الآية ٦٧ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٦٧ من سورة الحج

لِّكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا .

قال ابن جرير : يعني : لكل أمة نبي منسكا .

قال : وأصل المنسك في كلام العرب : هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ، ويتردد إليه ، إما لخير أو شر .

قال : ولهذا سميت مناسك الحج بذلك ، لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها .

فإن كان كما قال من أن المراد : ( لكل أمة جعلنا منسكا ) فيكون المراد بقوله : ( فلا ينازعنك في الأمر ) أي : هؤلاء المشركون .

وإن كان المراد : " لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا كما قال : ( ولكل وجهة هو موليها ) [ البقرة : 148 ] ولهذا قال هاهنا : ( هم ناسكوه ) أي : فاعلوه فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق ، أي : هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته ، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق; ولهذا قال : ( وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) أي : طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود .

وهذه كقوله : ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ) [ القصص : 87 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا ) أيّ المناسك عنى به؟

فقال بعضهم: عنى به: عيدهم الذي يعتادونه.

*ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ) يقول: عيدا.

وقال آخرون: عنى به: ذبح يذبحونه، ودم يهريقونه.

*ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله: ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ) قال: إراقة الدم بمكة.

حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( هُمْ نَاسِكُوهُ ) قال: إهراق دماء الهدي.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: (مَنْسَكا) قال: ذبحا وحجا.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام, على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام.

غير أن تلك لم تكن مناسك, فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا.

ولذلك قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا.

وقوله: ( فلا ينازعنك في الأمر) يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم, ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟

فأنك أولى بالحقّ منهم, لأنك محقّ وهم مبطلون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ ) قال: الذبح.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ ) فلا تتحام لحمك.

وقوله: ( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ) يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئْتهم به من عند الله, وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها, إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك, وهم الضلال على قصد السبيل, لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم وعبادتهم الآلهة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيمقوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا أي شرعا .

هم ناسكوه أي عاملون به .

فلا ينازعنك في الأمر أي لا ينازعنك أحد منهم فيما يشرع لأمتك ؛ فقد كانت الشرائع في كل عصر .

وروت فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح ، وقولهم للمؤمنين : تأكلون ما ذبحتم ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة ، فكان ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم ؛ فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة .

وقد مضى هذا في ( الأنعام ) والحمد لله .

وقد تقدم في هذه السورة ما للعلماء في قوله تعالى منسكا .

وقوله : هم ناسكوه يعطي أن المنسك المصدر ، ولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه .

وقال الزجاج : فلا ينازعنك في الأمر أي فلا يجادلنك ؛ ودل على هذا وإن جادلوك .

ويقال : قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك ؟

فالجواب أن المعنى فلا تنازعهم أنت .

نزلت الآية قبل الأمر بالقتال ؛ تقول : لا يضاربنك فلان فلا تضاربه أنت ؛ فيجري هذا في باب المفاعلة .

ولا يقال : لا [ ص: 88 ] يضربنك زيد وأنت تريد لا تضرب زيدا .

وقرأ أبو مجلز ( فلا ينزعنك في الأمر ) أي لا يستخلفنك ولا يغلبنك عن دينك .

وقراءة الجماعة من المنازعة .

ولفظ النهي في القراءتين للكفار ، والمراد النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وادع إلى ربك أي إلى توحيده ودينه والإيمان به .

إنك لعلى هدى أي دين .

مستقيم أي قويم لا اعوجاج فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه جعل لكل أمة { مَنْسَكًا } أي: معبدا وعبادة، قد تختلف في بعض الأمور، مع اتفاقها على العدل والحكمة، كما قال تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } الآية، { هُمْ نَاسِكُوهُ } أي: عاملون عليه، بحسب أحوالهم، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع، خصوصا من الأميين، أهل الشرك والجهل المبين، فإنه إذا ثبتت رسالة الرسول بأدلتها، وجب أن يتلقى جميع ما جاء به بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض، ولهذا قال: { فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ } أي: لا ينازعك المكذبون لك، ويعترضون على بعض ما جئتهم به، بعقولهم الفاسدة، مثل منازعتهم في حل الميتة، بقياسهم الفاسد، يقولون: \" تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله \" وكقولهم { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } ونحو ذلك من اعتراضاتهم، التي لا يلزم الجواب عن أعيانها، وهم منكرون لأصل الرسالة، وليس فيها مجادلة ومحاجة بانفرادها، بل لكل مقام مقال، فصاحب هذا الاعتراض، المنكر لرسالة الرسول، إذا زعم أنه يجادل ليسترشد، يقال له: الكلام معك في إثبات الرسالة وعدمها، وإلا فالاقتصار على هذه، دليل أن مقصوده التعنت والتعجيز، ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويمضي على ذلك، سواء اعترض المعترضون أم لا، وأنه لا ينبغي أن يثنيك عن الدعوة شيء، لأنك { على هُدًى مُسْتَقِيمٍ } أي: معتدل موصل للمقصود، متضمن علم الحق والعمل به، فأنت على ثقة من أمرك، ويقين من دينك، فيوجب ذلك لك الصلابة والمضي لما أمرك به ربك، ولست على أمر مشكوك فيه، أو حديث مفترى، فتقف مع الناس ومع أهوائهم، وآرائهم، ويوقفك اعتراضهم، ونظير هذا قوله تعالى: { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } مع أن في قوله: { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ } إرشاد لأجوبة المعترضين على جزئيات الشرع، بالعقل الصحيح، فإن الهدى وصف لكل ما جاء به الرسول، والهدى: ما تحصل به الهداية، من مسائل الأصول والفروع، وهي المسائل التي يعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة السليمة، وهذا يعرف بتدبر تفاصيل المأمورات والمنهيات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ) قال ابن عباس : يعني شريعة هم عاملون بها .

وروي عنه أنه قال : عيدا قال قتادة ومجاهد : موضع قربان يذبحون فيه .

وقيل : موضع عبادة .

وقيل : مألفا يألفونه .

والمنسك في كلام العرب : الموضع المعتاد لعمل خير أو شر ، ومنه " مناسك الحج " لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج .

( فلا ينازعنك في الأمر ) يعني في أمر الذبائح .

نزلت في بديل بن ورقاء ، وبشر بن سفيان ، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله .

قال الزجاج : معنى قوله ( فلا ينازعنك ) أي : لا تنازعهم أنت ، كما يقال : لا يخاصمك فلان ، أي : لا تخاصمه ، وهذا جائز فيما يكون بين الاثنين ، ولا يجوز : لا يضربنك فلان ، وأنت تريد : لا تضربه ، وذلك أن المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين ، فإذا ترك أحدهما فلا مخاصمة هناك .

