الآية ٦٧ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٦٧ من سورة الإسراء

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه إذا مس الناس ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين ولهذا قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) أي ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده فقال عكرمة في نفسه والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في يديه ، فلأجدنه رءوفا رحيما فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه وأرضاه وقوله : ( فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) أي نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له ( وكان الإنسان كفورا ) أي سجيته هذا ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإذا نالتكم الشدّة والجهد في البحر ضلّ من تدعون: يقول: فقدتّم من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، وجار عن طريقكم فلم يغثكم، ولم تجدوا غير الله مغيثا يغيثكم دعوتموه، فلما دعوتموه وأغاثكم، وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد، والبراءة من الآلهة، وإفراده بالألوهة كفرا منكم بنعمته ( وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا ) يقول: وكان الإنسان ذا جحد لنعم ربه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراقوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر الضر لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجري .

وأهوال حالاته اضطرابه وتموجه .ضل من تدعون إلا إياه ضل معناه تلف وفقد ; وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلها من دون الله .

المعنى في هذه الآية : أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة ، وأن لها فضلا .

وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام ، فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل .فلما نجاكم إلى البر أعرضتم أي عن الإخلاص .وكان الإنسان كفورا [ ص: 262 ] الإنسان هنا الكافر .

وقيل : وطبع الإنسان كفورا للنعم إلا من عصمه الله ; فالإنسان لفظ الجنس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال.

فلما كشف الله عنهم الضر ونجاهم إلى البر ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به من لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله فمن عليه بالعقل السليم واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم أن الذي يكشف الشدائد وينجي من الأهوال هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال في الشدة والرخاء واليسر والعسر.

وأما من خذل ووكل إلى عقله الضعيف فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة وإنجاءه في تلك الحال.

فلما حصلت له النجاة وزالت عنه المشقة ظن بجهله أنه قد أعجز الله ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية فضلا عن أمور الآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا مسكم الضر ( الشدة وخوف الغرق ( في البحر ضل ( أي : بطل وسقط ( من تدعون ( من الآلهة ( إلا إياه ( إلا الله فلم تجدوا مغيثا غيره وسواه ( فلما نجاكم ( أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم ( إلى البر أعرضتم ( عن الإيمان والإخلاص والطاعة كفرا منكم لنعمه ( وكان الإنسان كفورا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا مسكم الضر» الشدة «في البحر» خوف الغرق «ضل» غاب عنكم «من تدعون» تعبدون من الآلهة فلا تدعونه «إلا إياه» تعالى فإنكم تدعونه وحده لأنكم في شدة لا يكشفها إلا هو «فلما نجاكم» من الغرق وأوصلكم «إلى البر أعرضتم» عن التوحيد «وكان الإنسان كفورا» جحودا للنعم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أصابتكم شدة في البحر حتى أشرفتم على الغرق والهلاك، غاب عن عقولكم الذين تعبدونهم من الآلهة، وتذكَّرتم الله القدير وحده؛ ليغيثكم وينقذكم، فأخلصتم له في طلب العون والإغاثة، فأغاثكم ونجَّاكم، فلمَّا نجاكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص والعمل الصالح، وهذا من جهل الإنسان وكفره.

وكان الإنسان جحودًا لنعم الله عزَّ وجل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شئ ، لا فى البحر ولا فى البر ولا فى غيرهما فقال : ( أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ) والهمزة فى قوله ( أفأمنتم ) للاستفهام الإِنكارى ، والفاء عاطفة على محذوف ، والتقدير : أنجوتم فأمنتم .وقوله ( يخسف ) من الخسف وهو انهيار الأرض بالشئ ، وتغييبه فى باطنها و ( جانب البر ) ناحية أرض ، وسماه - سبحانه - جانباً ، لأن البحر يمثل جانبا من الأرض ، والبر يمثل جانبًا آخر .والحاصب : الريح الشديدة ، التى ترمى بالحصباء ، وهى الحجارة الصغيرة .

يقال .

حصب فلان فلانا ، إذا رماه بالحصباء .والمعنى : أنجوتم من الغرق - أيها الناس - ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن الله - تعالى - إذا كان قد أنجاكم من الغرق ، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض ، وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحًا شديدة ترميكم بالحصباء التى تهلككم؛ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً تكلون إليه أموركم ، ونصيرًا ينصركم ويحفظكم من عذاب الله - تعالى - .إن كنتم قد أمنتم عذاب الله بعد نجاتكم من الغرق ، فأنتم جاهلون ، لأن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تأخذكم أخذ عزيز مقتدر سواء أكنتم فى البحر أم فى البر أم فى غيرهما ، إذ جميع جوانب هذا الكون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سيطرته .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟

قلت : معناه ، أن الجوانب والجهات كلها فى قدرته سواء ، وله فى كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة ، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك ، بل إن كان الغرق فى جانب البحر ، ففى جانب البر ما هو مثله وهو الخسف ، لأنه تغييب تحت التراب ، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان ، يقدر فى البر على نحو ما يقدر عليه فى البحر ، فعلى العاقل أن يستوى خوفه من الله فى جميع الجوانب وحيث كان " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، والمذكور هاهنا الوجوه المستنبطة من الإنعامات في أحوال ركوب البحر.

فالنوع الأول: كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله: ﴿ رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِى لَكُمُ الفلك فِي البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله: ﴿ بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ  ﴾ والمعنى: ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيماً، والخطاب في قوله: ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ ﴾ عام في حق الكل، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها.

والنوع الثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ﴾ والمراد من الضر، الخوف الشديد كخوف الغرق: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ ﴾ والمراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك.

وإنما يتضرع إلى الله تعالى، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص ﴿ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا ﴾ لنعم الله بسبب أن عند الشدة يتمسك بفضله ورحمته، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن نَخْسِفْ بِكُمْ جَانِبَ البر ﴾ قال الليث: الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء.

يقال: عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر.

فقوله: ﴿ أن نَخْسِفْ بِكُمْ جَانِبَ البر ﴾ أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض، وإنما قال: ﴿ جَانِبَ البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب، والبر جانب، خبر الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضاً على أن يغيبهم في الأرض، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر، فلما نجاهم منه آمنوا، فقال: هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هول البر؟

فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق، أما من جانب التحت فبالخسف.

وأما من جانب الفوق فبإمطار الحجارة عليهم، وهو المراد من قوله: ﴿ أَوْ يرسل عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ﴾ فكما لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى عند ركوب البحر، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال.

ومعنى الحصب في اللغة: الرمي.

