الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 121 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ما لهم به من علم ) أي : بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم ) ولا لآبائهم ) أي : أسلافهم .
( كبرت كلمة ) : نصب على التمييز ، تقديره : كبرت كلمتهم هذه كلمة .
وقيل : على التعجب ، تقديره : أعظم بكلمتهم كلمة ، كما تقول : أكرم بزيد رجلا ؛ قاله بعض البصريين .
وقرأ ذلك بعض قراء مكة : " كبرت كلمة " كما يقال : عظم قولك ، وكبر شأنك .
والمعنى على قراءة الجمهور أظهر ؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم ؛ ولهذا قال : ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) أي : ليس لها مستند سوى قولهم ، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم ؛ ولهذا قال : ( إن يقولون إلا كذبا ) .
وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة ، فقال : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد ، وصفوا لهم صفته ، وأخبروهم بقوله ؛ فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء .
فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا .
قال : فقالت لهم : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن ، فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان من أمرهم ؟
فإنهم قد كان لهم حديث عجيب .
وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟
[ وسلوه عن الروح ، ما هو ؟
] فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور ، فأخبروهم بها ، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، أخبرنا : فسألوه عما أمروهم به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " .
ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، عليه السلام ، حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها ، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه .
وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل ، عليه السلام ، من عند الله - عز وجل - بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله عز وجل : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) [ الإسراء : 85 ]
القول في تأويل قوله تعالى : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا (5) وقوله : ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ) يقول: ما لقائلي هذا القول، يعني قولهم (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)(بِهِ ) : يعني بالله من علم، والهاء في قوله (بِهِ) من ذكر الله, وإنما معنى الكلام: ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله إنه لا يجوز أن يكون له ولد من علم، فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك.
وقوله (ولا لآبائِهمْ) يقول: ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل الذي هم عليه اليوم، كان لهم بالله وبعظمته علم، وقوله: ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدنيين والكوفيين والبصريين: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) بنصب كلمةً بمعنى: كبُرت كلمتهم التي قالوها كلمةً على التفسير، كما يقال: نعم رجلا عمرو، ونعم الرجل رجلا قام، ونعم رجلا قام، وكان بعض نحوييّ أهل البصرة يقول: نُصبت كلمة لأنها في معنى: أكْبِر بها كلمة ، كما قال جل ثناؤه وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا وقال: هي في النصب مثل قول الشاعر: ولقـدْ عَلِمْـتُ إذَا اللِّقاحُ تَرَوَّحتْ هَدَجَ الرّئــــالِ تكُـــبُّهُنَّ شَـــمالا (1) أي تكبهنّ الرياح شمالا فكأنه قال: كبرت تلك الكلمة، وذُكِر عن بعض المكيين أنه كان يقرأ ذلك: ( كَبُرَتْ كَلِمَةٌ ) رفعا ، كما يقال: عَظُمَ قَولك وكَبُر شأنُك.
وإذا قرئ ذلك كذلك لم يكن في قوله (كَبُرَتْ كَلِمةٌ) مُضمر، وكان صفة للكلمة.
والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (كَبُرَتْ كَلِمةً) نصبا لإجماع الحجة من القراء عليها، فتأويل الكلام: عَظُمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء القوم الذين قالوا: اتخذ الله ولدا، والملائكة بنات الله.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق (كَبُرَتْ كَلِمةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) قولهم: إن الملائكة بنات الله، وقوله: ( إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا ) يقول عز ذكره: ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدا بقيلهم ذلك إلا كذبا وفرية افتروها على الله.
ما لهم به من علم " من " صلة ، أي ما لهم بذلك القول علم ; لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل .ولا لآبائهم أي أسلافهم .كبرت كلمة كلمة نصب على البيان ; أي كبرت تلك الكلمة كلمة .
وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق كلمة بالرفع ; أي عظمت كلمة ; يعني قولهم اتخذ الله ولدا .
وعلى هذه القراءة فلا حاجة إلى إضمار .
يقال : كبر الشيء إذا عظم .
وكبر الرجل إذا أسن .تخرج من أفواههم في موضع الصفة .إن يقولون إلا كذبا أي ما يقولون إلا كذبا .
لا علم منهم، ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم واتبعوهم، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } أي: عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها، وأي شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه، ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية والإلهية، والكذب عليه؟\" { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ولهذا قال هنا: { إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } أي: كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء، وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج، والانتقال من شيء إلى أبطل منه، فأخبر أولا: أنه { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ } والقول على الله بلا علم، لا شك في منعه وبطلانه، ثم أخبر ثانيا، أنه قول قبيح شنيع فقال: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح، وهو: الكذب المنافي للصدق.
( ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) أي : قالوه عن جهل لا عن علم ( كبرت ) أي : عظمت ( كلمة ) نصب على التمييز يقال تقديره : كبرت الكلمة كلمة وقيل : من كلمة فحذف " من " فانتصب ( تخرج من أفواههم ) أي : تظهر من أفواههم ( إن يقولون ) ما يقولون ( إلا كذبا )
«ما لهم به» بهذا القول «من علم ولا لآبائهم» من قبلهم القائلين له «كبرت» عظمت «كلمة تخرج من أفواههم» كلمة تمييز مفسر للضمير المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي مقالتهم المذكورة «إن» ما «يقولون» في ذلك «إلا» مقولا «كذبا».
ليس عند هؤلاء المشركين شيء من العلم على ما يَدَّعونه لله من اتخاذ الولد، كما لم يكن عند أسلافهم الذين قلَّدوهم، عَظُمت هذه المقالة الشنيعة التي تخرج من أفواههم، ما يقولون إلا قولا كاذبًا.
و " من " فى قوله : ( مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ) مزيدة لتأكيد النفى ، والجملة مستأنفة ، و " لهم " خبر مقدم ، و ( من علم ) مبتدأ مؤخر ، وقوله ( ولا لآبائهم ) معطوف على الخبر .أى : ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا ، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم ، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم .قال الكرخى : فإن قيل : اتخاذ الولد محال فى نفسه ، فكيف قال : ( مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟
) فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه ، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به ، ونظيره قوله - تعالى - : ( وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ) وقوله - تعالى - : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم ، وعظم كذبهم .وكبر : فعل ماض لإِنشاء الذم ، فهو من باب نعم وبئس ، وفاعله ضمير محذوف ، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله ( كلمة ) المنصوبة على أنها تمييز ، والمخصوص بالذم محذوف .والتقدير : كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها ، وهى قولهم : اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب .وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به ، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم ، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم .قال صاحب الكشاف : قوله ( كبرت كلمة ) قرئ ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية ، وبالنصب على التمييز ، والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أكبرها كلمة .وقوله ( تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به ، وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات ، لا يتمالكون أن يتفوهوا به ، ويطلقوا به ألسنتهم ، بل يكظمون عليه تشوُّرًا من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟فإن قلت : إلام يرجع الضمير فى ( كبرت ) ؟
قلت : إلى قولهم اتخذ الله ولدا .
وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها .وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً )
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ ﴾ والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه فالأول عام في حق كل من استحق العذاب.
والثاني خاص بمن أثبت لله ولداً، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى.
المسألة الثانية: الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف.
أحدها: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
وثانيها: النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله.
وثالثها: اليهود الذين قالوا: عزيز ابن الله، والكلام في أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وتمامه مذكور في سورة مريم، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد لله تعالى من وجهين: الأول: قوله: ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائهم ﴾ فإن قيل اتخاذ الله ولداً محال في نفسه فكيف قيل ﴿ ما لهم به من علم ﴾ ؟
قلنا: انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به.
ونظيره قوله: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلاً وتمام تقريره مذكور في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ لآبائهم ﴾ أي ولا أحد من أسلافهم، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة.
النوع الثاني: مما ذكره الله في إبطاله قوله: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرئ: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراء، فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار، أما من رفع فلم يضمر شيئاً كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة.
البحث الثاني: قوله: ﴿ كَبُرَتْ ﴾ أي كبرت الكلمة.
والمراد من هذه الكلمة ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ فصارت مضمرة في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة.
البحث الثالث: احتج النظام في إثبات قوله: أن الكلام جسم بهذه الآية قال: إنه تعالى وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة؛ والحركة لا تصح إلا على الأجسام.
والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج النفس عن الحلق، فلما كان خروج النفس سبباً لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج على الكلمة.
البحث الرابع: قوله: ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ يدل على أن هذا الكلام مستكره جداً عند العقل؛ كأنه يقول: هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل التقليد، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ﴾ ومعناه ظاهر، واعلم أن الناس قد اختلفوا في حقيقة الكذب.
فعندنا أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه سواء اعتقد المخبر أنه مطابق أم لا؟
ومن الناس من قال شرط كونه كذباً أن لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق، وهذا القيد عندنا باطل، والدليل عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً، مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه باطلاً، فعلمنا أن كل خبر لا يطابق المخبر عنه فهو كذب سواء علم القائل بكونه مطابقاً أو لم يعلم، ثم قال تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: المقصود منه أن يقال للرسول: لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذراً ومبشراً فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه.
والغرض تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عنه.
البحث الثاني: قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً من شدة وجده بالشيء.
وقال الأخفش والفراء أصل البخع الجهد.
يقال: بخعت لك نفسي أي جهدتها، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبخع الرجل نفسه إذا نهكها وعلى هذا معنى: ﴿ باخع نَّفْسَكَ ﴾ أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه، هكذا قال الواحدي.
البحث الثالث: قوله: ﴿ على ءاثارهم ﴾ أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية، فإذا كان موته قريباً من موت الأول كان موته حاصلاً حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان.
البحث الرابع: قوله؛ ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث ﴾ المراد بالحديث القرآن.
قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول: إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة.
البحث الخامس: قوله: ﴿ أَسَفاً ﴾ الأسف المبالغة في الحزن وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿ غضبان أَسِفًا ﴾ في سورة الأعراف [150] وعند قوله: ﴿ يا أسفي على يُوسُفَ ﴾ وفي انتصابه وجوه: الأول: أنه نصب على المصدر ودل ما قبله من الكلام على أنه يأسف.
الثاني: يجوز أن يكون مفعولاً له أي للأسف كقولك جئتك ابتغاء الخير.
والثالث: قال الزجاج: ﴿ أَسَفاً ﴾ منصوب لأنه مصدر في موضع الحال.
البحث السادس: الفاء في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ ﴾ جواب الشرط وهو قوله: ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ قدم عليه ومعناه التأخير.
<div class="verse-tafsir"
لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ ولم يجعل له شيئاً من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه.
فإن قلت: بم انتصب ﴿ قَيِّماً ﴾ ؟
قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالاً من الكتاب؛ لأنّ قوله ﴿ وَلَمْ يَجْعَل ﴾ معطوف على أنزل، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالاً من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوجا جعله قيماً؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة.
فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟
قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح.
وقيل: قيما على سائر الكتب مصدقاً لها، شاهداً بصحتها.
وقيل: قيماً بمصالح العباد وما لابد لهم منه من الشرائع وقرئ ﴿ قيماً ﴾ ﴿ أنذر ﴾ متعدّ إلى مفعولين، كقوله ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ الذين كفروا ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ والبأس من قوله ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ [الأعراف: 165] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ صادراً من عنده.
وقرئ ﴿ من لدنه ﴾ بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ﴿ وَيُبَشِّرُ ﴾ بالتخفيف والتثقيل.
فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولى أنذر؟
قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه.
والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا (4) ﴾ متعلقاً بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ استغناء بتقدّم ذكره.
والأجر الحسن: الجنة ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي بالولد أو باتخاذه، يعني أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد اشتملته آباؤهم من الشيطان وتسويله.
فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟
قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به.
قرئ ﴿ كبرت كلمة ﴾ ، وكلمة: بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ.
وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
و ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ صفة للكلمة تفيد استعظاماً لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟
وقرئ ﴿ كبْرت ﴾ بسكون الباء مع إشمام الضمة.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟
قلت: إلى قولهم ﴿ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُنْذَرَ بِهِ اسْتِغْناءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.
﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ بِالوَلَدِ أوْ بِاتِّخاذِهِ أوْ بِالقَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَهُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، أوْ تَقْلِيدٍ لِما سَمِعُوهُ مِن أوائِلِهِمْ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوا بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ.
أوْ بِاللَّهِ إذْ لَوْ عَلِمُوهُ لَما جَوَّزُوا نِسْبَةَ الِاتِّخاذِ إلَيْهِ.
﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ تَقَوَّلُوهُ بِمَعْنى التَّبَنِّي.
﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ لِما فِيها مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّشْرِيكِ، وإيهامِ احْتِياجِهِ تَعالى إلى ولَدٍ يُعِينُهُ ويَخْلُفُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزَّيْغِ، و ﴿ كَلِمَةً ﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والأوَّلُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى المَقْصُودِ.
﴿ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ صِفَةٌ لَها تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، والخارِجُ بِالذّاتِ هو الهَواءُ الحامِلُ لَها.
وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِأنَّ كَبُرَ ها هُنا بِمَعْنى بِئْسَ وقُرِئَ « كَبْرَتْ» بِالسُّكُونِ مَعَ الإشْمامِ.
﴿ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي بالولد أو باتخاذه يعني أن قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط فإن قلت إتخاذ الله ولداً في نفسه محال فكيف قيل مالهم به من علم قلت معناه مالهم به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته وانتفاء العلم
الكهف (١٠ - ٥)
بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه أو لأنه في نفسه محال {ولا لآبائهم} المقلدين {كَبُرَتْ كَلِمَةً} نصب على التمييز وفيه معنى التعجب كانه قيل ما أكبره كلمة والضمير في كبرت يرجع إلى قولهم اتخذ الله ولدا وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها {تخرج من أفواههم} صفة لكلمة تفيد استعظاماً لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس من المنكرات لايتما لكون أن يتفوهوا به بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} ما يقولون ذلك إلا كذباً هو صفة لمصدر محذوف أي قولاً كذباً
﴿ ما لَهم بِهِ ﴾ أيْ: بِاتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَدًا ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِ الظَّرْفِ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في مَقالِهِمْ، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أصْلًا لا لِإخْلالِهِمْ بِطَرِيقِ العِلْمِ مَعَ تَحَقُّقِ المَعْلُومِ أوْ إمْكانِهِ بَلْ لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ ومَعَها لا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ العِلْمِ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ ضَمِيرِ «بِهِ» عائِدًا عَلى الوَلَدِ وعَدَمِ العِلْمِ وكَذا حالُ الجُمْلَةِ عَلى ما سَمِعْتَ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا صِفَةٌ لِ «ولَدًا» ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِن «قالُوا» أيْ: لَيْسَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ عِلْمٍ وتَذَكُّرٍ ونَظَرٍ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما يَمْتَنِعُ ﴿ ولا لآبائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ ناسِبِينَ التَّبَنِّيَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهم قُدْوَةُ هَؤُلاءِ.
﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ أيْ: عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ والِافْتِراءِ لِما فِيها مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ جَلَّ وعَلا، وكَبُرَ وكَذا كُلُّ ما كانَ عَلى وزْنِ فَعُلَ مَوْضُوعًا عَلى الضَّمِّ كَظَرُفَ أوْ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مِن فَعِلَ أوْ فَعُلَ ذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ فالفاعِلُ هُنا ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَ ﴾ إلَخْ بِتَأْوِيلِ المُقالَةِ، و ﴿ كَلِمَةً ﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أكْبَرَها كَلِمَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ صِفَةُ ﴿ كَلِمَةً ﴾ تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها وإخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمّا يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ وتُحَدِّثُ بِهِ النَّفْسُ لا يُمْكِنُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ بَلْ يُصْرَفُ عَنْهُ الفِكْرُ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا المُنْكَرِ.
وذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَيُثْبَتُ لَهُ جَمِيعُ أحْكامِهِ كَكَوْنِ فاعِلِهِ مُعَرَّفًا بِألْ أوْ مُضافًا إلى مُعَرَّفٍ بِها أوْ ضَمِيرًا مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ومِن هُنا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هُنا ضَمِيرَ ﴿ كَلِمَةً ﴾ وهي أيْضًا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ صِفَتُها ولا ضَيْرَ في وصْفِ التَّمْيِيزِ في بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ أيْ: كَبُرَتْ كَلِمَةٌ كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ، وظاهِرُ كَلامِ الأخْفَشِ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ.
وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لا تَغايُرَ بَيْنِهِما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ بَعْضِ الأئِمَّةِ.
وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ ولا يَخْفى حالُهُ.
وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَلِمَةً عَلى حَدِّ تَسْمِيَةِ القَصِيدَةِ بِها.
وقُرِئَ: «كَبْرَتْ» بِسُكُونِ الباءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وجاءَ في نَحْوِ هَذا الفِعْلِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «كَلِمَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والنَّصْبُ أبْلَغُ وأوْكَدُ.
واسْتَدَلَّ النَّظّامُ عَلى أنَّ الكَلامَ جِسْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ لِوَصْفِهِ فِيها بِالخُرُوجِ الَّذِي هو مِن خَواصِّ الأجْسامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخارِجَ حَقِيقَةً هو الهَواءُ الحامِلُ لَهُ وإسْنادُهُ إلى الكَلامِ الَّذِي هو كَيْفِيَّةٌ مَجازٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّظّامَ القائِلَ بِجِسْمِيَّةِ الكَلامِ يَقُولُ هو الهَواءُ المُكَيَّفَ لا الكَيْفِيَّةُ، واسْتِدْلالُهُ عَلى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الأصْلِ هو الحَقِيقَةُ إلّا أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ لا ثَمَرَةَ فِيهِ ﴿ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ أيْ: ما يَقُولُونَ في ذَلِكَ الشَّأْنِ إلّا قَوْلًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا والضَّمِيرانِ لَهم ولِآبائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي مائة وعشر آيات قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يقول: الشكر لله، والألوهية لِلَّهِ.
الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، أي أنزل على عبده محمدا القرآن.
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، أي لم ينزله متناقضاً.
قَيِّماً، بل أنزله مستقيماً.
ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب قيماً أي مستقيماً، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً أي لم ينزله مخالفاً للتوراة والإنجيل.
قال أهل اللغة: عِوَجاً بكسر العين في الأقوال وبنصب العين في الأشخاص ويقال: في كلامه عوج، وفي هذه الخشبة عوج.
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي لينذركم ببأس شديد، كما قال: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران: 175] أي بأوليائه وهذا قول القتبي وقال الزجاج: أي لينذرهم بالعذاب البئيس.
مِنْ لَدُنْهُ، أي من قبله، ويقال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي يخوفهم بالعذاب الشديد بما في القرآن مِنْ لَدُنْهُ، أي من عنده.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مِنْ لَدُنْهُ بجزم الدال، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ، بالجنة.
ثم وصف المؤمنين، فقال: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ، فيما بينهم وبين ربهم.
ثم بيّن الذي يبشرهم به، فقال: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً في الْجَنَّةِ، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً أي مقيمين في الثواب والنعيم خالداً مخلدا وماكِثِينَ منصوب على الحال في معنى خالدين.
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا، أي يخوف بالقرآن الذين قَالُواْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، وهم المشركون والنصارى.
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، أي ليس لهم بذلك القول بيان ولا حجة، وَلا لِآبائِهِمْ أي ولا حجة لآبائهم الذين مضوا، فأخبر أنهم أخذوا دينهم من آبائهم بالتقليد لا بالحجة والبيان، لأنهم قالوا كان آباؤُنا على هذا.
كَبُرَتْ كَلِمَةً، أي عظمت الكلمة.
قرأ الحسن بالضم، ومعناه: عظمت كلمة وهي قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116] كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، فصارت نصباً بالتفسير.
إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً، أي ما يقولون إلا كذبا.
وقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ، أي قاتل نفسك أسفاً وحزناً عَلى آثارِهِمْ، أي على أعمالهم.
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً، أي بهذا القرآن أسفاً، والأسف: المبالغة في الحزن والغضب، وهو منصوب لأنه مصدر في موضع الحال.
<div class="verse-tafsir"
لمسلم، وفي رواية لمسلم وأبي داود: «من آخر الكهف» ، وعن أبي سعيد الخدريّ، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، كانت له نورا من مقامه إلى مكّة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدّجّال، لم يسلّط عليه «١» رواه الترمذيّ والحاكم في «المستدرك» والنسائيّ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وله في رواية: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النّور ما بين الجمعتين» «٢» ، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه الدّارميّ في مسنده موقوفا ورواته «٣» متّفق على الاحتجاج بهم إلا أبا هاشم يحيى بن دينار الرّمّاني وقد وثّقه أحمد ويحيى وأبو زرعة وأبو حاتم.
انتهى من «السلاح» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ كان حفْصٌ عن عاصم «٤» يَسْكُتُ عند قوله: عِوَجاً سكتةً خفيفة، وعند مَرْقَدِنا في يس [يس: ٥٢] وسبب هذه البداءة في هذه السورة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما سألته قريشٌ عن المسائِلِ الثَّلاثِ: الرُّوحِ، وأصحابِ الكهف، وذِي القَرْنَيْنِ، حسب ما أمرتهم به يهود- قال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «غَداً أُخْبِرُكُمْ بِجَوَابِ مَا سَأَلْتُمْ» ولم يقلْ: إِن شاء اللَّه، فعاتَبَهُ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمسك عنه الوحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً، وأرجف به كُفَّار قريشٍ، وشَقَّ ذلك على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وبلَغَ منه، فلما انقضى الأمَدُ الذي أراد اللَّهُ عِتَابَ نبيِّه، جاءه الوحْيُ بجوابِ ما سألوه، وغير ذلك، فافتتح الوحْي ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، وهو القرآن.
وقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، أي: لم ينزله عن طريق الاستقامة، «والعِوَج» فَقُدُ الاستقامة، ومعنى قَيِّماً، أي: مستقيماً قاله ابن «٥» عباس وغيره، وقيل: معناه أنه قيّم
سُورَةُ الكَهْفِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ ( الكَهْفِ ) مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وهَذا إجْماعُ المُفَسِّرِينَ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ مِنها آَيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ مَدَنِيٌّ، و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ الآَيَتانِ مَدَنِيَّةٌ، وباقِيها مَكِّيٌّ.
ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «مَن حَفِظَ عَشْرَ آَياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ، ثُمَّ أدْرَكَ الدَّجّالَ لَمْ يَضُرَّهُ، ومَن حَفِظَ خَواتِيمَ سُورَةِ الكَهْفِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ ( الفاتِحَةِ ) .
والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ، وبِالكِتابِ: القُرْآَنُ، تَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ؛ لِأنَّهُ إنْعامٌ عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وعَلى النّاسِ عامَّةً.
قالَ العُلَماءُ بِاللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ: في هَذِهِ الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُا: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴿ قَيِّمًا ﴾ ؛ أيْ: مُسْتَقِيمًا عَدْلًا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( قِيَمًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٦١ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلافًا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ العِوَجِ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٩٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ ؛ أيْ: عَذابًا شَدِيدًا، ﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن قَبْلِهِ، والمَعْنى: لِيُنْذِرَ الكافِرِينَ، ﴿ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿ أجْرًا حَسَنًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.
﴿ ماكِثِينَ ﴾ ؛ أيْ: مُقِيمِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
﴿ وَيُنْذِرَ ﴾ بِعَذابِ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ وهُمُ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكُونَ حِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ﴿ ما لَهم بِهِ ﴾ ؛ أيْ: بِذَلِكَ القَوْلِ ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ لِأنَّهم قالُوا: افْتَرى عَلى اللَّهِ، ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ، ﴿ كَبُرَتْ ﴾ ؛ أيْ: عَظُمَتْ ﴿ كَلِمَةً ﴾ الجُمْهُورِ عَلى النَّصْبِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ.
قالَ الفَرّاءُ مَن نَصَبَ أضْمَرَ: كَبُرَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كَلِمَةً، ومِن رَفَعَ لَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ قَوْلُكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ فالمَعْنى: كَبُرَتْ مَقالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا كَلِمَةً، و " كَلِمَةً " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: عَظُمَتْ كَلِمَةً هي قَوْلُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: إنَّها قَوْلٌ بِالفَمِ لا صِحَّةَ لَها، ولا دَلِيلَ عَلَيْها، ﴿ إنْ يَقُولُونَ ﴾ ؛ أيْ: ما يَقُولُونَ ﴿ إلا كَذِبًا ﴾ .
ثُمَّ عاتَبَهُ عَلى حُزْنِهِ لِفَوْتِ ما كانَ يَرْجُو مِن إسْلامِهِمْ، فَقالَ: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ: ( باخِعٌ نَفْسِكَ ) بِكَسْرِ السِّينِ عَلى الإضافَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ واللُّغَوِيُّونَ: فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، وقاتَلٌ نَفْسَكَ، وأنْشَدَأبُو عُبَيْدَةَ لِذِي الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ أيْ: نَحَّتْهُ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " فَلَعَلَّكَ " والغالِبُ عَلَيْها الشَّكُ، واللَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها ؟
فالجَوابُ: أنَّها لَيْسَتْ بِشَكٍّ، إنَّما هي مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ التَّقْرِيرُ، فالمَعْنى: هَلْ أنْتَ قاتِلٌ نَفْسَكَ ؟
لا يَنْبَغِي أنْ يَطُولَ أساكَ عَلى إعْراضِهِمْ، فَإنَّ مَن حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالشِّقْوَةِ لا تُجْدِي عَلَيْهِ الحَسْرَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى آثارِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنْكَ، ﴿ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ، ﴿ أسَفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَزَنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: جَزَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: غَضَبًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: نَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَدَمًا وتَلَهُّفًا وأسًى.
قالَ الزَّجّاجُ: الأسَفُ: المُبالَغَةُ في الحُزْنِ أوِ الغَضَبِ، يُقالُ: قَدْ أسِفَ الرَّجُلُ فَهو أسِيفٌ، قالَ الشّاعِرُ: أرى رَجُلًا مِنهم أسَيْفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا وَهَذِهِ الآَيَةُ يُشِيرُ بِها إلى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَثْرَةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ بِالأسَفِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟
قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ ﴿ ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا ﴾ ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا سَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ.
و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ .
ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها.
ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ.
و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ.
وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ لَهم أجْرًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا.
و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟
فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟
وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ الآيَةَ.
أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ.
والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً.
وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ ، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده، جعل تالياً لقوله: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ [الكهف: 2] باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بَشر به المؤمنين.
وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة، فإن جَرَيْتَ على تخصيص البأس في قوله: ﴿ بأساً شديداً ﴾ [الكهف: 2] بعذاب الدنيا كما تقدم كان هذا الإنذار مغايراً لما قبله؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت إعادة فعل ينذر وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا * مَّا } تأكيدا، فكان عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فِعل ﴿ ينذر ﴾ السابق يُعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين، وهو يُومئ إلى المنذرَين المحذوف في قوله: ﴿ لينذر بأساً شديداً ﴾ [الكهف: 2] ويغني عن ذكره.
وهذه العلة أثارتها مناسبه ذكر التبشير قبلها، وقد حذف هنا المنذر به اعتماداً على مقابِلِه المبشر به.
والمراد بالذين قالوا اتخذ الله ولداً} هنا المشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن الله تعالى، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم للدخول في العموم لاتحاد السبب.
والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عُرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم وبين المسلمين تشنيعاً عليهم بهذه المقالة، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما أنذروا به لأجلها ولغيرها، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل تتعدد.
والولد: اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى، يستوي فيه الواحد والجمع.
وتقدم في قوله: ﴿ قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه ﴾ في سورة يونس (68).
وجملة ما لهم به من علم } حال من ﴿ الذين قالوا ﴾ .
والضمير المجرور بالباء عائد إلى القول المفهوم من ﴿ قالوا ﴾ .
و (من) لتوكيد النفي.
وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن يقولوا كذباً ليست لهم فيه شبهة، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه ﴾ [المؤمنون: 117].
وضمير به } عائد على مصدر مأخوذ من فعل ﴿ قالوا ﴾ ، أي ما لهم بذلك القول من علم.
وعطف ﴿ ولا لآبائهم ﴾ لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ [الزخرف: 23]، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يُقلدوهم.
استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع.
ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية.
وفعل ﴿ كبرت ﴾ بضم الباء.
أصله: الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه، ويستعمل مجازاً في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كِبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام.
ودل على قصد التعجيب منها انتصاب ﴿ كلمة ﴾ على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فَعُل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نِعم وبئس بحسب المقام.
والضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز.
وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع، ومنه قوله تعالى: ﴿ إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100]، وقول النبي: أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللّهَ باطل *** وجملة تخرج من أفواههم } صفة ل ﴿ كلمة ﴾ مقصود بها من جُرْأتِهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها.
والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلاً لفظاعتها.
وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل.
والأفواه: جمع فَم وهو بوزن أفعال، لأن أصل فم فَوَه بفتحتين بوزن جَمل، أو فيهٍ بوزن ريح، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفاً يعتمد عليه لسانه، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «فاً» ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار «فم»، ولما جمعوه ردوه إلى أصله.
وجملة ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ مؤكدة لمضمون جملة ﴿ تخرج من أفواههم ﴾ لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفسسِ الأمر هو الكذب، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب، فما قولهم ذلك إلا كذب، أي ليست له صفة إلا صفة الكذب.
هذا إذا جعل القول المأخوذ من ﴿ يقولون ﴾ خصوص قولهم: ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ [الكهف: 4].
ولك أن تحمل يقولون } على العموم في سياق النفي، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب، فيكون قصراً إضافياً، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن ﴿ يقولون ﴾ تذييلاً.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً واحِدَةً ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنَ، فَتَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ خُصُوصًا، وعَلى الخَلْقِ عُمُومًا.
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ في ﴿ عِوَجًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْتَلِفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أدُومُ بِوُدِّي لِلصَّدِيقِ تَكَرُّمًا ولا خَيْرَ فِيمَن كانَ في الوُدِّ أعْوَجا الثّانِي: يَعْنِي مَخْلُوقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وعَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الفَسادِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
والفَرْقُ بَيْنَ العِوَجِ بِالكَسْرِ والعَوَجِ بِالفَتْحِ أنَّ العِوَجَ بِكَسْرِ العَيْنِ ما كانَ في الدِّينِ وفي الطَّرِيقِ وفِيما لَيْسَ بِقائِمٍ مُنْتَصِبٍ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في القَناةِ والخَشَبَةِ وفِيما كانَ قائِمًا مُنْتَصِبًا.
﴿ قَيِّمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُها ويَنْفِي الباطِلَ عَنْها.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ كَقَيِّمِ الدّارِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في أمْرِها، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلَ الكِتابَ عَلى عَبْدِهِ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ولَكِنْ جَعَلَهُ قَيِّمًا.
﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: أنَّهُ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً ﴾ قال: أنزل الكتاب عدلاً قيماً ولم يجعل له عوجاً ملتبساً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ﴾ قال: هذا من التقديم والتأخير، أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قيماً ﴾ قال: مستقيماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لينذر بأساً شديداً ﴾ قال: عذاباً شديداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من لدنه ﴾ أي من عنده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ﴾ يعني، الجنة.
وفي قوله: ﴿ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ ﴾ أي: بذلك القول ﴿ مِنْ عِلْمٍ ﴾ يعني: قالوه جهلاً، وافتراء على الله تعالى ﴿ وَلَا لِآبَائِهِمْ ﴾ اختار الفراء ﴿ كَلِمَةً ﴾ بالنصب.
قال الفراء: (من نصب أضمر الفاعل؛ كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع لم يضمر شيئًا، كما تقول: عظم قولك) (١) وقال الزجاج: (المعنى: كبرت مقالتهم كلمة، و ﴿ كلِمَةً ﴾ منصوب على التمييز)؛ هذا كلامه (٢) ومعنى التمييز في هذا: أنك إذا قلت: كبرت المقالة، أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: كلمة، ميزتها من محتمل فانتصب، كما تقول في باب التمييز.
قال أبو عبيد: (والنصب وجه القراءة؛ لأن الكلمة قد ذكرت قبل، وهي قوله: ﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ ، فصارت مضمرة في (كبرت) (٣) قال الأخفش: (هذه في النصب كقول الشاعر: ولقد علمت إذا العشار ترَوَّحت ....
هدج الرئال تكبهن شمالاً (٤) (٥) ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ .
(١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 134.
قراءة النصب هي القراءة الصحيحة الثابتة، وقراءة الرفع قراءة شاذة قرأ بها: الحسن وابن محيصن.
انظر: "معا ني القرآن" للزجاج 3/ 268، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 265، و"مشكل إعراب القرآن" ص 437، و"القراءات الشاذة" ص 81.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.
(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "البحر المحيط" 6/ 97، و"الدر المصون" 7/ 440، و"التفسير الكبير" 21/ 78، و"روح المعاني" 18/ 204.
(٤) البيت للأخطل.
انظر: "ديوان" ص387، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 616، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 581.
(٥) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 616.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ العبد هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالعبودية تشريفاً له، وإعلاماً باختصاصه وقربه، والكتاب القرآن ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ العوج بكسر العين في المعاني التي لا تحسن، وبالفتح في الأشخاص كالعصا ونحوها، ومعناه عدم الاستقامة، وقيل فيه هنا: معناه لا تناقض فيه ولا خلل، وقيل: لم يجعله مخلوقاً، واللفظ أعم من ذلك ﴿ قَيِّماً ﴾ أي مستقيماً، وقيل قيماً على الخلق بأمر الله تعالى، وقيل، قيماً على سائر الكتب بتصديقها، وانتصابه على الحال من الكتاب، والعامل فيه أنزل، ومنع الزمخشري ذلك للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه فعل مضمر تقديره جعله قيماً ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ متعلق بأنزل أو بقيماً، والفاعل به ضمير الكتاب أو النبي صلى الله عليه وسلم، والبأس العذاب، وحذف المفعول الثاني وهو الناس، كما حذف المفعول الآخر من قوله: وينذر الذين لدلالة المعنى على المحذوف ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ أي من عنده، والضمير عائد على الله تعالى ﴿ أَجْراً حَسَناً ﴾ يعني الجنة ﴿ ماكثين فِيهِ ﴾ أي دائمين، وانتصابه على الحال من الضمير في لهم ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ هم النصارى لقولهم في عيسى، واليهود لقولهم في عزير، وبعض العرب لقولهم في الملائكة ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ الضمير عائد على قولهم، أو على الولد.
﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ انتصب على التمييزعلى الحال ويعني بالكلمة قولهم اتخذ الله ولداً: وعلى هذا يعود الضمير في كبرت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ﴾ : تأويل الحمد هاهنا وفي أمثاله - والله أعلم - أي: حق الحمد للذي منه وصلت إلى كل أحد نعمة أي: أنها وصلت على أيدي من وصلت إلى كل من وصلت فإن حق الحمد والثناء له في تلك النعمة وإن حمد من دونه؛ إذ منه ذلك، لا من الذي وصلت على يده، وأن الذي وصلت على يديه كالمستعمل له؛ فحق الحمد والثناء له لا من دونه.
أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي: قولوا: له الحمد والثناء؛ لأنه في جميع ما ذكر الحمد له ألحق به شيئاً: إمّا قدرته وسلطانه، وإما نعمه التي أنعم على الخلق كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ الآية [الأنعام: 1].
و ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [فاطر: 1] و ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ﴾ ونحوه.
ما ذكر الحمد لنفسه والثناء إلا ذكر على أثره ما قدرته وسلطانه.
وأما نعمه، فما كان المذكور على أثره النعمة فهو يستأدي به شكره وحمده.
وإن كان الملحق به القدرة والسلطان فيخرج القول منه مخرج الأمر بالتعظيم له والهيبة والإجلال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ أي: لم يجعله عوجاً، ويجوز زيادة اللام في مثله؛ كقوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ ، وردفكم؛ هذا جائز في اللغة ثم قوله: ﴿ أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ أي: لم يجعله عوجاً، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التأويل، أي: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعله عوجاً.
والثاني: على زيادة (بل) كأنه قال: (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً بل جعله قيماً)؛ على أحد هذين الوجهين يخرج والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ إذا لم يكن عوجاً كان قيماً، وإذا كان قيماً كان غير عوج، في كل واحد من الحرفين معنى الآخر، إلا أن من عادة العرب تكرار الكلام وإعادته على التأكيد، كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ وإذا كن مسافحات لم يكن محصنات، حرفان مؤديان معنى واحداً، إلا أنه كرّر، لما ذكرنا [أن] من عادة العرب التكرار، وكذلك ما ذكر: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ البأس: هو الشديد، والشديد هو البأس، هما واحد، فعلى ذلك الأول.
ثم اختلف في قوله ﴿ قَيِّماً ﴾ قال بعضهم: القيم: هو الشاهد، أي: القيم على الكتب المتقدمة، والشاهد عليها في الزيادة والنقصان، وفي التغيير والتحريف يبين ما زادوا فيها، وما نقصوا وما حرفوه، وما غيروه، كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية [البقرة: 79].
وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً...
﴾ الآية [آل عمران: 78] كانوا يحرفون نظمه ورصفه، ومنهم من كان يحرف أحكامه وشرائعه؛ فهذا القرآن شاهد، وقيم في بيان ما فعلوا.
وقال بعضهم قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ أي: ثابتاً قائماً أبداً لا يبدّل، ولا يغير، ولا ينسخ ولا يزداد، ولا ينقص، وهو على ما وصفه ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ...
﴾ الآية [فصلت: 42].
وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام والباطل بالذهاب والتلاشي ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ...
﴾ الآية [الرعد: 17] وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام لها، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب فعلى ذلك هذا القرآن، لأنه حق.
وقال بعضهم: ﴿ قَيِّماً ﴾ ، أي: مستقيماً، وتأويل المستقيم: المستوي الموافق، أي: يصدق بعضه بعضاً، ويوافق أوله آخره، وآخره أوله، أي: لم يخرج مختلفاً، وهو على ما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ ، ولو كان من عند غير الله على ما قال أولئك الكفرة، لكان خرج مختلفاً متناقضاً، ينقض أوله آخره، وآخره أوله، فإذا لم يكن دل أنه من عند الله نزل، ولو كان على ما يقولون أصحاب العموم والظاهر أيضاً لم يكن قيماً ولا مستقيماً، بل يخرج مختلفاً متناقضاً؛ لأنهم يعتقدون على العموم والظاهر، ثم يخصّون بدليل، فهو مختلف، وأصله قيم بالحجج والبراهين على أي تأويل كان، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ : أي: أنزله على عبده، لينذركم بأساً شديداً، أي: لينذر ببأس شديد، والبأس: العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنزل على عبده الكتاب من لدنه، أي: من عنده.
والثاني: لينذركم الكفار بأساً شديداً ينزل من عنده، والله أعلم.
وقوله: - عز وجل - ﴿ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .
فيه دلالة: أنه قد يكون المؤمنون يستحقون اسم الإيمان، وإن لم يعملوا الصالحات، حيث ذكر المؤمنين، ثم ذكر الأعمال الصالحات، خص المؤمنين بعمل الصالحات، لكن البشارة المطلقة إنما تكون للمؤمنين الذين عملوا الصالحات؛ لأنه لم يذكر البشارة المطلقة في جميع القرآن إلا للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، ثم المؤمنون الذين عملوا غير الصالحات في مشيئة الله: إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم بقدر عملهم الذي كانوا عملوا، وإن شاء قابل سيئاتهم بحسناتهم فإن فضلت حسناتهم على سيئاتهم، بدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ...
﴾ هم في مشيئة الله على ما ذكر، وليست لهم البشارة المطلقة التي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴾ : لا سوء فيه ولا قبح.
وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴾ دون قوله: ﴿ ...لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ﴾ ، ﴿ كَبِيراً ﴾ في الذكر لكنه صار مثله بقوله: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ﴾ لا يخرجون منه أبداً، وهم مقيمون فيه.
ثم يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ ﴾ ، أي: لا تأخذهم سآمة ولا ملالة فيه؛ فيريدون التحول منه إلى غير؛ على ما يكون في الشاهد: أنه يسأم المرء ويمل من طعامٍ - وإن كان رفيعاً - ويرغب فيما دونه، وهو ما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ .
والثاني: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ﴾ ؛ لأن خوف الخروج والزوال عن النعمة ينقص النعمة على صاحبها، وهو ما قال ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ ؛ وقال: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يعلمون أنه لم يتخذ ولداً، ولكن يقولون ذلك على العلم منهم كذباً وزوراً؛ كقوله: ﴿ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: أشرك ما أعلم منه: ليس هو لشريك له، وكقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، أي: أتنبئون الله بما لا يعلم أنه ليس على ما تقولون.
والثاني: يحتمل قوله: ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ ، أي: عن جهلهم يقولون ما يقولون من الولد والشريك لا عن علم؛ تقليداً لآبائهم؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب يعرفون به، ولا كانوا يؤمنون بالرسل، وأسباب العلم هذان: الكتاب والرسل، فما قالوا إنما قالوا عن جهل لا عن علم، وكذلك آباؤهم، فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن من قال شيئاً عن جهل فإنه يؤاخذ به حيث قال: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
أي: كبرت وعظمت تلك الكلمة التي قالوها على من عرف الله حق المعرفة حتى كادت السماوات والأرض أن تنشق؛ لعظم ما قالوا في الله كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...
﴾ الآية [مريم: 90].
وقوله: ﴿ إِن يَقُولُونَ ﴾ : أي: ما يقولون إلا كذباً، ثم تكلم أهل الأدب في نصب ﴿ كَلِمَةً ﴾ .
قال بعضهم: انتصب على المصدر، أي: كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة؛ كقوله: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ .
وقال قطرب: هو على الوصف؛ كما يقال: بئس رجلاً، ونعم رجلاً؛ على الوصف به، وذلك جائز في اللغة فعلى ذلك هذا.
وقال الخليل: إنما انتصب، لأنها نعت لاسم مضمر معرفة، وهو بمنزلة قوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ وإنما كان نعتاً لاسم مضمر؛ لأنه قال: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ﴾ ، فهذا القول هو فرية، فتأويله: كبرت الفرية كلمة.
وقد قيل: كبرت المقالة كلمة، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: - عز وجل - ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : أي: كبرت [كلمة]: تكلموا بها.
أو يقول: كبرت كلمة تتكلمونها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، أخبر أنه فاعل ما ذكر، ولم يقل له، افعل أو لا تفعل في هذا، فيشبه أن يكون النهي ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ؛ ولهذا قال بعض الناس: إن في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ .
نهيا عن الحزن عليهم.
وعندنا: ليس يخرج على النهي، ولكن على التسلي والسلوة.
ثم اختلف في قوله: ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ : في الأسف.
قال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ آسَفُونَا ﴾ أغضبونا.
وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الحزن، كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ ، أي: يا حزني.
ويحتمل أن يكون منه الحزن؛ إشفاقاً عليهم أن تتلف أنفسهم في النار بتركهم الإيمان، أو كانت نفسه تغضب عليهم؛ بتركهم الإجابة، والقول في الله على ما قالوا فيه، وكلاهما يجوزان، إذا كان ذلك لله كادت نفسه أن تتلف حزناً عليهم؛ إشفاقاً منهم، أو كادت تتلف غضباً عليهم، وفيه دلالة أنه لم يكن يقاتل الكفرة، للقتل والتلف، ولكن كان يقاتلهم؛ ليسلموا حيث كادت نفسه تتلف؛ إشفاقاً عليهم منه؛ فلا يحتمل أن يكون يقاتلهم للقتل وفي القتل ترك الشفقة، ولكن كان يقاتلهم، ليضطرهم القتال إلى الإسلام، فيسلموا فلا يهلكوا، وفيه تذكير للمسلمين وتنبيه لهم من وجهين: أحدهما: ما أخبر عن عظيم محل الذنوب في قلبه، فلعل ذلك يؤذيه، فيلحقهم اللعن؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الأحزاب: 57] وفي ذلك زجر عن ارتكاب ما يسوءه، ويؤذيه.
والثاني: تعليم منه لأمته: أن كيف يعامل الكفرة وأهل المناكير منهم، يقاتلون في الظاهر، ويضمرون الشفقة لهم في القلب على ما فعل بهم رسول الله، وعاملهم.
وقوله: ﴿ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ﴾ سمى القرآن: حديثاً، وهو ما قال: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ...
﴾ سماه بأسامٍ: قصصاً، وحديثاً، وذكراً، وروحاً، وأمثاله.
والنهاية في الحزن والغضب للأنبياء، أنفسهم تقوم لهذين، وأما غيرهم من الخلائق، فلا تحتمل أنفسهم إلا لأحدهما إذا كان الحزن؛ ذهب الغضب وإذا جاء الغضب ذهب الحزن؛ فالأنبياء هم المخصوصون بهذا.
وقوله: - عز وجل - ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ﴾ : اختلف فيما أخبر أنه جعل للأرض زينة: قال بعضهم: كل ما على وجه الأرض من النبات والشجر والإنسان وغيره هو زينة لها ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، فإن كان التأويل على هذا فيكون قوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ القيامة، يعني: جميع ما على وجه الأرض فتبقى قاعاً صفصفاً، وذلك إخبار عن القيامة.
وقال بعضهم: ﴿ زِينَةً لَّهَا ﴾ : هو النبات الذي عليها، وما جعل لهم من الرزق؛ ليبلوهم بما جعل لهم من الأرزاق بالأمر والنهي والعبادات وغيره، لم يجعل ذلك النبات عليها وتلك الأرزاق مجاناً، ولكن ليختبرهم ويبتليهم بأنواع الامتحان، فإذا كان كذلك ففيه دلالة: أن ليس لأحد أن يتناول مما عليها إلا بإذن، ولا يقدم على شيء منها إلا بأمر من أربابها.
وقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: زينة لها: أهلها، جعل ذلك، ليبلوهم، ذكر هاهنا: أنه جعل ما على الأرض؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.
وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ثم من الناس من يجمع بين الآيتين، فيقول: جعل الحياة للابتلاء والموت للجزاء؛ فيستدل على ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .
أخبر: أنه يبلوهم بالزينة والحياة لا بالضيق والموات.
ومنهم من يقول: امتحنهم بهما جميعاً بالحياة؛ ليتزودا فيها لما بعد الموت؛ كما يتزود في حال السعة والرخاء لحال الضيق والشدة فمن لم يتزود في حال السعة فلا زاد له في حال الضيق؛ فعلى ذلك من لم يتزود في الحياة فلا زاد له بعد الموت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ : أي: نبتليهم ونختبرهم أيضاً بذهاب النبات والأنزال وتأويله: أن يبتليهم بالرخاء والسعة وبالضيق والشدة، كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155].
وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ونحوه، فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ والله أعلم.
أي: نبتليهم بالسعة والرخاء والضيق والشدة.
وقال القتبي: ﴿ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، أي: مهلك نفسك.
وقال أبو عوسجة: ﴿ بَاخِعٌ ﴾ : بخع نفسه، أي: أخرجها.
وقالا جميعاً: الأسف: الحزن.
وقال غيرهما: الأسف: الغضب أيضاً، دليله قوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ أي: أغضبونا.
وقال القتبي: الصعيد: المستوي، ويقال: وجه الأرض، ومنه قيل للتراب: صعيد؛ لأنه وجه الأرض، والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئاً، يقال: أرض جرز، وأرضون أجراز، وكذلك قال أبو عوسجة: والجرز: التي لا نبت فيها، والصعيد: التراب.
<div class="verse-tafsir"
ليس لهؤلاء المفترين من علم أو دليل على ما يدعونه من نسبة الولد إلى الله، وليس لآبائهم الذين قلدوهم في ذلك علم، عظمت في القبح تلك الكلمة التي تخرج من أفواههم دون تعقل، ما يقولون إلا قولًا كذبا، لا أساس له ولا مستند.
<div class="verse-tafsir" id="91.8eNEy"