( وادع إلى ربك ) إلى الإيمان بربك ، ( إنك لعلى هدى مستقيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لكل أمة جعلنا منسكا» بفتح السين وكسرها شريعة «هم ناسكوه» عاملون به «فلا يُنازعُنَّك» يراد به لا تنازعهم «في الأمر» أي أمر الذبيحة إذ قالوا: ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم «وادع إلى ربك» إلى دينه «إنك لعلى هدى» دين «مستقيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكل أمة من الأمم الماضية جعلنا شريعة وعبادة أمرناهم بها، فهم عاملون بها، فلا ينازعنك- أيها الرسول- مشركو قريش في شريعتك، وما أمرك الله به في المناسك وأنواع العبادات كلها، وادع إلى توحيد ربك وإخلاص العبادة له واتباع أمره، إنك لعلى دين قويم، لا اعوجاج فيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده أتبعت ذلك ببيان أنه - سبحانه - قد جعل لكم أمة شرعة ومنهاجا ، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقة لتبليغ رسالة الله - تعالى - دون أن يلتفت إلى ممارات المشركين له ، وأن يفوض الحكم فيهم إليه - سبحانه - فهو العليم بكل شىء ، فقال - تعالى - : ( لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا .

.

.

) .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ .

.

.

) كلام مستأنف جىء به لزجر معاصريه - صلى الله عليه وسلم - من أهل الأديان السماوية عن منازعته ، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع ، وإظهار خطئهم .والمراد الأمة هنا : القوم الذين يدينون بشريعة معينة .

والمراد بالمنسك المنهج والشريعة التى يتبعونها فى عقيدتهم وفى معاملاتهم .

.

.أى : شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه فى اعتقادهم وفى طريقة حياتهم ، فالأمة التى وجدت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - شريعتها التوراة ، والأمة التى وجدت من بعث عيسى حتى مبعث محمد - صلى الله - شريعتها الأنجيل ، والأمة التى وجدت منذ مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة شريعتها القرآن .وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تتبعه فيما جاء به من عند ربه ، لأن شريعته هى الشريعة الناسخة لما قبلها ، والمهيمنة عليها .ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك هنا : المكان الذى يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى الله - تعالى - .وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وأصل المناسك فى كلام العرب : الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر .

يقال : إن لفلان منسكا يعتاده ، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر .

وقد اختلف أهل التأويل فى معنى المنسك هنا ، فقيل : عيد ، وقيل : إراقة الدم .

.

.

والصواب من القول فى ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى ، لأن المناسك التى كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت إراقة الدم فى هذه الأيام .

.

.

ولذلك قلنا : عنى بالمنسك فى هذا الموضع : الذبح .

.ويبدو لنا أن القول الأول ، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره .والضمير فى قوله : ( هُمْ نَاسِكُوهُ ) يعود لكل أمة .أى : جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها ، وتنهج على نهجها .

.والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمر ) لترتيب النهى على ما قبلها .والمنازعة : المجادلة والمخاصمة .

والمراد بالأمر : ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام .أى : قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها ، وما دام الأمر كذلك ، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التى أوحيناها إليك ، وأمرناك باتباعها ، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك فى ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم ، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك ، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم ، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم ، ومهيمن عليها وناسخ لها .ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال : ( وادع إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ) .أى : وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق ، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم ، وإلى الدخول فى دين الإسلام : فإنك أنت على الصراط المستقيم ، الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال: ﴿ لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما حذف الواو في قوله: ﴿ لِكُلّ أُمَّةٍ ﴾ لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف.

المسألة الثانية: في المنسك أقوال: أحدها: قال ابن عباس عيداً يذبحون فيه.

وثانيها: قرباناً ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد.

وثالثها: مألفاً يألفونه إما مكاناً معيناً أو زماناً معيناً لأداء الطاعات.

ورابعها: المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص.

فإن قيل هلا حملتموه على الذبح، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح؟

وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها؟

الجواب: عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام: «خذوا عني مناسككم».

وعن الثاني: أن قوله: ﴿ هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان.

المسألة الثالثة: زعم قوم أن المراد من قوله: ﴿ هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكاً بشرع كاليهود والنصارى، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق، لأن قوله: ﴿ هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ ينازعنك فِي الأمر ﴾ فقرئ ﴿ فَلاَ ينزعنك ﴾ أي أثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه.

وأما قوله: ﴿ فَلاَ ينازعنك ﴾ ففيه قولان: أحدهما: وهو قول الزجاج: أنه نهى لهم عن منازعتهم، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني: أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه.

فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: ﴿ وادع إلى رَبّكَ ﴾ أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى.

كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال: ﴿ وَإِن جادلوك ﴾ والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك ﴿ فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر.

فقال: ﴿ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فتعرفون حينئذ الحق من الباطل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك.

أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنازعة في الدين وهم جهال لا علم عندهم وهم كفار خزاعة.

روى: أن بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله!

يعنون الميتة.

وقال الزجاج: هو نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعته، كما تقول: لا يضاربنك فلان، أي: لا تضاربه.

وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين ﴿ فِى الأمر ﴾ في أمر الدين.

وقيل: في أمر النسائك، وقرئ: ﴿ فلا ينزعنك ﴾ أي اثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه.

والمراد: زيادة التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله ولدينه.

ومنه قوله: ﴿ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله ﴾ [القصص: 87] ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ [الأنعام: 14] ، [يونس: 105] ، [القصص: 87] ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين ﴾ [القصص: 86] .

وهيهات أن ترتع همة رسول الله صلى الله عليه وسلم حول ذلك الحمى، ولكنه وارد على ما قلت لك من إرادة التهييج والإلهاب.

وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه، أي: غلبته، أي: لا يغلبنك في المنازعة.

فإن قلت: لم جاءت نظيرة هذه الآية معطوفة بالواو وقد نزعت عن هذه؟

قلت: لأنّ تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك، فعطفت على أخواتها.

وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ أهْلِ دِينٍ.

﴿ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ مُتَعَبَّدًا أوْ شَرِيعَةً تَعَبَّدُوا بِها، وقِيلَ عِيدًا.

﴿ هم ناسِكُوهُ ﴾ يَنْسَكُونَهُ.

﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ ﴾ سائِرُ أرْبابِ المَلَلِ.

﴿ فِي الأمْرِ ﴾ في أمْرِ الدِّينِ أوِ النَّسائِكِ لِأنَّهم بَيْنَ جُهّالٍ وأهْلِ عِنادٍ، أوْ لِأنَّ أمْرَ دِينِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يَقْبَلَ النِّزاعَ، وقِيلَ المُرادُ نَهْيُ الرَّسُولِ  عَنِ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ المُناظَرَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى نِزاعِهِمْ، فَإنَّها إنَّما تَنْفَعُ طالِبَ الحَقِّ وهَؤُلاءِ أهْلُ مِراءٍ، أوْ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ كَقَوْلِكَ: لا يُضارُّ بِكَ زَيْدٌ، وهَذا إنَّما يَجُوزُ في أفْعالِ المُغالَبَةِ لِلتَّلازُمِ، وقِيلَ نَزَلَتْ في كُفّارِ خُزاعَةَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: ما لَكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وقُرِئَ ( فَلا يَنْزَعَنَّكَ ) عَلى تَهْيِيجِ الرَّسُولِ والمُبالَغَةِ في تَثْبِيتِهِ عَلى دِينِهِ عَلى أنَّهُ مِن نازَعْتُهُ فَنَزَعْتُهُ إذا غَلَبْتُهُ.

