الآية ٣٩ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٣٩ من سورة الكهف

وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا ) هذا تحضيض وحث على ذلك ، أي : هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك ، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك ، وقلت : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) ؛ ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده أو ماله ، فليقل : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة .

وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا جراح بن مخلد ، حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عيسى بن عون ، حدثنا عبد الملك بن زرارة ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد ، فيقول : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) فيرى فيه آفة دون الموت " .

وكان يتأول هذه الآية : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) .

قال الحافظ أبو الفتح الأزدي : عيسى بن عون ، عن عبد الملك بن زرارة ، عن أنس : لا يصح حديثه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة وحجاج ، حدثني شعبة ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبيد مولى أبي رهم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟

لا قوة إلا بالله " .

تفرد به أحمد وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟

لا حول ولا قوة إلا بالله " وقال الإمام أحمد : حدثنا بكر بن عيسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون قال : قال أبو هريرة : قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ، أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش ؟

" .

قال : قلت : نعم ، فداك أبي وأمي .

قال : " أن تقول : لا قوة إلا بالله " قال أبو بلج : وأحسب أنه قال : " فإن الله يقول : أسلم عبدي واستسلم " .

قال : فقلت لعمرو - قال أبو بلج : قال عمرو : قلت لأبي هريرة : لا حول ولا قوة إلا بالله ؟

فقال : لا إنها في سورة الكهف : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (39) يقول عز ذكره: وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان ، وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه، وهو جواب الجزاء، وذلك كان.

وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى الذي قلنا كانت " ما " نصبا بوقوع فعل الله عليه، وهو شاء ، وجاز طرح الجواب، لأن معنى الكلام معروف، كما قيل: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض، وترك الجواب، إذ كان مفهوما معناه ، وكان بعض أهل العربية يقول " ما " من قوله: ( مَا شَاءَ اللَّهُ ) في موضع رفع بإضمار هو، كأنه قيل: قلت هو ما شاء الله ( لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ) يقول: لا قوة على ما نحاول من طاعته إلا به.

وقوله: ( إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ) وهو قول المؤمن الذي لا مال له، ولا عشيرة، مثل صاحب الجنتين وعشيرته وهو مثل سَلْمان وصُهَيب وخباب، يقول: قال المؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أنا أقل منك مالا وولدا ، فإذا جعلت أنا عمادا نصبت أقل ، وبه القراءة عندنا، لأن عليه قراءة الأمصار، وإذا جعلته اسما رفعت أقل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله أي بالقلب ، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه ، إذ قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما في موضع رفع ، تقديره : هذه الجنة هي ما شاء الله .

وقال الزجاج والفراء : الأمر ما شاء الله ، أو هو ما شاء الله ; أي الأمر مشيئة الله - تعالى - .

وقيل : الجواب مضمر ، أي ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون .لا قوة إلا بالله أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله - تعالى - وقوته لا بقدرتك وقوتك ، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع .[ ص: 363 ] الثانية : قال أشهب قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا .

وقال ابن وهب قال لي حفص بن ميسرة : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا ما شاء الله لا قوة إلا بالله .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي هريرة : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة قلت : بلى يا رسول الله ، قال لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله - عز وجل - أسلم عبدي واستسلم أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى .

وفيه : فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - قلت : ما هي يا رسول الله ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله .

وعنه قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة قلت : بلى ; فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وروي أنه من دخل منزله أو خرج منه فقال : باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله - تعالى - عليه البركات .

وقالت عائشة : إذا خرج الرجل من منزله فقال باسم الله قال الملك هديت ، وإذا قال ما شاء الله قال الملك كفيت ، وإذا قال لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت .

خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له : هديت وكفيت ووقيت .

وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا وقيت وإذا قال توكلت على الله قالا كفيت قال فيلقاه قريناه فيقولان ماذا [ ص: 364 ] تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي .

وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني الجنة - يدخلني الضعفاء من الضعيف ؟

قال : الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة .

وقال أنس بن مالك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين .

وقد قال قوم : ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به .

وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه أمن من العين ، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان ، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم .قوله تعالى : إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا إن شرط ترن مجزوم به ، والجواب فعسى ربي وأنا فاصلة لا موضع لها من الإعراب .

ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء .

وقرأ عيسى بن عمر إن ترن أنا أقل منك بالرفع ; يجعل أنا مبتدأ " وأقل " خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمفعول الأول النون والياء ; إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها ، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت -وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ورأيتني أقل منك مالا وولدا -فإن ما عند الله، خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي يتنافس فيها المتنافسون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولولا إذ دخلت جنتك ) أي : هلا إذ دخلت جنتك ( قلت ما شاء الله ) أي الأمر ما شاء الله .

وقيل : جوابه مضمر أي : ما شاء الله كان ، وقوله : ( لا قوة إلا بالله ) أي : لا أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا [ بإذن الله ] .

وروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله .

ثم قال : ( إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ) و " أنا " عماد ولذلك نصب " أقل " معناه : إن ترني أقل منك مالا وولدا فتكبرت وتعظمت علي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(ولولا) هلا (إذ دخلت جنتك قلت) عند إعجابك بها هذا (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) وفي الحديث "" من أعطي خيرا من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروها "" (إن ترن أنا) ضمير فصل بين المفعولين (أقل منك مالاً وولدا).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهلا حين دخَلْتَ حديقتك فأعجبتك حَمِدت الله، وقلت: هذا ما شاء الله لي، لا قوة لي على تحصيله إلا بالله.

إن كنت تراني أقل منك مالا وأولادًا، فعسى ربي أن يعطيني أفضل من حديقتك، ويسلبك النعمة بكفرك، ويرسل على حديقتك عذابا من السماء، فتصبح أرضًا ملساء جرداء لا تثبت عليها قدم، ولا ينبت فيها نبات، أو يصير ماؤها الذي تُسقى منه غائرًا في الأرض، فلا تقدر على إخراجه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن يقوله عند دخوله جنته فقال : ( ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله .

.

.

) .قال الإمام ابن كثير : هذا تحضيض وحث على ذلك .

أى : هلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها ، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك وقلت ( مَا شَآءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ) ، ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شئ من حاله أو ولده أو ماله ، فليقل : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .

.

وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة .

وقد روى فيه حديث مرفوع .

.

فعن أنس - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آفة دون الموت " .وقال الآلوسى : وقوله : " ما شاء الله ، أى : الأمر ما شاء الله ، أو ما شاء الله - تعالى - كائن ، على أن " ما " موصولة مرفوعة المحل .

إما على أنها خبر مبتدأ محذوف .

أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر .

.

وأيما كان فالمراد تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله - تعالى - إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنياً والغني فقيراً، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية فقال: ﴿ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضاً فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين ثم اشترى أخوه خدماً وضياعاً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴾ ، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات: الصفة الأولى: كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية، والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ أي وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين نظيره قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش  ﴾ أي واقفين حول العرش محيطين به، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر: له لحظات في حفافي سريره *** إذا كرها فيها عقاب ونائل قال صاحب الكشاف: حفوه إذا طافوا به، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقوله: غشيته وغشيته به، قال: وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسن في المنظر.

الصفة الثالثة: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ والمقصود منه أمور.

أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.

وثانيها: أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض.

وثالثها: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة.

الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان.

وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك.

وجاءني كلتا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا أختيك، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف، وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.

وقوله: ﴿ أَتَتْ أُكُلَهَا ﴾ حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى لجاز، وقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ أي لم تنقص والظلم النقصان، يقول الرجل: ظلمني حقي أي نقصني.

الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً ﴾ أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين.

وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و ﴿ خلالهما ﴾ أي وسطهما وبينهما.

ومنه قوله تعالى: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم  ﴾ .

ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم.

الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة: أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد، وأنشد للحارث بن كلدة: ولقد رأيت معاشرا *** قد أثمروا مالاً وولدا وقال النابغه: مهلاً فداء لك الأقوام كلهم *** ما أثمروه أمن مال ومن ولد وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر.

وعن مجاهد الذهب والفضة: أي كان مع الجنتين أشياء من النقود، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده: ﴿ فَقَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم: حار إذا رجع، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ  بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا  ﴾ ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فإن قيل: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟

قلنا: المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما، ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ ﴾ وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعاً تلك النعم في غير موضعها، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبداً مع أنها متغيرة متبدلة.

فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟

قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده، ثم قال: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ وقوله: ﴿ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً  ﴾ والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقاً له، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء.

والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية، قرأ نافع وابن كثير خيراً منهما، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله: ﴿ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن الإنسان الأول قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ وهذا الثاني كفره حيث قال: ﴿ أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر.

البحث الثاني: هذا الاستدلال يحتمل وجهين: الأول: يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله: ﴿ خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء.

الوجه الثاني: أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثاً، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس، ويدل على هذا الوجه قوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّي ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله: وتقلينني لكن إياك لا أقلى *** أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله: ﴿ هُوَ الله رَبّى ﴾ ضمير الشأن وقوله: ﴿ الله رَبّى ﴾ جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله: هو فإن قيل قوله: ﴿ لَكُنَّا ﴾ استدراك لماذا؟

قلنا لقوله: ﴿ أَكَفَرْتَ ﴾ كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر.

والبحث الثاني: قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى ﴾ في الوصل بالألف.

وفي قراءة الباقين: ﴿ لَّكِنَّ هُوَ الله رَبّى ﴾ بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن: ﴿ وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ ذكر القفال فيه وجوهاً: أحدها: إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى.

وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكراً للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء.

وثالثها: أن هذا الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله: ﴿ مَا شَاء الله ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن تكون (ما) شرطية ويكون الجزاء محذوفاً والتقدير أي شيء شاء الله كان.

والثاني: أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم: ما شاء مما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا: لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه، واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جواباً عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال: هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء الله، ومثله قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ وهم ثلاثة وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ  ﴾ أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبائي والكعبي، وأقول: إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقع بمشيئة الله.

اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل.

والكلام الثاني: الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله: ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

والمقصود إنه قال المؤمن للكافر: هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها، وهلا قلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلاً وأقل مفعولاً ثانياً ومن قرأ بالرفع جعل قوله: ﴿ أَنَاْ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ أَقُلْ ﴾ خبر والجملة مفعولاً ثانياً لترن واعلم أن ذكر الولد هاهنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله: ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ الأعوان والأولاد كأنه يقول له: إن كنت تراني: ﴿ أَقُلْ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ وأنصاراً في الدنيا الفانية: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ ﴾ إما في الدنيا، وإما في الآخرة.

ويرسل على جنتك: ﴿ حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ أي عذاباً وتخريباً والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها.

قال الزجاج: عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسباناً أي مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أي فتصبح جنتك أرضاً ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض، زلقاً أي تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقاً ثم قال: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي يغوص ويسفل في الأرض: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه.

قال أهل اللغة في قوله: ﴿ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي غائراً وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال: فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ ومثله قولهم: أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ ﴾ وهو كناية عن الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى، وقد يمسح إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه أخوه فيها وعذله: ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ أي ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران.

وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها، ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ والمعنى أن المؤمن لما قال: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فهذا الكافر تذكر كلامه وقال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  ﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وأيضاً فلما قال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال بعده: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ والجواب عن السؤال الأول: أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضاً في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه.

فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن السؤال الثاني: أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحداً غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولاً عند الله ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: (ولم يكن له فئة) بالياء لأن قوله: ﴿ فِئَةٌ ﴾ جمع فإذا تقدم على الكناية جاز التذكير، ولأنه رعاية للمعنى.

والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي الفئة.

البحث الثاني: المراد من قوله: ﴿ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ .

المسألة الأولى: اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية.

أولها: في لفظ الولاية ففي قراءة حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف: الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك.

وثانيها: قرأ أبو عمرو والكسائي قوله: الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ الباقون بالجر صفة لله.

وثالثها: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر عقباً بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف.

المسألة الثانية: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ ﴾ فيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق ﴾ أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه (فيهما).

والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن قوله: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر فقالها جزعاً مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

والوجه الثالث: المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله في قوله: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ ويعضده قوله: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي لأوليائه.

والوجه الرابع: أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴾ أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه: ﴿ وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرئ عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا شَاء الله ﴾ يجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله.

أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أي شيء شاء الله كان.

ونظيرها في حذف الجواب ﴿ لَوْ ﴾ في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ [الرعد: 31] والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافاً بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى.

وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء.

وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج.

من قرأ ﴿ أَقُلْ ﴾ بالنصب فقد جعل أنا فصلاً، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولاً ثانياً لترني.

وفي قوله ﴿ وَوَلَدًا ﴾ نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ [الكهف: 34] والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنة ﴿ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ ﴾ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك.

والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي: مقداراً قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك.

وقيل حسباناً مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق ﴿ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها زلقاً.

و ﴿ غَوْرًا ﴾ كلاهما وصف بالمصدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ﴾ وهَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِها.

﴿ ما شاءَ اللَّهُ ﴾ الأمْرُ ما شاءَ أوْ ما شاءَ كائِنٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّها شُرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ إقْرارًا بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أبادَها.

﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ ﴾ وقُلْتَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ اعْتِرافًا بِالعَجْزِ عَلى نَفْسِكَ والقُدْرَةِ لِلَّهِ، وإنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها فَبِمَعُونَتِهِ وإقْدارِهِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «مَن رَأى شَيْئًا فَأعْجَبَهُ فَقالَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ» .

﴿ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وأنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ، وقُرِئَ « أقَلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنا والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ﴿ تَرَنِ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ ﴿ وَوَلَدًا ﴾ دَلِيلٌ لِمَن فَسَّرَ النَّفَرَ بِالأوْلادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْلاَ} وهلا {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله} ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر ماشاء الله أو شرطية

منصوبة الموضع والجزاء محذوف يعني أي شيء شاء الله كان والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئته الله وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله} إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده

الكهف (٤٣ - ٣٩)

من قرأ {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً} بنصب أقل فقد جعل أنا فصلاً ومن رفع وهو الكسائي جعله مبتدأ وأقل خبره والجملة مفعولا ثانيا لترني وفي قوله {وَوَلَدًا} نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله وأعز نفرا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ﴾ حَضٌّ عَلى القَوْلِ وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِتَحَتُّمِ القَوْلِ في آنِ الدُّخُولِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ لِلْقَصْرِ، وجازَ تَقْدِيمُهُ لِذَلِكَ وجَعْلُهُ فاصِلًا بَيْنَ ( لَوْلا ) وفِعْلِها لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ ما دَخَلْتَها ﴿ ما شاءَ اللَّهُ ﴾ أيِ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ إمّا عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ «شاءَ» والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أيَّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ تَحْضِيضُهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ جَنَّتَهُ وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أبادَها، ودَلالَةُ الجُمْلَةِ عَلى العُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لِأنَّ تَعْرِيفَ الأمْرِ لِلِاسْتِغْراقِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأمّا عَلى غَيْرِهِ فَقِيلَ: لِأنَّ ما شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وهي في مَعْنى الشُّرَطِ، والشَّرْطُ وما في مَعْناهُ يُفِيدُ تَوَقُّفَ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى ما في حَيِّزِهِ فَيُفِيدُ عَدَمَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولا غُبارَ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الثّانِي مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولَةِ ما شاءَ اللَّهُ هو الكائِنُ حَتّى تُفِيدَ الجُمْلَةُ ما ذُكِرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وزَعَمَ القَفّالُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ التَّقْدِيرَ هَذا ما شاءَهُ اللَّهُ تَعالى والإشارَةُ إلى ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها، وهَذا كَقَوْلِ الإنْسانِ إذا نَظَرَ إلى كِتابٍ مَثَلًا: هَذا خَطُّ زَيْدٍ، ومُرادُهُ نَفْيُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِيَسْلَمَ لَهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ الكَعْبِيُّ والجُبّائِيُّ حَيْثُ قالا: الآيَةُ خاصَّةٌ فِيما تَوَلّى اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ ولا تَشْمَلُ ما هو مِن فِعْلِ العِبادِ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ سُبْحانَهُ ما لا يُرِيدُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما يَنْهى عَنْهُ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ العُمُومُ وكَمْ لِلْمُعْتَزِلَةِ عُدُولٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ ﴾ مِن مَقُولِ القَوْلِ أيْضًا؛ أيْ: هَلّا قُلْتَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِعَجْزِكَ وإقْرارًا بِأنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ تَعالى وإقْدارِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرًا جَلِيلًا أيْضًا.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ  : ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: أنْ تَقُولَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»».

قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: قُلْتُ لِأبِي هُرَيْرَةَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَ: لا، إنَّها في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿ ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «إنَّ مِن أفْضَلِ الدُّعاءِ قَوْلَ الرَّجُلِ: ما شاءَ اللَّهُ».

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، إلّا دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ ﴾ »» إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: مَن رَأى شَيْئًا مِن مالِهِ فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ المالَ آفَةٌ أبَدًا وقَرَأ الآيَةَ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: كانَ مالِكٌ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ يَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ.

قُلْتُ لِمالِكٍ: لِمَ تَقُولُ هَذا؟

قالَ: ألا تَسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ ﴾ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّ مالِكًا يَسْتَدِلُّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الذِّكْرِ لِكُلِّ مَن دَخَلَ مَنزِلَهُ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن مالِهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ أوْ دَخَلَ حائِطًا مِن حِيطانِهِ قالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ويَتَأوَّلُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ ﴾ الآيَةَ.

ويَفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ اسْتِحْبابُ قَوْلِ ذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُعْجِبُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وأنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ عَيْنُ الإعْجابِ ﴿ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا ﴾ إلَخْ.

«أنا» تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ في «تَرَنِ» وقَدْ أُقِيَمَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ مَقامَ ضَمِيرِ النَّصْبِ، والرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَ «أقَلَّ» مَفْعُولٌ ثانٍ، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ «أنا» فَصْلًا وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في الحالِ أوْ في الأصْلِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: «أقَلُّ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ «أنا» مُبْتَدَأً و«أقَلَّ» خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ مِنَ احْتِمالَيِ الرُّؤْيَةِ أوِ الحالِ عَلى الثّانِي مِنهُما، و ﴿ مالا ووَلَدًا ﴾ تَمْيِيزٌ عَلى القِراءَتَيْنِ وما فِيهِما مِنَ الِاحْتِمالِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وهو آخذ بيد أخيه المسلم.

وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالشرك، فمن كفر بالله فهو ظالم لنفسه، لأنه أوجب لها العذاب الدائم.

قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، لأن أخاه المؤمن عرض عليه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فأجابه الكافر: فَ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، يعني: لن تفنى هذه أبداً.

وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، أي كائنة.

وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي، أي إن كان الأمر كما يقول، ورجعت إلى ربي في الآخرة، لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً في الآخرة، أي مرجعاً.

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر خَيْرًا مِنْهُمَا لأنها كناية عن الجنتين، وقرأ الباقون مِنْها، لأنه كناية عن قوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.

قالَ لَهُ صاحِبُهُ، أي أخاه المسلم، وَهُوَ يُحاوِرُهُ، أي يكلمه ويعظه في الله تعالى: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ، يعني: آدم  ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، يعني: خلقك معتدل القامة.

قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي قرأ ابن عامر ونافع في إحدى الروايتين لكِنَّا بالألف وتشديد النون، لأن أصله: لكن أنا، فأدغم فيه.

وقرأ الباقون لَكِنِ، وفي مصحف الإمام لَكِنِ أَنَاْ هُوَ الله رَبّى، فهذا هو الأصل في اللغة، ومعناه: لكن أنا أقول هو الله ربي.

وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، يقول: فهلا إذ دخلت بستانك، قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يعني: بقوة الله أعطانيها لا بقوتي.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ ما شاء الله لا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، لَمْ ير فِيهِ مَا يَكْرَهُ» .

ثم قال: إِنْ تَرَنِ، يعني: إن رأيتني أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً في الدنيا، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ هذه في الآخرة، وَيُرْسِلَ عَلَيْها أي على جنتك حُسْباناً مِنَ السَّماءِ، أي ناراً من السماء، وهذا وقول الكلبي والضحّاك ومقاتل، وقال قتادة: حُسْباناً، أي مرامي واحدها حسبانة.

وقال الزجاج: الحسبان أصله الحساب كقوله: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرحمن: 5] ، أي بحساب، وهكذا قال هنا: حُسْباناً أي حساباً بما كسبت يداك.

وقال بعض أهل اللغة: الحسبان في اللغة سهم فارق وهو ما يرمى به.

ثم قال: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً، أي فتصير تراباً أملس لا نبات فيها.

أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً، أي غائراً، يقال: غار ماؤها فلم يقدر عليه فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً، أي حِيلَةً.

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، أي: فأهلك جميع ماله، والاختلاف في الثمر كما ذكرنا.

فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ أي يصفق يده على الأخرى ندامة عَلى مَآ أَنْفَقَ فِيها من المال، وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة على سقوفها، وَيَقُولُ في الآخرة: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: قالَ لَهُ صاحِبُهُ يعني المؤمن.

وقوله: خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ إِشارةٌ إلى آدم عليه السلام.

وقوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي معناه: لكن أنا أقول هو اللَّه ربِّي، وروى هارون عن أبي عمرو «١» «لَكِنَّهُ هُوَ اللَّهُ رُبِّي» ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ...

الآية: وصيَّةٌ من المؤمن للكافر، وَلَوْلا:

تحضيض بمعنى «هلا» ، وما تحتمل أن تكون بمعنى «الذي» بتقدير: الذي شاء الله كائنٌ، وفي شاءَ ضميرٌ عائد على «ما» ، ويحتمل أن تكون شرطيةً بتقدير: ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، تقديره: هو ما شاء اللَّهُ، أو الأمر ما شاء اللَّه.

وقوله: لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ: تسليمٌ، وضدٌّ لقول الكافِرِ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً [الكهف: ٣٥] ، وفي الحديثِ: «إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، إِذَا قَالَهَا العَبْدُ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: «أَسْلَمَ/ عَبْدِيَ واستسلم» ، قال النوويُّ: ورُوِّينا في «سنن أبي داود والترمذيِّ والنسائي» وغيرهما، عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ قَالَ يَعْنِي- إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتهِ- باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيت، وَوُقِيتَ، وتَنَحَّى عَنْكَ الشِّيْطان» «٢» .

قال الترمذيُّ: حديث حسن، زاد أبو داود في روايته:

«فَيَقُولُ: - يَعْني الشِّيْطَانَ لِشَيْطَانٍ آخَرَ- كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِي» انتهى.

وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة، قال: قَالَ لِي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أكْثِرْ مِنْ قَوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ فإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» «٣» انتهى.

قال المحاسبيُّ في «رعايته» : وإِذا عزم العْبدُ في القيامِ بجميعِ حقوق اللَّه سبحانَهُ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنَ، ﴿ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي: خَلَقَ أباكَ آَدَمَ، ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي: ما أُنْشِئَ هو مِنهُ، فَلَمّا شَكَّ في البَعْثِ كانَ كافِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقالُونُ عَنْ نافِعٍ: ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) بِإسْقاطِ الألِفِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ المُسَيِّبِيِّ بِإثْباتِ الألِفِ وصْلًا ووَقْفًا.

وأثْبَتَ الألِفَ ابْنُ عامِرٍ في الحالَيْنِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ( لَكِنْ ) بِإسْكانِ النُّونِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ ألِفٍ في الحالَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ: ( لَكِنَّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ في الحالَيْنِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) بِإسْكانِ نُونِ ( لَكِنْ ) وإثْباتِ ( أنا ) .

قالَ الفَرّاءُ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: لَكِنّا، ولَكِنْ، ولَكِنَّهُ بِالهاءِ، أنْشَدَنِي أبُو ثَرْوانَ: وتَرْمِينَنِي بِالطَّرَفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبُ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أقْلِي وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ الأُولى، وأُدْغِمَتْ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى فَشُدِّدَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الألِفُ تُحْذَفُ في الوَصْلِ وتُثْبَتُ في الوَقْفِ، فَأمّا مَن أُثْبَتَها في الوَصْلِ كَما تَثْبُتُ في الوَقْفِ، فَهو عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أنا قُمْتُ، فَأثْبَتَ الألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ [ حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ] وَهَذِهِ القِراءَةُ جَيِّدَةٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ قَدْ حُذِفَتْ مِن ( أنا )، فَصارَ إثْباتُ الألِفِ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ ؛ أيْ: وهَلّا، ومَعْنى الكَلامِ: التَّوْبِيخُ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ ما شاءَ اللَّهُ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إنْ شِئْتَ رَفَعْتَهُ بِإضْمارَ هُوَ، يُرِيدُ: [ هو ] ما شاءَ اللَّهُ، وإنْ شِئْتَ أضْمَرَتْ فِيهِ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وجازَ طَرْحُ جَوابِ الجَزاءِ، كَما جازَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ  ﴾ ، لَيْسَ لَهُ جَوابٌ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ ﴾ الِاخْتِيارُ النَّصْبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيها  ﴾ ، ويَجُوزُ ﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ ﴾ عَلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ " بِاللَّهِ "، المَعْنى: لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، ولا يَكُونُ لَهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( إنْ تَرْنِي أنا ) و( يُؤْتِيَنِي خَيْرًا ) بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِياءٍ في الوَصْلِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِحَذْفِ الياءِ فِيهِما وصْلًا ووَقْفًا.

﴿ أنا أقَلَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( أنا أقَلُّ ) بِرَفْعِ اللّامِ.

قالَ الفَرّاءُ: ( أنا ) هاهُنا عِمادٌ إنْ نَصَبَتْ ( أقَلَّ )، واسْمُ إذا رَفَعَتْ ( أقَلَّ )، والقِراءَةُ بِهِما جائِزٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ﴾ ؛ أيْ: في الآَخِرَةِ، ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نارًا مِنَ السَّماءِ.

والثّانِي: قَضاءٌ مِنَ اللَّهِ يَقْضِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: مَرامِي مِنَ السَّماءِ، وأحَدُها: حُسْبانَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ: سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلَ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في القَوْسِ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المَعْنى: ويُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِي مِن عَذابِهِ، إمّا حِجارَةً أوْ بَرَدًا، أوْ غَيْرَهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ.

والرّابِعُ: أنَّ الحُسْبانَ: الحِسابُ، كَقَوْلِهِ ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ  ﴾ ؛ أيْ: بِحِسابٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ويُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ حِسابِ ما كَسَبَتْ يَداهُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ ﴿ أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّعِيدُ: الأمْلَسُ المُسْتَوى، والزَّلَقُ: الَّذِي تَزِلُّ عَنْهُ الأقْدامُ، والغَوْرُ: الغائِرُ، فَجَعَلَ المَصْدَرَ صِفَةً، يُقالُ: ماءٌ غَوْرٌ، ومِياهٌ غَوْرٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ولا يُؤَنَّثُ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ نَوْمٌ، ورَجُلٌ صَوْمٌ، ورَجُلٌ فَطْرٌ، ورِجالٌ نَوْمُ، [ ونِساءٌ نَوْمٌ ]، ونِساءُ صَوْمٌ.

ويُقالُ لِلنِّساءِ إذا نُحْنَ: نَوْحٌ، والمَعْنى: يَذْهَبُ ماؤُها غائِرًا في الأرْضِ؛ أيْ: ذاهِبًا فِيها.

﴿ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ تَطْلُبُهُ بِهِ، ولا تَنالُهُ الأيْدِي ولا الأرْشِيَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ غَوْرًا ﴾ : إذا غَوَرَ، فَسَقَطَ المُضافُ وخَلَفَهُ المُضافُ إلَيْهِ، والمُرادُ بِالطَّلَبِ هاهُنا: الوُصُولُ، فَقامَ الطَّلَبُ مَقامَهُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( غُؤُورًا ) بِرَفْعِ الغَيْنِ والواوِ [ الأُولى ] جَمِيعًا وواوٌ بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا ﴾ ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا ﴾ ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا ﴾ ﴿ لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا ﴾ أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تُرابٍ ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ سَوّاكَ رَجُلا ﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ.

ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ.

ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ.

ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ.

ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ ﴾ الآيَةُ.

وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا ﴾ ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟

قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".» واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا * ولولا ﴾ .

حُكي كلام صاحبه بفعل القول بدون عطف للدلالة على أنه واقع موقع المحاورة والمجاوبة، كما قدمناه غير مرة.

والاستفهام في قوله: ﴿ أكفرت بالذي خلقك ﴾ مستعمل في التعجب والإنكار، وليس على حقيقته، لأن الصاحب كان يعلم أن صاحبه مشرك بدليل قوله له: ﴿ ولا أشرك بربي أحداً ﴾ .

فالمراد بالكفر هنا الإشراك الذي من جملة معتقداته إنكار البعث، ولذلك عُرّف بطريق الموصولية لأن مضمون الصلة من شأنه أن يصرف من يدركه عن الإشراك به، فإنهم يعترفون بأن الله هو الذي خلق الناس فما كان غير الله مستحقاً للعبادة.

ثم إن العلم بالخلق الأول من شأنه أن يصرف الإنسان عن إنكار الخلق الثاني، كما قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15]، وقال: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27]، فكان مضمون الصلة تعريضاً بجهل المخاطب.

وقوله: من تراب } إشارة إلى الأجزاء التي تتكون منها النطفة وهي أجزاء الأغذية المستخلصة من تراب الأرض، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ﴾ [يس: 36].

والنطفة: ماء الرجل، مشتقة من النطف وهو السيلان.

وسواك} عدل خلقك، أي جعله متناسباً في الشكل والعمل.

و (من) في قوله: ﴿ من تراب ثم من نطفة ﴾ ابتدائية، وقوله: ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ كتب في المصحف بألف بعد النون.

واتفق القراء العشرة على إثبات الألف في النطق في حال الوقف، وأما في حال الوصل فقرأه الجمهور بدون نطق بالألف، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بإثبات النطق بالألف في حال الوصل، ورسمُ المصحف يسمح بكلتا الروايتين.

ولفظ ﴿ لكنا ﴾ مركب من (لكنْ) بسكون النون الذي هو حرف استدراك، ومن ضمير المتكلم (أنا).

وأصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة تخفيفاً كما قال الزجاج، أي على غير قياس لا لعلة تصريفية، ولذلك لم يكن للهمزة حكم الثابت فلم تمنع من الإدغام الذي يمنع منه ما هو محذوف لعلة بناءً على أن المحذوف لعلةٍ بمنزلة الثابت، ونقلت حركتها إلى نون (لكنْ) الساكنة دليلاً على المحذوف فالتقى نونان متحركتان فلزم إدغامهما فصار (لكنا).

ولا يجوز أن تكون (لكِنّ) المشددة النون المفتوحتها أشبعت فتحتها، لأن لكن المشددة من أخوات إنّ تقتضي أن يكون الاسم بعدها منصوباً وليس هنا ما هو ضمير نصب، ولا يجوز اعتبار ضمير (أنا) ضمير نصب اسم (لكنّ) لأن ضمير المتكلم المنصوب يجب أن يكون بياء المتكلم، ولا اعتبارهُ ضميرَ المتكلم المشارك لمنافاته لإفراد ضمائره بعده في قوله: ﴿ هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً ﴾ .

(فأنا) مبتدأ، وجملة ﴿ هو الله ربي ﴾ ضمير شأن وخبرُه، وهي خبر (أنا)، أي شأني هو الله ربي.

والخبر في قوله: ﴿ هو الله ربي ﴾ مستعمل في الإقرار، أي أعترف بأنه ربي خلافاً لك.

وموقع الاستدراك مضادةُ ما بعد (لكن) لما قبلها، ولا سيما إذا كان الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء.

وأكد إثبات اعترافه بالخالق الواحد بمؤكدات أربعة، وهي: الجملتان الاسميتان، وضمير الشأن في قوله: ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ ، وتعريف المسند والمسند إليه في قوله: ﴿ الله ربي ﴾ المفيد قصر صفة ربوبية الله على نفس المتكلم قصراً إضافياً بالنسبة لمخاطبه، أي دونك إذ تعبد آلهة غير الله، وما القصر إلا توكيد مضاعف، ثم بالتوكيد اللفظي للجملة بقوله: ﴿ ولا أشرك بربي أحداً ﴾ .

وعطف جملة ﴿ ولولا إذ دخلت ﴾ على جملة ﴿ أكفرت ﴾ عطف إنكار على إنكار.

و(لولا) للتوبيخ، كشأنها إذا دخلت على الفعل الماضي، نحو ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ﴾ [النور: 13]، أي كان الشأن أن تقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله } عوض قولك: ﴿ ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة ﴾ [الكهف: 36].

والمعنى: أكفرت بالله وكفرت نعمته.

و (ما) من قوله: ما شاء الله} أحسن ما قالوا فيها إنها موصولة، وهي خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة، أي هذه الجنة مَا شاء الله، أي الأمر الذي شاء الله إعطاءه إياي.

وأحسن منه عندي: أن تكون (ما) نكرة موصوفة.

والتقدير: هذه شيء شاء الله، أي لي.

وجملة ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ تعليل لكون تلك الجنة من مشيئة الله، أي لا قوة لي على إنشائها، أو لا قوة لمن أنشأها إلا بالله، فإن القوى كلها موهبة من الله تعالى لا تؤثر إلا بإعانته بسلامة الأسباب والآلات المفكرة والصانعة.

فما في جملة ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ من العُموم جعلها كالعلة والدليللِ لكون تلك الجنة جزئياً من جزئيات منشئات القوى البشرية الموهوبة للناس بفضل الله.

﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ ﴿ لله فعسى رَبِّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السمآء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ .

جملة ابتدائية رَجع بها إلى مجاوبة صاحبه عن قوله: ﴿ أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ﴾ [الكهف: 34]، وعظه فيها بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى قلة أو إلى اضمحلال، وأن يصير القليلُ مالُه ذا مال كثير.

وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفاً وهو كثير.

و (أنا) ضمير فصل، فلذلك كان أقل } منصوباً على أنه مفعول ثاننٍ ل ﴿ ترن ﴾ ولا اعتداد بالضمير.

و (عسى) للرجاء، وهو طلب الأمر القريب الحصول.

ولعله أراد به الدعاء لنفسه وعلى صاحبه.

والحسبان: مصدر حسب كالغفران.

وهو هنا صفة لموصوف محذوف، أي هلاكاً حسباناً، أي مقدراً من الله، كقوله تعالى: ﴿ عطاء حساباً ﴾ [النبأ: 36].

وقيل: الحسبان اسم جمع لسهام قصار يرمى بها في طلق واحد وليس له مفرد.

وقيل: اسم جمع حُسبانة وهي الصاعقة.

وقيل: اسم للجراد.

والمعاني الأربعة صالحة هنا، والسماء: الجو المرتفع فوق الأرض.

والصعيد: وجه الأرض.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ [المائدة: 6].

وفسروه هنا بذلك فيكون ذكره هنا توطئة لإجراء الصفة عليه وهي زلقاً } .

وفي «اللسان» عن الليث «يقال للحَديقة، إذا خربت وذهب شجراؤها: قد صارت صعيداً، أي أرضاً مستوية لا شجر فيها»ا ه.

وهذا إذا صح أحسن هنا، ويكون وصفه ب ﴿ زلقاً ﴾ مبالغة في انعدام النفع به بالمرة.

لكني أظن أن الليث ابتكر هذا المعنى من هذه الآية وهو تفسير معنى الكلام وليس تبييناً لمدلول لفظ صعيد.

ونظيره قوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ﴾ [الكهف: 8] في أول هذه السورة.

والزلق: مصدر زلقت الرجل، إذا اضطربت وزلت على الأرض فلم تستقر.

ووصف الأرض بذلك مبالغة، أي ذات زلق، أي هي مزْلِقَة.

والغَور: مصدر غار الماء، إذا ساخ الماء في الأرض.

ووصفه بالمصدر للمبالغة، ولذلك فرع عليه فلن تستطيع له طلباً}.

وجاء بحرف توكيد النفي زيادة في التحقيق لهذا الرجاء الصادر مصدر الدعاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا فَأُساوِيكَ فِيها.

الثّانِي: وهو الأشْهَرُ خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الآخِرَةِ، فَأكُونُ أفْضَلَ مِنكَ فِيها.

﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَذابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: نارًا.

الثّالِثُ: جَرادًا.

الرّابِعُ: عَذابَ حِسابٍ بِما كَسَبَتْ يَداكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ الآخِرَةِ.

والجَزاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحِسابٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ المَرامِي الكَثِيرَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ وأصْلُهُ الحِسابُ، وهي السِّهامِ الَّتِي يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، وكانَ مِن رَمْيِ الأساوِرَةِ.

﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ يَعْنِي أرْضًا بَيْضاءَ لا يَنْبُتُ فِيها نَباتٌ ولا يَثْبُتُ عَلَيْها قَدَمٌ، وهي أضَرُّ أرْضٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ جَنَّةً أنْفَعَ أرْضٍ.

﴿ أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا ﴾ يَعْنِي ويُصْبِحُ ماؤُها غَوْرًا، فَأقامَ أوْ مَقامَ الواوِ، و ﴿ غَوْرًا ﴾ يَعْنِي غائِرًا ذاهِبًا فَتَكُونُ أعْدَمَ أرْضٍ لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيها.

﴿ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ ويَحْتَمِلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ رَدَّ الماءِ الغائِرِ.

الثّانِي: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ وإلى هَذا الحَدِّ انْتَهَتْ مُناظَرَةُ أخِيهِ وإنْذارُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب: «الله الله ربي لا أشرك به شيئاً» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عروة أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه، أو دخل حائطاً من حيطانه قال: ﴿ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ ويتأول قول الله: ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن سعد قال: كان ابن شهاب إذا دخل أمواله قال: ﴿ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ ويتأول قوله: ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مطرف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال: ﴿ ما شاء الله ﴾ قلت لمالك لم تقول هذا؟

قال: ألا تسمع الله يقول: ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن حفص بن ميسرة قال: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوباً ﴿ ما شاء الله ﴾ وذلك قول الله: ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن مرة قال: إن من أفضل الدعاء قول الرجل: ﴿ ما شاء الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سأل رجل مسألة أنجح من أن يقول: ﴿ ما شاء الله ﴾ .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن يحيى بن سليم الطائفي، عمن ذكره قال: طلب موسى عليه السلام من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال: ﴿ ما شاء الله ﴾ فإذا حاجته بين يديه فقال: يا رب أنا أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتنيها الآن؟

فأوحى الله إليه يا موسى، أما علمت أن قولك: ﴿ ما شاء الله ﴾ أنجح ما طلبت به الحوائج.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي، عن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟

قال: ما هو؟

قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي، «عن قيس بن سعد بن عبادة أن أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه قال: فخرج عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم- وقد صليت ركعتين واضطجعت، فضربني برجله وقال: ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟

قلت: بلى.

قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج أحمد، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «يا أبا ذر، ألا أعلمك كلمة من كنز الجنة؟

قال: بلى.

قال: قل لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟

لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي أيوب الأنصاري قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكثر من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فإنه كنز من كنوز الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ألا أدلكم على كنز من كنوز الجنة؟

تكثرون من لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته» وقرأ ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أنس رضي الله عنه قال: من رأى شيئاً من ماله فأعجبه فقال: ﴿ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ لم يصب ذلك المال آفة أبداً، وقرأ ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك ﴾ الآية.

وأخرجه البيهقي في الشعب، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً.

وأخرج ابن مردويه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنعم الله عليه نعمة فأراد بقاءها، فليكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ .

وأخرج أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟

قلت: نعم.

قال: أن تقول: ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ » قال عمرو بن ميمون: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه «لا حول ولا قوة إلا بالله» فقال: لا إنها في سورة الكهف ﴿ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ .

وأخرج ابن منده في الصحابة من طريق حماد بن سلمة، عن سماك، عن جرير قال: خرجت إلى فارس فقلت: ﴿ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ فسمعني رجل فقال: ما هذا الكلام الذي لم أسمعه من أحد منذ سمعته من السماء؟

فقلت: ما أنت وخبر السماء؟

قال: إني كنت مع كسرى فأرسلني في بعض أموره، فخرجت ثم قدمت، فإذا شيطان خلفني في أهلي على صورتي، فبدأ لي، فقال: شارطني على أن يكون لي يوم ولك يوم، وإلا أهلكتك، فرضيت بذلك، فصار جليسي يحادثني وأحادثه، فقال لي ذات يوم: إني ممن يسترق السمع والليلة نوبتي، قلت: فهل لك أن أختبئ معك؟

قال: نعم.

فتهيأ ثم أتاني فقال: خذ بمعرفتي، وإياك أن تتركها فتهلك، فأخذت بمعرفته فعرج بي حتى لمست السماء، فإذا قائل يقول: «ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله» فسقطوا على وجوههم وسقطت، فرجعت إلى أهلي فإذا أنا به يدخل بعد أيام، فجعلت أقول: «ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله» قال: فيذوب لذلك حتى يصير مثل الذباب.

ثم قال لي: قد حفظته فانقطع عنا.

وأخرج أحمد في الزهد، عن يحيى بن سليم الطائفي، عن شيخ له قال: الكلمة التي تزجر بها الملائكة الشياطين حتى يسترقون السمع ﴿ ما شاء الله ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن صفوان بن سليم قال: ما نهض ملك من الأرض حتى يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم» .

وأخرج ابن مردويه والخطيب والديلمي من طرق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: «أخبرني جبريل أن تفسير ﴿ لا حول ولا قوة إلا بالله ﴾ أنه لا حول عن معصية الله، إلا بقوة الله، ولا قوة على طاعة الله، إلا بعون الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنها في «لا حول ولا قوّة إلا بالله» قال: لا حول بنا على العمل بالطاعة إلا بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلا بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد أنه سئل، عن تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله قال: لا تأخذ ما تحب إلا بالله، ولا يمتنع مما تكره إلا بعون الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أقبل على أخيه يلومه فقال: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ بمعنى: هلا، وتأويله التوبيخ.

﴿ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ ذكر الفراء والزجاج في ﴿ مَا ﴾ وجهين: أحدهما: أنه في موضع رفع على معنى: الأمر ما شاء الله، أو: هو ما شاء الله.

والمعنى: أن الأمر بمشيئة الله، وفي هذا رد على الأخ الكافر، حيث قال حين دخل جنته: ﴿ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴾ فرد عليه الأخ المؤمن وقال: هلا قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان.

الوجه الثاني: أن ﴿ مَا ﴾ في موضع نصب بـ (شاء) على معنى الشرط والجزاء، ويكون الجواب مضمرًا على تقدير: ما شاء الله كان.

ويكون التأويل: أي شيء شاء الله كان، فطرحت كان وأضمرته، وجاز طرح الجواب كما قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا  ﴾ الآية.

ليس له جواب ، لأن معناه معروف (١) وقوله تعالى: ﴿ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: (أي لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون له إلا ما شاء الله) (٢) (٣) ﴿ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾ .

قال الفراء: ( ﴿ أَنَا ﴾ إذا نصبت ﴿ أَقَلَّ ﴾ عماد، وإذا رفعت ﴿ أَقَلَّ ﴾ فهي اسم، والقراءة بهما جائزة) (٤) (٥) وقال أبو إسحاق بيانًا فقال: ( ﴿ أَنَا ﴾ يصلح لشيئين: إن شئت كانت توكيدًا للنون والياء، وإن شئت كانت فصلاً، كما تقول: كنت أنت القائم) (٦) ﴿ أَقَلَّ ﴾ هو منصوب مفعول ثان لترن، ويجوز رفعه على أن يكون ﴿ أَنَا ﴾ ابتداء، و ﴿ أَقَلَّ ﴾ خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني لترن) (٧) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 45، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 288.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 290.

(٣) ذكر نحوه السمرقندي بلا نسبة في "بحر العلوم" 2/ 300، والرازي 21/ 127.

(٤) قراءة النصب للجمهور.

وقراءة الرفع لعيسى بن دينار، وهي قراءة شاذة لا يقرأ بها.

انظر: "الكشاف" 2/ 391، "البحر المحيط" 6/ 129، "الدر المصون" 7/ 496.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 145.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 288.

(٧) "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 499، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 442، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 276 - 277.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لكنا هُوَ الله رَبِّي ﴾ قرأ الجمهور بإثبات الألف في الوقف وحذفها في الوصل، والأصل على هذا لكن أنا، ثم ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها، وحذفت ثم أدغمت النون في النون، وقرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف، ويتوجه ذلك بأن تكون لحقتها نون الجماعة التي في خرجنا وضربنا، ثم أدغمت النون في النون ﴿ ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ الآية: وصية من المؤمن للكافر، ولولا تحضيض ﴿ فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ﴾ يحتمل أن يريد في الدنيا أو الآخرة ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي أمراً مهلكاً كالحر والبرد ونحو ذلك ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ الصعيد: وجه الأرض، والزلق الذي لا يثبت فيه قدم يعني أنه تذهب أشجاره ونباته.

﴿ غَوْراً ﴾ أي غائراً ذاهباً وهو مصدر وصف به ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ عبارة عن هلاكها ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ عبارة عن تلهفه وتأسفه وندمه ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ يريد أن السقف وقعت وهي العروش، ثم تهدمت الحيطان عليها، والحيطان على العروش وقيل: إن كرومها المعروشة سقطت على عروشها، ثم سقطت الكروم عليها ﴿ وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ ﴾ قال ذلك على وجه التمني لما هلك بستانه، أو على وجه التوبة من الشرك ﴿ هُنَالِكَ ﴾ ظرف يحتمل أن يكون العامل فيه منتصراً، أو يكون في موضع خبر ﴿ الولاية لِلَّهِ ﴾ بكسر الواو بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها من الموالاة والمودة ﴿ وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ أي عاقبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.

وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.

الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.

الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.

﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.

الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.

﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .

التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه  أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.

ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه  ﴾ نهى رسول الله  في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين  ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.

ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.

وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.

ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.

وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.

وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.

ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.

وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.

وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.

فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه  لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.

ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت  للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.

وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.

وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب  ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".

والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.

وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.

وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.

وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية  ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ عن النبي  " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.

قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.

وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.

ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.

وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".

ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.

ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.

و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.

وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة  ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً  ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.

قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.

والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.

ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.

والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.

ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.

ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.

وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله  ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.

أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.

﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.

وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.

﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.

ولو قيل: "آتتا".

على المعنى لجاز.

والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.

﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.

وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.

وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.

والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.

والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.

وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.

ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله  ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج  ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.

﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.

قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي  ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.

وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.

وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.

وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.

ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.

ولعل السر في تخصيص الله  في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.

وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.

قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.

قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.

وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.

استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.

وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.

والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".

وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.

وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.

وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.

﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.

وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".

ثم أخبر  عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم  ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.

﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.

وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.

وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.

﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.

ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله  ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.

ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.

وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.

وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.

والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.

تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.

﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.

ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.

وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.

وقيل: هن الصلوات الخمس.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.

وقيل: الطيب من القول.

والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.

التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.

﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه  جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.

وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.

﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.

﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

جائز أن يكون هذا المثل كان في الأمم المتقدمة وكتبهم، سئل رسول الله عن ذلك ليعلم وليتبين لهم صدقه بأنه رسول الله  على ما يدعي على ما سئل هو عن قصة ذي القرنين وبنائه ونبأ أصحاب الكهف وأخبارهم؛ ليتبين لهم صدقه؛ إذ علموا أن تلك الأنباء والقصص لا يعلم ولا يعرفها إلا من علم كتاب الله؛ إذ كان ذلك في كتب الله، وهو لم يعرف تلك الكتب؛ لأنها كانت بغير لسانه، ولم يروه اختلف إلى من يعرفها ليتعلم منه، ثم أنبأهم على ما كان في كتبهم، فدل أن ذلك إنما عرف بالله وأنه صادق فيما يدعي من الرسالة، على هذا يجوز أن يقال - والله أعلم - فيكون في ذلك آية لرسالته ونبوته.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...

﴾ إلى آخره، أي: اضرب لهم مثلك ومثلهم مثل رجلين، فيكون مثلك ومثلهم مثل ما ذكر من رجلين ...

إلى آخره.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...

﴾ أي: اضرب للمعتبرين والمتوسمين مثل رجلين، كل رجلين هذا سبيلهما، يرغب أحدهما في الدنيا وزينتها ويطلبها لا يرى غيرها، والآخر يرغب في الزهد فيها وترك الطلب لها والرغبة في الآخرة، فإن كان على هذا أو ما ذكرنا من ضرب مثله ومثل أولئك، فهو على الابتداء، فيخرج على الاعتبار والتفكر فيما ذكر تنبيها وإيقاظاً، وإن كان على السؤال عما كان فهو ليس على الاعتبار، ولكن على الإنباء أنه رسول، ففيه آية لرسالته ونبوته.

ثم قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾ ، أي: بين الجنتين، ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ﴾ ، أي: حملها، ولم يقل: (آتتا أكلهما)، خرج على اسم واحد وإن كان في المعنى على التثنية، وذلك جائز في اللغة؛ كقولك: كلتا المرأتين صالحة، وكلانا صالح، وفيه قول الشاعر: كلانا شاعر من حي صدق *** ولكن الرحى نقلوا الثفالي وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص من ثمرها شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً ﴾ أي: أجرينا بينهما مياها جارية.

وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قال بعضهم: من قرأ: ﴿ ثَمَرٌ ﴾ بالرفع فهو كل ما كان يملك من الجنان وغيرها، ومن قرأ بالنصب فهو على الثمر.

وقال بعضهم: الثمر بالنصب فهو الثمر، والثمر بالرفع فهو جميع الثمار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ يكلمه أو يجيبه أو ينازعه ويناظره: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الخطاب منه على الابتداء؛ لأنه لا يصلح على الابتداء؛ فيشبه أن يكون كان من صاحبه له وعيد وتخويف، فعند ذلك قال له ما ذكر.

أو أن يكون قال: يعطيني ربي في الآخرة مثل ذلك أو خيراً منها، فقال له عند ذلك: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: قد تفضل علي في الدنيا وفضلني عليك فيفضلني أيضاً في الآخرة عليك، حيث قال: ﴿ لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ إن كان ما تزعم صدقا أنا نبعث ونرد إلى الله وإلا على الابتداء لا يصلح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ .

يحتمل: أي: ظالم نفسه، ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ لِّنَفْسِهِ ﴾ : بدنه، وهو ظالم المعنى الذي يكون في النفس به يستعملها فيما تستعمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَآ أَظُنُّ ﴾ ، أي: ما أثق وما أعلم.

وقال بعضهم: هو الظن؛ لأن صاحبه كان يناظره فيه، فاضطرب في فنائها وقيام الساعة فشك فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ ما دامت نفسه، أو كأنه لم يشاهد الهلاك، ولم ينظر إليه؛ فقال ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، أي: لو رددت إلى ربي - على ما تزعم - [لأجدن] خيرا منها منقلبا إن كنت صادقاً.

وقوله: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

أي: خلق أصلك من تراب، وخلقك من نطفة، ثم سواك رجلا، أي: صححك وقومك رجلا.

جائز أن يكون محاجته إياه في هذه، لإنكاره البعث، أي: كفرت وأنكرت قدرة الله على البعث والإعادة، وهو خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، فأنت إذا مت وهلكت تصير تراباً أو ماء، فإذا قدر على خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من ماء [فإنه] لقادر على إعادتك وبعثك بعد ما صرت تراباً أو ماء.

أو يكون محاجته في إنكاره حكمة الله؛ فيقول: خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك رجلا وصححك؛ فإن لم يبعثك ويعدك كان خلقك وخلق أصلك بما ذكر عبثاً غير حكمة؛ إذ من بنى بناء ثم نقضه على غير قصد الانتفاع به كان في بنائه عابثاً في الابتداء تائها سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك: خلقك وخلق أصلك من غير إعادة من بعد يكون سفهاً على غير حكمة، وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115]: صير خلقهم على غير رجوع إليه عبثاً.

أو يكون محاجته في تسفيهه إياه في عبادته غير الله، يقول: أكفرت نعمة الذي خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك صحيحاً، فصرفت شكر نعمه إلى غيره، وعبدت غيره على هذه الوجوه الثلاثة.

ويحتمل محاجته إياه إما في إنكار قدرته في بعثه وإعادته، أو إنكاره الحكمة في البعث، أو في إنكاره نعمه وصرفه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ .

كأنه قال: لكن الذي خلق أصلك من تراب، وخلق أصلك من نطفة هو ربي، ولا أشرك بربي أحداً.

وقال الخليل: ﴿ لَّٰكِنَّاْ ﴾ إنما هو على تأويل: لكني أنا أقول هو الله ربي؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ  ﴾ إنهم حين ألقوا الألف من (أنا) أثبتوها بعد النون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ ، نظرت إلى ما أنعم الله عليك وقمت بشكره دون أن اشتغلت بازدرائي، ونظرت إلى قلة ذات حالي ويدي، واشتغلت بالافتخار علي، وكذلك قال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .

ثم ذكر طعمه ورجاءه على ربه وخوفه؛ حيث قال: ﴿ فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

ويرسل على جنتك حسبانا من السماء.

قال أهل التأويل: الحسبان: العذاب، إلا أن أبا بكر الأصم قال: عذابا على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين أهلكهما؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ...

﴾ الآية [سبأ: 17].

وقال أبو عوسجة: ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي: عذاباً زاده على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين له، والحسبان: الصغار من النبل، والحسبانة واحدة، والحسبان جمع، والأول عذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ : الذي ليس عليه نبت، و ﴿ زَلَقاً ﴾ ، أي: تسوية.

وقال القتبي: الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي يزول عنه الأقدام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً ﴾ من السماء، أي عذاباً، فتصير ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ أملس لا نبات عليها، أو يذهب بمائها؛ فتهلك بذهاب الماء؛ إذ هلاك البساتين يكون بذهاب الماء مرة، وبالعذاب النازل عليها ثانيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن تستطيع له طلبا، أي: تصير بحال لا تستطيع له طلبا، أو لن تستطيع له وجوداً.

وقال في قوله: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ ﴾ ، بالنصب؛ لأن الكلام مبني على قوله: ﴿ إِن تَرَنِ ﴾ ، وجعل ﴿ أَنَاْ ﴾ صلة، وأمّا قوله: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ ﴾ فوصف ﴿ أَنَاْ ﴾ بـ ﴿ أَكْثَرُ ﴾ ؛ فارتفع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ .

أي: أهلك بثمره.

﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ .

هكذا عادة الناس: أنهم إذا أصابهم خسران أو مصيبة، يقلبون كفهم بعضهم على بعض؛ على الندم والحسرة على ما فات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .

قيل: ساقطة على عروشها.

ويحتمل ﴿ خَاوِيَةٌ ﴾ : ذاهبة البركة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ .

إن كان هذا القول في الدنيا؛ فذلك منه توبة؛ لأن التوبة هي الندامة على ما كان منه.

وقال بعضهم: هذا القول منه في الآخرة، فإن كان في الآخرة فإنه لا ينفعه ذلك، والله أعلم، وهكذا كل كافر يؤمن في الآخرة، لكن لا ينفعه.

وقوله: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ .

هذا - والله أعلم - مقابل ما قال: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: لم يغنه عن عذاب الله ما ذكر من النصر، ولا قدر أن يقوم بنفسه منتصراً بالمال الذي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ .

قال بعضهم: عند ذلك.

وقال بعضهم: هنالك، أي: هكذا ولاية الله، ثم اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ﴾ بالفتح، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (هنالك الوَلاية لله الغفور وهو الحقُّ): بالرفع، وفي حرف حفصة: (وهنالك الملك والولاية لله الغفور ذي الرحمة).

وقرأ بعضهم: ﴿ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: الولاية الحق لله، و ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ ﴾ بالنصب من الموالاة.

قال ابن عباس -  -: لا يبقى أحد إلا تولى الله وآمن به وعلم أنه حق، والولاية بالكسر من الإمارة والملك على ما ذكر في حرف حفصة.

وفي حرف أبيّ (هنالك الولايةُ لله الحق لله) يقرأ: الولايةُ لله وهو الحقُّ، ويقرأ: هَنَالِكَ الولايةُ للهِ الْحَقِّ، بالخفض، ويقرأ: هنالك الولايةُ الحقُّ لله.

وذكر هذا المثل لرسول الله - والله أعلم - لأن فيه دلالة رسالته، وحجة توحيد الله وقدرته وسلطانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ ، أي: ثواب هذا المؤمن منها أفضل ثواباً في الآخرة وأفضل عاقبة من عقبى ذلك الكافر.

قال ابن عباس -  - قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ ﴾ : يعني: لأهل مكة ﴿ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ : أخوين من بني مخزوم: أحدهما مسلم والآخر كافر، وهما الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة الصافات: ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ : تصدق المسلم منهما بماله وطلب الآخرة، وطلب الآخر به الدنيا.

وعن ابن مسعود قال: كانا أخوين ورثا من أبيهما مالا فاقتسماه، فأما أحدهما التمس بماله الدنيا وزينتها، وأمّا الآخر تصدَّق به وطلب الآخرة حتى لم يبق له شيء إلى هذا يذهب هؤلاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هلَّا حين دخلت حديقتك قلت: ما شاء الله لا قوة لأحد إلا بالله، فهو الذي يفعل ما يشاء وهو القوي، فإن كنت تراني أفقر منك وأقلّ أولادًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.4b4mL"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله