، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنها الدعاء إلى الزنا، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا.
وثانيها: أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى.
وثالثها: أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما.
ورابعها: إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم.
وخامسها: ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه.
والنوع الخامس: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله: ﴿ وَعدهم ﴾ .
واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الاعتقاد الحق والعمل الحق، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر ألبتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة، إذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلابد وأن يقرر أولاً أنه لا مضرة في فعله ألبتة، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار، ولا حياة بعد هذه الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة ألبتة في فعل هذه المعاصي، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر: خذوا بنصيب من سرور ولذة *** فكل وإن طال المدى يتصرم فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولاً عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين: الأول: أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب.
والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثاً محضاً فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله: ﴿ وَعِدهم ﴾ يتناول كل هذه الأقسام، قال المفسرون قوله: ﴿ وَعدهم ﴾ أي بأنه لا جنة ولا نار، وقال آخرون: ﴿ وَعِدهم ﴾ بتسويف التوبة، وقال آخرون ﴿ وَعِدهم ﴾ بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم: ﴿ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴾ وقال آخرون: وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس، واعلم أن الله تعالى لما قال: ﴿ وَعِدهم ﴾ أردفه بما يكون زاجراً عن قبول وعده فقال: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة ولا يدعو ألبتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة.
أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام.
وثانيها: وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها.
وثالثها: أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض.
ورابعها: أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة.
وخامسها: أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة.
وسادسها: أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت.
فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة، كان الترغيب فيها تغريراً، ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد كل عباد الله من المكلفين، وهذا قول أبي علي الجبائي، قال والدليل عليه أن الله تعالى إستثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتبعك ﴾ ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
وأيضاً فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل وأهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم.
ثم قال وإنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف فيحدث ذلك المرض.
والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ أهل الفضل والعلم والإيمان لما بينا فيما تقدم أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان، والدليل عليه أنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ .
ثم قال: ﴿ وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة، وكان ذلك سبباً لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال: ﴿ وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً ﴾ ومعناه أن الشيطان وإن كان قادراً فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه.
البحث الثاني: هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة، لأنه لو كان الإقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال: وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿ وكفى بِرَبّكَ ﴾ علمنا أن الكل من الله، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.
بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: أن إبليس هل كان عالماً بأن الذي تكلم معه بقوله: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ ﴾ هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟
فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال: ﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا ﴾ فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟
وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال: ﴿ قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عليَّ ﴾ .
والجواب: لعله كان شاكاً في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن.
والسؤال الثاني: ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة؟
والحكيم إذا أراد أمراً وعلم أن شيئاً من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع.
والجواب: أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب، وأما المعتزلة فلهم قولان: قال الجبائي: علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة، وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى أبقاه تشديداً للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر، وبالغنا في الكشف عنهما، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طِينًا ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أي أصله طين.
أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً ﴿ أَرَءيْتَكَ ﴾ الكاف للخطاب، و ﴿ هذا ﴾ مفعول به.
والمعنى: أخبرني عن هذا ﴿ الذى كَرَّمْتَ ﴾ ه ﴿ عَلَىَّ ﴾ أي فضلته، لم كرمته عليّ وأنا خير منه؟
فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِى ﴾ واللام موطئة للقسم المحذوف ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك.
ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما.
فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟
قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهواني.
وقيل: قال ذلك لما عملت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ اذهب ﴾ ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، إنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله ﴿ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ ﴾ كما قال موسى عليه السلام للسامري ﴿ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ [طه: 97] .
فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة ليرجع إلى من تبعك؟
قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل: جزاؤكم.
ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب ﴿ جَزَاءً مَّوفُورًا ﴾ بما في ﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ ﴾ من معنى تجازون.
أو بإضمار تجازون.
أو على الحال؛ لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر.
يقال: فر لصاحبك عرضه فرة.
استفزّه: استخفه.
والفز: الخفيف ﴿ وَأَجْلِبْ ﴾ من الجلبة وهي الصياح.
والخيل: الخيالة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «يا خيل الله اركبي» والرجل اسم جمع للراجل.
ونظيره: الركب والصحب.
وقرئ: ﴿ ورجلك ﴾ ، على أن فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب.
ومعناه: وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضاً فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما.
يقال: رجل رجل.
وقرئ ﴿ ورجالك ورجالك ﴾ فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟
قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم.
وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر.
وخيله ورجله: كلّ راكب وماش من أهل العيث، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال.
وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف.
ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ المواعيد الكاذبة.
من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمماً، وإيثار العاجل على الآجل ﴿ إِنَّ عِبَادِى ﴾ يريد الصالحين ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ أي لا تقدر أن تغويهم ﴿ وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً ﴾ لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط على عباده مغوياً مضلاً، داعياً إلى الشر، صادّا عن الخير؟
قلت: هو من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة: اعملوا ما شئتم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ اذْهَبْ ﴾ امْضِ لِما قَصَدْتَهُ وهو طَرْدٌ وتَخْلِيَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
﴿ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ﴾ جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلتّابِعِينَ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿ جَزاءً مَوْفُورًا ﴾ مُكَمَّلًا مِن قَوْلِهِمْ فِرْ لِصاحِبِكَ عِرْضَهُ، وانْتِصابُ جَزاءً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِما في ﴿ جَزاؤُكُمْ ﴾ مِن مَعْنى تُجازَوْنَ، أوْ حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ مَوْفُورًا ﴾ .
﴿ واسْتَفْزِزْ ﴾ واسْتَخْفِفْ.
﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والفَزُّ الخَفِيفُ.
﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ بِدُعائِكَ إلى الفَسادِ.
﴿ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ وصِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ.
﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ بِأعْوانِكَ مِن راكِبٍ وراجِلٍ، والخَيْلُ الخَيّالَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» والرَّجِلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ كالصَّحْبِ والرَّكْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ صَوَّتَ عَلى قَوْمٍ فاسْتَفَزَّهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ حَتّى اسْتَأْصَلَهم.
وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ وَرَجِلِكَ ﴾ بِالكَسْرِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ كَنَدِسٍ ونَدُسٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَّجِلَ.
وقُرِئَ « ورِجالِكَ» « ورِجالِكَ» .
﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها وجَمْعِها مِنَ الحَرامِ والتَّصَرُّفِ فِيها عَلى ما لا يَنْبَغِي.
﴿ والأوْلادِ ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلى الوَلَدِ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ، والإشْراكُ فِيهِ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ العُزّى، والتَّضْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى الأدْيانِ الزّائِغَةِ والحِرَفِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ.
﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ والِاتِّكالِ عَلى كَرامَةِ الآباءِ وتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ لِطُولِ الأمَلِ.
﴿ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ مَواعِيدِهِ الباطِلَةِ، والغُرُورِ تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.
<div class="verse-tafsir"
{واستفزز} استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف {مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} بكل راكب وماش من أهل العيث فالخيل الخيالة والرجل اسم جمع للراجل ونظيره الركب والصحب ورجلك حفص على أن فعلاً بمعنى فاعل كتعب وتاعب ومعناه وجمعك الرِجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل وقيل يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال {وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال والأولاد} قال الزجاج كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية بعبد العزى وعبد شمس {وَعِدْهم} المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك {وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً} هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب
﴿ واسْتَفْزِزْ ﴾ أيْ: واسْتَخِفَّ؛ يُقالُ: اسْتَفَزَّهُ إذا اسْتَخَفَّهُ فَخَدَعَهُ وأوْقَعَهُ فِيما أرادَهُ مِنهُ، وأصْلُ مَعْنى الفَزِّ القَطْعُ ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ إذا انْقَطَعَ، ويُقالُ لِلْخَفِيفِ فَزٌّ ولِذا سُمِّيَ بِهِ ولَدُ البَقَرَةِ الوَحْشِيَّةِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: إذا اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خافَ العُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ والواوُ عَلى ما في البَحْرِ لِلْعَطْفِ عَلى اذْهَبْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّهْدِيدُ وكَذا مِنَ الأوامِرِ الآتِيَةِ، ويَمْنَعُ مِن إرادَةِ الحَقِيقَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ.
﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَفِزَّهُ ﴿ مِنهُمْ ﴾ فَمِن مَوْصُولُ مَفْعُولِ ( اسْتَفْزِزْ ) ومَفْعُولُ اسْتَطَعْتَ ) مَحْذُوفٌ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ.
واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ «مِن» اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبِ بِاسْتَطَعْتَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ أيْ: بِدُعائِكَ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ووَسْوَسَتِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ كَصَوْتِ الحِمارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالغِناءِ والمَزامِيرِ واللَّهْوِ والباطِلِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى جَبَلٍ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا ﴿ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهي الصِّياحُ قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ، وذَكَرَ أنَّ جَلَبَ وأجْلَبَ بِمَعْنًى.
وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ جَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ.
وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ أعانَ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( أجْلِبْ ) هُنا بِأجْمِعْ فالباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ مَزِيدَةٌ كَما فِي: لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: «واجْلُبْ» بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والخَيْلُ يُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقِيلَ: إنَّ واحِدَهُ خائِلٌ لِاخْتِيالِهِ في مَشْيِهِ وعَلى الفُرْسانِ مَجازًا وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ في بَعْضِ غَزَواتِهِ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ««يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي»».
والرَّجِلُ بِكَسْرِ الجِيمِ فَعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَهو صِفَةٌ كَحَذِرٍ بِمَعْنى حاذِرٍ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ غَيْرَ راكِبٍ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى الرِّجالِ يَعْنِي أنَّهُ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وبِهَذا قَرَأ حَفْصٌ وأبُو عُمَرَ في رِوايَةٍ والحَسَنُ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلْعَيْنِ خَيْلًا ورَجِلًا وبِهِ قالَ جَمْعٌ، فَقِيلَ: هم مِنَ الجِنِّ، وقِيلَ: مِنهم ومِنَ الإنْسِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ قالُوا: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجِلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ فَما كانَ مِن راكِبٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ وما كانَ مِن راجِلٍ يُقاتِلُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن رَجِلِ إبْلِيسَ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجّالَةٌ وإنَّما هُما كِنايَةٌ عَنِ الأعْوانِ والأتْباعِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةٍ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ راكِبًا وبَعْضُهم ماشِيًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهُ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ تَمْثِيلًا لِتَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ فَكَأنَّ مِغْوارًا وقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يُزْعِجُهم مِن أماكِنِهِمْ وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمْ، ومُرادُهُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَضُرُّ فِيها اعْتِبارُ مَجازٍ أوْ كِنايَةٍ في المُفْرَداتِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: «رَجْلِكَ» بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اسْمُ جَمْعِ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ لا جَمْعَ لِغَلَبَةِ هَذا الوَزْنِ في المُفْرَداتِ، وقُرِئَ: «رَجُلِ» بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّ الجِيمِ وهو مُفْرَدٌ كَما في قِراءَةِ حَفْصٍ وقَدْ جاءَتْ ألْفاظٌ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ عَلى فَعِلٍ وفَعُلٍ كَسْرًا وضَمًّا كَحَدِثٍ ونَدُسٍ وغَيْرِهِما.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: «رِجالِكَ» كَنِبالِكَ، وقُرِئَ: «رُجّالِكَ» كَكُفّارِكَ وكِلاهُما جَمْعُ رُجْلانٍ وراجِلٍ كَما في الكَشْفِ، وفي بَعْضِ نُسَخِ الكَشّافِ أنَّهُ قُرِئَ: (رَجّالِكَ) بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ رَجّالَةٌ فَحُذِفَ تاؤُهُ تَخْفِيفًا وهي نُسْخَةٌ ضَعِيفَةٌ ﴿ وشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ بِحَمْلِهِمْ عَلى كَسْبِها مِمّا لا يَنْبَغِي وصَرْفِها فِيما لا يَنْبَغِي.
وقِيلَ: بِحَمْلِهِمْ عَلى صَرْفِها في الزِّنا، وعَنِ الضَّحّاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الذَّبْحِ لِلْآلِهَةِ، وعَنْ قَتادَةَ بِحِمْلِهِمْ عَلى تَسْيِيبِ السَّوائِبِ وبَحْرِ البَحائِرِ والتَّعْمِيمُ أوْلى.
﴿ والأوْلادِ ﴾ بِالحَثِّ عَلى التَّوَصُّلِ إلَيْهِمْ بِالأسْبابِ المُحَرَّمَةِ وارْتِكابِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فِيهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المُشارَكَةُ في الأوْلادِ حَمْلُهم عَلى تَسْمِيَتِهِمْ بِعَبْدِ الحَرْثِ.
وعَبْدِ شَمْسٍ، وفي رِوايَةٍ: حَمْلُهم عَلى أنْ يُرَغِّبُوهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ ويَصْبَغُوهم بِغَيْرِ صِبْغَةِ الإسْلامِ.
وفِي أُخْرى: حَمْلُهم عَلى تَحْصِيلِهِمْ بِالزِّنا، وأُخْرى تَزْيِينُ قَتْلِهِمْ إيّاهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ أوِ العارِ، وقِيلَ: حَمْلُهم عَلى أنْ يُرَغِّبُوهم في القِتالِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ والحِرَفِ الخَسِيسَةِ الخَبِيثَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ الرَّجُلَ إذا لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ؛ وذَلِكَ هي المُشارَكَةُ في الأوْلادِ،والأوْلى ما ذَكَرْنا.
﴿ وعِدْهُمْ ﴾ المَواعِيدَ الباطِلَةَ كَشَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَفْعِ الأنْسابِ الشَّرِيفَةِ مَن لَمْ يُطِعِ اللَّهَ تَعالى أصْلًا، وعَدَمِ خُلُودِ أحَدٍ في النّارِ لِمُنافاةِ ذَلِكَ عِظَمَ الرَّحْمَةِ وطُولَ أمَلِ البَقاءِ في الدُّنْيا، ومِنَ الوَعْدِ الكاذِبِ وعْدُهُ إيّاهم أنَّهم إذا ماتُوا لا يُبْعَثُونَ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، ثُمَّ هَذا مِن قَبِيلِ المُشارَكَةِ في النَّفْسِ كَما في البَحْرِ.
﴿ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ ما خُوطِبَ بِهِ الشَّيْطانُ لِبَيانِ حالِ مَواعِيدِهِ والِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الِاعْتِراضِ مَعَ ما فِيهِ مِن صَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِ وبَيانِ حالِهِ لِلنّاسِ ومِنَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ شَيْطَنَتِهِ لِلْغُرُورِ وهو تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ ويُقالُ: غَرَّ فُلانًا إذا أصابَ غِرَّتَهُ أيْ: غَفْلَتَهُ ونالَ مِنهُ ما يُرِيدُ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِنَ الغَرِّ وهو الأثَرُ الظّاهِرُ مِنَ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الأوْجُهِ الَّتِي فِي: رَجُلٌ عَدْلٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ وما يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرُّهم.
والأوَّلُ أظْهَرُ.
وذَكَرَ الإمامُ في سَبَبِ كَوْنِ وعْدِ الشَّيْطانِ غُرُورًا لا غَيْرَ أنَّهُ إنَّما يَدْعُو إلى أحَدِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ قَضاءِ الشَّهْوَةِ.
وإمْضاءِ الغَضَبِ، وطَلَبِ الرِّياسَةِ والرِّفْعَةِ، ولا يَدْعُو البَتَّةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وتِلْكَ الأشْياءُ الثَّلاثَةُ لَيْسَتْ لَذائِذَ في الحَقِيقَةِ بَلْ دَفْعُ آلامٍ وإنْ سُلِّمَ أنَّها لَذائِذُ لَكِنَّها خَسِيسَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها النّاقِصُ والكامِلُ بَلِ الإنْسانُ والكَلْبُ ومَعَ ذَلِكَ وهي وشِيكَةُ الزَّوالِ ولا تَحْصُلُ إلّا بِمَتاعِبَ كَثِيرَةٍ ومَشاقَّ عَظِيمَةٍ ويَتْبَعُها المَوْتُ والهَرَمُ واشْتِغالُ البالِ بِالخَوْفِ مِن زَوالِها والحِرْصِ عَلى بَقائِها، ولَذّاتُ البَطْنِ والفَرْجِ مِنها لا تَتِمُّ إلّا بِمُزاوَلَةِ رُطُوباتٍ مُتَعَفِّنَةٍ مُسْتَقْذَرَةٍ فَتَزْيِينُ ذَلِكَ لا يَكادُ يَكُونُ إلّا بِما هو أكْذَبُ مِن دَعْوى اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ وهو الغُرُورُ.
<div class="verse-tafsir"
وقال: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ.
الآية وفيها مضمر، معناه: فلعنه الله، فقال إبليس: أرأيتك هذا الذي لعنتني لأجله وفضلته عليَّ؟
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني: لئن أجلتني إلى يوم البعث.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع لئن أَخَّرْتَنِى بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسرة تقوم مقامه.
ثم قال: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ، أي لأستزلنَّ ذريته.
يقول: أطلب زلتهم وقال القتبي: لَأَحْتَنِكَنَّ أي لأستأصلنّ، يقال: احتنك الجراد ما على الأرض، إذا أكله كله.
ويقال: هو من حنك الدابة يحنكها حنكاً، إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به، أي لأقودنهم حيث شئت.
إِلَّا قَلِيلًا يعني: الأنبياء والمخلصين لله، ويقال: إِلاَّ من عصمته مني.
قوله عز وجل: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ، أي من أطاعك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ، يعني: نصيبكم من العذاب في النار.
جَزاءً مَوْفُوراً، أي نصيبا مَوْفُوراً أي وافراً لا يفتر عنهم.
ثم قال: وَاسْتَفْزِزْ، يقول: استزلّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ يقول: بدعائك ووسوستك، ويقال: بأصوات الغناء والمزامير.
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، يعني: استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين الذين يوسوسون للناس، ويقال: خيل المشركين ورجالهم، وكل خيل تسعى في معصية الله تعالى فهي من خيل إبليس.
قرأ عاصم في رواية حفص وَرَجِلِكَ بنصب الراء وكسر الجيم، فدل الواحد على الجنس.
وقرأ الباقون بجزم الجيم وهو جمع الراجل.
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ، أي ما أكل من الأموال بغير طاعة الله تعالى، وهو ما جمع من الحرام.
ويقال: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وهو ما جعلوا من الحرث والأنعام نصيباً لآلهتهم، ويقال: كل طعام لم يذكر اسم الله عليه فللشيطان فيه شركة.
قال الفقيه : حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدّثنا سفيان بن يحيى قال: حدثنا أبو مطيع، عن الربيع بن زيد، عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال: «قال إبليس لربه: يا رب جعلت لبني آدم بيوتاً فما بيتي؟
قال الحمام.
قال: وجعلت لهم مجلسا فما مجلسي؟
قال: السوق.
قال: وجعلت لهم قرآناً فما قرآني؟
قال الشعر.
قال: وجعلت لهم حديثاً فما حديثي؟
قال: الكذب.
قال: وجعلت لهم أذاناً فما أذاني؟
قال: المزامير.
قال: وجعلت لهم رسلاً فما رسلي؟
قال: الكهنة.
قال: وجعلت لهم كتاباً فما كتابي؟
قال الوشم.
قال: وجعلت لهم طعاماً فما طعامي؟
قال: ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: وجعلت لهم شراباً فما شرابي؟
قال: كل مسكر.
قال وجعلت لهم مصايد فما مصايدي؟
قال: النساء» .
ثم قال: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ، أي: كل نفقة في معصية الله تعالى.
وَالْأَوْلادِ، أي أولاد الزنى، فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير.
ويقال: هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث، ويقال كل معصية بسبب الولد، ويقال: إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله فيه، جامع معه الشيطان.
ويقال: المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان، فيكون له شركة في الولد.
قال الفقيه أبو الليث: هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة، إنما يراد به المثل.
ثم قال: وَعِدْهُمْ، أي مَنِّهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً، أي باطلاً.
<div class="verse-tafsir"
جاءتهم الآيات المقترحة، فلم يؤمنوا كثمودَ وغيرهم.
قال الزَّجَّاجِ «١» : أخبر تعالى أنَّ موعد كفار هذه الأمة الساعة بقوله سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [القمر: ٤٦] فهذه الآية تنظُرُ إِلى ذلك، ومُبْصِرَةً أي: ذاتُ إِبصار وهي عبارةٌ عن بيان أمْر الناقة، ووضوح إعجازها، وقوله: فَظَلَمُوا بِها، أي: بِعَقْرِها، وبالكُفْر في أمرهَا، ثم أخبر تعالى أنه إِنما يرسل بالآياتِ غيرِ المُقْتَرَحةِ تخويفاً للعباد، وهي آيات معها إِمهال، فمن ذلك الكُسْوفُ والرعْدُ والزلزلةُ وقَوْسُ قُزَحَ، وغَيْرُ ذلك، وآيات اللَّه المعَتَبرُ بها ثلاثَةُ أقْسَامٍ: فقسمٌ عامٌّ في كل شيء، إِذ حيث ما وضَعْتَ نَظَرك، وجدتَّ آيةً، وهنا فِكْرة للعلماء، وقِسْمٌ معتاد غالباً كالكسوف ونحوه، وهنا فِكْرَة الجَهَلَةِ، وقسْمٌ خَارِقٌ للعادة، وقد انقضى بانقضاء النبوَّة، وإِنما يعتبر به، توهُّماً لما سلف منه.
وقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ هذه الآية إخبار للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه محفوظٌ من الكَفَرة آمِنٌ، أي: فَلْتُبْلِّغْ رسالةَ ربِّك، ولا تتهَّيب أحداً من المخلوقين قاله الطبريُّ «٢» ونحوه للحَسَن «٣» والسُّدِّيِّ.
وقوله سبحانه: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...
الآية: الجمهورُ أنَّ هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما كان صَبِيحَةَ الإِسراء، وأخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفَّار: إِن هذا لعجب، واستبعدوا ذلك فافتتن بهذا قومٌ من ضَعَفَةِ المسلمين فارتدوا وشقَّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية فعلى هذا يحسن
أنْ يكون معنى قوله: أَحاطَ بِالنَّاسِ في إِضلالهم وهدايتهم، أي: فلا تهتمَّ/، يا محمَّد، بكُفْر من كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه يدخُلُ مكَّة، فعجَّل في سنة الحُدَيْبِيَة، فصدّ فافتنن المسلمون لذلك، يعني بعَضهم، وليس بفتْنَة كُفْر «١» .
وقوله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوفة على قوله: الرُّؤْيَا، أي جعلنا الرؤيا والشَّجرةَ فتنةً وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في قول الجمهورِ: هي شجرةٌ الزَّقُّوم، وذلك أن أمرها لما نَزَلَ في سورة «والصَّافَّات» قال أبو جَهْل وغيره: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنَارٍ تَحْرِقُ الحِجَارة، ثم يزعُمُ أنها تُنْبِتُ الشجَرَ، والنار تأكلُ الشجَر، وما نعرفُ الزَّقُّوم إِلا التمر بالزُّبْد، ثم أحضر تمراً وزُبْداً، وقال لأصحابه، تَزقَّمُوا، فافتتن أيضاً بهذه المقالةِ بعْضُ الضعفاء، قال الطبري عن «٢» ابن عباس: أن الشجرة الملعونة، يريد الملعون أُكُلُهَا لأنها لم يَجْرِ لها ذكر «٣» .
قال ع «٤» ويصحُّ أَن يريد الملعونَةِ هنا، فأكَّد الأمر بقوله: فِي الْقُرْآنِ، وقالت فرقة: الْمَلْعُونَةَ، أي: المُبْعَدَة المكْروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصْل الجحيمِ هو في نهاية البُعْدِ من رحمة الله سبحانه.
وقوله سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ يريد كفّار مكّة.
وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الكافُ في «أَرَأَيْتَكَ» هي كافُ خطابٍ ومبالغةٍ في التنبيه، لا موضعَ لها من الإِعراب، فهي زائدةٌ، ومعنى «أَرأَيْتَ» : أتأملت ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ بها ينبِّه المخاطَبَ ليستَجْمِعَ لما ينصُّه بعْدُ.
وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ معناه لأُمِيلَنَّ ولأَجُرَّنَّ، وهو مأخوذ من تَحْنِيكِ الدابَّة، وهو أن يشدَّ على حَنَكِها بحَبْل أو غيره، فتقاد، والسَّنةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أي: تجتره، وقال الطبري «٥» «لأحتنكَنَّ» معناه لأستأصلنَّ، وعن ابن عباس: لأستولين «٦» ، وقال ابن زيد «٧» : لأضلّنّ.
قال ع «١» وهذا بدلُ اللفظ، لا تفسير.
وقوله: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، وما بعده من الأوامر: هي صيغةُ «افْعَلْ» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] «الموفور» ، المُكْمَل، وَاسْتَفْزِزْ معناه: استخف واخدع، وقوله: بِصَوْتِكَ: قيل: هو الغِنَاء والمزامير والمَلاَهي، لأنها أصواتٌ كلُّها مختصة بالمعاصي، فهي مضافةٌ إِلى الشيطانِ، قاله مجاهد «٢» ، وقيل: بدعائك إِياهم إِلى طاعتك.
قال ابن عباس: صوته دعاءُ كُلِّ مَنْ دعا إِلى معصيةِ «٣» اللَّه، والصوابُ أنْ يكون الصوتُ يعمُّ جميع ذلك.
وقوله: وَأَجْلِبْ، أي: هوِّل، و «الجَلَبة» الصوتُ الكثير المختلِطُ الهائل.
وقوله: بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: هذا مجازٌ واستعارة بمعنى اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإنَّ له خيلاً ورَجُلاً من الجنِّ، قاله «٤» قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرِّفون في الباطل، فإِنهم كلهم أعوان لإِبليس على غيرهم «٥» قاله مجاهد.
وَشارِكْهُمْ/ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، ولكلِّ ما يصنع في أمر الذرِّية من المعاصي، كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عَبْدَ شَمْس، وأبا الكُوَيْفِر، وعَبْدَ الحارِثِ، وكلَّ اسْمٍ مكروه ومن ذلك: وأد البنات ومن ذلك: صبغهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النَّقَّاش من وطْء الجنِّ، وأنه يُحْبِلُ المرأة من الإِنسِ، فضعيفٌ كلُّه.
ت: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضَعْفه، وفسادِ قولِ ناقله، ولم أر في ذلك حديثاً لا صحيحاً ولا سقيماً، ولو أمكن أنْ يكون الحبل من الجنّ، كما زعم ناقله،
قَوْلُهُ تَعالى: ( آَسْجُدُ ) قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ يَعْنِي بِهِ: لَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " طِينًا " مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التَّمْيِيزُ، المَعْنى: لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.
والثّانِي: عَلى الحالِ، المَعْنى: أنْشَأْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ مِن طِينٍ.
ولَفْظُ ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ ﴾ جاءَ هاهُنا بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: قالَ: آَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا وأرَأيْتُكَ ؟
وهي في مَعْنى: أخْبَرَنِي، والكافُ ذُكِرَتْ في المُخاطَبَةِ تَوْكِيدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ؟
فَحَذَفَ هَذا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ: ( أخَّرْتَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ.
ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا في وقْفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والفَرّاءُ.
والثّانِي: لِأُضِلَّنَّهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: لَأسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقالُ: احْتَنَكَ الجَرادُ ما عَلى الأرْضِ: إذا أكَلَهُ، واحْتَنَكَ فَلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِنَ العِلْمِ: إذا اسْتَقْصاهُ، فالمَعْنى: لَأقُودَنَّهم كَيْفَ شِئْتَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ عِلْمُ الغَيْبِ ؟
فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ عَصَمَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اذْهَبْ ﴾ هَذا اللَّفْظُ يَتَضَمَّنُ إنْظارَهُ، ﴿ فَمَن تَبِعَكَ ﴾ ؛ أيْ: تَبِعَ أمْرَكَ مِنهُمْ، يَعْنِي: ذُرِّيَّةَ آَدَمَ.
والمَوْفُورُ: المُوَفِّرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَّرْتُ مالَهُ عَلَيْهِ، ووَفَرْتُهُ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتَخِفَّ، ومِنهُ تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ.
وَفِي المُرادِ بِصَوْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ والمَزامِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: صِحْ ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ واحْثُثْهُمُ عَلَيْهِمْ بِالإغْراءِ، يُقالُ: أجْلَبَ القَوْمُ وجَلَّبُوا: إذا صاحُوا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والرَّجُلُ: الرَّجّالَةُ، يُقالُ: راجِلٌ ورَجْلٌ، مِثْلَ: تاجِرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ رَجُلٍ يَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجْلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ: ( بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجُلٌ رَجِلٌ لِلرّاجِلِ، ويُقالُ: جاءَنا حافِيًا رَجُلًا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ والجَحْدَرِيُّ: ( بِخَيْلِكَ ورُجّالِكَ ) بِرَفْعِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَفْتُوحَةً وبِألِفٍ بَعْدَها.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ: ( ورِجالكَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مَعَ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِن أنْعامِهِمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الأمْوالُ الَّتِي أُصِيبَتْ مِن حَرامٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الَّتِي أنْفَقُوها في مَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: ما كانُوا يَذْبَحُونَ لِآَلِهَتِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا مُشارَكَتُهُ إيّاهم في الأوْلادِ، فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أوْلادُ الزِّنا، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: المَوْؤُودَةُ مِن أوْلادِهِمْ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَسْمِيَةُ أوْلادِهِمْ عَبِيدًا لِأوْثانِهِمْ، كَعَبْدِ شَمْسٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ مَنافٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ما مَجَّسُوا وهَوَّدُوا ونَصَّرُوا، وصَبَغُوا مِن أوْلادِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ.
.
.
﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ [ النِّساءِ: ١٢٠ ] .
وهَذِهِ الآَيَةُ لَفْظُها لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناها التَّهْدِيدُ، ومَثَلُها في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِلْإنْسانِ: اجْهَدْ جُهْدكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا تَقَدَّمَ الأمْرَ نَهْيٌ عَمّا يُؤْمَرُ بِهِ، فَمَعْناهُ التَّهْدِيدً والوَعِيدً، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا تَدْخُلْنَ هَذِهِ الدّارَ، فَإذا حاوَلَ أنْ يَدْخُلَها قُلْتَ: ادْخُلْها وأنْتَ رَجِلٌ، فَلَسْتَ تَأْمُرُهُ بِدُخُولِها، ولَكِنَّكَ تُوعِدُهُ وتُهَدِّدُهُ، ومِثْلُهُ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وقَدْ نُهُوْا أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعاصِي.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا أمْرٌ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ فَعَلْتَ هَذا عاقَبْناكَ وعَذَّبْناكَ، فَنُقِلَ إلى لَفْظِ الأمْرِ عَنِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الحِجْرِ: ٤٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَفى بِهِ وكِيلًا لِأوْلِيائِهِ يَعْصِمُهم مِنَ القَبُولِ مِن إبْلِيسَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا ﴾ ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قُلْنا، وكَذَلِكَ "إذْ" في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعِ ذِكْرُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وأمْرِ السُجُودِ لَهُ.
واخْتَلَفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ فَقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ "إبْلِيسَ" لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ: "طِينًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا.
وقاسَ إبْلِيسُ في هَذِهِ النازِلَةِ فَأخْطَأ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رَأى الفَضِيلَةَ لِنَفْسِهِ مِن حَيْثُ رَأى النارَ أفْضَلَ مِنَ الطِينِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ في الأشْياءِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ خَصَّصَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يُنْظَرُ إلى أُصُولِها.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي أمَرَهُ اللهُ تَعالى، فَأخَذَ مِن أدِيمِ الأرْضِ طِينَةً، فَخَلَقَ آدَمَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ.
وكُفْرُ إبْلِيسَ في أنَّهُ جَهَلَ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللهِ تَعالى حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وكانَ أصْلُ ذَلِكَ الحَسَدُ ولِذَلِكَ قِيلَ: "أوَّلُ ما عُصِيَ اللهُ تَعالى بِالحَسَدِ"، وظَهَرَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ ﴾ و ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ حَسْبَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، فَهَذا هو النَصُّ بِأنَّ فِعْلَكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
والكافُ في قَوْلِهِ: "أرَأيْتَكَ" هي كافُ خِطابٍ ومُبالِغَةٍ في التَنْبِيهِ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ فَهي زائِدَةٌ.
ومَعْنى "أرَأيْتُ" كَأتَأمَّلْتُ، ونَحْوَهُ: كَأنَّ المُخاطِبَ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هُوَ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَهُ الزَجاجُ في آياتِنا، ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وما في هَذِهِ فَهي كَما قُلْتُ، ولَيْسَ الَّتِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أخَّرْتَنِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا هو الأصْلُ، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ كالقافِيَةِ الَّتِي يَحْسُنُ فِيها الحَذْفُ، كَمِثْلِ قَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مَن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنَّ؟
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو بِالياءِ في الوَصْلِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أخَّرْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِياءِ "قاضٍ" ونَحْوَهُ، لِكَوْنِها ياءً مُتَطَرِّفَةً قَبْلَها كَسْرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "لَأحْتَنِكَنَّ" مَعْناهُ: لِأمِيلَنَّ ولَأجُرَّنَّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن تَحْنِيكِ الدابَّةِ، وهو أنْ يُشَدَّ عَلى حَنَكِها بِحَبْلٍ أو غَيْرِهِ فَتَنْقادُ، والسَنَةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أيْ: تَجْتَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ جُهْدًا إلى جُهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وجَنَّفَتْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذا الشِعْرِ قالَ الطَبَرِيُّ في "لَأحْتَنِكَنَّ": لِأسْتَأْصِلُنَّ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في ذَلِكَ بِـ "لِأسْتَوْلِيَنَّ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِأُضِلَّنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَدَلُ اللَفْظِ لا تَفْسِيرُ.
وحَكَمَ إبْلِيسُ بِهَذا الحُكْمِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ رَأى الخِلْقَةَ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وما اقْتَرَنَ بِها مِنَ الشَهَواتِ والعَوارِضِ كالغَضَبِ ونَحْوَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى القَلِيلَ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يُصْلَبُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اذْهَبْ" وما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ هو صِيغَةُ افْعَلْ، مِنَ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ و"تَبِعَكَ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ الكُفْرِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ.
فالآيَةُ في الكُفّارِ وفِيمَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"المَوْفُورُ": المُكْتَمِلُ.
و"اسْتَفْزِزْ" مَعْناهُ: اسْتَخَفَّ واخْدَعْ حَتّى يَقَعَ في إرادَتِكَ، تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ في كَذا، إذا خَدَعَكَ حَتّى تَقَعَ في أمْرٍ أرادَهُ، ومِنَ الخِفَّةِ قِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ وَ "الصَوْتُ" هُنا قِيلَ: هو الغِناءُ والمَزامِيرُ والمَلاهِي؛ لِأنَّها أصْواتٌ كُلُّها مُخْتَصَّةٌ بِالمَعاصِي، فَهي مُضافَةٌ إلى الشَيْطانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدُعائِكَ إيّاهم إلى طاعَتِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَوْتُهُ دُعاءُ كُلِّ عاصٍ إلى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ "الصَوْتُ" يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأجْلِبْ" أيْ: هَوِّلْ، والجَلَبَةُ: الصَوْتُ الكَثِيرُ المُخْتَلِطُ الهائِلُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "واجْلُبْ" بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللامِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ لَهُ مِنَ الجِنِّ خَيْلًا ورُجْلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: المُرادُ فُرْسانُ الناسُ ورَجّالَتُهُمُ المُتَصَرِّفُونَ في الباطِلِ، فَإنَّهم كُلُّهم أعْوانٌ لِإبْلِيسَ عَلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَجْلِكَ" بِسُكُونِ الجِيمِ، وهو جَمْعُ راجِلٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وشارِبٍ وشَرْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَرَجِلِكَ" بِكَسْرِ الجِيمِ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرُو -بِخِلافٍ عنهُ- وهي صِفَةٌ، تَقُولُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا، أيْ غَيْرَ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أما أُقاتِلُ عن دِينِي عَلى فَرَسِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا كَذا رَجُلًا إلّا بِأصْحابِ؟
وَقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: "بِخَيْلِكَ ورِجالِكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ يَصْنَعُها الناسُ بِالمالِ، فَإنَّ ذَلِكَ المَصْرِفَ في المَعْصِيَةِ هو خَطُّ إبْلِيسَ، فَمِن ذَلِكَ السَجائِرُ وشَبَهُها، ومِن ذَلِكَ مَهْرُ البَغِيِّ وثَمَنُ الخَمْرِ وحُلْوانُ الكاهِنِ والرِبا وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُوجَدُ في الناسِ دَأْبًا، وقَوْلَهُ: "والأولادِ" عامٌّ لِكُلِّ ما يُصْنَعُ في أمْرِ الذُرِّيَّةِ مِنَ المَعاصِي، فَمِن ذَلِكَ الإيلادُ بِالزِنا، ومِن ذَلِكَ تَسْمِيَتُهم عَبَدَ شَمْسٍ، وعَبْدَ الحارِثٍ، وأبا الكُوَيْفِرِ، وكُلَّ اسْمٍ مَكْرُوهٍ، ومِن ذَلِكَ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، ومِن ذَلِكَ صَبْغِهِمْ في أدْيانِ الكُفْرِ، وغَيْرِ هَذا، وما أدْخَلَ النَقّاشُ مِن وطْءِ الجِنِّ وأنَّهُ يُحَبِّلُ المَرْأةَ مِنَ الإنْسِ فَضَعِيفٌ كُلُّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعِدْهُمْ" أيْ: مَنِّهِمْ بِما لا يَتِمُّ لَهُمْ، وبِأنَّهم غَيْرُ مَبْعُوثِينَ، فَهَذا مُشارَكَةٌ في النُفُوسِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَعِدُهم غُرُورًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يُغْنِي عنهم شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِإبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "عِبادِي" يُرِيدُ المُؤْمِنِينَ في الكُفْرِ، والمُتَّقِينَ في المَعاصِي، وخَصَّهم بِأنَّهُمُ العِبادُ، وإنْ كانَ اسْمًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ، مِن حَيْثُ قَصَدَ تَشْرِيفَهم والتَنْوِيهَ بِهِمْ، كَما يَقُولُ رَجُلٌ لِأحَدِ بَنِيهِ إذا رَأى مِنهُ ما يُحِبُّ: "هَذا ابْنِي"، عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ مِنهُ والتَشْرِيفِ لَهُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "هَذا خالِيَ، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خالَهُ-".» و"السُلْطانُ": المَلِكِيَّةُ والتَغَلُّبُ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِالحُجَّةِ قَلِقٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وكَفى بِرَبِّكَ يا مُحَمَّدُ حافِظا لِلْمُؤْمِنِينَ وقَيِّمًا عَلى هِدايَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
جواب من الله تعالى عن سؤال إبليس التأخير إلى يوم القيامة، ولذلك فصلت جملة ﴿ قال ﴾ على طريقة المحاورات التي ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها ﴾ [البقرة: 30].
والذهاب ليس مراداً به الانصراف بل هو مستعمل في الاستمرار على العمل، أي امض لشأنك الذي نويته.
وصيغة الأمر مستعملة في التسوبة وهو كقول النبهاني من شعراء الحماسة: فإن كنتَ سيدنا سُدتَنا *** وإن كنتَ للخال فاذْهَبْ فخَلْ وقوله: ﴿ فمن تبعك منهم ﴾ تفريع على التسوية والزجر كقوله تعالى: ﴿ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ [طه: 97].
والجزاء: مصدر جزاه على عمل، أي أعطاه عن عمله عوضاً.
وهو هنا بمعنى اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق.
والموفور: اسم مفعول من وفره إذا كثّره.
وأعيد جزاء } للتأكيد، اهتماماً وفصاحةً، كقوله: ﴿ إنا أنزلناه قرآناً عربياً ﴾ [يوسف: 2]، ولأنه أحسن في جريان وصف الموفور على موصوف متصل به دون فصل.
وأصل الكلام: فإن جهنم جزاؤكم موفوراً.
فانتصاب جزاء } على الحال الموطئة، و ﴿ موفوراً ﴾ صفة له، وهو الحال في المعنى، أي جزاء غير منقوص.
والاستفزاز: طلب الفَزّ، وهو الخفة والانزعاج وترك التثاقل.
والسين والتاء فيه للجَعل الناشئ عن شدة الطلب والحث الذي هو أصل معنى السين والتاء، أي استخفهم وأزعجهم.
والصوت: يطلق على الكلام كثيراً، لأن الكلام صوت من الفم.
واستعير هنا لإلقاء الوسوسة في نفوس الناس.
ويجوز أن يكون مستعملاً هنا تمثيلاً لحالة إبليس بحال قائد الجيش فيكون متصلاً بقوله: ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ﴾ كما سيأتي.
والإجْلاب: جَمْع الجيش وسوقه، مشتق من الجَلَبة بفتحتين، وهي الصياح، لأن قائد الجيش إذا أراد جمع الجيش نادى فيهم للنفير أو للغارة والهجوم.
والخيل: اسم جمع الفَرس.
والمراد به عند ذكر ما يدل على الجيش الفرسان.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «يا خيلَ الله اركبي» وهو تمثيل لحال صرف قوته ومقدرته على الإضلال بحال قائد الجيش يجمع فرسانه ورجالته..
ولما كان قائد الجيش ينادي في الجيش عند الأمر بالغارة جاز أن يكون قوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ من جملة هذا التمثيل.
والرّجْل: اسم جمع الرجال كصحب.
وقد كانت جيوش العرب مؤلفة من رجالة يقاتلون بالسيوف ومن كتائب فرسان يقاتلون بنضح النبال، فإذا التحموا اجتلدوا بالسيوف جميعاً.
قال أنيْف بن زَبان النّبْهاني: وتحت نحور الخيل حرشف رَجْلة *** تتاح لحبات القلوب نبالها ثم قال: فلما التقينا بيّن السيفُ بيننا *** لسائلةٍ عنا حَفِيّ سؤالُها والمعنى: أجْمِع لمن اتبعك من ذرية آدم وسائلَ الفتنة والوسوسة لإضلالهم.
فجعلت وسائل الوسوسة بتزيين المفاسد وتفظيع المصالح كاختلاف أصناف الجيش، فهذا تمثيل حال الشيطان وحال متبعيه من ذرية آدم بحال من يغزو قوماً بجيش عظيم من فرسان ورجالة.
وقرأ حفص عن عاصم ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم، وهو لغة في رَجُل مضموم الجيم، وهو الواحد من الرجال.
والمراد الجنس.
والمعنى: بخيلك ورجالك، أي الفرسان والمشاة.
والباء في ﴿ بخيلك ﴾ إما لتأكيد لصوق الفعل لمفعوله فهي لمجرد التأكيد.
ومجرورها مفعول في المعنى لفعل ﴿ أجلب ﴾ مثل ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6]؛ وإما لتضمين فعل أجلب } معنى (اغزُهم) فيكون الفعل مضمناً معنى الفعل اللازم وتكون الباء للمصاحبة.
والمشاركة في الأموال: أن يكون للشيطان نصيب في أموالهم وهي أنعامهم وزروعهم إذ سول لهم أن يجعلوا نصيباً في النتاج والحرث للأصنام.
وهي من مصارف الشيطان لأن الشيطان هو المسول للناس باتخاذها، قال تعالى: ﴿ وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ [الأنعام: 136].
وأما مشاركة الأولاد فهي أن يكون للشيطان نصيب في أحوال أولادهم مثل تسويله لهم أن يئدوا أولادهم وأن يستولدوهم من الزنى، وأن يُسمّوهم بعبدة الأصنام، كقولهم: عبد العُزى، وعبد اللات، وزيد مناة، ويكون انتسابه إلى ذلك الصنم.
ومعنى عِدْهُمْ} أعطهم المواعيد بحصول ما يرغبونه كما يسول لهم بأنهم إن جعلوا أولادهم للأصنام سلِم الآباء من الثكل والأولادُ من الأمراض، ويسول لهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله في الدنيا وتضمن لهم النصر على الأعداء، كما قال أبو سفيان يوم أحُد «أعْلُ هبل».
ومنه وعدهم بأنهم لا يخشون عذاباً بعد الموت لإنكار البعث، ووعد العصاة بحصول اللذات المطلوبة من المعاصي مثل الزنى والسرقة والخمر والمقامرة.
وحذف مفعول ﴿ وعدهم ﴾ للتعميم في الموعود به.
والمقام دال على أن المقصود أن يعدهم بما يرغبون لأن العدة هي التزام إعطاء المرغوب.
وسماه وعداً لأنه يوهمهم حصوله فيما يستقبل فلا يزالون ينتظرونه كشأن الكذاب أن يحتزر عن الإخبار بالعاجل لقرب افتضاحه فيجعل مواعيده كلها للمستقبل.
ولذلك اعترض بجملة ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ﴾ .
والغرور: إظهار الشيء المكروه في صورة المحبوب الحسن.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ في سورة [آل عمران: 196]، وقوله: ﴿ زخرف القول غرورا ﴾ في سورة [الأنعام: 112].
والمعنى: أن ما سوله لهم الشيطان في حصول المرغوب إما باطل لا يقع، مثل ما يسوله للناس من العقائد الفاسدة وكونه غروراً لأنه إظهار لما يقع في صورة الواقع فهو تلبيس؛ وإما حاصل لكنه مكروه غير محمود بالعاقبة، مثل ما يسوله للناس من قضاء دواعي الغضب والشهوة ومحبة العاجل دون تفكير في الآجل، وكل ذلك لا يخلو عن مقارنة الأمر المكروه أو كونه آيلاً إليه بالإضرار.
وقد بسط هذا الغزالي في كتاب الغرور من كتاب إحياء علوم الدين.
وإظهار اسم الشيطان في قوله: وما يعدهم الشيطان} دون أن يؤتى بضميره المستتر لأن هذا الاعتراض جملة مستقلة فلو كان فيها ضمير عائد إلى ما في جملةٍ أخرى لكان في النثر شبه عيب التضمين في الشعر، ولأن هذه الجملة جارية مجرى المثل فلا يحسن اشتمالها على ضمير ليس من أجزائها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: واسْتَخِفَّ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ.
الثّانِي: واسْتَجْهِلَ.
الثّالِثُ: واسْتَذِلَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ صَوْتُ الغِناءِ واللَّهْوِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ المِزْمارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: بِدُعائِكَ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ والجَلْبُ هو السَّوْقُ بِجَلْبِهِ مِنَ السّائِقِ، وفي المَثَلِ: إذا لَمْ تَغْلِبْ فَأجْلِبْ.
وَقَوْلُهُ ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ أيْ بِكُلِّ راكِبٍ وماشٍ في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.
﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ ﴾ أمّا مُشارَكَتُهم في الأمْوالِ فَفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الأمْوالُ الَّتِي أصابُوها مِن غَيْرِ حِلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الأمْوالُ الَّتِي أنْفَقُوها في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما كانُوا يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَأمّا مُشارَكَتُهم في الأوْلادِ فَفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أوْلادُ الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ المَوْءُودَةِ مِن أوْلادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صِبْغَةُ أوْلادِهِمْ في الكُفْرِ حَتّى هَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَسْمِيَةُ أوْلادِهِمْ عَبِيدَ آلِهَتِهِمْ كَعَبْدِ شَمْسَ وعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ اللّاتِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: حسد إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من كرامة وقال: أنا ناري، وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال إبليس: إن آدم خلق من تراب ومن طين خلق ضعيفاً، وإني خلقت من نار والنار تحرق كل شيء ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ فصدق ظنه عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لأحتنكن ﴾ قال: لأستولين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ قال: لأحتوينهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ قال: لأضلنهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ جزاء موفوراً ﴾ قال: وافراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً ﴾ يقول: يوفر عذابها للكافر فلا يدخر عنهم منها شيء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ قال: صوته كل داع دعا إلى معصية الله ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ﴾ قال: كل راكب في معصية الله ﴿ وشاركهم في الأموال ﴾ قال: كل مال في معصية الله ﴿ والأولاد ﴾ قال: ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام.
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: كل خيل تسير في معصية الله، وكل رجل يمشي في معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه وكل ولد زنا.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ قال: استنزل من استطعت منهم بالغناء والمزامير واللهو والباطل ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال كل راكب وماش في معاصي الله ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: كل مال أخذ بغير طاعة الله تعالى، وأنفق في غير حقه، والأولاد، أولاد الزنا.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: الأموال ما كانوا يحرمون من أنعامهم والأولاد أولاد الزنا.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: مشاركته في الأموال، ان جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة، لغير الله ومشاركته إياهم في الأولاد سمو عبد الحارث وعبد شمس.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه رفعه قال: قال إبليس يا رب، إنك لعنتني واخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بك.
قال: فأنت المسلط.
قال: أي رب، زدني قال: ﴿ أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن ثابت رضي الله عنه قال: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني، قال: صدورهم مساكن لك.
قال: رب زدني.
قال: لا يولد لآدم ولد، إلا ولد لك عشرة.
قال: رب زدني.
قال: تجري منهم مجرى الدم.
قال: رب زدني.
قال: ﴿ أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ فشكا آدم- عليه السلام- إبليس إلى ربه.
قال: يا رب، إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك.
قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.
قال: رب زدني.
قال: الحسنة بعشر أمثالها قال: رب زدني.
قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر.
والله أعلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنباً، إلا أغفر لهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ﴾ قال الفراء: اسْتَخِف (١) وقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك (٢) (٣) (٤) ومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك (٥) وقال الزجاج: الأمر إذا تقدمه نهي عما يؤمر به، كان المعنى في الأمر: الوعيد؛ لأنك قد تقول: لا تدخل هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها، فَلَسْتَ تأمره بدخلولها، ولكنك تُوعِده، وهذا في الاستعمال كثير، ومثله: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ ، وقد نهوا أن يتبعوا أهواءهم (٦) ومعنى الآية: يقول: ازعج واستخفف من استطعت من بني آدم.
﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صوته كلّ داعٍ دعا (٧) (٨) (٩) وقال مجاهد: هو الغناء والمزامير (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر، يقال: أجلب إجلابًا، والجلَبة: الصوت، وربما قالوا: الجَلَبُ، كما قالوا: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ (١٢) وقال الليث: أجْلَبُوا وجَلَّبوا من الصّياح (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق في (فعل وأفعل): وأجلب على العدو إجلابًا إذا جمع عليه الخيول (١٥) وقال ابن السكيت: يقال: هم يُحْلِبون عليه، وُيجْلِبون عليه بمعنى؛ أي يُعينون عليه (١٦) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: أجْلَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، إذا تَوَعَّدَه الشر وجَمَعَ عليه الجمع، بالجيم (¬9)، هذا قول أهل اللغة في معنى الإجلاب، ومعنى الآية على قول الفراء وأبي عبيدة: (صِح عليهم بخيلك ورجلك) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ بِخَيْلِكَ ﴾ زائدة في هذا القول، وعلى قول ابن السكيت، معنى الآية: أعن عليهم بخيلك ورجلك؛ أي أعن نفسك عليهم بخيلك، ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف؛ كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا معنى قول مقاتل في هذه الآية (٢٠) واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال الفراء: يعني خيل المشركين ورجالهم (٢٤) ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ والجند يَعُمُّ الفارسَ والراجلَ، هذا قول جماعة أهل التفسير وعامتهم، ومن أهل التأويل من يقول: يجوز أن يكون هذا مَثَلاً؛ كما تقول للرجل المجدّ في الأمر: جئت بِخيلك ورجْلك (٢٥) (٢٦) ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ وروى حفص عن عاصم ﴿ وَرَجِلِك ﴾ مكسورة الجيم (٢٧) (٢٨) (٢٩) أما أُقَاتِلُ عن دِيني على فَرسٍ ...
ولا كذا رَجُلًا إلا بأصْحَابِ (٣٠) (٣١) ﴿ وَرَجِلِكَ ﴾ واحدٌ يعني به الكثرة، وقال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال: يقال هو رَاجِلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى (٣٢) (٣٣) عَلَيَّ إذا أبْصَرتُ ليلى بخَلْوَةٍ.
.
.
أن ازدار بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافياً (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ اختلفت الروايات في تفسير مشاركة الشيطان بني آدم في الأموال والأولاد عن ابن عباس؛ فقال في رواية الوالبي: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ ﴾ وهو كل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، ﴿ وَالْأَوْلَادِ ﴾ ما قَتَلوا منهم وأتوا فيهم الحرام (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقال في رواية العوفي: هو ما كانوا يحرمونه من الأنعام (٣٨) (٣٩) وقال في رواية أبي صالح: مشاركته إياهم في الأولاد: تسميتهم أولادهم [عبد] (٤٠) (٤١) قال أبو إسحاق: أي أمرهم بأن يجعلوا من أموالهم شيئًا لغير الله، كما قال الله: ﴿ فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾ ، والشركة في الأولاد: قولهم: عبد العزى وعبد الحارث (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ قال الفراء: أي قل لا جنة ولا نار (٤٣) ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ : بأنهم لا يبعثون (٤٤) ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بلفظه.
(٢) "معاني القرآن وإعرإبه" 3/ 250 بنصه تقريبًا، وقد نقله من "تهذيب اللغة" (فز) 3/ 2785 لوروده بنصه.
(٣) في (أ)، (د): (أفزوه)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.
(٤) صدره: والدّهرُ لا يبقى على حَدَثَانِهِ "ديوان الهذليين" ص 10، وورد في "الصحاح" (فز) 3/ 890، و"اللسان" (فزز) 6/ 3409، و"التاج" (فزز) 8/ 123، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (فز) 3/ 2785، و"المخصص" 8/ 33، (الشَّبب): الثور المسنّ، (أفزّته): استخفته وطردته.
(٥) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 499، بنصه تقريبًا.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بتصرف يسير.
(٧) انقلب الكلام في جميع النسخ كالتالي: صوته دعا كل داعٍ إلى.
والتصويب من "تفسير الطبري" و"الدر المنثور".
(٨) أخرجه "الطبري" 15/ 118 بنصه، وورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الطوسي" 6/ 499، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 348 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 518، بنصه.
(١٠) أخرجه "الطبري" 15/ 118، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 172، بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 255، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 499، بنحوه.
(١١) لم أقف عليه.
(١٢) لم أقف عليه، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 118، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 6/ 21.
(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (جلب) 1/ 626 بنصه.
(١٤) ليس في "مجاز القرآن".
(١٥) "فعلت وأفعلت" ص 21، بنصه تقريبًا.
(١٦) و (¬9) ورد في " تهذيب اللغة" (جلب) 11/ 90 بنصه.
(١٧) تكررت العبارة ما بين القوسين في (أ)، (د)، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 105.
(١٨) يقال: أخبث فهو مُخبث؛ إذا صار ذا خُبثٍ وشرّ.
"تهذيب اللغة" (خبث) 1/ 973.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بنصه.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 1/ 217 أ، بنحوه.
(٢١) أخرجه "الطبري" 15/ 118، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بنحوه في "معانى القرآن" للنحاس 14/ 73، و"تفسير الجصاص" 3/ 250، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الطوسي" 6/ 499.
(٢٢) لم أقف عليه.
(٢٣) أخرجه "الطبرى" 8/ 108، بخحوه.
(٢٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بنصه.
(٢٥) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 111، بنصه.
(٢٦) ورد في "تفسير الطبري" 5/ 119، بنحوه، و"الحجة للقراء" 5/ 110، بنصه.
(٢٧) انظر: "السبعة" ص 382، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 377، و"علل القراءات" 1/ 324، و"الحجة للقراء" 5/ 109، و"المبسوط في القراءات" ص 229، وقرأ أبو بكر عن عاصم والباقون ساكنة الجيم.
(٢٨) النَّدُس: الصوت الخفي، ورجل نَدْسٌ ونَدُسٌ وندسٌ أي فَهِمٌ سريع السمع فَطِن، وقال يعقوب: هو العالم بالأمور والأخبار.
وقال الليث: السريع الاستماع للصوت الخفي."اللسان" (ندس) 7/ 4383.
(٢٩) البيت لحيي بن وائل.
(٣٠) ورد في "النوادر" ص 148؛ و"اللسان" (رجل) 3/ 1597، وورد بلا نسبة في "الحجة للقراء" 5/ 110، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 1/ 464 ، و"تفسير ابن عطية" 9/ 137، و"شرح المفضل" 5/ 133 ، وفي النوادر، قال أبو حاتم: وقوله رجُلاً: معناه رَاجلاً، كما تقول العرب: جاءنا فلان حافيًا، ورَجُلاً أي راجلاً (٣١) "النوادر" ص 148.
ذكر البيت والتعليق، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 110، بنحوه، والظاهر أنه نقله من الحجة.
(٣٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 6، وفي "اللسان" (رجل) 3/ 1597 رَجلَ الرَّجُلُ رَجَلاً، فهو راجل ورَجُلٌ ورَجِلٌ ورَجِيلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان.
(٣٣) البيت لمجنون بني عامر، وهو قيس بن الملّوح (ت 68 هـ).
(٣٤) ورد في "ديوانه" ص 301، 306.
بروايتين: الأولى: حلفت لئن لاقيت ليلى بخلوة ...
أطوف ببيت الله رَجْلاَنَ حافيا والثانية: عليّ لئن لاقيتُ ليلى بخلوة ...
زيارةُ بيت الله رَجْلان حافيا وورد بلا نسبة في "اللسان" (رجل) 3/ 1597، و"مغني اللبيب" ص 601، و"شرح التصريح" 1/ 385، و"شرح شواهد المغني" 2/ 859، و"شرح الأشموني" 2/ 312، وفي بعض الروايات: لاقيت، وزُرتُ وجئتُ بدل أبصرت، وبخُفْيةٍ بدل بخلوة.
(٣٥) أخرجه "الطبري" 15/ 121 من طريق ابن أبي طلحة صحيحة ولفظه: ماقتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام، ومن الطريق نفسها في رواية أخرى 15/ 119.
قال: == كل مال في معصية الله، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب وفيه ذكر الأموال فقط، وفي رواية أخرى ذكر الأولاد فقط، فلعل الواحدي -رحمه الله- جمع الروايتين في سياق واحد.
(٣٦) ورد عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 366 قال: شركته في الأموال: الحرام، وفي الأولاد: الزنا، وأخرج الطبري 15/ 120 من عدة طرق عن مجاهد قال: أولاد الزنا.
(٣٧) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 6/ 21، بنصه.
(٣٨) أخرجه "الطبري" 15/ 120 بنصه (ضعيفة)، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب- بمعناه، و"الماوردي" 3/ 255، بمعناه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 58.
(٣٩) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 121 في روايتين، ذكر في إحداهما الأموال 15/ 121، وفي الثانية الأولاد، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب.
دون ذكر الأولاد.
(٤٠) إضافة يقتضيها السياق.
(٤١) أخرجه "الطبري" 15/ 121 بنصه (ضعيفة)، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 205، بضه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 256، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 499، بنحوه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 348 وزاد نسبته إلى ابن مردويه.
(٤٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بتصرف يسير.
(٤٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بنصه.
(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستفزز ﴾ أي اخدع واستخف ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ قيل: يعني الغناء والمزامير، وقيل: الدعاء إلى المعاصي ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم ﴾ أي هوّل، وهو من الجلبة وهي الصياح ﴿ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ الخيل هنا يراد بها الفرسان الراكبون على خيل، والرجل: جمع راجل وهو الذي يمشي على رجليه فقيل: هو مجاز واستعارة بمعنى: افعل جهدك، وقيل: إن له من الشيطان خيلاً ورجلاً، وقيل: المراد فرسان الناس ورجالتهم المتصرفون في الشر ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد ﴾ مشاركته في الأموال بكسبها من الربا، وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك، ومشاركته في الأولاد هي بالاستيلاد بالزنا وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ يعني: المواعدة الكاذبة من شفاعة الأصنام وشبه ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.
﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.
والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.
وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.
الباقون جميعاً بالتفخيم.
الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .
التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم .
وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.
فبين الله أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.
وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.
ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟
وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟
ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟
فاختصر الكلام لكونه معلوماً.
ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟
والإشارة هنا تفيد الاستحقار.
وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.
ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.
ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.
وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.
وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.
أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.
وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.
ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.
وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.
وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.
والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".
وقيل: هو بمعنى الوافر.
ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.
وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.
وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.
فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.
وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.
والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.
وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.
تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.
عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.
وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.
قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.
أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.
وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.
والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.
﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.
وقيل: تسويف التوبة.
وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.
وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.
ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.
ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .
ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.
ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.
ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.
ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.
إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.
وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.
ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.
﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.
وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ .
ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.
يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.
ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.
ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.
وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟
ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.
وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".
يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.
فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.
ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.
واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.
والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟
وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.
هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.
وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.
ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.
والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.
عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.
ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".
وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.
وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.
وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.
قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.
والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.
ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟
وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.
وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.
ويحتمل أن يراد عمى القلب.
قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.
من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.
قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.
هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.
وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.
قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.
وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.
التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.
﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.
وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ﴾ .
قوله: ﴿ أَأَسْجُدُ ﴾ ، أي: لا أسجد؛ كقوله: ﴿ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ ﴾ ؛ فدلّ هذا أن قوله: ﴿ أَأَسْجُدُ ﴾ معناه، أي: لا أسجد.
ذكر في قصة إبليس ألفاظاً مختلفة: مرة قال: ﴿ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع [آخر]: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ ، ونحوه؛ فجائز أن يكون ذكر هذا على اختلاف الأحوال لا في حال واحدة.
هذا على ما ذكر في قصّة آدم من اختلاف الأحوال حيث قال مرة: ﴿ مِن تُرَابٍ ﴾ ، وقال مرة: ﴿ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، ومرة: ﴿ مِن صَلْصَالٍ ﴾ ، ونحوه، وذلك إخبار عن أحوال تغيرت فيها.
وجائز أن يكون ذلك بغير هذا اللسان؛ فذكر هاهنا بألفاظ مختلفة؛ والزيادة والنقصان؛ لأن اختلاف الألفاظ لا يغير المعنى.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ .
قد أقر إبليس - لعنه الله - بالفضيلة لآدم والإكرام له إما من جهة الطاعة له والنبوة التي أعطاها الله [له]، وإن ادعى لنفسه الفضيلة عليه من جهة الخلقة؛ بأنه ناري وهو طيني، حيث قال: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : أقر بالفضل له عليه، والإكرام: إما لطاعتهم له، أو لما جعله رسولاً إلى خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ : لا يحتمل أن يخاطب ربه ويقول: لئن أخرتني إلى كذا لأحتنكن؛ لأنه لما طلب التأخير والبقاء إلى يوم القيامة كان طالب نعمة منه ومنة؛ فيقول مقابل ما يطلب من النعمة: لئن أعطيتني ذلك لأعصينك؟!
إنما يذكر مقابل طلب النعمة الطاعة له والشكر؛ على ما قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ : إنما يقابل بطلب النعمة الطاعة له، وأما مقابلة المعصية - فلا تعرف.
ثم يخرج قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التأكيد، يقول: أي إنك، وإن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته.
أو على التمني منه الأمرين جميعاً: التأخير، واحتناك ذرّيته، وسؤاله إياهما.
ثم اختلف في قوله: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ : قال بعضهم: لأحتوينهم ولأحيطن بهم.
وقال بعضهم: لأضلّنهم؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ﴾ : لأستزلن.
وقيل: لأستولين.
وقال القتبي: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ﴾ ، أي: لأستأصلنهم.
ويقال: هو من حنك الدابة، حنك دابته: يحنكها، حنكاً، إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به.
وقال القتبي: أي: لأقودنهم كيف شئت.
ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ كأنه سأل ربه التأخير، على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ؛ كأن اللعين لما سمع قوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ [علم] أنه لا تناله الرحمة في الإيمان به؛ حيث ذكر اللعنة عليه إلى يوم الدين، واللّعين هو المطرود عن رحمته، فعند ذلك سأل ربّه النظرة [إلى يوم القيامة]؛ ليغوين عباده، وعلم اللعين: أن طاعة خلقه له لا تزيد في ملكه شيئاً، وعصيانهم لا ينقص في ملكه شيئاً.
لذلك قال: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ ، ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ ، وما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ .
مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم.
﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التمكين له ذلك والإقدار على ما ذكر، أي: مكن له ذلك، وأقدر عليه؛ لخذلانه إياه لما عصى ربّه وترك أمره؛ لما رأى أمره بالسجود لآدم جوراً منه، حيث قال له: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
مكن له ذلك، لتتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك له على التوعد والتهدد؛ ألا ترى أنه ذكر هذا على أثر وعيد، وهو قوله: ﴿ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ ، فيخرج على إثر ذلك مخرج الوعيد له ولمن تبعه وأجابه، كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لهذا وإن كان ظاهره أمراً فهو وعيد؛ فعلى هذا قوله: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ﴾ فإن لك ولمن تبعك كذا.
أو لما ذكرنا من التمكين له ذلك والإقدار على ذلك ليتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك الذي لعنه، وإلا لا يجوز أن يكون الله يأمره بما ذكر أن يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر أنه: لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإنما يأمر بالعدل؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ ؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمراً بالفحشاء والمنكر فدلّ أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما، أو على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...
﴾ الآية [الإسراء: 65]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ ﴾ : قال القتبي، أي: استخف، والرجل: الرجالة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ ﴾ ، أي: استخف، أي: دعاه فأجابه وأمره فأطاعه؛ وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ ، أي: أمرهم فأطاعوه، أو دعاهم فأجابوه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: على حقيقة الصوت، يكون له صوت يدعو الناس به، فيسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس الظاهرة، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين جاء؟
ومن أين هيجانه؟
وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك ويطلع عليه؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به، وإن كنا لا نسمعه؛ لكنّه يسمع النفس الخفيّة بما يسمع النفس الظاهرة، وبها نبصر - أعني: بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون في أقصى الدنيا، ونفسه الظاهرة ملقاة هاهنا؛ فذلك كله بالنفس الخفية.
والثاني: على التمثيل، ليس على تحقيق الصوت، لكن ذكر الصوت؛ لما بالصوت يوصل إلى إعلام بعضهم بعضاً، وبه يدعو بعضهم بعضاً عند البعد؛ فذكر الصوت له مكان الوسوسة التي يوسوس الناس أشياء من بعد، ويدعوهم به إلى معاصي الله - - وكذلك قال الحسن في قوله: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ : من بعد من غير أن كان هنالك تقرب منه.
والثالث: على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره، أو ما يضاف عمل كل طاغ وكل ضال إليه؛ أضيف ذلك إليه كما أضاف إليه موسى حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، ولم يكن ذلك عمل الشيطان حقيقة، ولكن قال ذلك وأضافه إليه؛ لما بأمره ودعائه يعمل ذلك.
وقال عامة أهل التأويل: ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ ، أي: بدعائك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَأَجْلِبْ ﴾ ، أي: اجمعهم، ويقال: وأجلبتهم، أي: أعنتهم - أيضاً - وهو قول أبي عوسجة.
وقوله: ﴿ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ .
يخرج على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: أحدها: أن يكون له خيل ورجالة من جنسه وجوهره بجلبهم بهم، وإن كنا لا نراهم؛ كما قال: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ...
﴾ الآية [الأعراف: 27]؛ فجائز أن يكون له خيل ورجالة وجنود لا نراهم نحن، وهم يروننا.
والثاني: على ما ذكرنا: أنه على التمثيل، لكنه ذكر الخيل والرجل؛ لما بالخيل والمشي يصل بعض إلى بعض عند الحاجة إليه في البعد والقرب؛ فذكر ذلك له على ما ذكرنا في الصوت.
والثالث: أنه أضاف كل خيل راكب في معصية الله، أو كل ماش [مشى] في معصية الله إليه؛ على ما ذكرنا في الصوت: أنه أضاف كل صوت في معصية الله إليه، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ : قال القتبي: ﴿ مَّوْفُوراً ﴾ ، أي: موفراً.
وقال غيره: وافراً.
وفي قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن إبليس سأل ربّه التأخير والإبقاء له إلى يوم القيامة، وقد علم أنه إذا أعطاه ذلك له يفي ما وعد، وأبقاه إلى ذلك الوقت، وهم لم يعرفوا ذلك؛ بل قالوا: إنه يجيء عبد فيقتله؛ فيمنعه عن وفاء ما وعد، والإبقاء إلى الوقت الذي وقت له؛ فهو أعرف بربه منهم، وكذلك قال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ، وهم يقولون لم يغوه؛ فهو أعرف به منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: مشاركته في الأموال: هي أن يجعلوا [له] البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي؛ على ما كانوا يفعلونه.
وأمّا الأولاد: فإنهم هودوهم ونصروهم، ومجَّسوهم، وهو قول قتادة.
وقال بعضهم: مشاركته في الأموال: هي أن يكتسبوها من خبيث وحرام، وينفقونها في مثله وفيما لا يحل.
وأمّا الأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وقال بعضهم: الأموال: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، ويجعلون لها من الحرث والأنعام.
والأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وجائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ حتى تشاركهم في الأموال والأولاد.
ثم معنى المشاركة له - فيما ذكر، والله أعلم - هو أن هذه الأموال والأولاد لله - - حقيقة؛ لما هو أنشأها وخلقها؛ فحقيقة الملك له بما ذكرنا، وظاهر الانتفاع لعبيده؛ إذ هذا كله لله بحق المحنة يمتحنهم وحق الانتفاع لهم؛ إذ لا يجوز أن يخلق الله شيئاً لمنفعة نفسه، ولكن يخلق لمنافع أنفسهم؛ ليمتحنهم بها.
وقد شرع الله لهم شرائع، وشرع لهم إبليس شرائع، وهو ما ذكر: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، فإذا صرفوا ذلك إلى ما شرع لهم إبليس دون ما شرع الله - فقد أشركوه فيها، وكل ما أطيع فيها مما [سن] لهم إبليس وشرع لهم - فذلك شركته فيها؛ وذلك أن الأولاد في الشاهد إنما تطلب لأحد الوجوه الثلاثة: إمّا للاستئناس بهم في حال الوحشة.
وإمّا للاستنصار بهم والعون على أعدائهم.
وإمّا للذكر بعد الوفاة.
وكذلك الأموال يطلب منها ما ذكرنا: الانتفاع بها في حال الحياة.
وإمّا للمعونة على الأعداء.
أو الذكر بعد الموت؛ لخيرات يتركونها، فإذا صرفوها إلى ما أمرهم إبليس أشركوه فيها، ومشاركته إياهم في الأموال هي أن يأمرهم ويدعوهم إلى اكتساب ما يحرم، والإنفاق فيما لا يحل وفي الأولاد، وكذلك يأمرهم بالمعصية، ويدعوهم إليه فيطيعونه ويجيبونه في ذلك، فذلك - والله أعلم - مشاركته.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: وعدهم أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث، لكن يعدهم بخلاف ما وعد الله، وخوفهم على ضدّ ما خوفهم الله: ما كان من الله لهم وعد رجاء يكون منه وعد [خوف]، وما كان من الله [وعد خوف] يكون منه وعد رجاء؛ وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ : أخبر أن ما وعد هو قد أخلف، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، أي: كذباً وباطلاً؛ لأنه يخرج كله على خلاف ما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ سُلْطَانٌ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: القدرة والقهر.
والثاني: في الحجة والبرهان.
والثالث: الولاية.
فأما القدرة والقهر: فليس له عليهم ذلك؛ لأنه لم يجعل له قدرة القهر عليهم شاءوا أو أبوا، وكذلك ليس له عليهم الحجة فيما يدعوهم إليه ويأمرهم به، كقوله يوم القيامة حين يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22].
وأمّا سلطان الولاية فإن له ذلك على من اختار اتباعه وتوليه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ المخلصين الذين أخلصوا إليّ، ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سُلْطَانٌ ﴾ ، أي: حجة؛ لأنهم إنما يتبعون أمر الله بحججه؛ فلا يتبعون الشيطان بأمانيه التي يمنيهم، وشبهاته التي يشبه عليهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ ، أي: سلطان القهر والغلبة؛ إنما له عليهم الدعاء والتزيين لا غير.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : من الحجة والملك على ما ذكرنا؛ إنما سلطانه عليهم سلطان الولاية على الذين يتولونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَكِيلاً ﴾ : عاصماً يعصمك عن تمويهاته وتسويلاته، وناصراً ينصرك على مكائده، أو مفزعاً تفزع إليه، أو معتمداً تعتمد عليه في جميع أمورك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واسْتَخْفِف من استطعت أن تستخفّه منهم بصوتك الداعي إلى المعصية، وصِحْ عليهم بفرسانك ومشاتك الداعين لطاعتك، وشاركهم في أموالهم بتزيين كل تصرُّف يخالف الشرع، وشاركهم في أولادهم بادعائهم كذبًا، وتحصيلهم بالزنى، وتعبيدهم لغير الله عند التسمية، وزين لهم الوعود الكاذبة والأماني الباطلة، وما يعدهم الشيطان إلا الوعود الكاذبة التي تخدعهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZQ1yB"