﴿ وادْعُ إلى رَبِّكَ ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ.

﴿ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴾ طَرِيقٍ إلى الحَقِّ سَوِيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لكل أمة} أهل دين {جعلنا منسكا} من بيانه وهو رد لقول من يقول إن الذبح ليس بشريعة الله إذ هو شريعة كل أمة {هُمْ نَاسِكُوهُ} عاملون به {فَلاَ ينازعنك} فلا يجادلنك والمعنى فلا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك {فِى الأمر} أمر الذبائح أو الدين نزلت حين قال المشركون للمسلمين ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعني الميتة {وادع} الناس {إلى رَبّكَ} إلى عبادة ربك {إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} طريق قويم ولم يذكرا لوا وفى لِكُلّ أُمَّةٍ بخلاف ما تقدم لأن تلك وقعت مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ مُعاصِرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ الأدْيانِ السَّماوِيَّةِ عَنْ مُنازَعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ حالِ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وإظْهارِ خَطَئِهِمْ في النَّظَرِ أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ والباقِيَةِ ﴿ جَعَلْنا ﴾ وضَعْنا وعَيَّنّا ﴿ مَنسَكًا ﴾ أيْ شَرِيعَةً خاصَّةً، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ لا لِأُمَّةٍ أُخْرى مِنهم، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِكُلٍّ مِن فاطِمَةَ وزَيْنَبَ وهِنْدٍ وحَفْصَةَ أعْطَيْتُ ثَوْبًا خاصًّا إذا كُنْتَ أعْطَيْتَ فاطِمَةَ ثَوْبًا أحْمَرَ وزَيْنَبَ ثَوْبًا أصْفَرَ وهِنْدًا ثَوْبًا أسْوَدَ وحَفْصَةَ ثَوْبًا أبْيَضَ فَإنَّهُ بِمَعْنى لِفاطِمَةَ أعْطَيْتُ ثَوْبًا أحْمَرَ لا لِأُخْرى مِن أخَواتِها ولِزَيْنَبَ أعْطَيْتُ ثَوْبًا أصْفَرَ لا لِأُخْرى مِنهُنَّ وهَكَذا، وحاصِلُ المَعْنى هُنا عَيَّنّا كُلَّ شَرِيعَةٍ لِأُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم شَرِيعَتَها المُعَيَّنَةَ لَها إلى شَرِيعَةٍ أُخْرى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم ناسِكُوهُ ﴾ صِفَةٌ لِمَنسَكًا مُؤَكِّدَةٌ لِلْقَصْرِ، والضَّمِيرُ لِكُلِّ أُمَّةٍ بِاعْتِبارِ خُصُوصِها أيْ تِلْكَ الأُمَّةُ المُعَيَّنَةُ ناسِكُونَ بِهِ وعامِلُونَ لا أُمَّةً أُخْرى فالأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَنسَكُهم ما في التَّوْراةِ هم عامِلُونَ بِهِ لا غَيْرُهم والَّتِي مِن مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَبْعَثِ نَبِيِّنا  مَنسَكُهم ما في الإنْجِيلِ هم عامِلُونَ بِهِ لا غَيْرُهم، وأمّا الأُمَّةُ المَوْجُودَةُ عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  ومَن بَعْدَهم مِنَ المَوْجُودِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ مَنسَكُهم ما في القُرْآنِ لَيْسَ إلّا، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ أيْ أمْرِ الدِّينِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ تَعْيِينَهُ تَعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أُمَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً بِحَيْثُ لا تَتَخَطّى أُمَّةٌ مِنهم ما عُيِّنَ لَها مُوجِبٌ لِطاعَةِ هَؤُلاءِ لَهُ  وعَدَمِ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ في أمْرِ الدِّينِ زَعْمًا مِنهم أنَّ شَرِيعَتَهم ما عُيِّنَ لِآبائِهِمْ مِمّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَإنَّ ذَلِكَ شَرِيعَةٌ لِمَن مَضى قَبْلَ انْتِساخِهِ وهَؤُلاءِ أُمَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ شَرِيعَتُهم ما في القُرْآنِ فَحَسْبُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ نَهْيُهم حَقِيقَةً عَنِ النِّزاعِ في ذَلِكَ.

واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ كِنايَةً عَنْ نَهْيِهِ  عَنِ الِالتِفاتِ إلى نِزاعِهِمُ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِهِمُ المَذْكُورِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بُقُولِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ وادْعُ ﴾ إلَخْ، وأمْرُ الأنْسَبِيَّةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ في نَفْسِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ كَما تَقُولُ: لا يُضارِبَنَّكَ زَيْدٌ أيْ لا تُضارِبَنَّهُ وذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وهَذا إنَّما يَجُوزُ عَلى ما قِيلَ وبُحِثَ فِيهِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ لِلتَّلازُمِ فَلا يَجُوزُ في مِثْلِ لا يَضْرِبَنَّكَ زَيْدٌ أنْ تُرِيدَ لا تَضْرِبَنَّهُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ، وقُرِئَ «فَلا يُنازِعُنَكَ» بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، ولاحَقَ بْنَ حُمَيْدٍ «فَلا يِنْزِعُنَّكَ» بِكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مِنَ النَّزْعِ بِمَعْنى الجَذْبِ كَما في البَحْرِ، والمَعْنى كَما قالَ ابْنُ جِنٍّيٍّ فَلا يَسْتَخِفُّنَّكَ عَنْ دِينِكَ إلى أدْيانِهِمْ فَتَكُونُ بِصُورَةِ المَنزُوعِ عَنْ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ.