يقال: حصبت أحصب حصباً إذا رميت والحصب المرمي.

ومنه قوله تعالى: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ أي يلقون فيها، ومعنى قوله: ﴿ حاصبا ﴾ أي عذاباً يحصبهم، أي يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصباً لأنه يرمي بهما رمياً.

وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ﴾ يعني لا تجدوا ناصراً ينصركم ويصونكم من عذاب الله، ثم قال: ﴿ أَمْ أَمِنتُمْ أَن نُعِيدُكُمْ فِيهِ ﴾ أي في البحر تارة أخرى وقوله: ﴿ فَنُرسل علَيْكُمْ قَاصِفًا ﴾ من الريح القاصف الكاسر يقال: قصف الشيء يقصفه قصفاً إذا كسره بشدة، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر، وأراد هاهنا ريحاً شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله: ﴿ فَنُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ﴾ أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً.

قال الزجاج: أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم، وتبيع بمعنى تابع.

واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة: وهي قوله: ﴿ أن نَخْسِفْ ﴾ ، ﴿ أَوْ نُرْسِلُ ﴾ ، ﴿ أَوْ نُعِيدُكُمْ ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فنغرقكم ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون، والباقون بالياء، فمن قرأ بالياء، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو قوله: ﴿ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نجاكم ﴾ ومن قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد.

ألا ترى أنه قد جاء ﴿ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً  ﴾ فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك هاهنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحد والكل جائز، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُزْجِى ﴾ يجري ويسير.

والضرّ: خوف الغرق ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، ولا تدعونه في ذلك الوقت ولا تعقدون برحمته رجاءكم، ولا تخطرون ببالكم أنّ غيره يقدر على إغاثتكم، أو لم يهتد لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوّين.

ويجوز أن يراد: ضلّ من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكنّ الله وحده هو الذي ترجونه وحده على الاستثناء المنقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي ﴾ هو الَّذِي يُجْرِي.

﴿ لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ الرِّيحُ وأنْواعُ الأمْتِعَةِ الَّتِي لا تَكُونُ عِنْدَكم.

﴿ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ حَيْثُ هَيَّأ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وسَهَّلَ عَلَيْكم ما تَعَسَّرَ مِن أسْبابِهِ.

﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ خَوْفُ الغَرَقِ.

﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم.

﴿ إلا إيّاهُ ﴾ وحْدَهُ فَإنَّكم حِينَئِذٍ لا يَخْطُرُ بِبالِكم سِواهُ فَلا تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ إلّا إيّاهُ، أوْ ضَلَّ كُلُّ مَن تَعْبُدُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا اللَّهَ.

﴿ فَلَمّا نَجّاكُمْ ﴾ مِنَ الغَرَقِ.

﴿ إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ.

وقِيلَ اتَّسَعْتُمْ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي.

.

.

فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا ﴿ وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)

{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر} أي خوف الغرق {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ} ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع {فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ} عن الإخلاص بعد الخلاص {وَكَانَ الإنسان} أي الكافر {كَفُورًا} للنعم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ خَوْفَ الغَرَقِ بِعَصْفِ الرِّيحِ وتَقاذُفِ الأمْواجِ ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ أيْ: ذَهَبَ عَنْ خَواطِرِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ وتَرْجُونَ نَفْعَهُ فَلا تَذْكُرُونَهُ ﴿ إلا إيّاهُ ﴾ جَلَّ وعَلا فَإنَّكم تَذْكُرُونَهُ وحْدَهُ سُبْحانَهُ لا تَذْكُرُونَ سِواهُ ولا يَخْطُرُ بِبالِكم غَيْرُهُ تَعالى لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فالمُرادُ بِضَلالِهِمْ غَيْبَتُهم عَنِ الفِكْرِ لا عَنِ النَّظَرِ والحِسِّ لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ عَنْهُ كَذا إذا نَسِيَهُ، وفي الكَشْفِ هو مَن ضَلَّ عَنْهُ كَذا إذا ضاعَ ولا حاجَةَ إلى تَضْمِينٍ أوْ مِن ضَلَّهُ فُلانٌ ذَهَبَ عَنْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ وأنْشَدَ: والسّائِلُ المُبْتَغِي كَرائِمَها يَعْلَمُ أنِّي تُضِلُّنِي عِلَلِي أيْ: تُفارِقُنِي وتَذْهَبُ عَنِّي فَلا أتَعَلَّلُ بِعِلَّةٍ وهَذا أظْهَرُ، نَعَمْ الضَّلالُ راجِعٌ إلى الذِّكْرِ لا بِمَعْنى إضْمارِهِ فَإنَّهُ رَكِيكٌ يُقالُ: ضَلَّ عَنْ خاطِرِي كَذا إذا لَمْ تَذْكُرْهُ فَإنَّهُ ضَلالٌ لَهُ لا أنَّهُ ضَلالُ ذِكْرِهِ ولا تَقُولُ: ضَلَّ عَنْ خاطِرِي ذِكْرُهُ وكَذَلِكَ ضَلَّنِي الأمْرُ اه، والدُّعاءُ في هَذا عَلى ظاهِرِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ المَدْعُوِّينَ مُطْلَقًا وأنَّهم كانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى وغَيْرَهُ في الحَوادِثِ، وإنْ كانَتْ ما عِبارَةً عَنْ آلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ فَقَطْ وإنَّهم كانُوا في حالَةِ السَّرّاءِ يَدْعُونَها وحْدَها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ ما بَعْدُ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وفُسِّرَ الدُّعاءُ عَلى هَذا بِدُعاءِ العِبادَةِ واللُّجْأِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَنْدَرِجْ في مَن تَدْعُونَ؛ إذِ المَعْنى: ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقْتَضى كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ أنَّهم يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ أيْضًا لَكِنْ عَلى طَرِيقِ الإشْراكِ بَلْ قَوْلُهم ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ كَما قَصَّ سُبْحانَهُ عَنْهم يَقْتَضِي أنَّهُ جَلَّ مَجْدُهُ المَعْبُودُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الشّارِعَ أسْقَطَ مِثْلَ هَذِهِ العِبادَةِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ فَهم غَيْرُ عابِدِينَ اللَّهَ جَلَّ وعَلا شَرْعًا بَلْ قِيلَ إنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ لُغَةً أيْضًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ لُغَةً غايَةُ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ الشَّرِكَةِ ولَوْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي زَعَمُوهُ فَتَأمَّلْ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَلَّ مَن تَدْعُونَهُ عَنْ إغاثَتِكم إلّا إيّاهُ تَعالى، والضَّلالُ فِيهِ إمّا بِمَعْنى الغَيْبَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاهْتِداءِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَّ عَنْ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في إنْقاذِكم ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأمْرُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ ومَبْنى كُلٍّ عَلى حالِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ضَلَّ مَن تَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ عَنْ إغاثَتِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي تَرْجُونَهُ وجَعَلَ الِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ مُنْقَطِعًا فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِتَخْصِيصِهِ المَدْعُوِّينَ بِالآلِهَةِ.

وفِي الكَشْفِ: لَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ما كانُوا يَدْعُونَهُ أيْ: دُعاءَ العِبادَةِ واللُّجْأِ إلّا في تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا في حالَةِ السَّرّاءِ فَيَخُصُّونَ آلِهَتَهم بِالدُّعاءِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الضَّلالَ بِهَذا المَعْنى لَمْ يَتَناوَلِ الحَقَّ سُبْحانَهُ لِأنَّ مَعْناهُ: ضَلَّ المَدْعُوُّونَ وغابُوا عَنْ إغاثَتِهِمْ ولا يُرادُ غابُوا وحَضَرَ جَلَّ وعَلا بَلِ المُرادُ ولَكِنْ رَجَوْا أنْ يُغِيثَهم ولا يَخْذُلَهم فِعْلُ المَدْعُوِّينَ عَلى حُسْبانِهِمْ وهَذا هو الوَجْهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اه.

ومَبْنى التَّحْقِيقِ لا يَخْفى عَلى المُتَدَرِّبِ في عِلْمِ النَّحْوِ.

هَذا ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ لِبَعْضِ الأئِمَّةِ: أثْبِتْ لِي وُجُودَ اللَّهِ تَعالى ولا تَذْكُرْ لِي الجَوْهَرَ والعَرَضَ.

فَقالَ لَهُ: هَلْ رَكِبْتَ البَحْرَ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَهَلْ عَصَفَتِ الرِّيحُ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَهَلْ أشْرَفَتْ بِكَ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَهَلْ يَئِسْتَ مِن نَفْعِ مَن في السَّفِينَةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَكَ وإنْجائِهِمْ مِمّا أنْتَ فِيهِ إيّاكَ؟

قالَ نَعَمْ.

قالَ: فَهَلْ بَقِيَ قَلْبُكَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ غَيْرِ أُولَئِكَ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: ذَلِكَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

فاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ.

﴿ فَلَمّا نَجّاكُمْ ﴾ مِنَ الضُّرِّ وأوْصَلَكم ﴿ إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ غَيْرَ ذاكِرِينَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَوْحِيدِهِ جَلَّ وعَلا أوْ عَنْ شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ تَوَغَّلْتُمْ في التَّوَسُّعِ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ العَرْضِ مُقابِلَ الطُّولِ، وجُعِلَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: عَطاءَ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي ∗∗∗ فَأعْرَضَ في المَكارِمِ واسْتَطالا وكَأنَّهُ أُرِيدَ: أعْرَضْتُمْ واسْتَطَلْتُمْ في الكُفْرانِ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ العَرْضِ عَنْ ذِكْرِ الطُّولِ لِلُزُومِهِ لَهُ.

﴿ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْإعْراضِ وهو بَيانٌ لِحُكْمِ الجِنْسِ ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ وفِيهِ لَطافَةٌ حَيْثُ أعْرَضَ سُبْحانَهُ عَنْ خِطابِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ وذَكَرَ أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الكُفْرانِ فَلَمّا أعْرَضُوا أعْرَضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، أي: حجة، ويقال: نفاذ الأمر.

وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا، أي كفيلاً على ما قال.

ويقال: حفيظاً لهم.

وقال أبو العالية: قوله: إِنَّ عِبادِي الَّذين لا يطيعونك.

ثم ذكر الدلائل والنعم ليطيعوه ولا يطيعوا الشيطان، ثم قال: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ، أي يسيِّر لكم الفلك.

فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، أي من رزقه.

إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، يعني: إنّ ربكم رحيم بكم.

ثم قال: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، يقول: إذا أصابكم الخوف وأهوال البحر.

ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، أي بطل من تدعون من الآلهة وتخلصون بالدعاء لله تعالى.

فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ، يعني: من أهوال البحر.

أَعْرَضْتُمْ، أي تركتم الدعاء والتضرع ورجعتم إلى عبادة الأوثان.

وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً، أي كافرا كَفُوراً بأنعم الله.

قوله تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ يعني: إن عصيتموه أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ أي يغور بكم، جانِبَ الْبَرِّ، إلى الأرض السفلى.

وقال مقاتل: يعني: ناحية من البر.

أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، أي حجارة من فوقكم كما أرسل على قوم لوط.

ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا، أي مانعا يمنعكم.

قوله تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ، أي البحر تارَةً أُخْرى، يعني: مرة أخرى.

فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ، أي ريحاً شديداً فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ بالله وبنعمه، ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً، أي من يتبعنا ويطالبنا بدمائكم، كقوله فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 178] ، أي مطالبة حسنة.

ويقال: يعني: ثائراً ولا ناصرا، ينتقم لكم مني.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِنَّ نَخْسِفْ بِكُمْ أَوْ نُرْسِلُ أن نعيدكم فنرسل عليكم فنغرقكم هذه الخمسة كلها بالنون، وقرأ الباقون كلها بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لكان ذلك شُبْهَةً يدرأُ بها الحَدُّ عمَّن ظهر بها حَبَلٌ من النساء اللواتِي لا أزواج لهنَّ لاحتمال أنْ يكون حَبَلُها من الجنِّ كما زعم هذا القائلُ، وهو باطلٌ، وأما ما ذكره من الوطء، فقد قيل ذلك وظواهر الأحاديث تدلُّ عليه، وقد خرَّج البخاريُّ ومسلم وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجَه، عن ابن عبَّاس، قال: قَالَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إِذَا أرَادَ أنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبداً» «١» فظاهر قوله عليه السلام: «اللَّهُمَّ، جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبَ الشَّيْطَانَ مَا رَزقتنا» - يقتضي أنَّ لهذا اللعين مشاركةً مَّا في هذا الشأنِ، وقد سمعتُ من شيخنا أبي الحسن عليِّ بن عِثمانَ الزَّواويِّ المَانْجَلاَتِيِّ سَيِّدِ علماء بِجَايَةَ في وقَتْه، قال: حدَّثني بعضُ الناس ممَّن يوثَقُ به يخبر عن زوجته أنها تجدُ هذا الأمْرَ، قال المخبِرُ: وأصْغَيْتُ إِلى ما أخبرت به الزوجَةُ، فسمعتُ حِسَّ ذلك الشىءِ، والله أعلم.

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩)

وقوله سبحانه: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ: إِزجاء الفُلْك: سَوْقه بالريحِ الليِّنة والمجاذيف، ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ لفظ يعمُّ التَّجْر وغيره، وهذه الآية المباركة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ ﴾ ؛ أيْ: يُسَيِّرُها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: زَجَيْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: قَدَّمْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: في طَلَبِ التِّجارَةِ.

وَفِي " مِن " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ الرِّزْقَ والخَيْرَ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ هَذا الخِطابُ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ، ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَضِلُّ مَن يَدْعُونَ مِنَ الآَلِهَةِ، إلّا اللَّهَ تَعالى.

ويُقالُ: ضَلَّ بِمَعْنى غابَ، يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا غابَ، والمَعْنى: أنَّكم أخْلَصْتُمُ الدُّعاءَ [ لِلَّهِ ]، ونَسِيتُمُ الأنْدادَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ضَلَّ مَن يَدْعُونَ ) بِالياءِ.

﴿ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ، ﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ ﴿ كَفُورًا ﴾ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ.

﴿ أفَأمِنتُمْ ﴾ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ البَحْرِ ﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( نَخْسِفُ بِكُمْ، أوْ نُرْسِلُ، أنْ نُعِيدَكُمْ، فَنُرْسِلُ، فَنُغْرِقُكم ) بِالنُّونِ في الكُلِّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ في الكُلِّ.

ومَعْنى " نَخْسِفُ بِكم جانِبَ البَرِّ "؛ أيْ: نُغَيِّبُكم ونُذْهِبُكم في ناحِيَةِ البَرِّ، والمَعْنى: إنَّ حُكْمِيَ نافِذٌ في البَرِّ نُفُوذُهُ في البَحْرِ.

" أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا " فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحاصِبَ: حِجارَةٌ مِن السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّيحُ العاصِفُ تَحْصِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الرِّيحِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحْصِبُ؛ أيْ: تَرْمِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي فِيها الحَصى.

وإنَّما قالَ في الرِّيحِ: " حاصِبًا "، ولَمْ يَقُلْ: ( حاصِبَةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَزِمَ الرِّيحَ، ولَمْ يَكُنْ لَها مُذَكَّرٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ في حالٍ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ( حائِضٌ ) لِلْمَرْأةِ، حِينَ لَمْ يَقُلْ: رَجُلٌ حائِضٌ.

قالَ: وفِيهِ جَوابٌ آَخَرُ: وَهُوَ أنَّ نَعْتَ الرِّيحِ عُرِّيَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَأشْبَهَتْ بِذَلِكَ أسْماءَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: السَّماءُ أمْطَرَ، والأرْضُ أنْبَتَ.

والثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ ؛ أيْ: مانِعًا وناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: في البَحْرِ ﴿ تارَةً أُخْرى ﴾ ؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى، والجُمَعُ: تارّاتٍ.

﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاصِفُ: [ الرِّيحُ الَّتِي ] تَقْصِفُ الشَّجَرَ؛ أيْ: تَكْسِرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُغْرِقَكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ و[ أبُو ] جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ورُوَيْسٌ: ( فَتُغْرِقُكم ) بِالتّاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأيُّوبُ: ( فَيُغَرِّقُكم ) بِالياءِ،وَفَتْحِ الغَيْنِ، وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

﴿ بِما كَفَرْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِكُفْرِكم حَيْثُ نَجَوْتُمْ في المَرَّةِ الأُولى، " ثُمَّ تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَن يَتْبَعُ بِدِمائِكم؛ أيْ: يُطالِبُنا.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رِيحُ العَذابِ أرْبَعٌ، اثْنَتانِ في البَرِّ، واثْنَتانِ في البَحْرِ؛ فاللَّتانِ في البِرِّ: الصَّرْصَرُ والعَقِيمُ، واللَّتانِ في البَحْرِ: العاصِفُ والقاصِفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: فَضَّلْناهم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و ﴿ كَرَّمْنا ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن أكْرَمْنا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فُضِّلُوا بِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا: أحَدُها: أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وأشْباهُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ويَكُونُ تَفْضِيلُهم بِالإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ سائِرَ الحَيَوانِ يَأْكُلُ بِفِيهِ، إلّا ابْنَ آَدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدِهِ، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهَذا التَّفْضِيلِ: أكْلُهم بِأيْدِيهِمْ ونَظافَةِ ما يَقْتاتُونَهُ؛ إذِ الجِنُّ يَقْتاتُونَ العِظامَ والرَّوَثَ.

والثّالِثُ: فُضِّلُوا بِالعَقْلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: بِأنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا  مِنهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والسّابِعُ: فُضِلُّوا بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ في الدُّنْيا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّامِنُ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، قالَهُ يَمانُ.

والتّاسِعُ: بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ.

والعاشِرُ: بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والحادِي عَشَرَ: بِأنْ جُعِلَتِ اللِّحى لِلرِّجالِ والذَّوائِبُ لِلنِّساءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أطْلَقَ ذِكْرَ الكَرامَةِ عَلى الكُلِّ وفِيهِمُ الكافِرُ المُهانُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامَلَ الكُلَّ مُعامَلَةَ المُكَرَّمِ بِالنِّعَمِ الوافِرَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِمْ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أجْرى الصِّفَةَ عَلى جَماعَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهم في البَرِّ ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ، وهِيَ: الإبِلُ والخَيْلُ، والبِغالُ والحَمِيرُ، وفي " البَحْرِ " عَلى أعْوادٍ يابِسَةٍ، وهِيَ: السُّفُنُ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَلالُ.

والثّانِي: المُسْتَطابُ في الذَّوْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى لَفْظِهِ، وأنَّهم لَمْ يُفَضَّلُوا عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وفَضَّلْناهم عَلى جَمِيعِ مَن خَلَقْنا، والعَرَبُ تَضَعُ الأكْثَرَ والكَثِيرَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ  ﴾ .

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» " .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ ﴿ أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أو يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا ﴾ "الإزْجاءُ": سُوقُ الثَقِيلِ السَيْرِ؛ إمّا لِضَعْفٍ أو ثِقَلِ حَمْلٍ أو غَيْرِهِ، فالإبِلُ الضِعافُ تُزْجى، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: عَلى زَواحِفَ تُزْجِيها مَحاسِيرِ والسَحابُ تُزْجى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا  ﴾ ، والبِضاعَةُ المُزْجاةُ هي الَّتِي تَحْتاجُ لِاخْتِلالِها أنْ تُساقَ بِشَفاعَةٍ وتُدْفَعَ بِمُعاوِنٍ إلى الَّذِي يَقْبِضُها، وإزْجاءُ الفُلْكِ سُوقُهُ بِالرِيحِ اللَيِّنَةِ والمَجادِيفِ.

و"الفُلْكُ" هُنا جَمْعٌ.

و"البَحْرُ": الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أو مِلْحًا، وقَدْ غَلُبَ الِاسْمُ عَلى هَذا المَشْهُورِ والفُلْكُ تَجْرِي فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ البَحْرَ وطَلَبَ الأجْرِ في حَجٍّ أو غَزْوٍ أو نَحْوَهُ، ولا خِلافَ في جَوازِ رُكُوبِهِ لِلْحَجِّ والجِهادِ والمَعاشِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ لِلْحَجِّ، أعْنِي الكَثِيرَ مِنهُ.

واخْتُلِفَ في كَراهِيَتِهِ لِلثَّرْوَةِ وتَزِيدًا لِمالٍ، وقَدْ أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ  بِرُكُوبِهِ لِلْغَزْوِ في حَدِيثِ أُمِّ حَرامٍ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "البَحْرُ لا أرْكَبُهُ أبَدًا"،» وهو حَدِيثٌ يَحْتَمِلُ أنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَوْقِيفٌ عَلى آلاءِ اللهِ وفَضْلِهِ عِنْدَ عِبادِهِ.

وَ"الضُرُّ" لِفَظٍّ يَعُمُّ خَوْفَ الغَرَقِ، والإمْساكَ في المَشْيِ، وأهْوَلُ حالاتِهِ اضْطِرابُهُ وتَمَوُّجُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ضَلَّ" مَعْناهُ: تَلِفَ وفَقَدَ، وهي عِبارَةُ تَحْقِيرٍ لِمَن يَدَّعِي إلَهًا مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّها شافِعَةٌ، وأنَّ لَها فَضْلًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم بِالفِطْرَةِ يَعْلَمُ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ لا فِعْلَ لَها في الشَدائِدِ العِظامِ، فَوَفَقَهُمُ اللهُ مِن ذَلِكَ عَلى حالَةِ البَحْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفُورًا" أيْ بِالنِعَمِ.

و"الإنْسانُ" هُنا لِلْجِنْسِ، وكُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَعالى كَما يَجِبُ.

وقالَ الزَجّاجُ: "الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ الكُفّارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بارِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: أفَأمِنتُمْ أيُّها المُعْرِضُونَ الناسُونَ الشِدَّةَ حِينَ صِرْتُمْ إلى الرَخاءِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِكم مَكانَكم مِنَ البَرِّ؛ إذا أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ في البَحْرِ والبَرِّ.

و"الحاصِبُ": العارِضُ الرامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: تَرْمِي العِضاةُ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يَبِيتَ عَلى العِضاهِ جِفالًا وَمِنهُ الحاصِبُ الَّذِي أصابَ قَوْمَ لُوطٍ.

والحَصْبُ: الرَمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِغارُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْسِفُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَخْسِفُ اللهُ، وكَذَلِكَ "يُرْسِلَ" و"يُعِيدَكُمْ" و"فَيُرْسِلُ" و "فَيُغْرِقَكُمْ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو ذَلِكَ كُلَّهُ بِالنُونِ، وقَرَأ - أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ: "فَتُغْرِقَكُمْ" بِالتاءِ، أيِ الرِيحِ.

وقَرَأ حَمِيدٌ "فَنُغْرِقْكُمْ" بِالنُونِ حَفِيفَةً، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَنُغَرِّقَكُمْ" بِشَدِّ الراءِ.

و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ، و"القاصِفُ": الَّذِي يَكْسَرُ كُلَّ ما يُلْقى ويَقْصِفُهُ.

و"تارَةً" جَمْعُها تاراتٌ وتِيَرٌ، ومَعْناها: مَرَّةٌ أُخْرى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "مِنَ الرِياحِ" بِالجَمْعِ.

و"التَبِيعُ": الَّذِي يَطْلُبُ ثَأْرًا أو دَيْنًا أو نَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَدْوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ ضَوامِنُ عُزْمٍ لَزَّهُنَّ تَبِيعُ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إذا اتَّبَعَ أحَدُكم عَلى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ"،» فالمَعْنى: لا تَجِدُونَ مَن يَتَّبِعُ فِعْلَنا بِكم ويَطْلُبُ نُصْرَتَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن ألزمهم الحجة على حق إلهية الله تعالى بما هو من خصائص صنعه باعترافهم، أعقبه بدليل آخر من أحوالهم المتضمنة إقرارهم بانفراده بالتصرف ثم بالتعجيب من مناقضة أنفسهم عند زوال اضطرارهم.

فجملة ﴿ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ﴾ خبر مستعمل في التقرير وإلزام الحجة إذ لا يخبر أحد عن فعله إخباراً حقيقياً.

وجملة ﴿ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ﴾ خبر مستعمل في التعجيب والتوبيخ.

وضر البحر: هو الإشراف على الغرق؛ لأنه يزعج النفوس خوفاً، فهو ضر لها.

و ﴿ ضل ﴾ بضاد ساقطة فعل من الضلال، وهو سلوك طريق غير موصلة للمقصود خطأ.

والعدول إلى الموصولية لِما تؤذن به الصلة من عمل اللسان ليتأتى الإيجاز، أي من يتكرر دعاؤكم إياهم، كما يدل عليه المضارع.

فالمعنى غاب وانصرف ذكر الذين عادتكم دعاؤهم عن ألسنتكم فلا تدعونهم، وذلك بقرينة ذكر الدعاء هنا الذي متعلقه اللسان، فتعين أن ضلالهم هو ضلال ذكر أسمائهم، وهذا إيجاز بديع.

والاستثناء من عموم الموصول، لأن اسم الله مما يجري على ألسنتهم في الدعاء تارة كما تجري أسماء الأصنام، فالاستثناء متصل.

ويجوز أن يكون اسم الموصول في قوله: ﴿ من تدعون ﴾ خاصاً بأصنامهم لأنهم يكثر دعاؤهم إياها دون اسم الله تعالى، كما هو مقتضى التجدد فإذا اشتد بهم الضر دعوا الله كما قال تعالى: ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ [العنكبوت: 65].

ويكون الاستثناء منقطعاً.

ونصب المستثنى لا يختلف في الوجهين جرياً على اللغة الفصحى.

ولعل هذا الوجه أرجح لأنه أنسب بقوله: أعرضتم } .

والإعراض: الترك، أي تركتم دعاء الله، بقرينة الجمع بين مقتضى المضارع من إفادة التجدد وبين مقتضى الاستثناء من انحصار الدعاء في الكون باسمه تعالى.

وقوله: ﴿ إلى البر ﴾ عدي بحرف (إلى) لتضمين ﴿ نجاكم ﴾ معنى أبلغكم وأوصلكم.

وجملة ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ اعتراض وتذييل لزيادة التعجب منهم ومن أمثالهم.

و«الكفور» صيغة مبالغة، أي كثير الكفر.

والكفر ضد الشكر.

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس وهو مفيد للاستغراق.

فهذا الاستغراق يجوز أن يكون استغراقاً عرفياً بحمله على غالب نوع الإنسان، وهم أهل الإشراك وهم أكثر الناس يومئذٍ، فتكون صيغة المبالغة من قوله: ﴿ كفوراً ﴾ راجعة إلى قوة صفة الكفران أو عدم الشكر فإن أعلاه إشراك غير المنعم مع المنعم في نعمة لا حظ له فيها.

ويجوز أن يكون الاستغراق حقيقياً، أي كان نوع الإنسان كفوراً، أي غير خاللٍ من الكفران، فتكون صيغة المبالغة راجعة إلى كثرة أحوال الكفران مع تفاوتها.

وكثرة كفران الإنسان هي تكرر إعراضه عن الشكر في موضع الشكر ضلالاً أو سهواً أو غفلة لإسناده النعم إلى أسبابها المقارنة دون منعمها ولفرضه منعمين وهميين لا حظ لهم في الإنعام.

وذكر فعل (كان) إشارة إلى أن الكفران مستقر في جبلة هذا الإنسان، لأن الإنسان قلما يشعر بما وراء عالم الحس فإن الحواس تشغله بمدركاتها عن التفكر فيما عدا ذلك من المعاني المستقرة في الحافظة والمستنبطة بالفكر.

ولما كان الشكر على النعمة متوقفاً على تذكر النعمة كانت شواغله عن تذكر النعم الماضية مغطية عليها، ولأن مدركات الحواس منها الملائم للنفس وهو الغالب، ومنها المنافر لها.

فالإنسان إذا أدرك الملائم لم يشعر بقدره عنده لكثرة تكرره حتى صار عادة فذهل عما فيه من نفع، فإذا أدرك المنافر استذكر فقدان الملائم فضج وضجر.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ﴾ [فصلت: 51].

ولهذا قال الحكماء: العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذا الاعتبار هو الذي أشارت له هذه الآية مع التي بعدها وهي ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ﴾ [الإسراء: 68] الآية.

ومن أجل ذلك كان من آداب النفس في الشريعة تذكيرها بنعم الله، قال تعالى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5] ليقوم ذكر النعمة مقام معاهدتها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَطَلَ مَن تَدْعُونَ سِواهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ  ﴾ أيْ أبْطَلَها.

الثّانِي: مَعْناهُ غابَ مَن تَدْعُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ  ﴾ أيْ غِبْنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يزجي ﴾ قال: يجري.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزجي لكم الفلك ﴾ قال: يسيرها في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: ﴿ الفلك ﴾ السفن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ قال: نزلت في المشركين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو يرسل عليكم حاصباً ﴾ قال: مطر الحجارة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو يرسل عليكم حاصباً ﴾ قال: حجارة من السماء ﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ أي منعة ولا ناصراً ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ أي مرة أخرى في البحر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً من الريح ﴾ قال: التي تغرق.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: القاصف والعاصف في البحر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قاصفاً ﴾ قال: عاصفاً.

وفي قوله: ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ قال: نصيراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تبيعاً ﴾ قال: ثائراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ قال: لا يتبعنا أحد بشيء من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ﴾ قال ابن عباس: يريد يا معشر المشركين، يعني أن الخطاب للمشركين، وفَسَّرَ الضر هاهنا نجوف الغرق.

وقوله تعالى: ﴿ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ﴾ ، أي: زال وبطل من تدعون من الآلهة، ﴿ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ : إلا الله تعالى، و ﴿ إِيَّاهُ ﴾ : استثناء بعد الإيجاب، فيكون موضعه نصبًا كما تقول: بطلت الآلهة إلا الله، قال ابن عباس: نسيتم اتخاذ الأنداد والشركاء وتركتموهم وأخلصتم لله (١) ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ ﴾ : من الغرق والبحر وأخرجكم ﴿ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ : عن الإيمان والإخلاص، ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٢) وقال أبو إسحاق: الإنسان هاهنا يعني به الكفار خاصة (٣) (١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 521، بنصه.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 303، بلفظه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُزْجِي لَكُمُ الفلك ﴾ أي يجريها ويسيرها والفلك هنا جمع، وابتغاء الفضل في التجارة وغيرها ﴿ الضر فِي البحر ﴾ يعني خوف الغرق ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ضل هنا بمعنى تلف وفقد: أي تلف عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه إلا الله وحده، فلجأتم إليه حينئذ دون غيره.

فكيف تعبدون غيره وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه ﴿ وَكَانَ الإنسان كَفُوراً ﴾ أي كفوراً بالنعم، والإنسان هنا جنس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.

﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.

والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.

وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.

الباقون جميعاً بالتفخيم.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .

التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول  كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم  .

وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.

فبين الله  أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.

وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله  في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.

ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟

وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟

ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟

فاختصر الكلام لكونه معلوماً.

ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟

والإشارة هنا تفيد الاستحقار.

وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.

ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.

ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.

وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.

وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.

أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.

وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله  ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.

ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.

وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.

وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.

والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".

وقيل: هو بمعنى الوافر.

ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.

وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.

وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.

فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.

وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال  : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.

والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.

وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.

تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.

عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.

وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.

قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.

أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.

وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.

والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.

﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.

وقيل: تسويف التوبة.

وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.

وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.

ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.

ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك  ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.

ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.

ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.

ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.

إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.

وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.

ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.

﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.

وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها  ﴾ .

ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم  ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم  ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.

يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.

ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.

ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.

وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟

ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.

وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه  خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".

يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.

فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.

ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.

واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.

والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟

وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.

هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه  ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله  الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.

ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.

والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.

عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.

ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".

وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.

وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.

قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.

والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟

وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.

وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً  ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.

ويحتمل أن يراد عمى القلب.

قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.

من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.

قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.

هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.

وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.

قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.

وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.

التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.

﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.

وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ ﴾ .

﴿ يُزْجِي ﴾ يجري ويسير ويسوق الفلك في البحر.

قال الحسن: أي: سخر الفلك والسفن لنا في البحر، والدّواب في البر؛ لنقطع بها البحار والمفاوز والبراري؛ لنصل بذلك إلى حوائجنا التي جعلت لنا في البلدان النائية والأمكنة البعيدة.

وكذلك قال في قوله -  -: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ ، أي: سخر لنا ذلك.

ونحن نقول كذلك: سخر لنا ما ذكر، إلا أن إضافة ذلك إليه على قولنا: إن أفعالنا مخلوقة له.

ثم يذكر فيه قدرته وسلطانه وعلمه حيث خلق الخشب، وجعل فيه معنى: يقر على وجه الماء مع ثقله، ومن طبع الشيء الثقيل التسرب في الماء والتسفل فيه، ولا نفهم المعنى الذي به تقر على وجه الماء، وإن كان دون ذلك في الثقل يتسفل فيه ويتسرب.

أو جعل ذلك بطبعه بحيث يقر على وجه الماء ولا يتسرب فيه؛ لطفاً منه؛ فمن قدر على إنشاء ما يقر على وجه الماء لمعنى جعل فيه لا نعقله نحن، أو بلطفه - لقادر على إنشاء هذا الخلق وإعادته بعد فنائه وذهابه، وإن كانت عقول الخلائق لا تدرك ذلك، وأفهام البشر تعجز عن دركه؛ فكما قدر على إنشاء ما هو طبعه التسرب في الماء والتسفل فيه، بحيث يقرّ ويركد على الماء يقدر على ما ذكرنا، وحيث قدر على تسكين الأمواج في البحر؛ ليعبر فيها، وخلق رياحاً فيها لتجري السفن كما تجري بالماء الجاري؛ فمن قدر على هذا يقدر على ما ذكرنا من الإحياء بعد الفناء.

وفيه ما ذكرنا من تذكير نعمه لنا؛ لنشكره، وتذكيره قدرته وسلطانه؛ لنهاب منه، ولا ننكر قدرته وسلطانه في شيء من الأشياء على ما أنكر قدرته بعض خلقه؛ لقصور عقولهم عن درك ذلك.

وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: تعليم الأسباب التي بها يوصل إلى قطع البحار والبراري من اتخاذ السفن والحمل عليها وغير ذلك.

والثاني: تسخير البحار والبراري لنا ما لولا ذلك ما تهيأ لنا استعمال ذلك.

والثالث: دلالة الرسالة؛ إذ لولا خبر السماء، وإلا: ما يعرف أن ما يحتاج إليه هو في تلك البلدان النائية والأمكنة البعيدة؛ وما يعلم أن ذلك الطريق يفضي إلى تلك الأمكنة إلا بخبر الرسول عن الله،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ .

قال بعضهم: أي: من رحمته أن جعل لكم الفلك والدواب؛ لتصلوا بها إلى أرزاقكم التي في البلاد النائية البعيدة.

وقال بعضهم: إنه لم يزل بكم رحيماً إذا تبتم ورجعتم عن ذلك.

أو كانت الآية في المؤمنين؛ فهو لم يزل بهم رحيماً، وإن كانت في الأرزاق فيهم جميعاً.

فإن قالت الثنوية: إنكم تصفون ربكم بالرحمة والرأفة، وهو يميتكم، ويقتلكم، ويحمل عليكم الشدائد والمؤن العظام؛ فذلك ليس من صفة الرحيم.

قيل: إنا قد ذكرنا لكم في غير موضع جواب السؤال: إن المرء رحيم على نفسه، وله الرحمة والشفقة عليها، ثم مع ذلك يحمل على نفسه الشدائد والمؤن العظام؛ لما يأمل من النفع في العاقبة: من نحو الحجامة، والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة، ما لولا [ما] يأمل من النفع في العاقبة - ما تحمل ذلك.

وكذلك الوالدان فيهما من الرحمة والرأفة لولدهما ما لا يخفى ذلك على أحد، ثم يحملان على ولدهما ما ذكرنا من الشدائد والمؤن العظام؛ لما يأملون من النفع لهم في العاقبة، ثم لا يمنع ذلك من الوصف بالرحمة والرأفة؛ فعلى ذلك الله -  وتعالى - لا يمنع ما يحمل علينا من الشدائد عن أن يوصف بالرحمة، ولا يخرجه ذلك عن الحكمة؛ بل هو على ما قال: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ : أي: بطل ما كانوا يأملون من عبادتهم الأصنام إلا العبادة التي كانت لله؛ فإنه لم يبطل ما يؤمل من عبادتهم إياه؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ : فأخبر - عز وجل - عن سفههم؛ لعبادتهم الأصنام، وعجزهم عما يأملون منها في الآخرة، حيث لم يملكوا دفع شيء مما مسهم، وكشف ما أصابهم في الدنيا؛ فكيف يأملون ذلك في الآخرة.

أو أن يكون ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، أي: ضل الآلهة التي عبدوها دون الله إلا إله الحق المستحق للعبادة؛ فإنه أعانكم ونجاكم من الهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ : هكذا كانت عادتهم أنهم إذا خافوا الهلاك على أنفسهم - أخلصوا الدعاء لله، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ...

 ﴾ ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ [ونحوه].

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ عن وفاء ما عهدتم، وإنجاز ما وعدتم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ ، فأعرضوا عن هذا الوعد، ولم يوفوا ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً ﴾ .

لنعم ربّه، يذكر سفههم من وجهين: أحدهما: عبادتهم من يعلمون أنه لا ينعم عليهم في حال الرخاء، ولا يدفع عنهم البلاء في حال الشدة.

والثاني: أن في [الشاهد من] أنعم على آخر نعمة، وأحسن إليه - يشكر له ويثني عليه، وإذا حلّ به بلاء وشدة من أحد من الخلائق يدعو عليه ويلعنه، فمعاملة أولئك الكفرة مع الله على خلاف معاملة الخلق بعضهم بعضاً: يخلصون له الدعاء في حال الشدة والبلاء، ويكفرون نعمه في حال الرخاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ ﴾ : على ما خسف قوماً في البر، ﴿ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ﴾ .

على ما أرسل على قوم من الحصباء، وهي الحصى؛ فأهلكهم، ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ﴾ : ناصراً ينصركم، أو معتمداً تعتمدون عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ .

أي: يحوجكم إلى ركوب البحر مرة أخرى، ﴿ فَيُغْرِقَكُم ﴾ بما كفرتم.

أو يذكر هذا أن من قدر على إنشاء ما ذكر من الفلك وإجرائها في البحر، وتسكين أمواجه ودفع أهواله عنكم - لقادر على إهلاككم في البر، وإعادتكم في البحر ثانياً، وإغراقكم فيه.

وفي قوله: ﴿ يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ ﴾ وقوله: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ - دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً؛ لأنهم هم الذين يسيرون في البحر، وهم الذين يجرون الفلك فيه.

ثم أضاف الإجراء إلى نفسه؛ وكذلك السير؛ ليعلم أن له فيه صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً ﴾ : [قال بعضهم: ﴿ تَبِيعاً ﴾ ] أي: من يتبعنا بدمائكم، ويطالبنا بها.

وقال أبو عوسجة: التبيع: الكفيل، ويقال: المتقاضي في موضع.

وقال غيره: هو من التبعة، أي: لا تجدوا لكم علينا به تبعة، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الحاصب: الريح؛ سميت بذلك، لأنها تحصب، أي: ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار، والقاصف: الريح الشديدة التي تقصف الشجر، أي: تكسرها.

وكذلك قال أبو عوسجة: القاصف: الشديدة من الرياح.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ : كرمهم بأن خلقهم في أحسن صورة؛ كقوله: ﴿ وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ ، وقومهم في أحسن تقويم وأحسن قامة؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ ، وكرمهم بأن ركب فيهم العقول التي بها يعرفون الكرامات من الهوان، ويعرفون بها المحاسن من المساوي، والحكمة من السفه، والخير من الشرّ، وكرمهم بأن جعل لهم لساناً يتكلمون بها الحكمة وكل خير، وبها يتوصلون إلى درك الحكمة وجمعها، وكرمهم بأن جعل أرزاقهم أطيب الأرزاق وجعل لغيرهم ما خبث منها وما فضل منهم، وكرمهم بأن خلق جميع ما على وجه الأرض لهم؛ كقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، وكرمهم بأن سخر لهم جميع الخلائق: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، وجعل بني آدم هم المقصودون بخلق جميع الخلائق ونحوه، وكرمهم حيث جعلهم بحيث يتهيّأ لهم استعمال السماء والأرض، واستعمال الشمس والقمر، واستعمال البحار والبراري، وجميع الصعاب والشدائد في حوائجهم ومنافعهم ما لا يتهيّأ لغيرهم من الخلائق ذلك؛ فذلك تفضيلهم.

وجائز أن يكون كرم بني آدم؛ لأنه كرم آدم، [وكرم آدم]؛ لأنه أسجد ملائكته له، وبعثه رسولاً إليهم؛ حيث قال: ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ  ﴾ ؛ فلما كرم آدم صار بنوه مكرمين - أيضاً - ولهذا نقول بأن الأب يصير مشتوماً بشتم ابنه.

وما قال أهل التأويل: إنه فضل بني آدم على غيرهم من الحيوان والدواب؛ حين أكلوا وشربوا هم بأيديهم وسائر الدّواب يأكلون بأفواههم - هذا الذي ذكروا هو من التفضيل، إلا أن ذكره له خاصة ليس فيه كثير حكمة وفضل؛ لكن فضلهم وكرمهم بما ذكرنا من وجوه الكرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

هذا تفسير ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم، ثم يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن جعل لهم البر والبحر مسخرين؛ حتى يصلوا إلى ما في باطن البحر وظاهره من أنواع المال والمنافع.

وكذلك البر سخر لهم؛ حتى يصلوا إلى ما في باطنه من الأموال والمنافع وظاهره.

والثاني: أن جعلهم بحيث يقضون حوائجهم التي كانت لهم من وراء البحر ووراء البرّ - ما لم يجعل ذلك لغيرهم من الخلائق - قضاء الحوائج من ورائهما، وذلك معنى تفضيلهم الذي ذكر، ثم ما ذكر على أثر قوله: ﴿ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ ، هو تفسير تفضيله وإكرامه؛ حيث قال: ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

وجائز أن يكون ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم - هو ما جعل فيهم من الأنبياء، والرسل، والأتقياء، والأخيار منهم - ما لم يجعل ذلك من غيرهم؛ ألا ترى أن موسى -  - قال: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية [المائدة: 20].

وقوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: أن جعل أرزاقهم وغذاءهم ما بلغ في الطيب غايته، ولا كذلك غذاء غيرهم من الدّواب ورزقهم؛ لأنهم لا يأكلون إلا بعد أن يستخرجوا منه ما فيه من أذى وخبث وخشونة: من النخالة وغيرها، وفي الطبخ والنضج حتى يبلغ في الطيب واللين غايته.

وأمّا غيرهم من الدواب فإنما يأكلون كما هو نيئاً غير مطبوخ ولا نضيج، وفيه من الخبث والأذى.

﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ .

أمّا بعض أهل التأويل فإنه قال: فضلناهم على كثير ممن خلقنا: على الجن والشياطين، وأصحابهم غير الملائكة.

وقال بعضهم: على كثير ممن خلقنا: من الحيوان والدواب، ﴿ تَفْضِيلاً ﴾ : بالأكل بالأيدي، وجعل رزقهم من غير رزق الدواب.

ويحتمل ﴿ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا ﴾ : ممن على وجه الأرض من الجن وغيرهم؛ لما لم يرسل إلى الجن رسول منهم، ولا أنزل عليهم كتاب على حدة، وما جعل أرزاقهم مما يفضل من البشر من العظام والسرجين وغيره، على ما ذكر؛ فذلك وجه تفضيلهم عليهم.

وأمّا الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر - فإنّا لا نتكلم في شيء من ذلك؛ [لما] لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ فالأمر فيه إلى الله في تفضيل هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، ليس إلينا من ذلك شيء، ولا جائز أن يجمع بين أشرّ البشر وأفسقهم وبين الملائكة الذين لم يعصوا الله طرفة عين، فيقال: هم أفضل من الملائكة؛ ولكن إن [كان] لا بد فإنما يجمع بين الأنبياء والرسل وأتقى الخلائق وبين الملائكة، فيتكلم حينئذ بتفضيل بعض على بعض؛ فهو ما ذكرنا أن الأمر في ذلك إلى الله، ليس إلينا من ذلك شيء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أصابكم -أيها المشركون- بلاء ومكروه في البحر حتى خشيتم الهلاك غاب عن خاطركم ما كنتم تعبدون من دون الله، ولم تذكروا إلا الله فاستغثتم به، فلما أغاثكم وسلّمكم مما تخافونه، وصرتم في البر أعرضتم عن توحيده ودعائه وحده، ورجعتم إلى أصنامكم، وكان الإنسان جحودًا لنعم الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.O1Bwd"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله