الآية ٤٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٤٥ من سورة الحج

فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍۢ مُّعَطَّلَةٍۢ وَقَصْرٍۢ مَّشِيدٍ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( فكأين من قرية أهلكناها ) أي : كم من قرية أهلكتها ( وهي ظالمة ) ] أي : مكذبة لرسولها ، ( فهي خاوية على عروشها ) قال الضحاك : سقوفها ، أي : قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها .

( وبئر معطلة ) أي : لا يستقى منها ، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها .

( وقصر مشيد ) قال عكرمة : يعني المبيض بالجص .

وروي عن علي بن أبي طالب ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وأبي المليح ، والضحاك ، نحو ذلك .

وقال آخرون : هو المنيف المرتفع .

وقال آخرون : الشديد المنيع الحصين .

وكل هذه الأقوال متقاربة ، ولا منافاة بينها ، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ، ولا إحكامه ولا حصانته ، عن حلول بأس الله بهم ، كما قال تعالى : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 78 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون; يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يُعبد, ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه.وقوله: ( فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) يقول: فباد أهلها وخلت, وخوت من سكانها, فخربت وتداعت, وتساقطت على عروشها; يعني على بنائها وسقوفها.

كما: حدثنا أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك: ( فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) قال: خواؤها: خرابها, وعروشها: سقوفها.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خاويَةٌ) قال: خربة ليس فيها أحد.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة.

مثله.

وقوله: ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها, ومن بئر عطلناها, بإفناء أهلها وهلاك وارديها, فاندفنت وتعطلت, فلا واردة لها ولا شاربة منها(وَ) من ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) رفيع بالصخور والجصّ, قد خلا من سكانه, بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم, فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم.

والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية.

كان بعض نحويي الكوفة يقول: هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا, وإن لم يحسن فيهما, على أن العروش أعالي البيوت، والبئر في الأرض, وكذلك القصر، لأن القرية لم تخو على القصر, ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال: وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة, فهي خاوية على عروشها, ولها بئر معطلة وقصر مشيد؛ ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها, أتبعها في الإعراب العروش، والمعنى ما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنى حجاج, عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) قال: التي قد تُرِكت.وقال غيره: لا أهل لها.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) قال: عطلها أهلها, تركوها.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, مثله.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) فقال بعضهم: معناه: وقصر مجصص.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني مطر بن محمد الضبي, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا سفيان, عن هلال بن خباب عن عكرمة, في قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: مجصص.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن هلال بن خباب, عن عكرمة, مثله.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي, قال: ثني غالب بن فائد, قال: ثنا سفيان, عن هلال بن خباب عن عكرمة, مثله.

حدثني الحسين بن محمد العنقزي, قال: ثني أبي, عن أسباط, عن السديّ, عن عكرمة, في قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: مجصص.

حدثني مطر بن محمد, قال: ثنا كثير بن هشام.

قال.

حدثنا جعفر بن برقان, قال: كنت أمشي مع عكرمة, فرأى حائط آجرّ مصهرج, فوضع يده عليه وقال: هذا المشيد الذي قال الله.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عباد بن العوامّ, عن هلال بن خباب, عن عكرمة: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: المجصص.

قال عكرِمة: والجصّ بالمدينة يسمى الشيد.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: بالقصة أو الفضة.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: بالقصة يعني بالجصّ.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا الحسن, أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا ابن جُرَيج, عن عطاء, في قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: مجصص.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن هلال بن خباب, عن سعيد بن جبير, في قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: مجصص،هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جبير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفيع طويل.

*ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قَتادة: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه, فهلكوا وتركوه.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, مثله.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) يقول: طويل.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بالمشيد المجصص, وذلك أن الشيد في كلام العرب هو الجصّ بعينه; ومنه قول الراجز: كَحَبَّةِ المَاءِ بينَ الطَّيّ والشِّيدِ (3) فالمشيد: إنما هو مفعول من الشِّيد; ومنه قول امرئ القيس: وتَيْمـاءَ لَـمْ يَـتْرُكْ بِهـا جِـذْعَ نَخْلَةٍ وَلا أُطُمـــا إلا مَشــيدًا بِجَــنْدَلِ (4) يعني بذلك: إلا بالبناء بالشيد والجندل.

وقد يجوز أن يكون معنيا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد, فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد الطويل نحْوا بذلك إلى هذا التأويل; ومنه قول عديّ بن زيد: شـــادَهُ مَرْمَــرًا وَجَلَّلَــهُ كِــلْ ســا فللطْــيَر فِــي ذُرَاهُ وُكُـورُ (5) وقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده.

إذا زيَّنته به, وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص.

------------------------ الهوامش: (3) هذا عجز بيت من البسيط ، وليس من الرجز .

وقال في اللسان : وحبب الماء بالكسر ، وحببه وحبابه بالفتح : طرائقه والطي : الحجارة تبنى بها جدار البئر .

والشيد ، بكسر الشين : كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط ، وبالفتح : المصدر تقول شاده يشيده شيدا : جصصه ، وبناء مشيد : معمول بالشيد .

(4) البيت لامرئ القيس يصف السيل في معلقته المشهورة ( مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي ، ص 33 ) قال شارحه : تيماء : مدينة .

والأطم : البيت المسطح ، ويروى " ولا أجما " ، وهو بمعنى الأطم .

يقول : لم يدع السيل بيتا مبينا بحصى وحجارة إلا هدمه إلا المشيد بجندل فإنه سلم لقوته .

وفي ( اللسان : شيد ) : وبناء مشيد : معمول بالشيد .

وكل ما أحكم من البناء فقد شيد ، وتشييد البناء إحكامه ورفعه ، والمشيد : المبني بالشيد وأنشد : " شاده مرمرا .

.

.

البيت " .

قال أبو عبيدة : البناء : المشيد ( بالتشديد ) : المطول .

والمفهوم من نصوص اللغويين من بيت امرئ القيس ومن بيت عدي بن زيد الآتي بعد هذا ، أن البناء المشيد بالتخفيف : هو المطول الذاهب في السماء ، أو هو المحكم القوي .

فيكون للمشيد إذن معنيان : الأول هو المطلي بالجص ونحوه لتزيينه .

والثاني هو المبني بالجص ونحوه مع الصخور أو المرمر ...الخ .

(5) البيت لعدي بن زيد العبادي .

وقد أنشده في ( اللسان : شيد ) ولم ينسبه وقال المشيد : المبني بالتشيد .

أه .

يريد أنه أحكم بناؤه وأحكم بالتشيد مع المرمر ، وهو نوع من الرخام صلب .

والكلس قال في ( اللسان : كلس ) : مثل الصاروج يبنى به .

وقيل الكلس : ما طلي به حائط أو باطن قصر ، شبه الجص من غير آجر ؛ قال عدي بن يزيد العبادي ( وذكر أربعة أبيات منها بيت الشاهد ، وهو آخرها ) ثم قال : والتكليس التمليس ، فإذا طلى ثخينا فهو المقرمد .

والشاهد في بيت عدي هذا كما بيناه في بيت امرئ القيس قبله أن قوله " شاده مرمرا " يفهم منه الإحكام والتقوية ورفع البناء ، ولا يفهم منه الطلاء الخارجي بالشيد .

وهو ما قاله المؤلف .

والذرا بضم الذال : جمع ذروة ، وهي أعلى الشيء .

والوكور : جمع وكر وهو عش الطائر ، أي أن صاحب ذلك القصر المعروف بالحضر ، رفع بناءه بالشيد والمرمر ، ثم كلسه وملسه بالجص أو بالكلس ، وإن الطير قد اتخذت وكورها في أعلاه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيدقوله تعالى : فكأين من قرية أهلكناها أي أهلكنا أهلها .

وقد مضى في ( آل عمران ) الكلام في كأين .

وهي ظالمة أي بالكفر .

فهي خاوية على عروشها تقدم في الكهف .

وبئر معطلة وقصر مشيد قال الزجاج : وبئر معطلة معطوف على من قرية أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر .

والفراء يذهب إلى أن وبئر معطوف على عروشها .

وقال الأصمعي : سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب ؟

فقال : إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما .

وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما ؛ إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما ، والأصل الهمز .

ومعنى معطلة متروكة ؛ قاله الضحاك .

وقيل : خالية من أهلها لهلاكهم .

وقيل : غائرة الماء .

وقيل : معطلة من دلائها وأرشيتها ؛ والمعنى متقارب .

وقصر مشيد قال قتادة ، والضحاك ، ومقاتل : رفيع طويل .

قال عدي بن زيد :شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور[ ص: 70 ] أي رفعه .

وقال سعيد بن جبير ، وعطاء ، وعكرمة ، ومجاهد : مجصص ؛ من الشيد وهو الجص .

قال الراجز [ الشماخ ] :لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا كحية الماء بين الطين والشيدوقال امرؤ القيس :وتيهاء لم يترك بها جذع نخلة ولا أطما إلا مشيدا بجندلوقال ابن عباس : ( مشيد ) أي حصين ؛ وقال الكلبي .

وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع .

وقال الجوهري : والمشيد المعمول بالشيد .

والشيد ( بالكسر ) : كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط ، وبالفتح المصدر .

تقول : شاده يشيده شيدا جصصه .

والمشيد ( بالتشديد ) المطول .

وقال الكسائي : المشيد للواحد ، من قوله تعالى : وقصر مشيد والمشيد للجمع ، من قوله تعالى : في بروج مشيدة .

وفي الكلام مضمر محذوف تقديره : وقصر مشيد مثلها معطل .

ويقال : إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته .

وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ؛ أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء .

وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي ، وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرس ، وكانت بعدن باليمن بحضرموت ، في بلد يقال له حضور ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ، ونجوا من العذاب ومعهم صالح ، فمات صالح فسمي المكان حضرموت ؛ لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه البئر ، وأمروا عليهم رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد ؛ فيما ذكر الغزنوي .

الثعلبي : جلهس بن جلاس .

وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم ، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة ، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا ، وكانت البئر تسقي المدينة كلها ، وباديتها ، وجميع ما فيها من الدواب ، والغنم ، والبقر ، وغير ذلك ؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ، ورجال كثيرون موكلون بها ، وأبازن ( بالنون ) من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس ، وآخر للدواب ، وآخر للبقر ، وآخر للغنم .

والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون ، ولم يكن لهم ماء غيرها .

وطال عمر الملك الذي أمروه ، فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى صورته لا تتغير ، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم .

فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم قد [ ص: 71 ] فسد ، وضجوا جميعا بالبكاء ، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة ، فكلمهم وقال : إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ؛ ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته .

فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب .

وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم ؛ فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه ، فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم ، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له ، وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر .

فأصفقوا على عبادته ، فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة ، كان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له ، وأن الشيطان قد أضلهم ، وأن الله لا يتمثل بالخلق ، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله ، ووعظهم ، ونصحهم ، وحذرهم سطوة ربهم ونقمته ؛ فآذوه ، وعادوه ، وهو يتعهدهم بالموعظة ، ولا يغبهم بالنصيحة ، حتى قتلوه في السوق ، وطرحوه في بئر ؛ فعند ذلك أصابتهم النقمة ، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان ، وضجت البهائم عطشا ؛ حتى عمهم الموت ، وشملهم الهلاك ، وخلفتهم في أرضهم السباع ، وفي منازلهم الثعالب والضباع ، وتبدلت جناتهم ، وأموالهم بالسدر ، وشوك العضاه ، والقتاد ، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن ، وزئير الأسد ، نعوذ بالله من سطواته ؛ ومن الإصرار على ما يوجب نقماته .

قال السهيلي .

وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عامر بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله - فيما ذكروا وزعموا - وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس ، وإقفاره بعد العمران ، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ؛ لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم ، والعيش الرغد ، وبهاء الملك ، وانتظام الأهل كالسلك فبادروا وما عادوا ؛ فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة ، وعبرة ، وتذكرة ، وذكرا ، وتحذيرا من مغبة المعصية ، وسوء عاقبة المخالفة ؛ نعوذ بالله من ذلك ، ونستجير به من سوء المآل .

وقيل : إن الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة ( الأنبياء ) في قوله : وكم قصمنا من قرية .

فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ } أي: وكم من قرية { أَهْلَكْنَاهَا } بالعذاب الشديد، والخزي الدنيوي، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن عقوبتنا لها ظلما منا، { فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } أي: فديارهم متهدمة، قصورها، وجدرانها، قد سقطت عروشها، فأصبحت خرابا بعد أن كانت عامرة، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة، { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } أي: وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فكأين ) فكم ( من قرية أهلكناها ) بالتاء هكذا قرأ أهل البصرة ويعقوب ، وقرأ الآخرون : " أهلكناها " بالنون والألف على التعظيم ، ( وهي ظالمة ) أي : وأهلها ظالمون ، ( فهي خاوية ) ساقطة ( على عروشها ) على سقوفها ، ( وبئر معطلة ) [ أي : وكم من بئر معطلة ] متروكة مخلاة عن أهلها ( وقصر مشيد ) قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل ، من قولهم شاد بناءه إذا رفعه .

وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء : مجصص ، من الشيد ، وهو الجص .

وقيل : إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن ، أما القصر فعلى قلة جبل ، والبئر في سفحه ، ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله ، وبقي البئر والقصر خاليين .

وروى أبو روق عن الضحاك : أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضوراء ، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ، نجوا من العذاب ، أتوا حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح ، فسمي حضرموت ، لأن صالحا لما حضر مات فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا ، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان ، كان حمالا فيهم ، فقتلوه في السوق فأهلكهم الله ، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فكأين» أي كم «من قرية أهلكتها» وفي قراءة أهلكناها «وهي ظالمة» أي أحلها بكفرهم «فهي خاوية» ساقطة «على عروشها» سقوفها «و» كم من «بئر معطلة» متروكة بموت أهلها «وقصر مشيد» رفيع خال بموت أهله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فكثيرًا من القرى الظالمة بكفرها أهلكنا أهلها، فديارهم مهدَّمة خَلَتْ مِن سكانها، وآبارها لا يُستقى منها، وقصورها العالية المزخرفة لم تدفع عن أهلها سوء العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التى كذبت رسلها .

.

.

أتبع ذلك - سبحانه - ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال : ( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) .وكلمة " كأين " مركبة من كاف التشبيه ، ومن أى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها .

ومميزها غالبا ما يجر بمن كما فى الآية وفى غيرها .

قال - تعالى - : ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ .

.

) ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) قال الآلوسى : وقوله : ( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ) منصوب بمضمر يفسره قوله - تعالى - : ( أَهْلَكْنَاهَا ) أى : فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها .

.

.

أو مرفوع على الابتداء ، وجملة ( أَهْلَكْنَاهَا ) خبره .أى : فكثير من القرى أهلكناها .

.

.

وقوله : ( وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) جملة حالية من مفعول أهلكنا .

.

.ولفظ ( خَاوِيَةٌ ) بمعنى ساقطة أو خالية .

يقال خوى البيت يخوى إذا سقط أو خلا ممن يسكنه .والعروش : جمع عرش وهو سقف البيت ، ويسمى العريش : وكل ما يُهيأ ليُسْتَظَلَ به فهو عريش .وبئر معطلة أى : مهجورة لهلاك أهلها ، يقال : بأر فلان الأرض إذا حفرها ليستخرج منها الماء .والمَشِيد : المجصص بالشِّيد وهو الجِصّ .

يقال : شاد فلان بيته يَشِيده ، إذا طلاه بالشِّيد .والمعنى : وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم ، فإذا ما نظرت إليها وجدتها خالية من أهلها ، وقد سقطت سقوفها على جدرانها .

وكثير من الآبار التى كانت تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة ، وكثير - أيضا - من القصور المشدة الفخمة أخليناها من أهلها .

وذلك لأنهم كذبوا رسلنا ، وجحدوا نعمنا ، فدمرناهم تدميرا .

وجعلنا مساكنهم من بعدهم اثرا بعد عين .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد لكفار قريش الذين كذبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعرضوا عن دعوته .وشبيه بهذه الاية قوله - تعالى - : ( وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم.

فإن قيل: ولم قال: ﴿ وَكُذّبَ موسى ﴾ ولم يقل قوم موسى؟

فالجواب: من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ﴾ يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ استفهام تقرير (ي)، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، أليس كان واقعاً قطعاً؟

ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً؟

ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض.

فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلابد من الرضاء والتسليم، وإن شق ذلك على القلب.

واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غماً، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالاً بعد حال، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا.

وههنا بحث، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم.

قال الحسن: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند الله حد (اً) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني: أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله: ﴿ حتى إِذَا استيئس الرسل  ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن  ﴾ وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا  ﴾ أي بالعذاب نجينا هوداً، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟

قلنا إذا كان رادعاً لغيره وصادعاً له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً.

أما قوله: ﴿ فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: ﴿ فَكَأَيِّن ﴾ فكم على وجه التكثير، وقيل أيضاً معناه، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالاً وإن لم يذكر مفصلاً.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة ﴿ أهلكناها ﴾ بالنون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ أهلكتها ﴾ وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أهلكناها ﴾ أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب.

أما قوله وهي: ﴿ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟

فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله، فإن فسرنا الخاوي بالساقط، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلاً للاعتبار.

السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب.

أعني ﴿ وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال والثانية: لا محل لها لأنها معطوفة على (أهلكناها) وهذا الفعل ليس له محل.

قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية.

أما قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني: أنه المرفوع المطول، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر.

وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  ﴾ ، والله أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناها قوم صالح، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى، وعطل بئرهم وخرب قصورهم، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت.

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور ﴾ كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ﴾ هل يدل على الأمر بالسفر الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا.

السؤال الثاني: ما معنى الضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ والجواب: هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثاً ومذكراً وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره الأبصار.

السؤال الثالث: أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟

الجواب: أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت، لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً، ولكني تعمدته على اليقين.

وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر.

السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟

الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ العلم وقوله: ﴿ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة أو كرم فهو (عرش) والخاوي: الساقط، من خوى النجم إذا سقط.

أو الخالي، من خوى المنزل إذا خلا من أهله.

وخوى بطن الحامل وقوله: ﴿ على عُرُوشِهَا ﴾ لا يخلو من أن يتعلق بخاوية، فيكون المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرّت سقوفها على الأرض، ثم تهدّمت حيطانها فسقطت فوق السقوف.

أو أنها ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها.

وإما أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل: هي خالية، وهي على عروشها أي قائمة مطلة على عروشها، على معنى أنّ السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان ماثلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة.

فإت قلت: ما محلّ الجملتين من الإعراب أعني: ﴿ وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ ﴾ ؟

قلت: الأولى في محل النصب على الحال، والثانية لا محلّ لها لأنها معطوفة على أهلكناها، وهذا الفعل ليس له محلّ [(وبئر معطلة)] وقرأ الحسن: معطلة، من أعطله بمعنى عطله.

ومعنى المعطلة: أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء؛ إلا أنها عطلت، أي: تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها (وقصر مشيد) والمشيد: المجصص أو المرفوع البنيان.

والمعنى: كم قرية أهلكنا؟

وكم بئر عطلنا عن سقاتها؟

وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه؟

فترك ذلك لدلالة معطلة عليه.

وفي هذا دليل على أنّ ﴿ على عُرُوشِهَا ﴾ بمعنى (مع) أوجه.

روي: أنّ هذه بئر نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به.

ونجاهم الله من العذاب، وهي بحضرموت.

وإنما سميت بذلك لأنّ صالحاً حين حضرها مات، وثمة بلدة عند البئر اسمها (حاضوراء) بناها قوم صالح، وأمّروا عليهم جلهس بن جلاس، وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله إِليهم حنظلة ابن صفوان نبياً فقتلوه، فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرّب قصورهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ بِإهْلاكِ أهْلِها، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّعْظِيمِ.

﴿ وَهِيَ ظالِمَةٌ ﴾ أيْ أهْلُها.

﴿ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، أوْ خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها فَيَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِـ ( خاوِيَةٌ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أيْ هي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها أيْ: مُطِلَّةٌ عَلَيْها بِأنْ سَقَطَتْ وبَقِيَتِ الحِيطانُ مائِلَةً مُشْرِفَةً عَلَيْها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ أهْلَكْناها ﴾ لا عَلى ﴿ وَهِيَ ظالِمَةٌ ﴾ فَإنَّها حالٌ والإهْلاكُ لَيْسَ حالَ خَوائِها فَلا مَحَلَّ لَها إنْ نُصِبَتْ كَأيٍّ بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ أهْلَكْناها ﴾ وإنْ رَفَعْتَهُ بالِابْتِداءِ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ.

﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ عُطِفَ عَلى ( قَرْيَةٍ ) أيْ وكَمْ بِئْرٍ عامِرَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مَن أعْطَلَهُ بِمَعْنى عَطَّلَهُ.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ مَرْفُوعٌ أوْ مُجَصَّصٌ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ، وذَلِكَ يُقَوِّي أنَّ مَعْنى ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها، وقِيلَ المُرادُ بِـ ( بِئْرٍ ) بِئْرٌ في سَفْحِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ وبِقَصْرٍ قَصْرٌ مُشْرِفٌ عَلى قِلَّتِهِ كانا لِقَوْمِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ مِن قَوْمِ صالِحٍ فَلَمّا قَتَلُوهُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَطَّلَهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها} أهلكتها بصري {وَهِىَ ظالمة} حال أي وأهلها مشركون {فَهِىَ خَاوِيَةٌ} ساقطة من خوى النجم إذا سقط {على عروشها} يتعلق بخاوية والمعنى أنها ساقطة على سقوفها أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ولا محل لفهى خاوية من الإعراب لأنها معطوفة على أهلكناها وهذا الفعل ليس له محل وهذا إذا جعلنا كأين منصوب المحل على تقدير كثيراً من القرى أهلكناها {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي متروكة لفقد دلوها ورشائها وفقد تفقدها أو هي عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقي منها لهلاك أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} مجصص من الشيد الجص أو مرفوع البنيان من شاد البناء رفعه والمعنى كم قرية أهلكناها وكم بئر عطلناها عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه أي أهلكنا البادية والحاضرة جميعاً فخلت القصور عن اربابها والآبار عن واردها والاظهران البئر والقصر على العموم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناها ﴾ أيْ فَأهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكْناها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ ( أهْلَكْناها ) خَبَرُهُ أيْ فَكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ: الأجْوَدُ في إعْرابِ (كَأيِّنْ ) أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً وكَوْنُها مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ قَلِيلٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وجَماعَةٌ «أهْلَكْتُها» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ عَلى وفْقِ ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ﴾ ثُمَّ أخَذْتُهم ونِسْبَةُ الإهْلاكِ إلى القُرى مَجازِيَّةٌ والمُرادُ إهْلاكُ أهْلِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: الإهْلاكُ اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِها بِإهْلاكِ أهْلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهِيَ ظالِمَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ أهْلَكْنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ خاوِيَةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أهْلَكْناها ) فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ (كَأيِّنْ ) إلَخِ الِاسْمِيَّةِ واخْتارَهُ بَعْضُهم لِقَضِيَّةِ التَّشاكُلِ، والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ بِناءً عَلى تَرْتِيبِ الخَواءِ عَلى الإهْلاكِ لِأنَّهُ عَلى نَحْوِ زَيْدٌ أبُوكَ فَهو عَطُوفٌ عَلَيْكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ خَواءَها لَيْسَ في حالِ إهْلاكِ أهْلِها بَلْ بَعْدَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى الحالِ المُقارَنَةِ أوْ يُقالُ هي حالٌ مُقارَنَةٌ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ إهْلاكُ الأهْلِ بِخَوائِها عَلَيْهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا الجَوّابَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ، والخَواءُ إمّا بِمَعْنى السُّقُوطِ مِن خَوى النَّجْمُ إذا سَقَطَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمُرادُ بِالعُرُوشِ السُّقُوفُ، والمَعْنى فَهي ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها بِأنْ تَعَطَّلَ بُنْيانُها فَخَرَّتْ سُقُوفُها ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، وإسْنادُ السُّقُوطِ عَلى العُرُوشِ إلَيْها لِتَنْزِيلِ الحِيطانِ مَنزِلَةَ كُلِّ البُنْيانِ لِكَوْنِها عُمْدَةً فِيهِ، وإمّا بِمَعْنى الخُلُوِّ مِن خَوَتِ الدّارُ تَخْوِي خَواءً إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، ويُقالُ: خَوى البَطْنُ يَخْوِي خَوًى إذا خَلا مِنَ الطَّعامِ، وجَعَلَ الرّاغِبُ أصْلَ مَعْنى الخَواءِ هَذا وجَعَلَ خَوى النَّجْمُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يُقالُ خَوى النَّجْمُ وأخْوى إذا لَمْ يَكُنْ مِنهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ مَطَرٌ تَشْبِيهًا بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، و( عَلى ) بِمَعْنى مَعَ أيْ فَهي خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها، ويَجُوزُ عَلى تَفْسِيرِ الخَواءِ بِالخُلُوِّ أنْ يَكُونَ ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أيْ فَهي خالِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها أيْ قائِمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلى عُرُوشِها عَلى أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ إلى الأرْضِ وبَقِيَتِ الحِيطانُ قائِمَةً وهي مُشْرِفَةٌ عَلى السُّقُوفِ السّاقِطَةِ، وإسْنادُ الإشْرافِ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ حالَ الحِيطانِ لِما مَرَّ آنِفًا ﴿ وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَرْيَةٍ ) والبِئْرُ مِن بَأرْتُ أيْ حَفَرْتُ وهي مُؤَنَّثَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ تُذَكَّرُ عَلى مَعْنى القَلِيبِ وتُجْمَعُ عَلى أبارٍ وآبارٍ وأبْؤُرٍ وآبَرٍ وبِيارٍ، وتَعْطِيلُ الشَّيْءِ إبْطالُ مَنافِعِهِ أيْ وكَمْ بِئْرٍ عامِرَةٍ في البَوادِي تُرِكَتْ لا يُسْقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وجَماعَةٌ «مُعْطَلَةٍ» بِالتَّخْفِيفِ مِن أعْطَلَهُ بِمَعْنى عَطَّلَهُ.

﴿ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أيْضًا أيْ وكَمْ قَصْرٍ مَرْفُوعِ البُنْيانِ أوْ مَبْنِيٍّ بِالشِّيدِ بِالكَسْرِ أيِ الجِصِّ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ ووَصْفُ البِئْرِ بِمُعَطَّلَةٍ قَبْلُ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ مَعْنى ( خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) خالِيَةٌ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها، وفي البَحْرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ( بِئْرٍ ) .

﴿ وقَصْرٍ ﴾ مِن حَيْثُ عَطْفُها عَلى ( قَرْيَةٍ ) داخِلَيْنِ مَعَها في حَيِّزِ الإهْلاكِ مُخْبَرًا بِهِ عَنْهُما بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ أيْ وكَمْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ أهْلَكْنا أهْلَهُما.

وزَعَمَ بَعْضُهم عَطْفَهُما عَلى ( عُرُوشِها ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وظاهِرُ التَّنْكِيرِ فِيهِما عَدَمُ إرادَةِ مُعَيَّنٍ مِنهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البِئْرَ كانَتْ لِأهْلِ عَدَنٍ مِنَ اليَمَنِ وهي الرَّسُّ، وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ القَصْرَ بَناهُ عادٌ الثّانِي.

وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ أنَّ القَصْرَ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ بِحَضْرَمَوْتَ والبِئْرَ بِسَفْحِهِ وأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ عَلَيْها مَعَ أرْبَعَةِ آلافِ نَفَرٍ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ونَجّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العَذابِ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ بِفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ ويُضَمّانِ ويُبْنى ويُضافُ لِأنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ حَضَرَها ماتَ، وعِنْدَ البِئْرِ بَلْدَةٌ اسْمُها حاضُورا بَناها قَوْمُ صالِحٍ وأمَّرُوا عَلَيْها جَلْهَسَ بْنَ جُلاسٍ وأقامُوا بِها زَمانًا ثُمَّ كَفَرُوا وعَبَدُوا صَنَمًا وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ في السُّوقِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ آخِرِهِمْ وعَطَّلَ سُبْحانَهُ بِئْرَهم وقَصْرَهم.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ وفِيهِ بُعْدٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ، يعني: إن يكذبوك يا محمد أهل مكة، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني: قبل قومك.

قَوْمُ نُوحٍ كذبوا نوحاً، وَعادٌ كذبت هوداً، وَثَمُودُ كذبوا صالحاً، وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ كذبوا إبراهيم، وَقَوْمُ لُوطٍ كذبوا لوطاً وَأَصْحابُ مَدْيَنَ كذبوا شعيباً، وَكُذِّبَ مُوسى يعني: كذبه قومه.

فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ يعني: أمهلتهم.

ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ يعني: عاقبتهم بعد المهل بالعذاب.

فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟

يعني: كيف رأيت تغييري عليهم وإنكاري؟

يعني: أليس قد وجدوا حقاً؟

فكذلك كفار مكة تصيبهم العقوبة، كما أصابهم.

ثم قال عز وجل: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ، يعني: وكم من أهل قرية أَهْلَكْناها، يعني: أهلكنا أهلها، وَهِيَ ظالِمَةٌ أي: كافرة.

فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، يعني: ساقطة حيطانها على سقوفها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، يعني: خالية ليس عندها ساكن، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ يعني: طويلاً في السماء.

ويقال: معناه، كم من بئر معطلة، عطلها أربابها وليس عليها أحد يستقي، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ يعني: كم من حصن طويل مشيد ليس فيه ساكن.

ويقال: المشيد هو المبنى بالشدّ وهو الجص، وهو المشيد سواء، أي المطول.

قرأ أبو عمرو: أهلكتها بالتاء، وقرأ الباقون: أَهْلَكْناها بلفظ وهو الجماعة، وقرأ نافع في رواية ورش، وأبو عمرو في إحدى الروايتين وَبِئْرٍ بالتخفيف، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالهمز، وهي اللغة المعروفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أمكن ما هي في الملوك.

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: يعني: قريشاً، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى ...

الآية: فيها وعيد لقريش، وفَأَمْلَيْتُ معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار.

[وقوله] «١» : «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش، وقيل: على القرية وهو أصوب.

ثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.

وقوله: فَتَكُونَ: نصب بالفاء في جواب الاستفهام صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب.

وقوله سبحانه: فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِالعَذابِ، ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في " نَكِيرِ " يَعْقُوبُ [ في الحالَيْنِ ]، ووافَقَهُ ورْشٌ في إثْباتِها في الوَصْلِ، والمَعْنى: كَيْفَ [ أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالإهْلاكِ والمَعْنى: إنِّي ] أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ أبْلَغَ إنْكارٍ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( أهْلَكْتُها ) بِالتّاءِ، والباقُونَ: ( أهْلَكْناها ) بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، [ وعاصِمٌ ]، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وبِئْرٍ ) مَهْمُوزٌ.

ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: وكَمْ بِئْرٍ مُعَطِّلَةٍ؛ أيْ: مَتْرُوكَةٍ.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُجَصَّصٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الشِّيدِ: الجِصُّ والنُّورَةُ، وكُلُّ ما بُنِيَ بِهِما أوْ بِأحَدِهِما فَهو مَشِيدٌ.

والثّانِي: طَوِيلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وفي الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مُشَيَّدٌ مُعَطَّلٌ أيْضًا لَيْسَ فِيهِ ساكِنٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ "كَأيِّنَ" هي كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيْ": قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أوعَبْتُ القَوْلَ في مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ وقِراءَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ  ﴾ ، وهي لَفْظَةُ إخْبارٍ، وقَدْ تَجِيءُ اسْتِفْهامًا، وحَكى الفِراءُ: كَأيِّنَ ما لَكَ؟

أيْ: كَمْ ما لَكَ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكْناها"، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكَتْها" بِالإفْرادِ، والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ، و"ظالِمَةٌ" مَعْناهُ: بِالكُفْرِ، و"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةً، ومِنهُ: خَوى النَجْمُ إذا خَلا مِنَ القُوَّةِ، ونَحْوَهُ "ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها"، و"العُرُوشُ": السُقُوفُ، فالمَعْنى أنَّ السُقُوفَ سَقَطَتْ ثُمْ وقَعَتِ الحِيطانُ عَلَيْها فَهي عَلى العُرُوشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ ، قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "العُرُوشِ"، وقِيلَ: عَلى "القَرْيَةِ"، وهو أصْوَبُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَبِئْرٍ" بِهَمْزَةٍ عَلى الياءِ، وسَهَّلَها الجُمْهُورُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَطَّلَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الطاءِ وتَخْفِيفِها، والجُمْهُورُ عَلى "مُعَطَّلَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتَحِ العَيْنِ وشَدِّ الطاءِ.

و"المُشَيَّدُ": المَبْنِيِ بِالشِيدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المَشِيدُ: المُعَلّى بِالآجُرِّ ونَحْوَهُ فَمِنَ المَشِيدِ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ: بَناهُ بِالشِيدِ، والأظْهَرُ في البَيْتِ أنَّهُ أرادَ: عَلاهُ بِالمَرْمَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ "مَشِيدًا مَعْناهُ: مُعَلّى مُحَصَّنًا، ومَعْنى الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ قَبْلَ خَرابِهِ.

ثُمْ وبَّخَهم عَلى الغَفْلَةِ وتَرَكَ الِاعْتِبارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ ، أيْ: في البِلادِ فَيَنْظُرُوا في أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ، ولا يُنْكِرُ أنَّ لِلدِّماغِ اتِّصالًا بِالقَلْبِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ مَتى اخْتَلَّ الدِماغُ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَكُونَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، صُرِفَ الفِعْلُ مِنَ الجَزْمِ إلى النَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ لَفْظَةُ مُبالَغَةٍ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ العَمى عَمى الأبْصارِ وإنَّما العَمى حَقُّ العَمى عَمى القَلْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ تَعْمى ولَكِنَّ المَقْصُودَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ»، و«لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ»، والضَمِيرُ في "فَإنَّها" لِلْقِصَّةِ ونَحْوَها مِنَ التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ مُبالَغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "بِأفْواهِهِمْ"، وكَما تَقُولُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، ونَحْوَ هَذا.

والضَمِيرُ في "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ" لِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ ﴾ وعِيدُ وإخْبارٍ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ إلى وقْتٍ مَحْدُودٍ، والوَعْدُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالعَذابِ فَلِذَلِكَ ورَدَ في مَكْرُوهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِ اللهِ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ مِن هَذِهِ لِطُولِ العَذابِ وبُؤْسِهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَما أجْهَلَ مَن يَسْتَعْجِلُ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللهِ لِإحاطَتِهِ فِيهِ وعِلْمِهِ وإنْفاذِ قُدْرَتِهِ كَألْفِ سَنَةٍ عِنْدَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ يَقْتَضِي أنَّ عَشَرَةَ آلافِ سَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ مِنَ العَدَدِ في حُكْمِ الألْفِ، ولَكِنَّهم قالُوا: ذَكَرَ الألْفَ لِأنَّها مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لا يُناسِبُ الآيَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللهِ تَعالى ألْفُ سَنَةٍ مِن هَذا العَدَدِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تُؤَخَّرَ أُمَّتِي نِصْفُ يَوْمٍ»، وقَوْلُهُ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِقْدارُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللهِ.

وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَكَأيِّنْ" لِأنَّهُ جَلَبَ مَعْنًى آخَرَ، ذَكَرَ أوَّلًا القُرى المُهْلَكَةَ دُونَ إمْلاءٍ بَلْ بِعَقِبِ التَكْذِيبِ، ثُمْ ثَنّى بِالمُهْمَلَةِ لِئَلّا يَفْرَحُ هَؤُلاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عنهم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَعُدُّونَ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ عَلى الغائِبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفرع ذكر جملة ﴿ كأين من قرية ﴾ على جملة ﴿ فكيف كان نكير ﴾ [الحج: 44] فعطفت عليها بفاء التفريع، والتعقيب في الذكر لا في الوجود، لأن الإملاء لكثير من القرى ثم أخذها بعد الإملاء لها يبين كيفيّة نكير الله وغضبه على القرى الظالمة ويفسره، فناسب أن يذكر التفسير عقب المفسر بحرف التفريع، ثم هو يفيد بما ذكر فيه من اسم كثرة العَدد شُمولاً للأقوام الذين ذُكروا من قبل في قوله: ﴿ فقد كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ [الحج: 42] إلى آخره فيكون لتلك الجملةِ بمنزلة التذييل.

و ﴿ كأيّن ﴾ اسم دال على الإخبار عن عدد كثير.

وموضعها من الجملة محل رفع بالابتداء وما بعده خبر.

والتقدير: كثير من القرى أهلكناها، وجملة ﴿ أهلكناها ﴾ الخبر.

ويجوز كونها في محل نصب على المفعولية بفعل محذوف يفسره ﴿ أهلكناها ﴾ والتقدير: أهلكنا كثيراً من القرى أهلكناها، والأحسن الوجه الأول لأنه يحقق الصدارة التي تستحقها (كأيّن) بدون حاجة إلى الاكتفاء بالصدارة الصورية، وعلى الوجه الأول فجملة ﴿ أهلكناها ﴾ في محل جر صفة ل ﴿ قرية ﴾ .

وجملة ﴿ فهي خاوية ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أهلكناها، ﴾ وقد تقدم نظيره في قوله ﴿ وكأين من نبي ﴾ في [سورة آل عمران: 146].

وأهل المدن الذين أهلكهم الله لظلمهم كثيرون، منهم من ذُكر في القرآن مثل عاد وثمود.

ومنهم من لم يذكر مثل طَسم وجَديس وآثارُهم باقية في اليمامة.

ومعنى ﴿ خاوية على عروشها ﴾ أنها لم يبق فيها سقف ولا جدار.

وجملة ﴿ على عروشها ﴾ خبر ثان عن ضمير ﴿ فهي ﴾ والمعنى: ساقطة على عروشها، أي ساقطة جدرانها فوق سُقفها.

والعروش: جمع عَرش، وهو السَقْف، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ﴾ في [سورة البقرة: 259].

والمعطلة: التي عطل الانتفاع بها مع صلاحها للانتفاع، أي هي نابعة بالماء وحولها وسائل السقي ولكنها لا يستقى منها لأن أهلها هلكوا.

وقد وجد المسلمون في مسيرهم إلى تبوك بئاراً في ديار ثمود ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب منها إلا بِئراً واحدة التي شربت منها ناقة صالح عليه السلام.

والقصر: المسكن المبني بالحجارة المجعول طباقاً.

والمَشِيد: المبنيّ بالشّيد بكسر الشين وسكون الياء وهو الجصّ: وإنما يبنى به البناء من الحجر لأنّ الجصّ أشدّ من التراب فبشدة مسكه يطول بقاء الحجر الذي رُصّ به.

والقصور المُشيّدة: وهي المخلفة عن القرى التي أهلكها الله كثيرةٌ مثل: قصر غُمدان في اليمن، وقصور ثمود في الحِجْر، وقصور الفراعنة في صعيد مصر، وفي «تفسير القرطبي» يقال: «إن هذه البئر وهذا القصر بحضرموت معروفان.

ويقال: إنها بئر الرّس وكانت في عدن وتسمى حضور بفتح الحاء.

وكان أهلها بقية من المؤمنين بصالح الرسول عليه السلام.

وكان صالح معهم، وأنهم آل أمرهم إلى عبادة صنم وأن الله بعث إليهم حَنظلة بن صفوان رسولاً فنهاهم عن عبادة الصنم فقتلوه فغارت البئر وهلكوا عطشاً».

يريد أن هذه القرية واحدة من القرى المذكورة في هذه الآية وإلا فإن كلمة (كأيّنْ) تنافي إرادة قرية معيّنة.

وقرأ الجمهور ﴿ أهلكناها ﴾ بنون العظمة: وقرأه أبو عَمرو ويعقوب ﴿ أهلكتُها ﴾ بتاء المتكلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي خالِيَةً مِن أهْلِها لِهَلاكِها.

والثّانِي: غائِرَةِ الماءِ.

والثّالِثُ: مُعَطَّلَةٍ مِن دَلالَتِها وأرْشِيَتِها.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَشِيدَ الحَصِينُ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ولا أُطُمًا إلّا مُشِيرًا بِجَنْدَلٍ والثّانِي: أنَّ المَشِيدَ الرَّفِيعُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْ ∗∗∗ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ والثّالِثُ: أنَّ المَشِيدَ المُجَصَّصُ، والشِّيدَ الجِصُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وَفِي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مَشِيدٌ مِثْلُها مُعَطَّلٌ، وقِيلَ إنَّ القَصْرَ والبِئْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مِن أرْضِ اليَمَنِ مَعْرُوفانِ، وقَصْرِ مُشْرِفٍ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ ولا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرَ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابَ القُصُورِ مَلُّوكُ الحَضَرِ، وأصْحابَ الآبارِ مُلُوكُ البَوادِي، أيْ فَأهْلَكْنا هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: عَلى أنَّ العَقْلَ عِلْمٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّهُ القَلْبُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْمَلُونَ بِها، لِأنَّ الأعْيُنَ تُبْصِرُ والقُلُوبَ تُصَيِّرُ.

﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أيْ يَفْقَهُونَ بِها ما سَمِعُوهُ مِن أخْبارِ القُرُونِ السّالِفَةِ.

﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الهُدى ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِاهْتِداءِ.

والثّانِي: فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الِاعْتِبارِ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِادِّكارِ.

قالَ مُجاهِدٌ: لِكُلِّ إنْسانٍ أرْبَعُ أعْيُنٍ: عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِآخِرَتِهِ، فَإنْ عَمِيَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وأبْصَرَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَضُرَّهُ عَماهُ شَيْئًا، وإنْ أبْصَرَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وعَمِيَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ نَظَرُهُ شَيْئًا.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زائِدَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة ﴿ فهي خاوية على عروشها ﴾ قال: خربة ليس فها أحد ﴿ وبئر معطلة ﴾ قال: عطلها أهلها وتركوها ﴿ وقصر مشيد ﴾ قال شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وبئر معطلة ﴾ قال: التي تركت لا أهل لها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وقصر مشيد ﴾ قال هو المجصص.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وقصر مشيد ﴾ قال: شيد بالجص والآجر.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: شاده مرمرا وجلله ** كلسا فللطير في ذراه وكور وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ وقصر مشيد ﴾ قال: بالقصة.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق، عن عطاء ﴿ وقصر مشيد ﴾ قال: مجصص.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ﴾ (١) (٢) (٣) وقوله (٤) (٥) ﴿ فَأَمْلَيْتُ ﴾ ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ (٦) ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ  ﴾ و ﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا  ﴾ و ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ  ﴾ (٧) وقوله: ﴿ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة (٨) وقوله: ﴿ وَبِئْرٍ ﴾ ذكر الفراء في كسره ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على العروش (٩) والثاني: الإتباع كقراءة من قرأ ﴿ وَحُورٌ عِينٌ  ﴾ بالخفض.

الثالث: العطف على ﴿ مِنْ قَرْيَةٍ ﴾ (١٠) وهذا هو المختار (١١) (١٢) (١٣) قوله تعالى: ﴿ مُعَطَّلَةٍ ﴾ أي: متروكة من العمل والاستقاء.

ومعنى التعطيل: الترك من العمل.

قال الليث: وإذا (١٤) (١٥) قال المبرد: والمعطل: المتروك على هيئته، وأصله مأخوذ من العطل، وهو: الجسم.

وكأنها متروكة كما هي (١٦) قل ابن عباس: يريد: بئر لا يستقى منها (١٧) قوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى المشيَّد، وهو المطول (١٨) ﴿ بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ  ﴾ .

وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل (١٩) والثاني: أنه المجصص يقال: شاده يشيده، إذا بناه بالشِّيد وهو الجص والنورة (٢٠) (٢١) شماده مرمرًا وجلله كِلْسًا ...

فللطير في ذراه وكور (٢٢) وقال أبو إسحاق: أصل الشيد: الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد (٢٣) وهذا قول عطاء، وعكرمة، وأبي صالح، والسّدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين (٢٤) ومن المفسرين من يخصص البئر المذكورة في هذه الآية -وهو قول الضحاك، والسدي- قالا: كانت هذه البئر باليمن (٢٥) وليس بالوجه.

(١) في (أ)، (ظ)، (د): (وكأيّن)، وهو خطأ.

(٢) هذا من كلام الزجاج.

انظر: "معاني القرآن" 3/ 431.

(٣) عند قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ .

(٤) (وقوله): ليست في (أ).

(٥) قرأ أبو عمرو: "أهلكتها" بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد، وقرأ الباقون: "أهلكناها" بالنّون بلفظ الجمع.

انظر: "السبعة" ص 438، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 157.

(٦) قال مكي في الكشف 2/ 121 - 122: وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على لفظ التوحيد الذي أتى بالتاء قبله وهو قوله: "فأمليت للكافرين ثم أخذتهم"، وحمله أيضًا على لفظ التوحيد بعده في قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ  ﴾ فكان حيل الكلام على ما قبله وما بعده أحسن وأليق.

(٧) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 281 - 282 مع تصرف.

== قال مكي في "الكشف" 2/ 122.

وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه أفخم، وفيه معنى التعظيم، وبه جاء القرآن في مواضع.

وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 480.

(٨) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا  ﴾ .

(٩) قال أبو حبان 6/ 377: وجعل "وبئر معطلة وقصر مشيد" معطوفين على "عروشها" جهل بالفصاحة، وقال السمين الحلبي 8/ 287 عن هذا القول، وليس بشيء.

وكذا قال الألوسي 17/ 166.

(١٠) انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 228.

(١١) وقال عنه السمين الحلبي 8/ 287، هذا هو الوجه.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 102، "البحر المحيط" 6/ 377.

(١٢) أي خطأ.

قال الجوهري: الخلف: الرديء من القول.

يقال سكت ألفًا وتكلم خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ.

الصحاح 4/ 1354 (خلف).

(١٣) في (ط)، (د)، (ع): (هلاكهم).

(١٤) في (أ): (فإذا)، وفي (د)، (ع): (إذا)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".

(١٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 166 (عطل) نقلا عن الليث.

وفي "العين" 2/ 9 (عطل): وبئر معطلة: أي لا تورد ولا يستقى منها.

(١٦) لم أجد من ذكره عنه.

(١٧) روى الطبري 17/ 180 عن ابن عباس "وبئر معطلة" قال: التي قد تركت وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 61 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.

(١٨) في (أ): (المطلول)، وهو خطأ.

(١٩) ذكره الثعلبي 3/ 54 أعنهم جميعًا.

وعن قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 40، والطبري 17/ 181 بلفظ: كان أهله شيدوه وحصنوه.

وعن الضحاك رواه الطبري 17/ 181 بلفظ: طويل.

وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 26 ب.

(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 394 (شاد)، "الصحاح" للجوهري 2/ 495 "شيد"، "لسان العرب" 3/ 244 (شيد).

والنورة بالضم: الهناءُ، وهو من الحجر يُحرق ويسوّى منه الكلس.

"لسان العرب" 5/ 244 "نور"، "تاج العروس" للزبيدي 14/ 306 "نور".

(٢١) في (د)، (ع): (أبو عبيد)، والصواب ما في (أ)، (ظ).

(٢٢) البيت أنشده أبو عبيدة لعدي بن زيد في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 53.

وهو في ديوان عدي بن زيد ص 88، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 13، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 294، "الكامل" 1/ 90، والطبري 17/ 182، "الجمهرة" لابن دريد 3/ 45 "كلس"، "لسان العرب" 6/ 197 "كلس".

والرواية عندهم "جلله" إلا الديوان والجمهرة فإن الرواية فيهما: "خلله"، ثم قال ابن دريد بعد روايته للبيت: هكذا رواه الأصمعي بالخاء معجمة، وقال: ليس جلله -بالجيم- بشيء -وروى غيره بالجيم- وقال الأصمعي: إنَّما هو "خلله" أي: صير الكلس في خلل الحجارة، وكان يضحك من هذا ويقول: متى رأوا حصنًا مصهرجًا.

المرمر: الرخام.

"الصحاح" للجوهري 2/ 814 (مرر).

و"الكلس" -بالكسر-: ما طلبي به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير آجر، وقيل هو الصاروج -يعني النورة وأخلاطها التي تطلى بها النزل، فارسي معرب- أو مثل الصاروج.

انظر: "لسان العرب" 6/ 197 (كلس)، 2/ 310 (صرج)، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 448 (كلس).

(ذراه): أعلاه.

الصحاح للجوهري 6/ 2345 (ذرا).

(كُور): جميع وكر، وهو العش.

"لسان العرب" 5/ 252 "وكر".

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 432.

وقوله: "بفتح الميم وكسر الشين" هذا من كلام الواحدي.

(٢٤) ذكره الثعلبي 3/ 54 أعن عطاء وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير.

ورواه عن هؤلاء الأربعة الطبري 17/ 180 - 181.

ورواه عن عطاء وعكرمة عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39.

ولم أجده من ذكره عن أبي صالح والسدي.

قال ابن كثير 3/ 227 بعد ذكره للأقوال: والأقوال متقاربة، ولا منافاة بينهما، فإنه لم يحمل أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ  ﴾ .

وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 3/ 327 - 328: وكم من قصر تعب عليه أهله، فشيدوه ورفعوه وحصنوه وزخرفوه، فحين جاءهم الأمر لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليًا من أهله.

(٢٥) ذكره الثعلبي 54/ 3 أعن الضّحاك.

وذكر فيها قصّة.

وذكره القرطبي 12/ 75 عن الضحاك وغيره، وساق عنه قصّة طويلها في خبر هذه البتر وأصحابها.

الله أعلم بصحة هذا الخبر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية له والوعيد لهم ﴿ نَكِيرِ ﴾ مصدر بمعنى الإنكار ﴿ على عُرُوشِهَا ﴾ العروش السقف فإن تعلق الجار بخاوية: فالمعنى أن العروش سقطت ثم سقطت الحيطان عليها فهي فوقها، وإن كان الجار والمجرور في موضع الحال: فالمعنى أنها خاوية مع بقاء عروشها ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ أي لا يُسقى الماء منها لهلاك أهلها، ورُوي أن هذا البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود، والأظهر أنه لم يرد التعيين، لقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وهذا اللفظ يراد به التكثير ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ أي مبنى بالشيد وهو الجص، وقيل: المشيد المرفوع البنيان ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ﴾ دليل على أن العقل في القلب، خلافاً للفلاسفة في قولهم: العقل في الدماغ ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ أي لا تعمى الأبصار عمى يعتد به، وإنما العمى الذي يعتد به عمى القلوب، وإن هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم ولكن عميت قلوبهم، فالمعنى الأول لقصد المبالغة، والثاني خاص بهؤلاء القوم ﴿ التي فِي الصدور ﴾ مبالغة كقوله: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ﴾ [آل عمران: 167].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.

وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.

﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.

ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ضمان النصر لنبيه  والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.

قال جار لله.

إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟

والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.

قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية  ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟

فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.

وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.

وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.

يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.

يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟

قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.

ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.

ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون  ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.

والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.

ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.

وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.

ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.

قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.

قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.

والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.

قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.

والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.

ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.

"عن النبي  أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟

قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .

قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه  لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.

وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى  ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله  في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله  وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله  هذه الآية.

واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.

أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن  ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟

وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.

وقد روى البخاري في صحيحه أنه  قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول فهو أن النبي  بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟

وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.

وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.

وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.

وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك  ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.

إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".

وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.

وكيف وقعت؟

ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.

وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.

وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.

قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله  ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.

وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه  كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.

وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.

وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله  ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.

ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.

وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.

والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.

والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.

وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.

القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله  ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.

وما تلك الوسوسة؟

قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.

وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.

وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله  إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.

وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله  يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟

وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.

والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.

وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.

ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.

وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.

فقلت "تلك الغرانيق" الخ.

وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله  له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.

فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.

وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.

ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.

وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.

وأعلم أنه  ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.

وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.

وعن الكلبي: أي النسخ.

قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.

﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.

والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.

قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.

ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.

قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.

ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.

واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.

ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.

سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.

ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.

ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.

يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.

ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.

والرزق الحسن نعيم الجنة.

وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.

وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً  ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.

قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.

ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.

وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.

وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله  قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.

وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.

قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.

وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.

وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.

ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.

عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.

ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.

وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.

وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله  ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.

ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.

ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.

ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.

وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.

ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.

ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.

وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل  ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.

ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.

وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.

وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".

ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.

وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.

إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.

وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".

ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.

وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.

﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.

وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه  يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.

والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي  بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.

ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال  "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.

﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...

﴾ الآية.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...

﴾ الآية [هود: 120].

وقوله: ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: لم يعاقب الله قوماً كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيباً وعناداً، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ  ﴾ .

قال الحسن: إن الله لم يهلك قوماً بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرناً فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم على ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.

وقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ ، لم يهلك الله  أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.

وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.

وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.

ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئاً، من نحو قريات لوط وثمود وهؤلاء.

وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على [ما] ذكرنا من إهلاك أهلها.

وقوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : مجصص، والشيد: الجصّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.

قال القتبي: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجصّ، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول.

وكذلك قال أبو عوسجة أو قريباً، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصّنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.

أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...

﴾ الآية [النحل: 112]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هلا ساروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حلّ بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم، وإمّا بالسماع من الأخبار.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السّماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ ﴾ الظاهرة، ﴿ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعدّ كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهاً.

وقال بعضهم: وإن يوماً عند ربكّ من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.

ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديداً طويلا؛ لشدّة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدّة؛ إذ الآخرة ممّا لا غاية لانتهائها، وكل شيء لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الاوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي ﴿ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ : لم آخذها وقت ظلمهم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ﴾ من بعد ﴿ وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ومعاصيهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال بعضهم: سماه رزقا كريماً؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.

وقال بعضهم: سماه: كريماً؛ لأن الكريم هو الذي يقضى عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ في بعض القرآن: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.

والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنّه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ على ظن منهم أنّهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما أكثر القرى التي أهلكناها -وهي ظالمة بكفرها- بعذاب مُسْتَأصِل، فديارها مهدمة خالية من سكانها، وما أكثر الآبار الخالية من ورَّادها لهلاكهم، وما أكثر القصور العالية المزخرفة التي لم تحصن ساكنيها من العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.AeB5l"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله