الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٣ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قوله : ( لكم فيها منافع ) أي : لكم في البدن منافع ، من لبنها ، وصوفها وأوبارها وأشعارها ، وركوبها .
( إلى أجل مسمى ) : قال مقسم ، عن ابن عباس [ في قوله ] : ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ) قال : ما لم يسم بدنا .
وقال مجاهد في قوله : ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ) ، قال : الركوب واللبن والولد ، فإذا سميت بدنة أو هديا ، ذهب ذلك كله .
وكذا قال عطاء ، والضحاك ، وقتادة ، [ ومقاتل ] وعطاء الخراساني ، وغيرهم .
وقال آخرون : بل له أن ينتفع بها وإن كانت هديا ، إذا احتاج إلى ذلك ، كما ثبت في الصحيحين عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة ، قال : " اركبها " .
قال : إنها بدنة .
قال : " اركبها ، ويحك " ، في الثانية أو الثالثة .
وفي رواية لمسلم ، عن جابر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها " .
وقال شعبة ، عن زهير بن أبي ثابت الأعمى ، عن المغيرة بن حذف ، عن علي; أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها ، فقال : لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها ، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها .
وقوله : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) أي : محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق ، وهو الكعبة ، كما قال تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] ، وقال ( والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) [ الفتح : 25 ] .
وقد تقدم الكلام على معنى " البيت العتيق " قريبا ، ولله الحمد .
وقال ابن جريج ، عن عطاء : كان ابن عباس يقول : كل من طاف بالبيت ، فقد حل ، قال الله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق )
اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكر الله في هذه الآية وأخبر عباده أنها إلى أجل مسمى, على نحو اختلافهم في معنى الشعائر التي ذكرها جل ثناؤه في قوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ فقال الذين قالوا عنى بالشعائر البدن.
معنى ذلك: لكم أيها الناس في البدن منافع.
ثم اختلف أيضا الذين قالوا هذه المقالة في الحال التي لهم فيها منافع, وفي الأجل الذي قال عزّ ذكره: ( إلى أجَل مُسَمَّى ) فقال بعضهم: الحال التي أخبر الله جلّ ثناؤه أن لهم فيها منافع, هي الحال التي لم يوجبها صاحبها ولم يسمها بدنة ولم يقلدها.
قالوا: ومنافعها فى هذه الحال: شرب ألبانها, وركوب طهورها, وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها.
قالوا: والأجل المسمى الذي أخبر جلّ ثناؤه أن ذلك لعباده المؤمنين منها إليه, هو إلى إيجابهم إياها, فإذا أوجبوها بطل ذلك ولم يكن لهم من ذلك شيء.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا يحيى بن عيسى, عن ابن أبي ليلى, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس في: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: ما لم يسمّ بدنا.
حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: الركوب واللبن والولد, فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب كله.
حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد, في هذه الآية: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها, حتى تصير بُدْنا.
قال: ثنا ابن عديّ, قال: ثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد, بمثله.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, وليث عن مجاهد: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: في أشعارها وأوبارها وألبانها قبل أن تسميها بدنة.
قال: ثنا هارون بن المغيرة, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: في البدن لحومها وألبانها وأشعارها وأوبارها وأصوافها قبل أن تسمى هديا.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله, وزاد فيه: وهي الأجل المسمى.
حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء أنه قال في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق ) قال: منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها(إلى أجَلٍ مُسَمَّى) إلى أن تقلد.
حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, مثل ذلك.
حدثني يعقوب, قال: قال ابن علية: سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: إلى أن تُوجِبها بَدنَة.
قال: ثنا ابن علية, عن ابن أبي نجيح, عن قتادة: ( لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) يقول: في ظهورها وألبانها, فإذا قلدت فمحلها إلى البيت العتيق.
وقال آخرون ممن قال الشعائر البدن في قوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ والهاء في قوله: ( لَكْمْ فِيها ) من ذكر الشعائر, ومعنى قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافُع ) لكم في الشعائر التي تعظمونها لله منافع بعد اتخاذكموها لله بدنا أو هدايا, بأن تركبوا ظهورها إذا احتجتم إلى ذلك, وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها.قالوا: والأجل المسمى الذي قال جلّ ثناؤه: ( إلى أجَل مُسَمَّى ) إلى أن تنحر.
*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء: ( لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: هو ركوب البدن, وشرب لبنها إن احتاج.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: إلى أن تنحر, قال: له أن يحملها عليها المعني والمنقطع به من الضرورة, كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب عند منهوكه.
قلت لعطاء: ما؟
قال: الرجل الراجل, والمنقطع به, والمتبع وأن نتجت, أن يحمل عليها ولدها, ولا يشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها, فإن كان في لبنها فضل فليشرب من أهداها ومن لم يهدها.وأما الذين قالوا: معنى الشعائر في قوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ .
شعائر الحجّ, وهي الأماكن التي يُنْسك عندها لله, فإنهم اختلفوا أيضا في معنى المنافع التي قال الله: ( لكُمْ فِيها مَنافِعُ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: لكم في هذه الشعائر التي تعظمونها منافع بتجارتكم عندها وبيعكم وشرائكم بحضرتها وتسوقكم.
والأجل المسمى: الخروج من الشعائر إلى غيرها ومن المواضع التي ينسك عندها إلى ما سواها في قول بعضهم.
حدثني الحسن بن عليّ الصُّدائِي, قال: ثنا أبو أسامة عن سليمان الضبي, عن عاصم بن أبي النَّجود, عن أبي رزين, عن ابن عباس, في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ ) قال: أسواقهم, فإنه لم يذكر منافع إلا للدنيا.
حدثني محمد بن المثنى, قال: ثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى, قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) قال: والأجل المسمى: الخروج منه إلى غيره.
وقال آخرون منهم: المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع: العمل لله بما أمر من مناسك الحجّ.
قالوا: والأجل المسمَّى: هو انقضاء أيام الحجّ التي يُنْسَك لله فيهنّ.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْت العَتِيق ) فقرأ قول الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لكم في تلك الشعائر منافع إلى أجل مسمى, إذا ذهبت تلك الأيام لم تر أحدا يأتي عرفة يقف فيها يبتغي الأجر, ولا المزدلفة, ولا رمي الجمار, وقد ضربوا من البلدان لهذه الأيام التي فيها المنافع, وإنما منافعها إلى تلك الأيام, وهي الأجل المسمى, ثم محلها حين تنقضي تلك الأيام إلى البيت العتيق.
قال أبو جعفر: وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ معنيّ به: كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علما لمناسك حج خلقه, إذ لم يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئا في خبر ولا عقل.وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى, فما كان من هذه الشعائر بدنا وهديا, فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنا, وما كان منها أماكن ينسك لله عندها, فمنافعها التجارة لله عندها والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها, وما كان منها أوقاتا بأن يُطاع الله فيها بعمل أعمال الحجّ وبطلب المعاش فيها بالتجارة, إلى أن يطاف بالبيت في بعض, أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض.
وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم في تأويل قوله: ( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمَّى ) في تأويل قوله: ( ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق ) فقال الذين قالوا عني بالشعائر في هذا الموضع: البُدْن معنى ذلك ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة, وهي التي بها البيت العتيق.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: أخبرنا هشيم, قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء: ( ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق ) إلى مكة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق ) يعني محل البدن حين تسمى إلى البيت العتيق.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, قال: ( ثُمَّ مَحِلُّها ) حين تسمى هديا( إلى البيْتِ العتِيق ), قال: الكعبة أعتقها من الجبابرة.فوجه هؤلاء تأويل ذلك إلى سمي منحر البدن والهدايا التي أوجبتموها إلى أرض الحرم، وقالوا: عنى بالبيت العتيق أرض الحرم كلها.
وقالوا: وذلك قوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ والمراد: الحرم كله.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق أن تطوفوا به يوم النحر بعد قضائكم ما أوجبه الله عليكم في حجكم.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى: ( ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق ) قال: محلّ هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلّ منافع أيام الحجّ إلى البيت العتيق بانقضائها.
*ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيق ) حين تنقضي تلك الأيام, أيام الحجّ إلى البيت العتيق.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ثم محلّ الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق, فما كان من ذلك هديا أو بدنا فبموافاته الحرم في الحرم, وما كان من نسك فالطواف بالبيت.
وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول عندنا في معنى الشعائر.
قوله تعالى : لكم فيها منافع يعني البدن من الركوب ، والدر ، والنسل ، والصوف ، وغير ذلك ، إذا لم يبعثها ربها هديا ، فإذا بعثها فهو الأصل المسمى ؛ قال ابن عباس .
فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة ، وشرب لبنها بعد ري فصيلها .[ ص: 54 ] وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها فقال : إنها بدنة .
فقال : ( اركبها ) قال : إنها بدنة .
قال : ( اركبها ويلك ) في الثانية ، أو الثالثة ) .
وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدي فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا .
والأجل المسمى على هذا القول نحرها ؛ قاله عطاء بن أبي رباح .ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله - عليه الصلاة والسلام - : اركبها .
وممن أخذ بظاهره أحمد ، وإسحاق ، وأهل الظاهر .
وروى ابن نافع ، عن مالك : لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح .
والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد ، والمقيد يقضي على المطلق .
وبنحو ذلك قال الشافعي ، وأبو حنيفة .
ثم إذا ركبها عند الحاجة نزل ؛ قال إسماعيل القاضي .
وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - له الركوب فجاز له استصحابه .
وقوله : إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - ؛ وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك .
وقد جاء صريحا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد ، فقال : اركبها .
وقال أبو حنيفة ، والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به .قوله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق يريد أنها تنتهي إلى البيت ، وهو الطواف .
فقوله : ( محلها ) مأخوذ من إحلال المحرم .
والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ، ورمي الجمار ، والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق .
فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه ؛ قاله مالك في الموطإ .
وقال عطاء : ينتهي إلى مكة .
وقال الشافعي : إلى الحرم .
وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن ، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت .
والله أعلم .
{ لَكُمْ فِيهَا } أي: [في] الهدايا { مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } هذا في الهدايا المسوقة، من البدن ونحوها، ينتفع بها أربابها، بالركوب، والحلب ونحو ذلك، مما لا يضرها { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } مقدر، موقت وهو ذبحها إذا وصلت مَحِلُّهَا وهو الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، أي: الحرم كله " منى " وغيرها، فإذا ذبحت، أكلوا منها وأهدوا، وأطعموا البائس الفقير.
( لكم فيها ) أي : في البدن قبل تسميتها للهدي ، ( منافع ) في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها ، ( إلى أجل مسمى ) وهو أن يسميها ويوجبها هديا ، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها ، هذا قول مجاهد ، وقول قتادة والضحاك ، ورواه مقسم عن ابن عباس .
وقيل : معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديا بأن تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة " إلى أجل مسمى " ، يعني : إلى أن تنحروها ، وهو قول عطاء بن أبي رباح .
واختلف أهل العلم في ركوب الهدي .
فقال قوم : يجوز له ركوبها والحمل عليها غير مضر بها ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، لما أخبر أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له : " اركبها ، فقال يا رسول الله إنها بدنة ، فقال : اركبها ويلك ، في الثانية أو الثالثة " ، وكذلك قال له : " اشرب لبنها بعدما فضل عن ري ولدها " .
وقال أصحاب الرأي : لا يركبها .
وقال قوم : لا يركبها إلا أن يضطر إليه .
وقال بعضهم : أراد بالشعائر : المناسك ومشاهدة مكة .
" لكم فيها منافع " بالتجارة والأسواق " إلى أجل مسمى " وهو الخروج من مكة .
وقيل : " لكم فيها منافع " بالأجر والثواب في قضاء المناسك .
" إلى أجل مسمى " ، أي : إلى انقضاء أيام الحج .
( ثم محلها ) أي : منحرها ، ( إلى البيت العتيق ) أي : منحرها عند البيت العتيق ، يريد أرض الحرم كلها ، كما قال : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) ( التوبة : 28 ) أي : الحرم كله .
وروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم " .
ومن قال : " الشعائر " المناسك ، قال : معنى قوله " ثم محلها إلى البيت العتيق " أي : محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق ، أي : أن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر .
«لكم فيها منافع» كركوبها ولحمل عليها ما لا يضرها «إلى أجل مسمى» وقت نحرها «ثم محلها» أي مكان حل نحرها «إلى البيت العتيق» أي عنده، والمراد الحرم جميعه.
لكم في هذه الهدايا منافع تنتفعون بها من الصوف واللبن والركوب، وغير ذلك مما لا يضرها إلى وقت ذبحها عند البيت العتيق، وهو الحرم كله.
وقوله - سبحانه - : ( لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ) .
بيان لبعض مظاهر نعم الله - تعالى - عليهم فى هذه الأنعام .أى : لكم - أيها المؤمنون - فى تلك الأنعام التى تقدمونها قربة لله - تعالى - " منافع " تصل إليكم عن طريق ركوبها ولبنها ونسلها .
.
.
وهذه المنافع موقوتة إلى وقت معين ، هو وقت ذبحها أو وقعت تعيبنها وتسميتها هديا ، أما بعد ذلك فاتركوا الانتفاع بها للفقراء والمحتاجين ، فهذا أكثر ثوابا لكم عند الله - تعالى - .وقوله - سبحانه - ( ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ) بيان لمكان ذبحها .والمحل مأخوذ من حل الشىء يحل - بالكسر - حلولا إذا وجب أو انتهى أجله .
والمراد به فى الآية مكان الحلول ، أى : المكان الذى ينتهى فيه أجل تلك الأنعام ، أو المكان الذى يجب ذبحها فيه .والمعنى : لكم فى تلك الأنعام منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذى تذبح فيه منته إلى البيت العتيق .
ومتصل به .والمقصود بهذا المحل الحرم كله ، لأن البيت ليس مكانا للذبح .وبعضهم يرى أن المراد بالمحل فى قوله : ( ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ) : تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج المعبر عنها بقوله - تعالى - : ( ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله .
.
.
) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ) يريد أنها تنتهى إلى البيت ، وهو الطواف فقوله : ( مَحِلُّهَآ ) مأخوذ من إحلال المحرم .والمعنى : أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ينتهى إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق .
فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه .
.
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده، والأول هو قول جمهور المفسرين، ولا شك أنه أقرب.
وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها، فأما قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون ﴿ لكم فيها ﴾ أي في البدن ﴿ منافع ﴾ مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع ﴾ أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هدياً وروى أبو هريرة أنه عليه السلام مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً».
واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها، ويمكنه الانتفاع بها فكذا هاهنا.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق ﴾ فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت، كقوله: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ وبالجملة فقوله: ﴿ مَحِلُّهَا ﴾ يعني حيث يحل نحرها، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله، ودليله قوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة، قال عليه السلام: «كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر».
قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله ﴾ فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً منسكاً بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.
أما قوله تعالى: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ ففي كيفية النظم وجهان: أحدهما: أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده ﴿ وَبَشّرِ المخبتين ﴾ والمخبت المتواضع الخاشع.
قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم، والخبت هو المطمئن من الأرض.
وللمفسرين فيه عبارات أحدها: المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة.
وثانيها: المجتهدين في العبادة عن الكلبي.
وثالثها: المخلصين عن مقاتل.
ورابعها: الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد.
وخامسها: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.
ثم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله: ﴿ والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ ﴾ وعلى ما يكون من قبل الله تعالى، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب.
فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني: الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله.
أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة، وهو المراد بقوله: ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ قرأ الحسن ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.
<div class="verse-tafsir"
تعظيم الشعائر- وهي الهدايا، لأنها من معالم الحجّ-: أن يختارها عظام الأجرام حساناً سماتاً غالية الأثمان، ويترك المكاس في شرائها، فقدكانوا يغالون في ثلاث- ويكرهون المكاس فيهنّ-: الهدي، والأضحية، والرقبة.
وروى ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما: أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً، فنهاهُ عنْ ذَلك وقالَ: «بلْ أَهدِها» وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برّة من ذهب.
وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدّق بلحومها وبجلالها، ويعتقد أن طاعة الله في التقرّب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لابد أن يقام به ويسارع فيه ﴿ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحدفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلاّ بتقديرها، لأنه لابد من راجع من الجزاء إلى ﴿ مِن ﴾ ليرتبط به، وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء.
﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تنحر ويتصدّق بلحومها ويؤكل منها.
و ﴿ ثُمَّ ﴾ للتراخي في الوقت.
فاستعيرت للتراخي في الأحوال.
والمعنى: أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وإنما يعتدّ الله بالمنافع الدينية، قال سبحانه: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الأخرة ﴾ [الأنفال: 67] وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع: ﴿ محلها إلى البيت ﴾ أي وجوب نحرها.
أو وقت وجوب نحرها في الحرم منتهية إلى البيت، كقوله: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة ﴾ [المائدة: 95] والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت؛ لأن الحرم هو حريم البيت.
ومثل هذا في الاتساع قولك: بلغنا البلد، وإنما شارفتموه واتصل مسيركم بحدوده.
وقيل: المراد بالشعائر: المناسك كلها، و ﴿ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق ﴾ يأباه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها وظَهْرِها إلى أنْ تُنْحَرَ، ثُمَّ وقْتُ نَحْرِها مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ أيْ ما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، و ﴿ ثُمَّ ﴾ تَحْتَمِلُ التَّراخِيَ في الوَقْتِ والتَّراخِيَ في الرُّتْبَةِ، أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى وقْتِ النَّحْرِ وبَعْدَهُ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ أعْظَمُ مِنها، وهو عَلى الأوَّلَيْنِ إمّا مُتَّصِلٌ بِحَدِيثِ ﴿ الأنْعامُ ﴾ والضَّمِيرُ فِيهِ لَها أوِ المُرادُ عَلى الأوَّلِ لَكم فِيها مَنافِعُ دِينِيَّةٌ تَنْتَفِعُونَ بِها إلى أجَلٍ مُسَمّى هو المَوْتُ، ثُمَّ مَحَلُّها مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ العَتِيقِ الَّذِي تُرْفَعُ إلَيْهِ الأعْمالُ أوْ يَكُونُ فِيهِ ثَوابُها وهو البَيْتُ المَعْمُورُ أوِ الجَنَّةُ، وعَلى الثّانِي لَكم فِيها مَنافِعُ التِّجاراتِ في الأسْواقِ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ ثُمَّ وقْتُ الخُرُوجِ مِنها مُنْتَهِيَةً إلى الكَعْبَةِ بِالإحْلالِ بِطَوافِ الزِّيارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{لَكُمْ فِيهَا منافع} من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى أن تنحر {ثُمَّ مَحِلُّهَا} أي وقت وجوب نحرها منتهية {إلى البيت العتيق} والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذا لحرم حريم البيت ومثله في الاتساع قولك بلغت البلد العتيق يأباه
﴿ لَكم فِيها ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ بِالمَعْنى السّابِقِ ﴿ مَنافِعُ ﴾ هي دَرُّها ونَسْلُها وصُوفُها ورُكُوبُ ظُهُورِها ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو وقْتُ أنْ يُسَمِّيَها ويُوجِبَها هَدْيًا وحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِن مَنافِعِها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُقْسِمٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وكَذا عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ المُهْدِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ والإيجابِ لا يَمْلِكُ مَنافِعَ الهَدْيِ أصْلًا لِأنَّهُ لَوْ مَلَكَ ذَلِكَ لَجازَ لَهُ أنْ يُؤَجِّرَهُ لِلرُّكُوبِ ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ اتِّفاقًا، نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفاعُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَسُوقُ هَدْيَهُ وهو في جِهادٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ارْكَبْها فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّها هَدْيٌ فَقالَ: ارْكَبْها ويْلَكَ» .
وقالَ عَطاءٌ: مَنافِعُ الهَدايا بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدْيًا أنْ تُرْكَبَ ويُشْرَبَ لَبَنُها عِنْدَ الحاجَةِ إلى أجَلٍ مُسَمّى وهو وقْتُ أنْ تُنْحَرَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، فَعَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: ««ارْكَبُوا الهَدْيَ بِالمَعْرُوفِ حَتّى تَجِدُوا ظَهْرًا»» واعْتُرِضَ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ مَوْلى أُمِّ الوَلَدِ يَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِها ولَيْسَ لَهُ أنْ يَبِيعَها فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الهَدْيُ كَذَلِكَ لا يَمْلِكُ المُهْدِي بَيْعَهُ وإجارَتَهُ ويَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ الأجَلُ المُسَمّى وقْتَ أنْ تُشْعَرَ فَلا تُرْكَبُ حِينَئِذٍ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
ورَوى أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الأجَلَ المُسَمّى وقْتَ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وقْتَ الخُرُوجِ والِانْتِقالِ مِن هَذِهِ الشَّعائِرِ إلى غَيْرِها، وقِيلَ الأجَلُ المُسَمّى يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.
﴿ ثُمَّ مَحِلُّها ﴾ أيْ وُجُوبُ نَحْرِها عَلى أنْ يَكُونَ مَحَلُّ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الوُجُوبِ مِن حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ أوْ وقْتُ نَحْرِها عَلى أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، وهو عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلى ( مَنافِعُ ) والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ ما يَلِيهِ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ فَإنَّها لا تَنْتَهِي إلى البَيْتِ نَفْسِهِ وإنَّما تَنْتَهِي إلى ما يَقْرُبُ مِنهُ، وقَدْ جُعِلَتْ مِنًى مَنحَرًا فَفي الحَدِيثِ ««كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنحَرٌ وكُلُّ فِجاجِ مِنًى مَنحَرٌ»» وقالَ القَفّالُ: هَذا في الهَدايا الَّتِي تَبْلُغُ مِنًى وأمّا الهَدْيُ المُتَطَوَّعُ بِهِ إذا عَطِبَ قَبْلَ بُلُوغِ مَكَّةَ فَمَنحَرُهُ مَوْضِعُهُ، وقالَتِ الإمامِيَّةُ: مَنحَرُ هَدْيِ الحَجِّ مِنًى ومَنحَرُ هَدْيِ العُمْرَةِ المُفْرَدَةِ مَكَّةُ قُبالَةَ الكَعْبَةِ بِالحَزْوَرَةِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى أجَلٍ مُسَمّى وبَعْدَهُ لَكم مَنفَعَةٌ دِينِيَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ وهو وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ نَحْرِها، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِ نَفْسِ النَّحْرِ مَنفَعَةً، والتَّراخِي الرُّتْبِيُّ ظاهِرٌ وأمّا التَّراخِي الزَّمانِيُّ فَهو بِاعْتِبارِ أوَّلِ زَمانِ الثُّبُوتِ فَلا تَغْفُلْ.
والمَعْنى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الشَّعائِرِ مَواضِعُ الحَجِّ لَكم في تِلْكَ المَواضِعِ مَنافِعُ بِالأجْرِ والثَّوابِ الحاصِلِ بِأداءِ ما يَلْزَمُ أداؤُهُ فِيها إلى أجَلٍ مُسَمّى هو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ ثُمَّ مَحَلُّها أيْ مَحَلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ العَتِيقِ أيْ مُنْتَهٍ إلَيْهِ بِأنْ يَطُوفُوا بِهِ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ أداءِ ما يَلْزَمُ في هاتِيكَ المَواضِعِ فَإضافَةُ المَحَلِّ إلَيْها لِأدْنى مُلابَسَةٍ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في المُوَطَّأِ أوْ لَكم فِيها مَنافِعُ التِّجاراتِ في الأسْواقِ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ ثُمَّ وقْتُ الخُرُوجِ مِنها مُنْتَهِيَةٌ إلى الكَعْبَةِ بِالإحْلالِ بِطَوافِ الزِّيارَةِ أوْ لَكم مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ إلَخْ، وهَكَذا يُقالُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن تَخْصِيصِها بِالسِّتِّ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِها شَرائِعُ الدِّينِ لَكم في مُراعاتِها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ إلى انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ مَحَلُّها الَّذِي تُوصَلُ إلَيْهِ إذا رُوعِيَتْ مُنْتَهٍ إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو الجَنَّةُ أوْ مَحَلُّ رِعايَتِها مُنْتَهٍ إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو مَعْبَدٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَوْنُهُ مُنْتَهًى لِأنَّهُ تُرْفَعُ إلَيْهِ الأعْمالُ، وقِيلَ كَوْنُ مَحَلِّها مُنْتَهِيًا إلى البَيْتِ العَتِيقِ أيِ الكَعْبَةِ كَما هو المُتَبادَرُ بِاعْتِبارِ أنَّ مَحَلَّ بَعْضِها كالصَّلاةِ والحَجِّ مُنْتَهٍ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ والكُلُّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، وأهْوَنُ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى هاتِيكَ الرِّواياتِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: ذلِكَ يقول: هذا الذي أمر من اجتناب الأوثان.
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، يعني: البدن، فيذبح أعظمها وأسمنها.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «تعظيمها استعظامها، وأيضاً استسمانها واستحسانها» .
ثم قال: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، يعني: من إخلاص القلوب، ويقال: من صفاء القلوب، وشَعائِرَ اللَّهِ: معالم الله ودينه، التي ندب إلى القيام بها وواحدها: شعيرة.
قوله عز وجل: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ، يعني: في البدن.
وقال مجاهد: يعني: في ركوبها وشرب ألبانها وأوبارها.
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى أجَلٍ مسمًّى بدناً، فمحلها إلى البيت العتيق.
وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقد قول بعض الناس: إنه يجوز ركوب البدن، وقال أهل العراق: لا يجوز إلا عند الضرورة، ويضمن ما نقصها الركوب، وهذا القول أحوط الوجهين.
ثُمَّ مَحِلُّها يعني: منحرها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، يعني: في الحرم.
وروي عن رسول الله أنه قال: «جَمِيعُ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» .
ثم قال عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ، يعني: لكل أهل دين، ويقال: لكل قوم من المؤمنين فيما خلا، جَعَلْنا مَنْسَكاً يعني: ذبحاً لهراقة دمائهم.
ويقال: مذبحاً يذبحون فِيهِ.
قال الزجاج: معناه، جعلنا لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله تعالى.
قرأ حمزة والكسائي مَنْسَكاً بكسر السين، وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالكسر، يعني: مكان النسك.
ومن قرأ بالنصب، فعلى المصدر.
وقال أبو عبيد: قراءتنا هي بالنصب لفخامتها.
ثم قال: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، يعني: يذكرون اسم الله تعالى عند الذبح.
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي ربكم رب واحد.
فَلَهُ أَسْلِمُوا، أي: أخلصوا بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية.
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، أي: المخلصين بالجنة.
ويقال: المجتهدين في العبادة والسكون فيها.
قال قتادة: المختبون المتواضعون.
وقال الزجاج: أصله من الخبت من الأرض، وهو المكان المنخفض.
ويقال: المخبت الذي فيه الخصال التي ذكرها الله بعده، وهو قوله عز وجل: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يعني: خافت قلوبهم وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من أمر الله من المرازي والمصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ يعني: يقيمونها بمواقيتها، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون وينفقون في الطاعة.
ثم ذكر البدن، يعني: ينحرون البدن.
فهذه الخصال الخمسة صفة المخبتين.
<div class="verse-tafsir"
ويظهر أَنَّ الإشارة إلى زور أقوالهم في تحريمِ وتحليلِ ما كانوا قد شرعوا في الأنعام، وحُنَفاءَ معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق، بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد، تَقَعُ على الاستقامة، وتقع على الميل، والسحيق: البعيد.
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)
وقوله سبحانه: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ التقدير في هذا الموضع: الأمر ذلك، والشعائر جمع شعيرة وهي كلّ شيء لله عز وجل فيه أمر أشعر به وأعلم.
قال الشيخ ابن أبي جمرة: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ قال:
تعظيمُ شعائِرِ اللهِ، - كان من البقع أو من البشر أو مِمَّنْ شاء الله تعالى- زيادَةٌ في الإيمان وقوة في اليقين.
انتهى.
وقال العراقي في أرجوزته: [الرجز]
أَعْلاَمُ طَاعَةٍ هي الشعائر ...
...............
....
٢٤ ب/ البيت.
وقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهَدْيُ والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ثم اخْتَلَفَ المتأوِّلُون في قوله سبحانه:
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ ...
الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أنَّ للناس في أنعامهم منافِعَ من الصُّوف، واللَّبَن، والذبح للأكل، وغيرِ ذلك ما لم يبعثها رَبُّها هدياً، فَإذا بعثها فهو الأجل المُسَمَّى «٢» ، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي المبعوثِ منافِعُ، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها «٣» ، وتكون «ثم» من قوله: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لترتيب الجمل لأَنَّ المَحِلَّ قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم مَحِلَّها إلى موضع النحر، وذكر البيت لأنَّه أشرفُ الحرم، وهو المقصود بالهدي وغيره.
وقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضِعُ الحج كُلُّها، ومعالمه بمنى، وَعَرَفَةَ، والمزدلفة، والصَّفَا والمروة، والبيت وغير ذلك «٤» ، وفي الآية التي تأتي أَنَّ البُدنَ من الشعائر، والمنافِعُ: التجارة وطلب الرزق أوِ الأجر والمغفرة، والأجل المُسَمَّى: الرجوعُ إلى مكة لطواف الأُفاضة، ومَحِلُّها مأخوذٌ من إحلال المحرم، والمعنى: ثم أُخِّروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيتُ على هذا التأويل مُرَادٌ بنفسه، قاله مالك في «الموطإ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِن أعْمالِ الحَجِّ.
﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ﴾ فَيَجْتَنِبُ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ.
قالَ اللَّيْثُ: الحُرْمَةُ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ: ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ ﴾ يَعْنِي: التَّعْظِيمَ، ﴿ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ في الآخِرَةِ، ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [ المائِدَة: ١ ] .
﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ تَحْرِيمُهُ، يَعْنِي [ بِهِ ]: ما ذُكِرَ في ( المائِدَةِ: ٣ ) مِنَ المُنْخَنِقَةِ وغَيْرِها.
وقِيلَ: وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ في حالِ إحْرامِكم، إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في الصَّيْدِ، فَإنَّهُ حَرامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ ﴾ ؛ أيْ: دَعُوهُ جانِبًا.
قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ مِنَ ﴾ هاهُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ، المَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرِّجْسِ في ( المائِدَةِ: ٩٠ ) .
وَفِي المُرادِ بِقَوْلِ الزُّورِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في الأنْعامِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ: مُسْلِمِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ، فَقالَ: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَحِيقٍ ﴾ ، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.
واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ ، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: ( فَتَخْطَفُهُ ) بِسُكُونِ الخاءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدِ الطّاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ، وكُلُّهم فَتَحَ الطّاءَ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَ المُشْرِكَ بِاللَّهِ في بُعْدِهِ عَنِ الهُدى وهَلاكِهِ، بِالَّذِي يَخِرُّ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ حالَ المُشْرِكِ في أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا دَفْعَ ضُرٍّ يَوْمَ القِيامَةِ، بِحالِ الهاوِي مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الشَّعائِر في ( البَقَرَةِ: ١٥٨ ) .
وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها البُدْنُ.
وتَعْظِيمُها: اسْتِحْسانُها واسْتِسْمانُها، ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ قَبْلَ أنْ يُسَمِّيَها صاحِبُها هَدْيًا، أوْ يُشْعِرَها ويُوجِبَها، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن مَنافِعِها شَيْءٌ، رَوى هَذا المَعْنى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لَكم في هَذِهِ الهَدايا مَنافِعُ بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدايا، إذا احْتَجْتُمْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، أوِ اضْطَرَرْتُمْ إلى شُرْبِ ألْبانِها، ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أنْ تَنْحَرَ.
والثّانِي: أنَّ الشَّعائِرَ: المَناسِكُ ومَشاهِدُ مَكَّةَ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالتِّجارَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ، رَواهُ أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: لَكم فِيها مَنافِعُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها ﴾ يَعْنِي: الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، مِنَ اجْتِنابِ الرِّجْسِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: " فَإنَّها " يَعْنِي: الفِعْلَةُ ﴿ مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ، وإنَّما أضافَ التَّقْوى إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوى تَقْوى القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها ﴾ ؛ أيْ: حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُها، ﴿ إلى البَيْتِ ﴾ يَعْنِي: عِنْدَ البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ: الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّها لا تُذْبَحُ عِنْدَ البَيْتِ، ولا في المَسْجِدِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ مَحِلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ، وهو أنْ يَطُوفُوا بِهِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ التَقْدِيرُ في هَذا المَوْضِعِ: الأمْرُ ذَلِكَ.
و"الشَعائِرُ" جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ أمْرٌ أشْعَرَ بِهِ وأعْلَمَ، قالَتْ فِرْقَةٌ: قَصَدَ بِالشَعائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الهَدْيِ والأنْعامَ المُشْعِرَةَ، ومَعْنى "تَعْظِيمِها" التَسْمِينِ والِاهْتِبالَ بِأمْرِها والمُغالاةِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ.
وعَوْدُ الضَمِيرِ في "فَإنَّها" عَلى التَعْظِمَةِ والفَعْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ، وقُرِئَ "القُلُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "تَقْوى"، ثُمُ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ أنَّ لِلنّاسِ في أنْعامِهِمْ مَنافِعَ مِنَ الصُوفِ واللَبَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما لَمْ يَبْعَثْها رَبُّها هَدْيًا، فَإذا بَعَثَها فَهو "الأجَلُ المُسَمّى"، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أرادَ: لَكم في الهَدْيِ المَبْعُوثِ مَنافِعُ مِنَ الرُكُوبِ والِاحْتِلابِ لِمَنِ اضْطُرَّ، و"الأجَلُ المُسَمّى": نَحْرُها، وتَكُونُ "ثُمْ" لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لِأنَّ "المَحَلَّ" قَبْلَ "الأجَلِ"، ومَعْنى الكَلامِ عِنْدَ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ: ثُمْ مَحِلُّها إلى مَوْضِعِ النَحْرِ، فَذِكْرُ البَيْتِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الحُرُمْ وهو المَقْصُودُ بِالهَدْيِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحُسْنُ: تِلْكَ الشَعائِرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها ومَعالِمُهُ بِمِنى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والصَفا والمَرْوَةَ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي أنَّ البَدَنَ مِنَ الشَعائِرِ، و"المَنافِعُ": التِجارَةُ وطَلَبُ الرِزْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كَسْبَ الأجْرِ والمَغْفِرَةَ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، و"الأجَلُ": الرُجُوعُ إلى مَكَّةَ وطَوافُ الإفاضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمْ مَحِلُّها" مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ المُحَرَّمِ مَعْناهُ، ثُمْ أخَّرَ هَذا كُلَّهُ إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، فالبَيْتُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُرادٌ بِنَفْسِهِ، قالَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ).
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا، أيْ مَوْضِعَ نُسُكٍ وعِبادَةٍ، ثُمْ أنَّ المَنسَكَ ظَرْفٌ كالمَذْبَحِ ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: عِبادَةٌ وَنَحْوَها، والناسِكُ: العابِدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سُنَّةٌ في إراقَةِ دِماءِ الذَبائِحِ، وقَرَأ مُعْظَمُ القُرّاءِ: "مَنسَكًا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو مِن: نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ السِينِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مَنسِكًا" بِكَسْرِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الفَتْحُ أُولى؛ لِأنَّهُ إمّا المَصْدَرُ وإمّا المَكانُ وكُلاهُما مَفْتُوحٌ، والكَسْرُ في هَذا مِنَ الشاذِّ في اسْمِ المَكانِ أنْ يَكُونَ (مَفْعِلْ) مِن: فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلَ مَسْجِدٌ، مِن: سَجَدَ يَسْجُدُ، ولا يَسُوغُ فِيهِ القِياسُ، ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: أمَرْناهم عِنْدَ ذَبائِحِهِمْ بِذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَكُونَ الذَبْحُ لَهُ لِأنَّهُ رازِقُ ذَلِكَ، ثُمْ رَجَعَ اللَفْظُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الأُمَمِ إلى إخْبارِ الحاضِرِينَ بِما مَعْناهُ: فالإلَهُ واحِدٌ لِجَمِيعِكُمْ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ في الذَبِيحَةِ إنَّما يَنْبَغِي أنْ تُخْلِصَ لَهُ، و"أسْلَمُوا" مَعْناهُ: لِحَقِّهِ ولِوَجْهِهِ ولِإنْعامِهِ آمَنُوا وأسْلَمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْلامَ.
ثُمْ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ بِشارَةً عَلى الإطْلاقِ، وهي أبْلَغُ مِنَ المُفَسِّرَةِ لِأنَّها مُرْسَلَةٌ مَعَ نِهايَةِ التَخَيُّلِ، و "المُخْبِتِينَ": المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، و"الخَبْتُ": ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي مَشْيُهُ مَتَطامِنٌ كَأنَّهُ في حُدُورٍ مِنَ الأرْضِ، وقالَ عَمْرُو بْنِ أوسِ: المُخْبِتُونَ: الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ شَرِيفٌ مَن خُلُقِ المُؤْمِنِ الهَيِّنِ اللَيِّنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُطَمْئِنُونَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ووَصَفَهم تَعالى بِالخَوْفِ والوَجِلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ، وتِلْكَ لِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وكَأنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَصْفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإقامَةِ الصَلاةِ وإدامَتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصَلاةُ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقٍ، والحُسْنِ: "الصَلاةُ" بِالنَصْبِ عَلى تَوَهُّمُ النُونِ وأنَّ حَذْفَها لِلتَّخْفِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وَقَرَأ الأعْمَشُ: "والمُقِيمِينَ الصَلاةَ" بِالنُونِ والنُصْبِ في "الصَلاةِ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "والمُقِيمُ الصَلاةَ"، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ -قَوْلُهُ تَعالى: "وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ"- نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ لكم فيها منافع ﴾ حال من الأنعام في قوله: ﴿ وأحلت لكم الأنعام ﴾ [الحج: 30] وما بينهما اعتراضات أو حال من ﴿ شعائر الله ﴾ [الحج: 32] على التفسير الثاني للشعائر.
والمقصود بالخبر هنا: هو صنف من الأنعام، وهو صنف الهدايا بقرينة قوله: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ وضمير الخطاب موجّه للمؤمنين.
والمنافع: جمع منفعة، وهي اسم النفع، وهو حصول ما يلائم ويحفّ.
وجعل المنافع فيها يقتضي أنها انتفاع بخصائصها مما يراد من نوعها قبل أن تكون هدياً.
وفي هذا تشريع لإباحة الانتفاع بالهدايا انتفاعاً لا يتلفها، وهو رد على المشركين إذ كانوا إذا قلّدوا الهدْيَ وأشعَرُوه حظروا الانتفاع به من ركوبه وحمل عليه وشرب لبنه، وغير ذلك.
وفي «الموطّأ»: " عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها؟
فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، ويلك في الثانية أو الثالثة ".
والأجل المسمّى هو وقت نحرها، وهو يوم من أيام مِنى.
وهي الأيام المعدودات.
والمَحِلّ: بفتح الميم وكسر الحاء مصدر ميمي من حلّ يحِلّ إذا بلغ المكان واستقرّ فيه.
وهو كناية عن نهاية أمرها، كما يقال: بلغ الغاية، ونهاية أمرها النحر أو الذبح.
و ﴿ إلى ﴾ حرف انتهاء مجازي لأنها لا تنحر في الكعبة، ولكن التقرب بها بواسطة تعظيم الكعبة لأنّ الهدايا إنما شرعت تكملة لشرع الحجّ، والحجّ قصد البيت.
قال تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ [آل عمران: 97]، فالهدايا تابعة للكعبة، قال تعالى: ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ [المائدة: 95] وإن كانت الكعبة لا ينحر فيها، وإنما المناحر: مِنى، والمروة، وفجاج مكة أي طرقها بحسب أنواع الهدايا، وتبيينه في السنة.
وقد جاء في قوله تعالى: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ رد العجز على الصدر باعتبار مبدأ هذه الآيات وهو قوله تعالى: ﴿ وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ [الحج: 26].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فُرُوضُ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعالِمُ دِينِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ نَقْتُلُهم جِيلًا فَجِيلًا نَراهُمُ شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، وتَعْظِيمُها إشْعارُها، وهو مَأْثُورٌ عَنْ جَماعَةٍ.
والثّانِي: أنَّها البُدْنُ المُشْعِرَةُ، وتَعْظِيمُها اسْتِسْمانُها واسْتِحْسانُها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ، وتَعْظِيمُها التِزامُها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: مِن إخْلاصِ القُلُوبِ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا آخَرَ أنَّهُ قَصَدَ الثَّوابَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أيْضًا: أنَّهُ ما أرْضى اللَّهَ تَعالى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَنافِعَ التِّجارَةُ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الشَّعائِرَ بِأنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، والأجَلُ المُسَمّى العُودُ.
والثّانِي: أنَّ المَنافِعَ الأجْرُ، والأجَلَ المُسَمّى القِيامَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَها بِأنَّها الدِّينُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَنافِعَ الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَها بِأنَّها الهَدْيُ فَعَلى هَذا في الأجَلِ المُسَمّى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَنافِعَ قَبْلَ الإيجابِ وبَعْدَهُ، والأجَلَ المُسَمّى هو النَّحْرُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
﴿ ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ إنْ قِيلَ إنَّ الشَّعائِرَ هي مَناسِكُ الحَجِّ فَفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَكَّةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّانِي: الحَرَمُ كُلُّهُ مَحَلٌّ لَها، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وَإنْ قِيلَ إنَّ الشَّعائِرَ هي الدِّينُ كُلُّهُ فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ أنَّ مَحَلَّ ما اخْتَصَّ مِنها بِالأجْرِ لَهُ، هو البَيْتُ العَتِيقُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: البدن.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
وفي قوله: ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: إلى أن تسمى بدنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: استعظام البدن واستسمانها واستحسانها ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: ظهورها وأوبارها واشعارها وأصوافها، إلى أن تسمى هدياً.
فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع ﴿ ثم محلها ﴾ يقول: حين يسمى إلى البيت العتيق.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك وعطاء في الأية قال: المنافع فيها، الركوب عليها إذا احتاج، وفي أوبارها وألبانها.
والأجل المسمى: إلى أن تقلد فتصير بدناً ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قالا: إلى يوم النحر تنحر بمنى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قال: إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن موسى في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع من شعائر الله، والبدن من شعائر الله ورمي الجمار من شعائر الله، والحلق من شعائر الله...
فمن يعظمها ﴿ فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: لكم في كل مشعر منها منافع إلى أن تخرجوا منه إلى غيره ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قال: محل هذه الشعائر كلها، الطواف بالبيت العتيق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، أنه سئل عن شعائر الله قال: حرمات الله، اجتناب سخط الله واتباع طاعته.
فذلك شعائر الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: عيداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: إهراق الدماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: ذبحاً.
وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمر: «أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بعيد الأضحى جعله الله لهذه الأمة.
قال الرجل: فإن لم نجد إلا ذبيحة أنثى أو شاة أعليّ، اذبحها؟
قال: لا، ولكن قلم أظفارك وقص شاربك واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله» .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة قال: «نزل جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيف رأيت عيدنا؟
فقال: لقد تباهى به أهل السماء!...
اعلم يا محمد، أن الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من البقر، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من الإبل.
ولو علم الله خيراً منه فدى بها إبراهيم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال: في هذه الآية ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ أنه مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها.
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى للناس يوم النحر، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: بسم الله والله أكبر...
اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن جابر قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
اللهم منك ولك وعن محمد وأمته.
ثم سمى الله وكبر وذبح» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي والبيهقي في الشعب، عن علي أنه قال حين ذبح: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك اللهم تقبل مني.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ فله أسلموا ﴾ يقول: فله أخلصوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
عن مجاهد في قوله: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المطمئنين.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمرو بن أوس ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المخبتون، الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المتواضعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: الوجلين.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا رأى الربيع بن خثيم قال: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ وقال له: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: في الشعائر ﴿ مَنَافِعُ ﴾ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن (١) (٢) (٣) ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك.
وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي (٤) وهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله (٥) وروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى أن تنحر (٦) وهذا مذهب الشافعي (٧) (٨) - مر برجل يسوق بدنة، فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) (٩) وله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها (١٠) (١١) وعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها.
وقوله ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا ﴾ أي: حيث يحل [نحرها.
وذكرنا هذا عند قوله ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ .
وقوله ﴿ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ يعني عند البيت العتيق.
وهو] (١٢) -: "كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح" (١٣) وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر (١٤) وهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله.
واحتج من قال بهذا بقول ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ يعني الحرم كله.
وهذا لا يُشبه قوله ﴿ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه (١٥) (١٦) فسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا.
والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل ﴿ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ (١٧) (١٨) هذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا.
وقال آخرون: الشعائر المناسك (١٩) (٢٠) وهذا قول ابن زيد (٢١) (٢٢) وعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها.
قوله ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ﴾ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا (٢٣) ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى أن يخرج من مكة (٢٤) وقيل: ﴿ مَنَافِعُ ﴾ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى انقضاء أيام الحج (٢٥) وقوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا ﴾ المحل (٢٦) ﴿ إِلَى ﴾ هاهنا صلة لفعل محذوف، وهو القصد أو الحج.
والمعنى: ثم محلكم أيها المحرمون حجكم وقصدكم ﴿ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ بالزيارة والطواف.
وهذا معنى قول محمد بن أبي (٢٧) (٢٨) (٢٩) (١) أن: ساقطة من (أ).
(٢) رسلها: أي لبنها.
"لسان العرب" 11/ 282 (رسل).
(٣) في (أ): (ظهرها).
(٤) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 عنهم جميعًا إلا الكلبي.
ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 157 - 158 عنهم إلا الكلبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عن مجاهد، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير.
وابن أبي حاتم.
ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 أعن عطاء والضحاك، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عنهما، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) يعني: فقراء الحرم.
(٦) رواه الطبري 17/ 158 عن عطاء من طريق ابن أبي نجيح إلى قوله: إن احتاج.
أما قوله (إلى أجل مسمى) إلى أن تنحر، فرواه الطبري 17/ 158 من رواية ابن جريج قال: قال عطاء: فذكره.
(٧) انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376 - 377، "فتح الباري" 3/ 537.
(٨) غير فادح: غير مثقل.
"لسان العرب" 2/ 540 (فدح).
(٩) رواه بنحوه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 275 من حديث أنس ، لكن فيه (بدنه) بدل قوله (هدي).
ورواه بنحوه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: ركوب البدين 3/ 536، ومسلم كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها 2/ 960 من حديث أبي هريرة لكن عندهما (بدنه) بدل (هدى) و (ويلك) بدل (ويحك).
(١٠) في (أ): (تسمينها)، وهو خطأ.
(١١) انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 56 - 57.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(١٣) رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الحج، باب: الصلاة بجمع 5/ 413، وابن ماجه في "سننه" كتاب.
المناسك، باب.
الذبح 2/ 186 من حديث جابر رضي الله == عنه مرفوعًا، بلفظ: (كل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر).
وحسن هذا الحديث الزيلعي في "نصب الراية" 3/ 162.
ومعنى فجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين.
"الصحاح" للجوهري 1/ 332 (فجج).
(١٤) انظر: الطبري 17/ 160، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب.
(١٥) (فيه): ساقطة من (أ).
(١٦) هذا قطعة من حديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلاة، باب: قول النبي - - "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" 1/ 533 ومسلم في "صحيح" كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة 1/ 37 من حديث جابر ، وأوله: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي".
(١٧) (العتيق): زيادة من (أ).
(١٨) انظر "الأزهية في معاني الحروف" ص 282، "رصف المباني" ص169، "الجنى الداني" 385 - 386.
(١٩) في (ع): (الهدايلك).
(٢٠) في (ظ): (أي مشاهد).
(٢١) رواه الطبري 17/ 156، 159.
(٢٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب من رواية أبي رزين، عن ابن عباس.
(٢٣) في (أ): (الدنيا).
(٢٤) رواه الطبري 17/ 159 عنه من طريق أبي رزين إلى قوله: للدنيا.
وذكر باقيه الثعلبى في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب عنه من رواية أبي رزين.
(٢٥) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب وصدره بقوله: وقال بعضهم.
(٢٦) (المحل).
ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
(٢٧) (أبي): ساقطة من (ظ).
(٢٨) محمد بن أبي موسى.
روى عن زياد الأنصاري عن أبي بن كعب، وروى عنه داود ابن أبي هند.
وهو مجهول.
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 1/ 236، "تهذيب التهذيب" 9/ 483.
(٢٩) رواه الطبري 17/ 160 من طريق داود بن أبي هند، عنه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 47، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ﴾ من قال إن شعائر الله هي الهدايا، فالمانع بها شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى نحرها.
ومن قال إن شعائر الله مواضع الحج، فالمنافع التجارة فيها أو الأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ﴾ من قال: إن شعائر الله الهدايا فمحلها موضع نحرها وهي منى ومكة، وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي، و ﴿ ثُمَّ ﴾ على هذا القول ليست للترتيب في الزمان، لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجُمل، ومن قال: إن الشعائر موضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم: أي أخر ذلك كله الطواف بالبيت يعني طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم من إحرامه ومن قال: إن الشعائر أمور الدين على الاطلاق فذلك لا يستقيم مع قوله: محلها إلى البيت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.
مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.
أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.
وفي "فاطر" بالهمز والخفض.
الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.
الآخرون بالرفع.
﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.
﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.
﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.
﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.
الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.
ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.
﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.
وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.
وقال ابو علي الفارسي.
كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.
عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.
ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.
والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.
أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.
والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.
وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.
وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.
فأمر النبي بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.
وعن مجاهد أنه الاحتكار.
وقيل: المنع من عمارته.
وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.
ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".
والأولى التعميم.
وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.
عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.
وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله عذاباً أليماً.
واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".
وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.
وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".
وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.
والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.
ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.
وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.
وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.
وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.
وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.
والضامر البعير المهزول لطول السفر.
﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.
والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.
والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.
وفي تقديم المشاة تشريف لهم.
روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.
قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟
قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.
وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.
والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.
ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.
وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.
وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.
ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.
وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".
قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.
أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.
ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.
والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.
ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.
ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.
والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.
وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟
قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .
وقال ايضاً في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .
قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.
قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.
وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.
وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟
فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!
ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.
وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.
وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.
فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.
﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.
سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.
وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.
وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.
وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".
والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.
وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.
وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.
وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.
قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".
والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.
قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.
وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.
ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي .
ومنها أنه الكذب والبهتان.
ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.
قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.
وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.
وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.
وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ وقد أهدى رسول الله مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.
وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.
أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.
ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله ؟
فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.
ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.
قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.
فقال: اركبها ويلك" .
وعن جابر أنه قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .
وهذا هو الذي اختاره الشافعي.
وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.
وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.
وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.
وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.
أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.
قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.
ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.
ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.
ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.
ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.
ثم أمر نبيه بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.
قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.
ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.
ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.
ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.
قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.
وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.
واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.
وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.
ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.
عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.
وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.
ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.
﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.
والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.
وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.
ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه سخرها.
يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.
﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.
ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.
قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.
وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.
والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.
وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.
والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.
وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟
وكان أصحاب رسول الله يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.
وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.
وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.
لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.
ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.
وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.
وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.
وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.
أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.
قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.
وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.
وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.
وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.
وإن كان الرمح لا يتقلد.
هذا كله توجيه تفسير الحسن.
والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.
وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.
وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.
قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.
وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.
وقال "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد.
وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.
وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.
ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.
ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.
ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.
﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.
وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.
قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.
التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.
لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.
﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وفي قول النبي "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.
لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.
ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.
﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.
﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...
﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...
﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.
ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.
﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.
وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...
﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟
ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟
ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.
والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.
والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.
وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.
وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.
وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.
وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.
وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .
وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.
ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.
ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.
والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.
وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.
وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.
وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.
وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.
وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.
وقال بعضهم: المطمئنين.
وقال بعضهم الخاشعين.
وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.
ويقال: المخلصين.
وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...
﴾ الآية.
ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.
قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟
وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.
ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي - - قال: قال رسول الله : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي - - "أن النبي أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس - - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.
وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.
وقال الحسن: من دين الله.
والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول الله أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.
وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.
فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.
والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.
والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.
وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.
وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.
وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.
قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.
و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.
وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.
وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.
وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.
يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.
وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.
وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.
وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.
ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.
والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.
وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لكم في الهدايا التي تنحرونها بالبيت منافع، مثل الركوب والصوف والنسل واللبن، إلى أجل محدد بوقت ذبحها عند القرب من بيت الله الذي أعتقه من تَسَلط الجبابرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.VNB4w"