وفِي الكَشّافِ أنَّ المَعْنى اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَجْذِبُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ، والمُرادُ زِيادَةُ التَّثْبِيتِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يُهَيِّجُ حَمِيَّتَهُ ويُلْهِبُ غَضَبَهُ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِن نازَعْتُهُ فَنَزَعْتُهُ أنْزِعُهُ أيْ غَلَبْتُهُ، فالمَعْنى لا يَغْلِبُنَّكَ في المُنازَعَةِ والمُرادُ بِها مُنازَعَةُ الجِدالِ يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المُغالَبَةِ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّها عِنْدَ الجُمْهُورِ تُقالُ في كُلِّ فِعْلٍ فاعَلْتُهُ فَفَعَلْتُهُ أفْعَلُهُ بِضَمِّ العَيْنِ ولا تُكْسَرُ إلّا شُذُوذًا، وزَعَمَ الكِسائِيُّ ورَدَّهُ العُلَماءُ أنَّ ما كانَ عَيْنُهُ أوْ لامُهُ حَرْفَ حَلْقٍ لا يُضَمُّ بَلْ يُتْرُكُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ما هُنا عَلى تَوْجِيهِالزَّجّاجِ شاذًّا عِنْدَ الجُمْهُورِ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: كَما في المُفَصَّلِ ولَيْسَ في كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذا أيْ بابَ المُغالَبَةِ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: نازَعَنِي فَنَزَعْتُهُ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِغَلَبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ مِن لا يَغْلِبُنَّكَ في المُنازَعَةِ لا تُقَصِّرْ في مُنازَعَتِهِمْ حَتّى يَغْلِبُوكَ فِيها، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّثْبِيتِ فَلَيْسَ هُناكَ نَهْيٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، هَذا وما ذَكَرْنا مِن تَفْسِيرِ المَنسَكِ بِالشَّرِيعَةِ هو رِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ القَفّالُ، وقالَ الإمامُ: هو الأقْرَبُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى النُّسُكَ أيِ العِبادَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُعْطِي ذَلِكَ ﴿ هم ناسِكُوهُ ﴾ وقِيلَ: هو اسْمُ زَمانٍ، وقِيلَ: اسْمُ مَكانٍ، وكانَ الظّاهِرُ ناسِكُونَ فِيهِ إلّا أنَّهُ اتُّسِعَ في ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الذَّبْحُ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، وجَعَلَ ضَمِيرَ ﴿ يُنازِعُنَّكَ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، والأمْرُ المُتَنازَعُ فِيهِ أمْرُ الذَّبائِحِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ الخُزاعِيِّينَ بُدَيْلِ بْنِ ورْقاءَ.

وبِشْرِ بْنِ سُفْيانَ ويَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ما لَكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى جَعْلِ مَحَلِّ النِّزاعِ أمْرَ النَّسائِكِ وجَعْلِهِ عِبارَةً عَنْ قَوْلِ الخُزاعِيِّينَ المَذْكُورِ.

وتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا كَيْفَ لا وإنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ أكْلُ المَيْتَةِ وسائِرِ ما يَدِينُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأباطِيلِ مِنَ المَناسِكِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ الأُمَمِ ولا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ عاقِلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ لا يُنازِعَنَّكَ المُشْرِكُونَ في أمْرِ النَّسائِكِ فَإنَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ شَرِيعَةٌ شَرَعْناها وأعْلَمْناكَ بِها فَكَيْفَ يُنازِعُونَ بِما لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ فِيها، وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ لا تَلْتَفِتْ إلى نِزاعِ المُشْرِكِينَ في أمْرِ الذَّبائِحِ فَإنّا جَعَلْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ ذَبْحًا هم ذابِحُوهُ.

وحاصِلُهُ لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ الذَّبْحَ شَرْعٌ قَدِيمٌ لِلْأُمَمِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِأُمَّتِكَ وهَذا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، ومَن قالَ بِصِحَّةِ الآثارِ وعَضِّ عَلَيْها بِالنَّواجِذِ لا يَكادُ يَجِدُ أوْلى مِنهُ في بَيانِ حاصِلِ الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ورَأى أنَّ الآيَةَ مَتى احْتَمَلَتْ مَعْنًى جَزْلًا لا مَحْذُورَ فِيهِ قِيلَ بِهِ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ فَعَلَيْهِ بِما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّهُ إنَّما لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا  ﴾ إلَخْ لِضَعْفِ الجامِعِ بَيْنَها وبَيْنَ ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ بِخِلافِ ذَلِكَ.

وفي الكَشْفِ بَيانًا لِكَلامِ الكَشّافِ في تَوْجِيهِ العَطْفِ هُناكَ وتَرْكِهِ هُنا أنَّ الجامِعَ هُناكَ قَوِيٌّ مُقْتَضٍ لِلْعَطْفِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ كَوُجُوبِ نَحْرِها مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ العَتِيقِ كالإعادَةِ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ  ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا بِالمُخاطِبِينَ فَعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ لِلذِّكْرِ لِتَتِمَّ الإعادَةُ والغَرَضُ مِن هَذا الأُسْلُوبِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ شَرْعٌ قَدِيمٌ وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَضَمِّنًا لِمَنافِعَ جَلِيلَةٍ في الدّارَيْنِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَأيْنَ حَدِيثُ النَّسائِكِ مِن حَدِيثِ تَعْدادِ الآياتِ والنِّعَمِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، ولَعَمْرِي إنَّ شَرْعِيَّةَ النَّسائِكِ لِكُلِّ أُمَّةٍ وإنْ كانَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ لَكِنَّ النَّظَرَ إلى المُجانَسَةِ بَيْنَ النِّعَمِ وما سِيقَ لَهُ الكَلامُ فالحالَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْقَطْعِ، وذِكْرُهُ ها هُنا لِهَذِهِ المُناسَبَةِ عَلى نَحْوٍ خَفِيٍّ ضَيِّقٍ اهَـ، وهو حَسَنٌ وظاهِرُهُ تَفْسِيرُ النُّسُكِ بِالذَّبْحِ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ ما تَقَدَّمَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ  ﴾ إلَخْ وهو مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ مَعَ المُؤْمِنِينَ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ والمَطْلُوبُ تَعْظِيمُ شَعائِرِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِكم إذْ كَلُّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٌ بِنُسُكٍ وعِبادَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مُقَدِّمَةُ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يُوجِبُ نِزاعَ القَوْمِ تَسْلِيَةٌ لَهُ وتَعْظِيمٌ لِأمْرِهِ حَيْثُ جَعَلَ أمْرَهُ مَنسَكًا ودِينًا يَعْنِي شَأْنُكَ وشَأْنُ أمْثالِكَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرْكُ المُنازَعَةِ مَعَ الجُهّالِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ المُناظَرَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى النِّزاعِ ومُلازَمَةُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ أوْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ المُعانِدَةِ جَعَلْنا طَرِيقًا ودِينًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعَنَّكَ هَؤُلاءِ المُجادِلَةُ.

سُمِّيَ دَأْبُهم نُسُكًا لِإيجابِهِمْ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ تَهَكُّمًا بِهِمْ ومَسْلاةً لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا كانَ يَلْقى مِنهم، وأمّا اتِّصالُهُ بِما سَبَقَ مِنَ الآياتِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ  ﴾ يُوجِبُ القَلْعَ عَنْ إنْذارِ القَوْمِ والإياسَ مِنهم ومُتارَكَتَهم والآياتُ المُتَخَلِّلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ فَجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ ﴾ تَحْرِيضًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى التَّأسِّي بِالأنْبِياءِ السّالِفَةِ في مُتارَكَةِ القَوْمِ والإمْساكِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ الإياسِ مِن إيمانِهِمْ ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فالرَّبْطُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ وهو أقْوى مِنَ الرَّبْطِ اللَّفْظِيِّ، والَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الكَلامُ في مُجادَلَةِ القَوْمِ ومُعانَدِيهِمْ والنَّعْيُ عَلَيْهِمْ بِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ألا تَرى كَيْفَ افْتَتَحَها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ  ﴾ وكَرَّرَها وجَعَلَها أصْلًا لِلْمَعْنى المُهْتَمَّ بِهِ وكُلَّما شَرَعَ في أمْرٍ كَرَّ إلَيْهِ تَثْبِيتًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسْلاةً لِصَدْرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ واقِعَةٌ مَعَ أباعِدَ عَنْ مَعْناها انْتَهى، ولَعَمْرِي إنَّهُ أبْعَدَ عَنْ رُبُوعِ التَّحْقِيقِ وفَسَّرَ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِما لا يَلِيقُ.

وقَدْ تُعُقِّبَ في الكَشْفِ اتِّصالُهُ بِما ذُكِرَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ فَقَدْ تَخَلَّلَ ما لا يَصْلُحُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّسْلِيَةِ المَذْكُورَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن عاقَبَ ﴾ الآياتِ لا سِيَّما عَلى ما آثَرَهُ مِن جَعْلِها في المُقاتَلِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ ولَوْ سُلِّمَ فَلا مَدْخَلَ لِلِاسْتِئْنافِ وهو تَمْهِيدٌ لَما بَعْدَهُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ ﴾ إلَخْ، وأمّا قَوْلُهُ والَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إلَخْ فَهو مُسَلَّمٌ وهو عَلَيْهِ لا لَهُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ وادْعُ ﴾ أيْ وادْعُ هَؤُلاءِ المُنازِعِينَ أوِ النّاسَ كافَّةً عَلى أنَّهم داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ حَسْبَما بُيِّنَ في مَنسَكِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ ﴿ إنَّكَ لَعَلى هُدًى ﴾ أيْ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ إلى الحَقِّ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّتُها عَلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أيْ سَوِيٍّ أوْ أحَدُهُما تَخْيِيلٌ والآخَرُ تَرْشِيحٌ، ثُمَّ المُرادُ بِهَذا الطَّرِيقِ إمّا الدِّينُ والشَّرِيعَةُ أوْ أدِلَّتُها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ في مَوْضُوعِ التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لِكُلِّ أُمَّةٍ، يعني: لكل قوم جَعَلْنا مَنْسَكاً، يعني: مذبحاً.

هُمْ ناسِكُوهُ، يعني: ذابحوه، وفي منسك من الاختلاف ما سبق.

فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ، لا يخالفنك في أمر الذبيحة.

نزلت في قوم من خزاعة قالوا: ما ذبح الله، فهو أحل مما ذبحتم.

وقال الزجاج: المعنى فيه: أي فلا يجادلنك ولا تجادلهم، والدليل عليه: وإن جادلوك.

ويقال: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ يعني: لا يغلبونك في المنازعة.

وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، يعني: ادع الخلق إلى معرفة ربك، وإلى توحيد ربك.

إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ، على دين مستقيم.

قوله عز وجل: وَإِنْ جادَلُوكَ، يعني: إن حاججوك في أمر الذبيحة والتوحيد، فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ يعني: عالماً بأعمالكم فيجازيكم، وذلك قوله: اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، يقضي بينكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين والذبيحة.

قال عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد، أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ، يعني: إن ذلك العلم مكتوب في اللوح المحفوظ.

إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أي: إن كتابته.

عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، يعني: هين حال حفظه على الله، أي كتابته على الله يسير.

ثم قال عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، يعني: عذر ولا حجة.

قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين مَا لَمْ يُنَزِّلْ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد.

وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، يعني: ليس لهم بذلك حجة من المعقول.

وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ، يعني: مانع يمنعهم من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأشهر الحُرْم فأبى المؤمنون من قتالهم، وأبى المشركون إلاَّ القتال، فلمَّا اقتتلوا، جَدَّ المؤمنون ونصرهم الله تعالى فنزلت الآية فيهم «١» ، وجَعَلَ تقصيرَ الليلِ وزيادَة النهار وعكسهما إيلاجاً تجوُّزاً وتشبيها، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قوله:

فَتُصْبِحُ عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلّا ب «مكّة» «٢» و «تهامة» .

[قال ع «٣» : ومعنى هذا أنه أخذ قوله: فَتُصْبِحُ مقصوداً به صباحُ ليلة المطر، وذهب إلى أَنَّ ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر] «٤» .

قال ع «٥» : وقد شاهدتُ هذا في السُّوسِ الأقصى، نزل المطرُ ليلاً بعد قَحْطٍ، وأصبحت تلك الأرض الرملة التي تسفيها الرياح قد اخضَرَّت بنبات ضعيف دقيق.

قلت: وقد شاهدتُ أنا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق، وهي في حكمُ مكةَ إلاَّ أَنَّ البحر قد حال بينهما وذلك أَنَّ التعدية من جده إلى «سواكنَ» مقدار يومين في البحر أو أقلَّ بالريح المعتدلة، وكان ذلك في أَوَّلِ الخريف، وأجرى الله العادة أَنَّ أَمطارَ تلك البلاد تكونُ بالخريف فقط، هذا هو الغالب، ولَمَّا شاهدتُ ذلك تذكرتُ هذه الآية/ الكريمة، ٢٨ أفسبحان الله ما أعظم قدرته!

واللطيف: المُحَكَّمُ للأمور برفق.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [ الحَجِّ: ٣٤ ]، ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ ؛ أيْ: في الذَّبائِحِ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وخُزاعَةَ خاصَمُوا رَسُولَ اللَّهِ  في أمْرِ الذَّبِيحَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ ؟

يَعْنُونَ: المَيْتَةَ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا هُمُ المُنازِعِينَ لَهُ، فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ ؟

.

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ الزَّجّاجُ، فَقالَ: المُرادُ: النَّهْيُ لَهُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، فالمَعْنى: لا تُنازِعَنَّهم، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا يُخاصِمَنَّكَ فُلانٌ في هَذا أبَدًا، وهَذا جائِزٌ في الفِعْلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مِنِ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ والمُخاصَمَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِاثْنَيْنِ، فَإذا قُلْتَ: لا يُجادِلَنَّكَ فُلانٌ، فَهو بِمَنزِلَةِ: لا تُجادِلَنَّهُ، ولا يَجُوزُ هَذا في قَوْلِكَ: لا يَضْرِبَنَّكَ فُلانٌ، وأنْتَ تُرِيدُ: لا تَضْرِبَنَّهُ، [ ولَكِنْ ] لَوْ قُلْتَ: لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ، لَكانَ كَقَوْلِكَ: لا تُضارِبَنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الجَوابِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُ إلى رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: إلى دِينِهِ والإيمانِ بِهِ.

و" جادَلُوكَ " بِمَعْنى: خاصَمُوكَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، ﴿ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَهو يُجازِيكم بِهِ.

﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ؛ أيْ: يَقْضِي بَيْنَكم، ﴿ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الدِّينِ؛ أيْ: تَذْهَبُونَ إلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، وهَذا أدَبٌ حَسَنٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ عِبادَهُ، لِيَرُدُّوا بِهِ مَن جادَلَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، ولا يُجِيبُوهُ ولا يُناظِرُوهُ.

* فَصْلٌ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا نَزَلَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وقالَ بَعْضُهم: هَذا نَزَلَ في حَقِّ المُنافِقِينَ، كانَتْ تَظْهَرُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَلَتاتٌ تَدُلُّ عَلى شِرْكِهِمْ، ثُمَّ يُجادِلُونَ عَلى ذَلِكَ، فَوَكَلَ أمْرَهم إلى اللَّهِ تَعالى، فالآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ما يَجْرِي في السَّماواتِ والأرْضِ.

﴿ فِي كِتابٍ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: عِلْمَ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ سَهْلٌ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ الإحْياءُ والإماتَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثُ مَراتِبَ، وسَقَطَ مِنها المَوْتُ الأوَّلُ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ في غَيْرِها، إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى في هَذِهِ، و"المَنسَكُ" المَصْدَرُ، فَهو بِمَعْنى العِبادَةِ والشَرِيعَةِ، وهو أيْضًا مَوْضِعُ النُسُكِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ السِينِ وفِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هم ناسِكُوهُ" يُعْطِي أنَّ "المَنسَكَ".

المَصْدَرَ، ولَوْ كانَ المَوْضِعَ لَقالَ: هم ناسِكُونَ فِيهِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ جِدالِ الكُفّارِ في أمْرِ الذَبائِحِ، وقَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: تَأْكُلُونَ ما ذَبَحْتُمْ وهو مِن قَتْلِكُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ مِنَ المِيتَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ المُنازَعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ .

هَذِهِ البَيِّنَةُ مِنَ الفِعْلِ والنَهْيِ تَحْتَمِلُ مَعْنى التَخْوِيفِ وتَحْتَمِلُ مَعْنى احْتِقارِ الفاعِلِ وأنَّهُ أقَلُّ مِن أنْ يُفاعِلَ، وهَذا هو المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو إسْحاقٍ: المَعْنى: فَلا تُنازِعُهم فَيُنازِعُوكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَقْدِيرُ الَّذِي قُدِّرَ إنَّما يَحْسُنُ مَعَ مَعْنى التَخْوِيفِ، وإنَّما يَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هُنا المَعْنى: فَلا تَبْدَأْهم بِمُنازَعَتِكَ، فالنَهْيُ إنَّما يُرادُ بِهِ مَعْنى مِن غَيْرِ اللَفْظِ، كَما يُرادُ في قَوْلِهِمْ: "لا أرَيْنَّكَ هَهُنا"، أيْ: لا تَكُنْ هَهُنا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَلا يَنْزَعُنَّكَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأمْرِ" مَعْناهُ -عَلى التَأْوِيلِ أنَّ "المَنسَكَ" الشَرْعِيَّةُ-: لا يُنازِعُنَّكَ في الدِينِ والكِتابِ ونَحْوِهُ، وعَلى أنَّ "المَنسَكَ" مَوْضِعُ الذَبْحِ عَلى ما رَوَتِ الفِرْقَةُ المَذْكُورَةُ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الذَبائِحِ، فَيَكُونُ "الأمْرُ": الذَبْحُ.

و"الهُدى" في هَذِهِ الآيَةِ: الإرْشادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ ﴾ الآيَةُ مُوادَعَةٌ مَحْضَةٌ، نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا متصل في المعنى بقوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم ﴾ [الحج: 34] الآية.

وقد فُصل بين الكلامين ما اقتضى الحال استطراده من قوله: ﴿ وبشر المحسنين إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾ [الحج: 3738] إلى هنا، فعاد الكلام إلى الغرض الذي في قوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله ﴾ [الحج: 34] الآية ليبنى عليه قوله: ﴿ فلا ينازعنك في الأمر ﴾ .

فهذا استدلال على توحيد الله تعالى بما سبق من الشرائع لقصد إبطال تعدد الآلهة، بأن الله ما جعل لأهل كلّ ملة سبقت إلا مَنسكاً واحداً يتقرّبون فيه إلى الله لأنّ المتقرّب إليه واحد.

وقد جعل المشركون مناسك كثيرة فلكلّ صنم بيت يذبح فيه مثل الغبغب للعُزّى، قال النّابغة: وما هُريق على الأنصاب من جَسَد ............

(أي دم).

وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكُروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا ﴾ [الحج: 34] كما تقدم آنفاً.

فالجملة استئناف.

والمناسبة ظاهرة ولذلك فُصلت الجملة ولم تعْطف كما عطفت نظيرتها المتقدمة.

والمنسَك بفتح الميم وفتح السين: اسم مكان النّسُك بضمهما كما تقدّم.

وأصل النُّسك العبادة ويطلق على القربان، فالمراد بالنسك هنا مواضع الحج بخلاف المراد به في الآية السابقة فهو موضع القربان.

والضمير في ﴿ ناسكوه ﴾ منصوب على نزع الخافض، أي ناسكون فيه.

وفي «الموطأ»: «أن قريشاً كانت تقف عند المَشعر الحرام بالمزدلفة بقُزح، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعَرفة فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال الله تعالى: ﴿ لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ﴾ الآية، فهذا الجدال فيما نرى والله أعلم وقد سمعت ذلك من أهل العلم اه.

قال الباجي في «المنتقى»: «وهو قول ربيعة».

وهذا يقتضي أن أصحاب هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع المشركون منه، أي نزلت في سنة تسع، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة.

وفرّع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها، فالنهي ظاهره موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما أعطيه من الحجج كاففٍ في قطع منازعة معارضيه، فالمعارضون هم المقصود بالنهي، ولكن لما كان سبب نهيهم هو ما عند الرسول صلى الله عليه وسلم من الحجج وُجه إليه النهي عن منازعتهم إياه كأنه قيل: فلا تترك لهم ما ينازعونك به، وهو من باب قول العرب: لا أعْرِفَنّك تفعل كذا، أي لا تَفْعل فأعرِفك، فجعل المتكلم النهي موجهاً إلى نفسه، والمراد نهي السامع عن أسبابه، وهو نهي للغير بطريق الكناية.

وقال الزجاج: هو نهي للرسول عن منازعتهم لأن صيغة المفاعلة تقتضي حصول الفعل من جانبي فاعله ومفعوله، فيصحّ نهي كل من الجانبين عنه.

وإنما أسند الفعل هنا لضمير المشركين مبالغة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن منازعته إياهم التي تفضي إلى منازعتهم إياه فيكون النهي عن منازعته إياهم كإثبات الشيء بدليله.

وحاصل معنى هذا الوجه أنه أمر للرسول بالإعراض عن مجادلتهم بعدما سيق لهم من الحجج.

واسم ﴿ الأمر ﴾ هنا مجمل مراد به التوحيدُ بالقرينة، ويحتمل أن المشركين كانوا ينازعون في كونهم على ضلال بأنهم على ملّة إبراهيم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر الحَجّ الذي هو من مناسكهم، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ادعاء أنهم على الحق وملّة إبراهيم، فكان قوله تعالى: ﴿ لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ﴾ كشفاً لشبهتهم بأن الحج منسك حقّ، وهو رمز التوحيد، وأن ما عداه باطل طارئ عليه فلا ينازعُنّ في أمر الحجّ بعد هذا.

وهذا المحمل هو المناسب لتناسق الضمائر العائدة على المشركين مما تقدم إلى قوله ﴿ وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ﴾ [الحج: 72]، ولأن هذه السورة نزل بعضها بمكة في آخر مُقام النبي صلى الله عليه وسلم بها وبالمدينة في أول مُقامه بها فلا منازعة بين النبي وبين أهل الكتاب يومئذ، فيبعد تفسيرُ المنازعة بمنازعة أهل الكتاب.

وقوله ﴿ وادع إلى ربك ﴾ عطف على جملة ﴿ فلا ينازعنك في الأمر ﴾ .

عطف على انتهاء المنازعة في الدين أمرٌ بالدوام على الدعوة وعدم الاكتفاء بظهور الحجّة لأن المُكابرة تجافي الاقتناع، ولأنّ في الدوام على الدعوة فوائد للناس أجمعين، وفي حذف مفعول ﴿ ادع ﴾ إيذان بالتعميم.

وجملة ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ تعليل للدوام على الدعوة وأنها قائمة مقام فاء التعليل لا لردّ الشك.

و ﴿ على ﴾ مستعارة للتمكن من الهدى.

ووصف الهدى بالمستقيم استعارة مكنية؛ شبه الهُدى بالطريق الموصل إلى المطلوب ورُمز إليه بالمستقيم لأن المستقيم أسرع إيصالاً، فدين الإسلام أيسر الشرائع في الإيصال إلى الكمال النفساني الذي هو غاية الأديان.

وفي هذا الخبر تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتجديد لنشاطه في الاضطلاع بأعباء الدعوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ العِيدُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أنَّها المَواضِعُ المُعْتادَةُ لِمَناسِكِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: المَذْبَحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: المَنسَكُ المُتَعَبَّدُ والنُّسُكُ العِبادَةُ ومِنهُ سُمِّيَ العابِدُ ناسِكًا، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي المليح قال: الأمة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعداً.

وأخرج أحمد والحاكم، وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن الحسين ﴿ لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ﴾ قال: ذبحاً هم ذابحوه.

حدثني أبو رافع «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا ضحى: اشترى كبشين سمينين أملحين أقرنين، فإذا خطب وصلى ذبح احدهما، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد ولي بالبلاغ، ثم أتى بالآخر فذبحه وقال: اللهم هذا عن محمد وآل محمد» ثم يطعمهما المساكين، ويأكل هو وأهله منهما.

فمكثنا سنتين قد كفانا الله الغرم والمؤنة، ليس أحد من بني هاشم يضحي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هم ناسكوه ﴾ يعني هم ذابحوه ﴿ فلا ينازعنك في الأمر ﴾ يعني في أمر الذبائح.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ﴾ قال ذبحاً هم ذابحوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ منسكاً هم ناسكوه ﴾ قال: اهراقه دم الهدي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: ذبحاً وحجاً.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلا ينازعنك في الأمر ﴾ قول أهل الشرك.

أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلون، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل رضي الله عنه ﴿ وادع إلى ربك ﴾ قال: إلى دين ربك ﴿ إنك لعلى هدى ﴾ قال: دين مستقيم ﴿ وإن جادلوك ﴾ يعني في الذبائح.

وأخرج ابن المنذر، عن جريج ﴿ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ﴾ لنا أعمالنا، ولكم أعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ أي: لكل قرن مضى ﴿ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد شريعة هم عاملون بها (١) وقال مقاتل وغيره: يعني ذبيحة في عيدهم هم ذابحوه (٢) وهذا ممَّا (٣) (٤) ﴿ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ﴾ يعني في أمر الذبائح.

قال الكلبي ومقاتل: نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي (٥) (٦)  - والمؤمنين في أمر الذبيحة، فقالوا: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم أنتم بسكاكينم؟

(٧) قال أبو إسحاق: معنى قوله ﴿ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ ﴾ لا تنازعهم ولا تجادلهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿ وَإِنْ جَادَلُوكَ ﴾ ، وكان هذا قبل القتال.

فإن قيل (٨)  - عن منازعتهم كما تقول: لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدًا، أي: لا تخاصمه.

وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّ المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا (٩) (١٠) (١١) وقوله: ﴿ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد (١٢) وقال ابن عباس: يريد قم بشرائع الحنيفية.

والمعنى على هذا: ادع إلى الإيمان به وإعمال ما شرع من الشريعة.

قوله: ﴿ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى ﴾ دين ﴿ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو قال ابن عباس: لم يخلق دينًا أقوم ولا أفضل منه ولا أحب إلى الله -عز وجل- (١) ذكره عنه البغوي 5/ 398.

وروى عنه الطبري 17/ 198 - من طريق الوالبي، قال: عيدا.

(٢) انظر: تفسير مقاتل 2/ 28 أ.

وجاء نحوه عن عكرمة.

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 73.

(٣) في (أ): (ما).

(٤) عند قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ  ﴾ .

(٥) هو: بُديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي، كتب إليه النبي -  -، يدعوه إلى الإسلام، وأسلم قبل الفتح، وقيل يوم الفتح، وشهد حنينًا، واستعمله -  - على سبى هوازن، وسار مع النبي -  - إلى تبوك، وشهد حجة الوداع.

"طبقات ابن سعد" 4/ 294، "الاستيعاب" 1/ 150، "أسد الغابة" 1/ 170، "الإصابة" 1/ 145.

(٦) هو: بشر -قال ابن هشام: ويقال: بسر- بن سفيان بن عمر بن عويمر الكعبي الخزاعي، كتب إليه النبي -  -، وأسلم سنة ست، وبعثه النبي -  - عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وله ذكر في حديث الحديبية، وسكن مكة.

"طبقات ابن سعد" 4/ 458، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 356، "الاستيعاب" 1/ 166، "الإصابة" 1/ 153.

(٧) "تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.

(٨) في (أ) زيادة: (لهم) بعد قوله: (قيل)، وهو خطأ.

(٩) في (أ): (وإذا).

(١٠) (لكان): ساقط من (ظ).

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 437.

مع اختلاف يسير.

وقيل معنى "فلا ينازعنك في الأمر": فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عمّا أنت عليه من الحق.

وهذا كقوله ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ  ﴾ أشار إليه ابن كثير 3/ 334.

(١٢) "تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ أي ذلك الوصف الذي وصف الله به هو بسبب أنه الحق ﴿ فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً ﴾ تصبح هنا بمعنى تصير، وفهم بعضهم أنه أراد صبيحة ليلة المطر، فقال: لا تصبح الأرض مخضرة إلا بمكة، والبلاد الحارة، وأما على معنى تصير، فذلك عام في كل بلد، والفاء للعطف، وليست بجواب، ولو كانت جواباً لقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ لنصبت الفعل، وكان المعنى نفي خضرتها وذلك خلاف المقصود، وإنما قال ﴿ تُصْبِحُ ﴾ بلفظ المضارعة ليفيد بقاءها كذلك مدة ﴿ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض ﴾ يعني البهائم والثمار والمعادن وغير ذلك ﴿ أَن تَقَعَ ﴾ في موضع مفعول على تقدير عن أن تقع، وقال الزمخشري: كراهة أن تقع فهو مفعول من أجله ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ يحتمل أن يريد يوم القيامة، فجعل طي السماء كوقوعها أو يريد بإذنه لو شاء متى شاء ﴿ ا أَحْيَاكُمْ ﴾ أي أوجدكم بعد العدم، وعبّر عن ذلك بالحياة؛ لأن الإنسان قبل ذلك تراب فهو جماد بلا روح، ثم أحياه بنفخ الروح ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ يعني الموت المعروف ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ يعني البعث ﴿ لَكَفُورٌ ﴾ أي جحود للنعمة ﴿ مَنسَكاً ﴾ هو اسم مصدر لقوله: ﴿ نَاسِكُوهُ ﴾ ولو كان اسم مكان لقال ناسكون فيه ﴿ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ ﴾ ضمير الفاعل للكفار، والمعنى: أنه لا ينبغي منازعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسع النزاع فيه، فجاء الفعل بلفظ النهي والمراد غير النهي، وقيل: إن المعنى لا تنازعهم فينازعونك، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ويحتمل أن يكون نهياً لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ ﴿ فِي الأمر ﴾ أي في الدين الشريعة أو في الذبائح ﴿ وادع إلى رَبِّكَ ﴾ أي ادع الناس إلى عبادة ربك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ما لم ينزل ﴾ من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل.

والآخرون بالتشديد ﴿ يصطون ﴾ بالصاد مثل ﴿ بصطة  ﴾ في البقرة ﴿ الذين يدعون ﴾ بياء الغيبة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحياكم ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يحييكم ﴾ ه ط ﴿ لكفور ﴾ ه ﴿ إلى ربك ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ ذلكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ فاستمعوا له ﴾ ط ﴿ اجتمعوا له ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ والمطلوب ﴾ ه ﴿ قدره ﴾ ط ﴿ ومن الناس ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ خلفهم ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ جهاده ﴾ ط ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ الناس ﴾ ج للعطف مع الفاء ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: إن من جملة نعم الله  على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها.

ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز.

وفي قوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية.

ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وقد سبق هنالك.

وفي قوله ﴿ إن الإنسان لكفور ﴾ زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ.

وعن ابن عباس أنه الكافر.

وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال ﴿ لكل أمة ﴾ الآية.

قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها.

قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء.

وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات.

وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق.

أما الضمير في قوله ﴿ فلا ينازعنك ﴾ فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله  .

قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به.

وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً.

وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله  اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله  بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله".

ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: ﴿ وأدع إلى ربك ﴾ أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ أي على دين وسط دليل ظاهر.

وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ الله أعلم بما تعملون ﴾ وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن ﴿ الله يحكم بينكم ﴾ أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله  للأمم.

﴿ ألم تعلم ﴾ خطاب لكل عالم أو للرسول  والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه  عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض ﴿ في كتاب ﴾ قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.

ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال ﴿ إن ذلك ﴾ الكتب ﴿ على الله يسير ﴾ وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته.

وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ﴿ ويعبدون ﴾ الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ وقد مر.

والمنكر دلائل الغيظ والحنق.

وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة.

وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع.

وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله  .

السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم.

وقوله ﴿ من ذلكم ﴾ إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم.

ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل ﴿ النار ﴾ اي هو النار.

قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم.

ثم استأنف للنار حكماً فقال ﴿ وعدها ﴾ الآية.

ويحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ و ﴿ وعدها ﴾ خبراً.

ثم ضرب للاصنام مثلا فقال ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل.

والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: ﴿ فاستمعوا له ﴾ أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له.

قال جار الله: محل ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟

وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل.

ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب ﴾ الاية.

بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه.

عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.

وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب.

ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه.

وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه.

ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام".

﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم.

وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل.

وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل.

ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم.

وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء  ﴾ وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً.

والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟

والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ يا ايها الذين آمنوا ﴾ والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ هو اجتباكم ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب.

ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران.

وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس.

قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟

قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما.

وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين.

وهو مذهب الشافعي.

وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق.

وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل.

وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق.

ومعنى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة.

ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ اي في ذاته ومن أجله ﴿ حق جهاده ﴾ اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه.

وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر.

وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟

فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء.

قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول  ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت.

وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم.

وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله.

وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل.

وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ كما أن قوله ﴿ اتقوا الله حق تقاته  ﴾ منسوخ بذلك.

وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ.

ثم عظم شأن المكلفين بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.

يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال  ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟

فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم.

قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج.

وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج.

ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ﴿ ملة أبيكم ﴾ أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول  وكل نبي أبو أمته.

والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم.

﴿ هو ﴾ أي الله أو إبراهيم ﴿ سماكم المسلمين من قبل ﴾ اي في سائر الكتب أو في قوله ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن.

وقوله ﴿ ليكون الرسول ﴾ متعلق بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا  ﴾ والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته.

قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات.

وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر.

استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة.

الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى.

وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله  مريداً لجهل نفسه.

وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك.

التأويل: ﴿ سخر لكم ما ﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿ إلا بإذنه ﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿ وهو الذي أحياكم ﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ ثم يميتكم ﴾ عن صفات البشرية ﴿ ثم يحييكم ﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿ فلا ينازعنك ﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿ إن الذين يدعون من دون الله ﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ ضعف الطالب ﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿ والمطلوب ﴾ وهو النفس والشيطان ﴿ اركعوا ﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: ﴿ ومنهم من يمشي على أربع  ﴾ ﴿ واسجدوا ﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيواينة ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿ وافعلوا الخير ﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ بالوصال.

﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿ هو اجتباكم ﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى *** وما جعل عليكم في دين العشاق.

وهو السير إلى الله من ضيق "من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً" والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ في الأزل وهو في هذا الطور.

وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "أول ما خلق الله روحي" فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم.

وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿ فنعم المولى ﴾ في إفناء وجودكم ﴿ ونعم النصير ﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

هذه الآية لم يرد لها تفسير <div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لكل أهل ملة جعلنا شريعة، فهم يعملون بشريعتهم، فلا يُنازعَنَّك -أيها الرسول- المشركون وأهل الأديان الأخرى في شريعتك، فأنت أولى بالحق منهم؛ لأنهم أصحاب باطل، وادع الناس إلى إخلاص التوحيد لله، إنك لعلى طريق مستقيم, لا اعوجاج فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.kG1zj"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله