الآية ١٠٦ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٠٦ من سورة الكهف

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ) أي : إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم ، بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا ، استهزءوا بهم ، وكذبوهم أشد التكذيب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله، واتخاذهم آيات كتابه، وحجج رسله سُخْريا، واستهزائهم برسله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ" ذلك " إشارة إلى ترك الوزن , وهو في موضع رفع بالابتداء " جزاؤهم " خبره .جَهَنَّمُبدل من المبتدأ الذي هو " ذلك " .بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًاو " ما " في قوله : " بما كفروا " مصدرية , والهزء الاستخفاف والسخرية ; وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ ْ} أي: حبوط أعمالهم، وأنه لا يقام لهم يوم القيامة، { وَزْنًا ْ} لحقارتهم وخستهم، بكفرهم بآيات الله، واتخاذهم آياته ورسله، هزوا يستهزئون بها، ويسخرون منها، مع أن الواجب في آيات الله ورسله، الإيمان التام بها، والتعظيم لها، والقيام بها أتم القيام، وهؤلاء عكسوا القضية، فانعكس أمرهم، وتعسوا، وانتكسوا في العذاب.

ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم، بين أعمال المؤمنين ومآلهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك ) الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم .

ثم ابتدأ فقال : ( جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ) يعني القرآن ( ورسلي هزوا ) أي سخرية ومهزوءا بهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» أي الأمر الذي ذكرت عن حُبوط أعمالهم وغيره مبتدأ خبره «جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا» أي مهزوءا بهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك المذكور مِن حبوط أعمالهم جزاؤهم نار جهنم؛ بسبب كفرهم بالله واتخاذهم آياته وحجج رسله استهزاءً وسخرية.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين من حال الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر وعن استماع ما جاء به الرسول أتبعه بقوله: ﴿ أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر الآيات وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله وهو استفهام على سبيل التوبيخ.

المسألة الثانية: قرأ أبو بكر ولم يرفعه إلى عاصم: ﴿ أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ بسكون السين ورفع الباء.

وهي من الأحرف التي خالف فيها عاصماً، وذكر أنه قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلى هذا التقدير فقوله: حسب مبتدأ، أن يتخذوا خبر، والمعنى أفكافيهم وحسبهم أن يتخذوا كذا وكذا، وأما الباقون فقرأوا فحسب على لفظ الماضي، وعلى هذا التقدير ففيه حذف والمعنى: أفحسب الذين كفروا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

المسألة الثالثة: في العباد أقوال قيل: أراد عيسى والملائكة، وقيل: هم الشياطين يوالونهم ويطيعونهم، وقيل: هي الأصنام سماهم عباداً كقوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً ﴾ وفي النزل قولان: الأول: قال الزجاج إنه المأوى والمنزل.

والثاني: أنه الذي يقام للنزيل وهو الضيف، ونظيره قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ثم ذكر تعالى ما نبه به على جهل القوم فقال: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا * الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا ﴾ قيل إنهم هم الرهبان كقوله تعالى: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ  ﴾ وعن مجاهد أهل الكتاب وعن علي أن ابن الكواء سأله عنهم فقال: هم أهل حروراء والأصل أن يقال هو الذي يأتي بالأعمال يظنها طاعات وهي في أنفسها معاصي وإن كانت طاعات لكنها لا تقبل منهم لأجل كفرهم فأولئك إنما أتوا بتلك الأعمال لرجاء الثواب، وإنما أتبعوا أنفسهم فيها لطلب الأجر والفوز يوم القيامة فإذا لم يفوزوا بمطالبهم بين أنهم كانوا ضالين، ثم إنه تعالى بين صنعهم فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقاء الله عبارة عن رؤيته بدليل أنه يقال: لقيت فلاناً أي رأيته، فإن قيل: اللقاء عبارة عن الوصول، قال تعالى: ﴿ فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ وذلك في حق الله تعالى محال، فوجب حمله على لقاء ثواب الله، والجواب أن لفظ اللقاء، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول والملاقاة إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور، والذي يقولونه من أن المراد منه لقاء ثواب الله فهو لا يتم إلا بالإضمار، ومن المعلوم أن حمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج معه إلى الإضمار.

المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ على أن القول بالإحباط والتكفير حق، وهذه المسألة قد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة فلا نعيدها، ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار.

الثاني: لا نقيم لهم ميزاناً لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين لتمييز مقدار الطاعات ومقدار السيئات.

الثالث: قال القاضي: إن من غلبت معاصيه صار ما في فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعته.

وهذا التفسير بناء على قوله بالإحباط والتكفير، ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ أي ذلك الذي ذكرناه وفصلناه من أنواع الوعيد هو جزاؤهم على أعمالهم الباطلة، وقوله: ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين: أحدهما: كفرهم.

الثاني: أنهم أضافوا إلى الكفر أن اتخذوا آيات الله واتخذوا رسله هزواً، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم حتى استهزأوا بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ ضاع وبطل وهم الرهبان.

عن علي رضي الله عنه، كقوله: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَة ﴾ [الغاشية: 3] وعن مجاهد: أهل الكتاب.

وعن علي رضي الله عنه: أنّ ابن الكوّا سأله عنهم؟

فقال: منهم أهل حروراء.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان؛ لأنّ الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين.

وقرئ: ﴿ فلا يقيم ﴾ ، بالياء.

فإن قلت: الذين ضلّ سعيهم في أي محلّ هو؟

قلت: الأوجه أن يكون في محل الرفع، على: هم الذين ضلّ سعيهم؛ لأنه جواب عن السؤال.

ويجوز أن يكون نصباً على الذمّ، أو جرّ على البدل ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِدَلائِلِهِ المَنصُوبَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ.

﴿ وَلِقائِهِ ﴾ بِالبَعْثِ عَلى ما هو عَلَيْهِ أوْ لِقاءَ عَذابِهِ.

﴿ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُثابُونَ عَلَيْها.

﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ فَنَزْدَرِي بِهِمْ ولا نَجْعَلُ لَهم مَقْدارًا واعْتِبارًا، أوْ لا نَضَعُ لَهم مِيزانًا يُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم لِانْحِباطِها.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ خَبَرَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزاؤُهم بِهِ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلُهُ و ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ خَبَرُهُ أوْ ﴿ جَزاؤُهُمْ ﴾ خَبَرُهُ و ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ.

﴿ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} هي عطف بيان لجزاؤهم {بما كفروا واتخذوا آياتي وَرُسُلِى هُزُواً} أي جزاؤهم جهنم بكفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

(ذَلِكَ) بَيانٌ لِمَآلِ كُفْرِهِمْ وسائِرِ مَعاصِيهِمْ إثْرَ بَيانِ أعْمالِهِمُ المُحْبَطَةِ بِذَلِكَ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ الأمْرُ والشَّأْنُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لَهُ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأً (وجَزاؤُهُمْ) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى الجَزاءِ الَّذِي في الذِّهْنِ (وجَهَنَّمُ) خَبَرُهُ.

والتَّذْكِيرُ وإنْ كانَ الخَبَرُ مُؤَنَّثًا لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ الجَزاءُ ولِأنَّ الخَبَرَ في الحَقِيقَةِ لِلْبَدَلِ.

وأنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأً (وجَزاؤُهُمْ) خَبَرُهُ (وجَهَنَّمُ) عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ، والإشارَةُ إلى جَهَنَّمَ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأُ و(جَزاؤُهم جَهَنَّمُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ خَبَرٌ لَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والإشارَةُ إلى كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمْ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ أيْ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِهِ جَهَنَّمُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ العائِدَ المَجْرُورَ إنَّما يَكْثُرُ حَذْفُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ إذا جُرَّ بِحَرْفٍ بِتَبْعِيضٍ أوْ ظَرْفِيَّةٍ أوْ جُرَّ عائِدٌ قَبْلَهُ بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ كَقَوْلِهِ: فالَّذِي تَدَّعِي بِهِ أنْتَ مُفْلِحٌ أيْ بِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) مُبْتَدَأً (وجَزاؤُهُمْ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ (وجَهَنَّمُ) بَدَلٌ مِن جَزاءٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو جَهَنَّمُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَفَرُوا ﴾ خَبَرُ (ذَلِكَ) وقالَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ ما ذَكَرَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِجَزاؤُهم لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِجَهَنَّمَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِهِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ.

وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ جَزاءٌ لِكُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِسائِرِ القَبائِحِ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى المَعْطُوفُ عَلى كَفَرُوا ﴿ واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا ﴾ أيْ مَهْزُوًّا بِهِما فَإنَّهم لَمْ يَقْنَعُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِالآياتِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلِ ارْتَكَبُوا مِثْلَ تِلْكَ العَظِيمَةِ أيْضًا.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ قِيلَ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصُّحُفُ الإلَهِيَّةُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، يعني: الخاسرين أعمالهم، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أي بطلت أعمالهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي: يظنون أنهم يفعلون فعلاً حسناً.

قال علي بن أبي طالب: «هم الخوارج» وهكذا روي عن أبي أمامة الباهلي، وروي عن سلمان الفارسي أنه قال: «هم رهبان النصارى أهل الصوامع» ، وهكذا قال مقاتل.

أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، أي بمحمد  والقرآن وَلِقائِهِ، أي البعث بعد الموت.

فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، أي بطلت حسناتهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي لا توزن أعمالهم مثقال ذرة، ويقال: لا نقيم لأعمالهم ميزاناً.

ذلِكَ جَزاؤُهُمْ، أي هكذا عقوبتهم.

جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي، أي القرآن ومحمداً  هُزُواً، أي استهزاء.

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، أي منزلاً.

وقال مقاتل: الْفِرْدَوْسِ بلغة الروم البساتين عليها الحيطان، وقال السدي: الأعناب بالنبطية.

وروى الحسن، عن سمرة بن جندب قال: «الفردوس ربوة خضراء من الجنة هي أعلاها وأحسنها» .

وقال الكلبي: جنات الفردوس من أدنى الجنان منزلاً.

وروى أبو أمامة الباهلي قال: «الفردوس سرة الجنة» ، أي أوسطها.

خالِدِينَ فِيها، أي دائمين فيها.

لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، أي تحولاً رضوا بها وبثوابها.

وقال بعض المفسرين: تمام النعمة أنهم لا يتمنون التحول لأنهم لو تمنوا التحول عنها لتنغّص النعم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لغيره، والصُّورِ في قول الجمهور وظاهر الأحاديثِ الصِّحَاحِ: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للقيامة «١» .

وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)

وقوله سبحانه: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً معناه/ أبرزناها لَهُمْ لتجمعهم وتحطِّمهم، ثم أكَّد بالمصدر عبارةً عن شدَّة الحال.

وقوله: أَعْيُنُهُمْ كنايةٌ عن البصائر، والمعنى: الذين كانَتْ فِكَرُهم بينها، وبَيْن ذكري والنَّظَرِ في شَرْعِي- حجابٌ، وعليها غطاءٌ وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً يريد لإِعراضهم ونِفارهم عن دعوة الحق، وقرأ الجمهور «٢» ، «أفَحِسِبَ الَّذِين كَفَرُوا» - بكسر السين- بمعنى «أظَنُّوا» وقرأ علي بن أبي طالب «٣» وغيره وابنُ كَثِير، بخلافٍ عنه:

«أَفَحَسْبُ» بسكون السين وضمِّ الباء، بمعنى «أَكافِيهِمْ ومنتهى غرضهم» ، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» وهذه حجة لقراءة الجمهور.

وقوله: أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي قال جمهور المفسِّرين: يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه كالملائكة وعزير وعيسى، والمعنى: أن الأمر ليس كما ظَنُّوا، بل ليس لهم من ولاية هؤلاءِ المذكُورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعا وأَعْتَدْنا معناه: يَسَّرنا، و «النُّزُل» موضع النزول، و «النُّزُل» أيضاً: ما يُقدَّم للضْيفِ أو القادم من الطَّعام عند نزوله، ويحتملُ أنْ يريد بالآية هذا المعنى: أنَّ المعدَّ لهؤلاء بَدَلَ النُّزُلِ جهنَّم، والآية تحتملُ الوجهِينِ، ثم قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْمالا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ بِالأخْسَرِينَ ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ  والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ.

وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ.

فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ.

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ » " .

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ ﴾ ؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ﴾ ، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَفَرُوا ﴾ ؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿ آياتِي ﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿ وَرُسُلِي هُزُوًا ﴾ ؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عن ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ ﴿ أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أولِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلا ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أعْيُنُهُمْ" كِنايَةٌ عَنِ البَصائِرِ؛ لِأنَّ عَيْنَ الجارِحَةِ لا نِسْبَةَ بَيْنِها وبَيْنَ الذِكْرِ، والمَعْنى: الَّذِينَ فِكْرُهم بَيْنَها وبَيْنَ ذِكْرِي والنَظَرِ في شَرْعِي حِجابٌ وعَلَيْها غِطاءٌ، ثُمَّ قالَ: إنَّهم كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، يُرِيدُ: لِإعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عن دَعْوَةِ الحَقِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَحَسِبَ الَّذِينَ" بِكَسْرِ السِينِ، بِمَعْنى: أظَنُّوا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -بِخِلافِ عنهُ- "أفَحَسِبَ الَّذِينَ" بِسُكُونِ السِينِ وضَمِّ الباءِ، بِمَعْنى: أكافِيهِمْ ومُنْتَهى غَرَضُهُمْ؟

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وهَذِهِ حُجَّةٌ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، كالمَلائِكَةِ، وعُزَيْرِ، وعِيسى، فَيَدْخُلُ في ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بَعْضُ العَرَبِ واليَهُودُ والنَصارى، والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَظَنِّهِمْ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِن وِلايَةِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ شَيْءٌ، ولا يَجِدُونَ عِنْدَهم مُنْتَفِعًا.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: يَسَّرْنا، و"النُزُلُ": مَوْضِعُ النُزُولِ، و"النُزُلُ" أيْضًا: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ والقادِمُ مِنَ الطَعامِ عِنْدَ نُزُولِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآيَةِ هَذا المَعْنى، إنَّ المُعَدَّ لَهم بَدَلَ النُزُولِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ الشاعِرُ: تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ-: هَلْ نُخْبِرُكم بِالَّذِينِ خَسِرُوا عَمَلَهم وضَلَّ سَعْيِهِمْ في الحَياةِ الدُنْيا، وهم -مَعَ ذَلِكَ- يَظُنُّونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ فِيما يَصْنَعُونَهُ؟

فَإذا طَلَبُوا ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "قُلْ سَنُنْبِئُكُمْ"، وهَذِهِ صِفَةُ المُخاطَبِينَ مِن كَفّارِ العَرَبِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ، و"أعْمالُهُمْ" يُرِيدُ: يُرِيدُ ما كانَ لَهم مِن عَمَلِ خَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهم تُوزَنُ في مَوازِينِ القِيامَةِ، ومَن لا حَسَنَةَ لَهُ فَهو في النارِ لا مَحالَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَجازَ والِاسْتِعارَةَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا قَدْرَ لَهم عِنْدَنا يَوْمَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا مَعْنى الآيَةِ عِنْدِي، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  قالَ: « "يُؤْتى بِالأكُولِ الشَرُوبِ الطَوِيلِ فَلا يَزِنُ بَعُوضَةً"،» ثُمَّ قَرَأ: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "أعْمالًا"، ثُمَّ قالَ: هم ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هم عُبّادُ اليَهُودِ والنَصارى وأهْلُ الصَوامِعِ والدِياراتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الخَوارِجُ.

وهَذا إنْ صَحَّ عنهُ فَهو عَلى جِهَةِ مِثالٍ فِيمَن ضَلَّ سَعْيُهُ في الحَياةِ الدُنْيا وهو يَحْسَبُ أنَّهُ مُحْسِنٌ.

ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الكِواءِ سَألَهُ عَنِ "الأخْسَرِينَ أعْمالًا" فَقالَ لَهُ: أنْتَ وأصْحابُكَ، ويُضْعِفُ هَذا كُلَّهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ ﴾ ، ولَيْسَ مِن هَذِهِ الطَوائِفِ مَن يَكْفُرُ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هَذِهِ صِفَةُ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الأوثانِ، فاتَّجَهَ بِهَذا ما قُلْناهُ أوَّلًا، وعَلِيٌّ وسَعْدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُما ذَكَرا قَوْمًا أُخِذُوا بِحَظِّهِمْ مِن صَدْرِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: "أعْمالًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَحَبَطَتْ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمالِ: "فَحَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةِ، والحَسْنُ، وأبُو عَمْرُو، ونافِعٌ، والناسُ: "فَلا نُقِيمُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وَقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَلا يُقِيمُ" بِياءِ الغائِبِ، يُرِيدُ: فَلا يُقِيمُ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فَلا يَقُومُ"، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "وَزْنٌ"، وكَذَلِكَ قَرَأ مُجاهِدٌ "فَلا يَقُومُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى تَرْكِ إقامَةِ الوَزْنِ، و"جَزاؤُهُمْ" خَبَرُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ"، وقَوْلُهُ: "جَهَنَّمُ" بَدَلٌ مِنهُ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما كَفَرُوا ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ.

و"الهَزْءُ": الِاسْتِخْفافُ والسُخْرِيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الإشارة إما إلى ما تقدّم من وعيدهم في قوله ﴿ إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً ﴾ ، أي ذلك الإعداد جزاؤهم.

وقوله ﴿ جزاؤهم ﴾ خبر عن اسم الإشارة.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ بدل من ﴿ جزاؤهم ﴾ بدلاً مطابقاً لأن إعداد جهنم هو عين جهنّم.

وإعادة لفظ جهنم أكسبه قوّة التأكيد.

وإما إلى مقدر في الذهن دل عليه السياق يبينه ما بعده على نحو استعمال ضمير الشأن مع تقدير مبتدأ محذوف.

والتقدير: الأمر والشأن ذلك جزاؤهم جهنّم.

والباء للسببية، و(ما) مصدرية، أي بسبب كفرهم.

﴿ واتخذوا ﴾ عطف على ﴿ كفروا ﴾ فهو من صلة (ما) المصدرية.

والتقدير: وبما اتّخذوا آياتي ورسلي هزؤاً، أي باتخاذهم ذلك كذلك.

والرسل يجوز أن يراد به حقيقة الجمع فيكون إخباراً عن حال كفار قريش ومن سبقهم من الأمم المكذبين، ويجوز أن يراد به الرسول الذي أرسل إلى الناس كلهم وأطلق عليه اسم الجمع تعظيماً كما في قوله ﴿ نجب دعوتك ونتبع الرّسل ﴾ [إبراهيم: 44].

والهزُؤُ بضمتين مصدر بمعنى المفعول.

وهو أشد مبالغة من الوصف باسم المفعول، أي كانوا كثيري الهزؤ بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الكِتابِيُّونَ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.

الثّالِثُ: هم أهْلُ حَرُوراءَ مِنَ الخَوارِجِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الرّابِعُ: هم أهْلُ الأهْواءِ.

الخامِسُ: أنَّهم مَن يَصْطَنِعُ المَعْرُوفَ ويَمُنُّ عَلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ بِأعْمالِهِمُ المُخالِفُونَ بِاعْتِقادِهِمْ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّهم طالِبُو الدُّنْيا وتارِكُو الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِهَوانِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمَعاصِيهِمُ الَّتِي ارْتَكَبُوها يَصِيرُونَ مَحْقُورِينَ لا وزْنَ لَهم.

الثّانِي: أنَّهم لِخِفَّتِهِمْ بِالجَهْلِ وطَيْشِهِمْ بِالسَّفَهِ صارُوا كَمَن لا وزْنَ لَهم.

الثّالِثُ: أنَّ المَعاصِيَ تَذْهَبُ بِوَزْنِهِمْ حَتّى لا يُوازِنُوا مِن خِفَّتِهِمْ شَيْئًا.

رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُوزَنُ بِالحَبَّةِ فَلا يَزِنُها، يُوزَنُ بِجَناحِ البَعُوضَةِ فَلا يَزِنُها، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ الرّابِعُ: أنَّ حَسَناتِهِمْ تَحْبَطُ بِالكُفْرِ فَتَبْقى سَيِّئاتُهم.

فَيَكُونُ الوَزْنُ عَلَيْهِمْ لا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد، قال: سألت أبي ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ﴾ أهم الحرورية؟

قال: لا، هم اليهود والنصارى.

أما اليهود، فكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأما النصارى، فكذبوا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب.

والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.

وكان سعد يسميهم الفاسقين.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن مصعب قال: قلت لأبي ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ﴾ الحرورية هم؟

قال: لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي خميصة عبدالله بن قيس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول في هذه الآية ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ﴾ إنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري.

وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب، وسأله ابن الكواء فقال: مَنْ ﴿ هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ﴾ ؟

قال: فجرة قريش.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق، عن علي أنه سئل عن هذه الآية ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ﴾ قال: لا أظن إلا أن الخوارج منهم.

وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» .

وقال: «اقرأوا إن شئتم ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ » .

وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب، فلا يزن عند الله تبارك تعالى جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن كعب قال: يمثل القرآن لمن كان يعمل به في الدنيا يوم القيامة كأحسن صورة رآها وجهاً أحسنه وأطيبه ريحاً، فيقوم بجنب صاحبه فكلما جاءه روع هدأ روعه وسكنه وبسط له أمله، فيقول له: جزاك الله خيراً من صاحب، فما أحسن صورتك...

!

وأطيب ريحك!

فيقول له: أما تعرفني؟

تعال فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا، أنا عملك...

إن عملك كان حسناً فترى صورتي حسنة، وكان طيباً فترى ريحي طيبة.

فيحمله فيوافي به الرب تبارك وتعالى فيقول: يا رب، هذا فلان- وهو أعرف به منه- قد شغلته في أيام حياته في الدنيا، طالما اظمأت نهاره وأسهرت ليله فشفعني فيه.

فيوضع تاج الملك على رأسه ويكسى حلة الملك فيقول: يا رب، قد كنت أرغب له عن هذا وأرجو له منك أفضل من هذا.

فيعطى الخلد بيمينه والنعمة بشماله، فيقول: يا رب، إن كل تاجر قد دخل على أهله من تجارته.

فيشفع في أقاربه.

وإذا كان كافراً مثل له عمله في أقبح صورة رآها وأنتنه، فكلما جاءه روع زاده روعاً فيقول: قبحك الله من صاحب، فما أقبح صورتك وما أنتن ريحك...

!

فيقول: من أنت؟

قال: أما تعرفني؟

أنا عملك، إن عملك كان قبيحاً فترى صورتي قبيحة، وكان منتناً فترى ريحي منتنة.

فيقول: تعال حتى أركبك فطالما ركبتني في الدنيا.

فيركبه فيوافي به الله فلا يقيم له وزناً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن عمير قال: يؤتى بالرجل العظيم الطويل يوم القيامة فيوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم تلا ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ .

وأخرج هناد عن كعب بن عجرة في قوله: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال: يجاء بالرجل يوم القيامة فيوزن فلا يزن حبة حنطة، ثم يوزن فلا يزن شعيرة، ثم يوزن فلا يزن جناح بعوضة.

ثم قرأ ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ يقول: ليس لهم وزن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله الفردوس فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» .

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي في البعث وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة ومن فوقها يكون العرش ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الجنة مائة درجة، كل منها ما بين السماء والأرض، وأعلاها الفردوس وعليها يكون العرش، وهي أوسط شيء في الجنة ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار والطبراني، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنة الفردوس هي ربوة الجنة العليا التي هي أوسطها وأحسنها» .

وأخرج البزار عن العرباض بن سارية: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الفردوس أعلى درجة في الجنة، وفيها يكون عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة.

وجنة عدن قصبة الجنة، وفيها مقصورة الرحمن ومنها يسمع أطيط العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفردوس مقصورة الرحمن، فيها خيار الأنهار والأثمار» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الفردوس بستان بالرومية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفردوس هو الكرم بالنبطية، وأصله فرداساً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبدالله بن الحارث، أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس قال: هي جنات الأعناب بالسريانية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: الفردوس، يعني الجنة.

قال: والجنة بلسان الرومية، الفردوس.

وأخرج النجاد في جزء التزاحم، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.

والفردوس أعلى الجنة، فإذا سألتم الله عز وجل فسلوه الفردوس» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يبغون عنها حولا ﴾ قال: متحوّلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿ ذَلِكَ ﴾ في موضع نصب، بمعنى: فعل الله ذلك الاحتقار بكفرهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال مع الجملة) (١) وقوله تعالى ﴿ بِمَا كَفَرُوا ﴾ أي: بكفرهم واتخاذهم آياتي، يعني: القرآن.

﴿ وَرُسُلِي هُزُوًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذين كانوا يستهزئون بالنبي -  -) (٢) ﴿ وَرُسُلِي ﴾ والمراد محمد -  -؛ لأن من استهزأ به فقد استهزأ بجميع الرسل؛ لأن الإيمان واجب بهم، فالكفر بواحد كفر بالجميع.

ونحو هذا قال الكلبي: (ورسلي محمد -  -) (٣) وقوله تعالى: ﴿ هُزُوًا ﴾ مصدر، والمراد المفعول به.

(١) ذكره نحوه بلا نسبة في "إملاء ما من به الرحمن" ص 405، "البحر المحيط" 6/ 167، "روح المعاني" 16/ 49.

(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 315، "معالم التنزيل" 5/ 211، "المحرر الوجيز" 9/ 416.

(٣) ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 315 بدون نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً ﴾ الآية في كفار العرب كقوله: كفروا بآيات ربهم ولقائه وقيل: في الرهبان لأنهم يتعبدون يظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل منهم، وفي قوله: يحسبون أنهم يحسنون تجنيس وهو الذي يسمى تجنيس التصحيف ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً ﴾ أي ليس لهم حسنة توزن لأن أعمالهم قد حبطت ﴿ جنات الفردوس ﴾ هي أعلى الجنة حسبما ورد في الحديث ولفظ الفردوس أعجمي معرب ﴿ حِوَلاً ﴾ أي تحوّلا وانتقالاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ ، عند السدّ الذي بناه ذو القرنين، يموجون عنده في فتح ذلك السدّ، أو يذكر هذا لكثرتهم وازدحامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً ﴾ ظاهره على الماضي، والمراد منه: المستقبل، أي: ينفخ في الصور فيجمعهم جمعاً، ومثل هذا كثير في القرآن يذكر الماضي بحرف المستقبل، والمستقبل بحرف الماضي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً ﴾ .

يحتمل: أن يكون عرضها عليهم قبل أن يدخلوا فيها، كقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ .

ويشبه أن يكون العرض كناية عن التعذيب بها بعد ما أدخلوا فيها كقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن ظلمة الكفر تستر وتحجب نور القلب، ونور كل حاسّة من حواسّه من السمع والبصر والفؤاد وغيره؛ إذ لكل حاسّة من هذه الحواس نور وضياء في سريتها ألا تبصر ولا تسمع الحق والحجة إلا بنورين جميعاً: نور الظاهر، ونور السرية والباطن.

فالكفر يستر ويغطي ذلك النور، فجعل لا يبصر الحق ولا ينظر العبر، ولا يتفكر ولا يتجلى له الحق بنور الظاهر.

وللإيمان نور وضياء، يبصر به، ويسمع، ويرفع له غطاء كل شيء حتى يتجلى له الحق، ويعرف به حسن [كل حسن] وقبح كل قبيح، فهو كما يرى الإنسان الشيء بنور بصره وبنور الهدى، فإذا ذهب أحدهما صار بحيث لا يبصر ولا يرى شيئاً؛ فعلى ذلك إنما يعرف الشيء، ويظهر له حقيقته بنورين: بنور القلب وبنور الحواس، فإذا غطى ظلمة الكفر نور القلب، صار لا يبصر شيئاً، ولا يعتبر، ولا يسمع، ولا ينطق بالحق، والإيمان ينور ذلك ويضيء، فجعل يبصر كل شيء، ويتجلى له الحق من الباطل، وعرفوا الآيات من التمويهات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ ، فيه وجهان من الدلالة: أحدهما: أنه نفى عنهم استطاعة السمع، وقد كان لهم السمع؛ فدل أن الاستطاعة التي هي استطاعة الفعل تقترن بالفعل، لا تتقدم ولا تتأخر.

والثاني: فيه دلالة أن هنالك استطاعة، هم يستفيدون بها وعد الله ويستوجبونه؛ فضيّعوها باشتغالهم بغيرها حيث عوتبوا واستوجبوا ذلك العتاب والتوبيخ بالتضييع الذي كان منهم.

فلو لم يكن [كذلك لم يكن] للعتاب والتوبيخ الذي عوتبوا ووبخوا معنى.

قال قوم: إنما نفى عنهم ذلك للاستثقال الذي كان منهم.

وقد يقال مثله على المجاز؛ للاستثقال دون الحقيقة، يقول الرجل لآخر: ما استطيع أن أنظر إليك لكذا، وهو ناظر إليه، لكن قد ذكرنا: أنه على الوجه الذي قال: لا أستطيع أن أنظر إليك وهو ناظر إليه، غير مستطيع النظر إليه وهو نظر رحمة وشفقة.

وقال بعضهم: هو على الطبع، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: إنما نفى ذلك عنهم؛ لما لم ينتفعوا به، كما نفى عنهم السمع والبصر والنطق؛ لما لم ينتفعوا به، ليس على أنهم لم يكن لهم تلك الحواس، فعلى ذلك ما نفى عنهم من الاستطاعة لما لم ينتفعوا بها، ليس على أنها ليست قبل، هكذا نفى عنهم ذلك لما عموا وصموا عن ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ \[قيل فيه بوجوه\]: [الأول:] قال بعضهم: تأويله: أفحسب الذين عبدوا في الدنيا الملائكة والرسل واتخذوهم من دوني أولياء أن يكونوا لهم أولياء في الآخرة، ويتولون شفاعتهم يشفعون لهم وينصرون، كلا لن يصيروا لهم أولياء، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

والثاني: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي ﴾ المخلصين ﴿ دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ ويتولونهم، أي: لا يقدرون على أن يتخذوا أولياء من دوني، وقد كانوا يدعون المؤمنين إلى دينهم، والتولي لهم، وهو ما قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ .

والثالث: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ أن ما عبدوا واتخذوا ﴿ مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ أني أمرتهم بذلك أو أذنت لهم حيث قالوا: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ونحوه، كلا إنه [ما] أمرهم بذلك أو أذن لهم في ذلك.

ومن قرأ: ﴿ أَفَحَسِبُ ﴾ على الجزم فهو على إسقاط ألف الاستفهام، يعني: فحسب الذين كفروا، فهو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: فحسب الذين كفروا واتخذوا عبادي من دوني أولياء ما أعتدنا لهم من جهنم، كقوله: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا...

﴾ الآية [المجادلة: 8].

والثاني: أحسب الذين كفروا ما اتخذوا من دوني أولياء، أي: أما كفاهم ذلك وما حان لأن يرجعوا إلى عبادتي وألوهيتي، وقد أقمت لهم الآيات والحجج على ذلك.

والثالث: حسب لهم من الذل ما اتخذوا من دوني أولياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ﴾ .

قال بعضهم: نزلاً هو النزول وهو من النزول.

وقال بعضهم: هو المنزل والإنزال، أي: يأكلون فيها النار؛ يكون مأكلهم ومشربهم من النار.

قال القتبي: النزل ما يقدم للضيف ولأهل العسكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يشبه أن يكون هذا خرج على مقابلة قول كان من رؤساء الكفرة وجواب لهم، وهو أن الرؤساء منهم كانوا يوسعون الدنيا على بعض أتباعهم ويحسنون إليهم، ثم صار أولئك الأتباع أتباعاً لرسول الله ودخلوا في دينه فضاقت عليهم الدنيا، وذهبت المنافع التي كانت لهم منهم، فعيرهم بذلك أولئك الكفرة، ووبخوهم على ما اختاروا من الدين أنه لو كان حقّاً لاتسع عليهم، [في] الدنيا كما اتسع علينا وعليهم ما داموا على ديننا، أو كلاماً نحو هذا، فأجابهم الله بذلك، فقال: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً...

﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون على الابتداء في أهل الصوامع منهم والرهبان الذين اعتزلوا النساء، وحبسوا أنفسهم لعبادة الأصنام والأوثان، وجهدوها فيها، وحملوا على أنفسهم الشدائد والمشقة، فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء أخسرهم أعمالاً وأضلهم سعياً من الذين طلبوا الدنيا والرّياسة فيها، ولم يفعلوا ما فعل هؤلاء وإن كانوا في الكفر سواء.

والأخسر: هو الوصف بالخسران والنهاية والغاية، وجائز أن يستعمل (أفعل) في موضع (فعل)، هذا في اللغة غير ممتنع، فيكون تأويله: قل هل ننبئكم بالخاسرين أعمالاً، كقوله: الله أكبر، أي: كبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ ضَلَّ ﴾ : أي: ذلوا لعبادتهم التي عبدوا تلك الأوثان والأصنام، وخذلوا أنفسهم بذلك، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَة  ﴾ : أذلوا أنفسهم في الدنيا بعبادتهم الأصنام.

والثاني: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ الذي سعوا في الدنيا بعبادتهم الأصنام في الآخرة؛ لأنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ونحوه، فَضلَّ ما أمَّلوا في الآخرة بسعيهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ وهم يحسبون بعبادتهم الأصنام التي عبدوها أنهم يحسنون بما أنفقوا على أولئك ووسعوا أنهم يحسنون صنعاً، أي: خيراً أو معروفاً، أي: ليس لهم ذلك بصنع للخير، وفيه دلالة أنهم يؤاخذون بفعلهم الذي فعلوا، وإن جهلوا الحق، وهكذا قولنا: إن من فعل فعلاً وهو جاهل، فإنه يؤاخذ به بعد أن يكون له سبيل الوصول إلى الحق بالطلب أو بالتعلم، حيث هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

ثم أخبر من هم؟

فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ : حججه وبراهينه.

وقال الحسن: دينه، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَلِقَائِهِ ﴾ البعث أو المصير إليه، وهو مذكور أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ .

أي: لا نقيم لهم وزناً، وهو ما قال - عز وجل -: { ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُم  ﴾ فإذا لم تربح لهم [كانت] حسرات عليهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ  ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ ، قد يقام عليهم الوزن.

ثم أخبر - عز وجل - عن جزائهم؛ فقال: ﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الجزاء المُعَدّ لهم هو جهنم؛ لكفرهم بالله، واتخاذهم آياتي المنزلة ورسلي سخرية.

<div class="verse-tafsir" id="91.04k8w"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله