الآية ٥ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥ من سورة النور

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 232 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) ، اختلف العلماء في هذا الاستثناء : هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ، ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب ، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟

وأما الجلد فقد ذهب وانقضى ، سواء تاب أو أصر ، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف - فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته ، وارتفع عنه حكم الفسق .

ونص عليه سعيد بن المسيب - سيد التابعين - وجماعة من السلف أيضا .

وقال الإمام أبو حنيفة : إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط ، فيرتفع الفسق بالتوبة ، ويبقى مردود الشهادة أبدا .

وممن ذهب إليه من السلف القاضي - شريح ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته وإن تاب ، إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان ، فحينئذ تقبل شهادته ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في الذي استثني منه قوله: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ) فقال بعضهم: استثني من قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وقالوا: إذا تاب القاذف قُبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حُدّ فيه أو لم يحدّ.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن حماد الدّولابي، قال: ثني سفيان، عن الزهري، عن سعيد إن شاء الله، أن عمر قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك، أو رَدَّيْت شهادتك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كَلَدة حَدّهم.

وقال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع، وأبَى أبو بكرة أن يفعل.

قال الزهريّ: هو والله سنة، فاحفظوه.

حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا داود، عن الشعبيّ، قال: إذا تاب، يعني: القاذف، ولم يعلم منه إلا خير، جازت شهادته.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، قال: على الإمام أن يستتيب القاذف بعد الجَلْد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن عامر، أنه قال في القاذف: إذا تاب وعلم منه خير، إن شهادته جائزة، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه.

قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبيّ، نحوه.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال في القاذف: إذا تاب وأكذب نفسه، قُبلت شهادته، وإلا كان خليعا لا شهادة له; لأن الله يقول: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ...

إلى آخر الآية.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ أنه كان يقول في شهادة القاذف: إذا رجع عن قوله حين يُضرب، أو أكذب نفسه، قُبلت شهادته.

قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه كان يقول: يقبل الله توبته، وتردّون شهادته؛ وكان يقبل شهادته إذا تاب.

قال: أخبرنا إسماعيل عن الشعبيّ أنه كان يقول في القاذف: إذا شهد قبل أن يُضرب الحدّ، قُبلت شهادته.

قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي، أنهما قالا في القاذف: إذا شهد قبل أن يُجلد فشهادته جائزة.

حدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعني ابن عُلَية، سمعت ابن أبي نجيح يقول: القاذف إذا تاب تجوز شهادته، وقال: كنا نقوله.

فقيل له: من؟

قال: قال عطاء وطاووس ومجاهد.

حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن عمر بن طلحة، عن عبد الله، قال: إذا تاب القاذف جلد، وجازت شهادته.

قال أبو موسى: هكذا قال ابن أبي عَثْمة.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا ابن أبي عَثْمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن سليمان بن يسار والشعبي قالا إذا تاب القاذف عند الجلد جازت شهادته.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة أن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة جلد رجلا في قذف، فقال: أكذب نفسك حتى تجوز شهادتك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، قال: سمعت إبراهيم والشعبيّ يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبيّ لإبراهيم: لم لا تقبل شهادته؟

فقال: لأني لا أدري تاب أم لا.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: تُقبل شهادته إذا تاب.

قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، مثله.

قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جُرَيج، عن عمران بن موسى، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: قال الشعبيّ: إذا تاب جازت شهادته، قال ابن المثنى.

قال: عندي، يعني في القذف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير: أن عبد الله بن عتبة كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب.

حدثني يعقوب، قال: ثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: إذا تاب وأصلح قبلت شهادته، يعني القاذف.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن ابن المسيب، قال: تقبل شهادة القاذف إذا تاب.

حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال الزُّهريّ: إذا حدّ القاذف، فإنه ينبغي للإمام أن يستتيبه، فإن تاب قبلت شهادته، وإلا لم تقبل، قال: كذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فتابوا إلا أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادته.

وقال آخرون: الاستثناء في ذلك من قوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

وأما قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أشعث بن سوّار، قال: ثني الشعبي، قال: كان شريح يجيز شهادة صاحب كلّ عمل إذا تاب إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه، ولا نجيز شهادته.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أشعث بن سوار، قال: ثنا الشعبيّ، عن شريح بنحوه، غير أنه قال: صاحب كلّ حدّ إذا كان عدلا يوم شهد.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش.

عن إبراهيم، عن شريح، قال: كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول: توبته فيما بينه وبين ربه.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، عن مُطَرّف، عن أبي عثمان، عن شريح في القاذف: يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال: أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الخصم: ألا ترى ما به؟

قال: قد أراه.

قال: فسأل القوم، فأثنوا عليه خيرا، فقال شريح: نجيز شهادة كل صاحب حدّ، إذا كان يوم شهد عدلا إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال: جاء خصمان إلى شُرَيح، فجاء أحدهما ببينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الخصم: ألا ترى إلى ما به؟

فقال شريح: قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا، ثم ذكر سائر الحديث، نحو حديث أبي كريب.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن شريح أنه كان يقول: لا تُقبل له شهادة أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه، يعني القاذف.

قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الأشعث، عن الشعبيّ، بأن ربابا قطع رجلا في قطع الطريق، قال: فقطع يده ورجله.

قال: ثم تاب وأصلح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته، قال: فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟

قال: فقال شريح: كل صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح؛ فشهادته جائزة إلا القاذف.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني المغيرة: ، قال: سمعت إبراهيم يحدّث عن شريح، قال: قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه، قال أبو موسى: يعني القاذف.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال شريح: لا يقبل الله شهادته أبدا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد ابن المسيب، قال: لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، عن الحسن، أنه قال: القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، أنه قال: القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أنه قال في الرجل يجلد الحدّ، قال: لا تجوز شهادته أبدا.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فيما بينه وبين الله، يعني القاذف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجُوزُ شَهادَةُ مَحْدُودٍ فِي الإسْلامِ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا قال: كان يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنما توبته فيما بينه وبين الله.

وكان شريح يقول: لا تقبل شهادته.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ثم قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الاستثناء من المعنيين جميعا، أعني من قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ومن قوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك، إذا لم يحدّ في القذف حتى تاب، إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدّها، ولم يكن لها طالب يطلب بحدّها، فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة.

فإذ كان من الجميع إجماعا، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحدّ في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحدّ، وسماه فيها فاسقا، كان معلوما بذلك أنّ إقامة الحدّ عليه في رميه، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحدّ عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه; لأن الحدّ يزيد المحدود عليه تطهيرًا من جرمه الذي استحقّ عليه الحدّ.

فإن قال قائل: فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فتكون التوبة مسقطة عنه الحد، كما كانت لشهادته عندك قبل الحد وبعده مجيزة، ولاسم الفسق عنه مزيلة؟

قيل: ذلك غير جائز عندنا، وذلك أن الحدّ حقّ عندنا للمقذوفة، كالقصاص الذي يجب لها من جناية يجنيها عليها مما فيه القصاص، ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحدّ، لأن ذلك حقّ لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به، فتوبة العبد من ذنبه إنما تضع عن العبد الأسماء الذميمة، والصفات القبيحة، فأما حقوق الآدميين التي أوجبها الله لبعضهم على بعض في كل الأحوال فلا تزول بها ولا تبطل.

واختلف أهل العلم في صفة توبة القاذف التي تقبل معها شهادته، فقال بعضهم: هو إكذابه نفسه فيه.

وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى قبل، ونحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مما لم نذكره قبل.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن ليث، عن طاووس، قال: توبة القاذف أن يكذّب نفسه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، قال: رأيت رجلا ضُرب حدّا في قذف بالمدينة، فلما فُرغ من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات، قال: فلقيت أبا الزناد، فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن الأمر عندنا هاهنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه، ولم نعلم منه إلا خيرا قُبلت شهادته.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا ...

الآية، قال: من اعترف وأقرّ على نفسه علانية أنه قال البهتان، وتاب إلى الله توبة نصوحا، والنصوح: أن لا يعودوا، وإقراره واعترافه عند الحدّ حين يؤخذ بالجلد، فقد تاب، والله غفور رحيم.

وقال آخرون: توبته من ذلك صلاح حاله، وندمه على ما فرط منه من ذلك، والاستغفار منه، وتركه العود في مثل ذلك من الجرم، وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى، وهو قول مالك بن أنس.

وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب؛ لأن الله تعالى ذكره جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود منه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه، فيما كان من ذنب بين العبد وبينه، دون ما كان من حقوق عباده ومظالمهم بينهم ، والقاذف إذا أُقيم عليه فيه الحدّ، أو عُفي عنه، فلم يبق عليه إلا توبته من جرمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه، فإذا كان الصحيح في ذلك من القول ما وصفنا، فتأويل الكلام: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمهم الذي اجترموه بقذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذّبهم عليها، فاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة، بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إلا الذين تابوا في موضع نصب على الاستثناء .

ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل .

المعنى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف فإن الله غفور رحيم .

فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف : جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه .

فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع ؛ إلا ما روى الشعبي على ما يأتي .

وعامل في فسقه بإجماع .

واختلف الناس في عمله في رد الشهادة ؛ فقال شريح القاضي ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة : لا يعمل الاستثناء في رد شهادته ، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى .

وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال .

وقال الجمهور : الاستثناء عامل في رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ؛ وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده ، وهو قول عامة الفقهاء .

ثم اختلفوا في صورة توبته ؛ فمذهب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والشعبي ، وغيره ، أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه .

وهكذا فعل عمر ؛ فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة : من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ، ومن لم يفعل لم أجز شهادته ؛ فأكذب الشبل بن معبد ، ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا ، وأبى أبو بكرة أن يفعل ؛ فكان لا يقبل شهادته .

وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة .

وقالت فرقة - منها مالك رحمه الله تعالى وغيره - : توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ؛ وحسبه الندم على قذفه ، والاستغفار منه ، وترك العود إلى مثله ؛ وهو قول ابن جرير .

ويروى عن الشعبي أنه قال : الاستثناء من الأحكام الثلاثة ، إذا تاب وظهرت توبته لم يحد ، وقبلت شهادته ، وزال عنه التفسيق ؛ لأنه قد صار ممن يرضى من الشهداء ؛ وقد قال الله - عز وجل - : وإني لغفار لمن تاب الآية .اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى تسقط شهادة القاذف ؛ فقال ابن الماجشون : بنفس قذفه .

وقال ابن القاسم ، وأشهب ، وسحنون : لا تسقط حتى يجلد ، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته .

وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي : شهادته في مدة الأجل موقوفة ؛ ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف ، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته .واختلفوا أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز ؛ فقال مالك رحمه الله تعالى : تجوز في كل شيء مطلقا ؛ وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء ؛ رواه نافع ، وابن عبد الحكم ، عن مالك ، وهو قول ابن كنانة .

وذكر الوقار ، عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة ، وتقبل فيما سوى ذلك ؛ وهو قول مطرف ، وابن الماجشون .

وروى العتبي ، عن أصبغ ، وسحنون مثله .

قال سحنون : من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه .

وقال مطرف ، وابن الماجشون : من حد في قذف أو زنا فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ، ولا في قذف ولا لعان ، وإن كان عدلا ؛ وروياه عن مالك .

واتفقوا على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا .الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك ، والشافعي ، وأصحابهما .

وعند أبي حنيفة وجل أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور ، وهو الفسق ؛ ولهذا لا تقبل شهادته ، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة .وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان : أحدهما : هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها ، أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال ، وحرف العطف محسن لا مشرك ، وهو الصحيح في عطف الجمل ؛ لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض ، على ما يعرف من النحو .السبب الثاني : يشبه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة ، فإنه يعود إلى جميعها عند الفقهاء ، أو لا يشبه به ، لأنه من باب القياس في اللغة وهو فاسد على ما يعرف في أصول الفقه .

والأصل أن كل ذلك محتمل ولا ترجيح ، فتعين ما قاله القاضي من الوقف .

ويتأيد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله - عز وجل - كلا الأمرين ؛ فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق ، وآية قتل المؤمن خطأ فيها رد الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق ، وآية القذف محتملة للوجهين ، فتعين الوقف من غير مين .

قال علماؤنا : وهذا نظر كلي أصولي .

ويترجح قول مالك ، والشافعي رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال : الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة جميعا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له .

وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر ، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى ؛ والله أعلم .

قال أبو عبيد : الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة ؛ قال : وليس من نسب إلى الزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا ، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب [ ص: 167 ] له ، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى ؛ مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ؛ منها قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله : إلا الذين تابوا .

ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع ؛ وقال الزجاج : وليس القاذف بأشد جرما من الكافر ، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته .

قال : وقوله : ( أبدا ) أي ما دام قاذفا ؛ كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا ؛ فإن معناه ما دام كافرا .

وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة : يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته !

ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله : وأولئك هم الفاسقون تعليل لا جملة مستقلة بنفسها ؛ أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم ، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم .

ثم توبة القاذف إكذابه نفسه ، كما قال عمر لقذفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير ، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار .

ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة ، ولقالوا لعمر : لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا ، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب ؛ فسقط قولهم ، والله المستعان .قال القشيري : ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد ، أو لم يرفع إلى السلطان ، أو عفا المقذوف ، فالشهادة مقبولة ؛ لأن عند الخصم في المسألة النهي عن قبول الشهادة معطوف على الجلد ؛ قال الله تعالى : فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا .

وعند هذا قال الشافعي : هو قبل أن يحد شر منه حين حد ؛ لأن الحدود كفارات فكيف ترد شهادته في أحسن حاليه دون أخسهما .قلت : هكذا قال ولا خلاف .

وقد تقدم عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف ترد شهادته .

وهو قول الليث ، والأوزاعي ، والشافعي : ترد شهادته وإن لم يحد ؛ لأنه بالقذف يفسق ، لأنه من الكبائر فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنا أو بقيام البينة عليه .( وأصلحوا ) يريد إظهار التوبة .

وقيل : وأصلحوا العمل .

فإن الله غفور رحيم حيث تابوا وقبل توبتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ} فالتوبة في هذا الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقر أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا، لمن تاب وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة ، وفي حكم هذا الاستثناء .

فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف ، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته ، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله ؛ لقوله تعالى : " إلا الذين تابوا " .

وقالوا : الاستثناء يرجع إلى الشهادة وإلى الفسق ، فبعد التوبة تقبل شهادته ، ويزول عنه اسم الفسق .

يروى ذلك عن ابن عباس وعمر .

وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز 55 والزهري وبه قال مالك والشافعي .

وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب ، وقالوا : الاستثناء يرجع إلى قوله : ( وأولئك هم الفاسقون ) وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي ، وقالوا : بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد .

قال الشافعي : وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد ؛ لأن الحدود كفارات ، فكيف يردونها في أحسن حاليه ويقبلونها في شر حاليه .

وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة ، وقال : الاستثناء يرجع إلى الكل .

وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط ، كالقصاص يسقط بالعفو ، ولا يسقط بالتوبة .

فإن قيل : إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله ( أبدا ) ؟

.

قيل : معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام مصرا على قذفه ؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله .

كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا : يراد ما دام كافرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا» عملهم «فإن الله غفور» لهم قذفهم «رحيم» بهم بإلهامهم التوبة فيها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم وقيل لا تقبل رجوعا بالاستثناء إلى الجملة الأخيرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكن مَن تاب ونَدم ورجع عن اتهامه وأصلح عمله، فإن الله يغفر ذنبه ويرحمه، ويقبل توبته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء فى قوله - تعالى - ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ ) يعود على الجملة الأخيرة .

بمعنى أن صفة الفسق لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم .أى : وأولئك القاذفون للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما قالوه .

هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله - تعالى - ، إلا الذين تابوا منهم من بعد ذلك توبة صادقة نصوحا ، وأصحلوا أحوالهم وأعمالهم ، فإن الله - تعالى - كفيل بمغفرة ذنوبهم ، وبشمولهم برحمته .كما اتفقوا - أيضا - على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى وهى الجلد ، لأن هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم ، متى ثبت قذفهم للمحصنات ، حتى ولو تابوا وأصلحوا .والخلاف إنما هو فى العقوبة الوسطى وهى قبول شهادتهم ، فجمهور الفقهاء يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة ، فيكون المعنى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فاقبلوا شهادتهم .ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم ، وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهى الفسق ، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا أى : طول مدة حياتهم ، حتى وإن تابوا وأصلحوا .وقد فصل القول فى هذه المسألة الإمام القرطبى فقال ما ملخصه : " تضمنت الآية ثلاثة أحكام فى القاذف : جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه .فالاستثناء غير عامل فى جلده وإن تاب - أى أنه يجلد حتى ولو تاب .وعامل فى فسقه بإجماع .

أى : أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته .واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة .

فقال أبو حنيفة وغيره : " لا يعمل الاستثناء فى رد شهادته .

وإنما يزول فسقه عند الله - تعالى - .

وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة .

ولو تاب وأكذب نفسه ، ولا بحال من الأحوال .وقال الجمهور : الاستثناء عامل فى رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وإنما كان ردها لعلة الفسق ، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا ، قبل الحد وبعده .

وهو قول عامة الفقهاء .ثم اختلفوا فى صورة توبته ، فمذهب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - والشعبى وغيره : أن توبته لا تكون - مقبولة - إلا إذا كذب نفسه فى ذلك القذف الذى حد فيه .وقالت فرقة منها مالك وغيره : توبته أن يصلح ويحسن حاله ، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه ، والاستغفار منه ، وترك العود إلى مثله " .ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو الأولى بالقبول ، لأن اعتراف القاذف بكذبه ، فيه محو لآثار هذا القذف ، وفيه تبرئة صريحة للمقذوف ، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا ، وترد إليه اعتباره بين أفراد المجتمع .كما يبدو لنا أن الأَوْلى فى هذه الحالة أن تقبل شهادة القاذف ، بعد هذه التوبة التى صاحبها اعتراف منه بكذبه فيما قال : لأن إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق توبته وصلاح حاله .وهكذا يحمى الإسلام أعراض أتباعه ، بهذه التشريعات الحكيمة ، التى يؤدى اتباعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثالث: القذف: اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي لا يدل على الزنا، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر، بل لابد من قرينة دالة على التعيين، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية أقوال تدل عليه أحدها: تقدم ذكر الزنا.

وثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف.

وثالثها: قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ يعني على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا.

ورابعها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي.

البحث الأول: في الرمي وفيه مسائل: المسألة الأولى: ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان: أحدها: أنه كناية كقوله: زنى يدك، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة والثاني: وهو الأصح أنه صريح، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن.

والفرج آلة في الفعل.

أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة الحرام، أو امرأتي لا ترد يد لامس، وبالعكس فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، وكذلك لو قال لعربي يا نبطي، فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف، فالقول قوله مع يمينه.

أما التعريض فليس بقذف وإن أراده، وذلك مثل قوله: يا ابن الحلال، أما أنا فما زنيت وليست أمي زانية، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله.

وقال مالك رحمه الله: يجب الحد فيه، وقال أحمد وإسحاق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا، لنا، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره، فوجب أن لا يجب الحد، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك، وأيضاً فلقوله عليه السلام: «ادرأوا الحدود بالشبهات» ولأن الحدود شرعت على خلاق النص النافي للضرر.

والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كان عمر يضرب الحد في التعريض.

وروي أيضاً أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية، فاستشار عمر الناس في ذلك، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فجلده عمر ثمانين جلدة والجواب: أن في مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف، وأنهم قالوا رأياً واجتهاداً.

المسألة الثانية: في تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصاً واحداً مراراً أو يقذف جماعة، فإن قذف واحداً مراراً نظر إن كان أراد بالكل زنية واحدة بأن قال: زنيت بعمرو قاله مراراً لا يجب إلا حد واحد، ولو أنشأ الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد، ثم قال زنيت بعمرو، فهل يتعدد الحد أم لا؟

فيه قولان: أحدهما: يتعدد اعتباراً باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون والثاني: وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فوجب أن يتداخل كحدود الزنا، ولو قذف زوجته مراراً، فالأصح أنه يكتفي بلعان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد.

أما إذا قذف جماعة معدودين نظر، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل، وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يجب عليه إلا حد واحد.

واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بالقرآن والسنة والقياس.

أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ والمعنى أن كل أحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد، وذلك يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية.

وأما السنة: فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي عليه السلام: «لا، البينة أو حد في ظهرك» فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لإمرأته ولشريك بن سحماء، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات.

وأما القياس: فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مراراً لم يجب إلا حد واحد كمن زنى مراراً أو شرب مراراً أو سرق مراراً فكذا هاهنا، والمعنى الجامع دفع مزيد الضرر والجواب: عن الأول أن قوله: ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع، وقوله: ﴿ المحصنات ﴾ صيغة جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الجد، وعند ذلك يظهر وجه تمسك الشافعي رحمه الله بالآية، ولأن قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات.....

فاجلدوهم ﴾ يدل على ترتيب الجلد على رمي المحصنات وترتيب الحكم على الوصف، لا سيما إذا كان مناسباً فإنه مشعر بالعلية، فدلت الآية على أن رمي المحصن من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت هذا فنقول: إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للحد، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف الثاني موجباً للحد أيضاً، ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال، فوجب أن يحد بالقذف الثاني حداً ثانياً، أقصى ما في الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا.

لكنا نقول ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف، وعند ظهور الفارق يتعذر الجمع.

وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد، ولنا في هذه المسألة تفصيل سيأتي إن شاء.

وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمي.

بدليل أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا، فإنه حق الله تعالى.

هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة.

أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم، ففيه قولان أصحهما وهو قوله في الجديد: يجب لكل واحد حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات.

وفي القديم لا يجب للكل إلا حد واحد اعتباراً باللفظ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية.

فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان.

المسألة الثالثة: فيما يبيح القذف: القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب، وهل يباح أم لا ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها أو سمع ممن يثق بقوله أو لم يسمع، لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها في بيت، فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها.

لما روي أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس، قال: «طلقها».

قال إني أحبها، قال: «فأمسكها» أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها، لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفاً من قاصد أو لسرقة أو لطلب فجور فتأبى المرأة قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك عُصْبَةٌ مّنْكُمْ  ﴾ أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه، نظر فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته» فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم كان الرجل أيضاً كذلك، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين، نظر إن لم يكن قد استبرأها بحيضة، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء، لا يحل له القذف والنفي وإن اتهمها بالزنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» فإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي.

والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أسود، نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، «فقال هل لك من إبل؟» قال نعم، «قال ما ألوانها؟» قال حمر، «قال فهل فيها أورق؟» قال نعم، «قال فكيف ذاك؟» قال نزعه عرق قال: «فلعل هذا نزعه عرق» وإن كان يتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان: أحدهما: لا لأن العرق ينزع والثاني: له ذلك لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة.

البحث الثاني: في الرامي وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبياً فلا حد عليهما ولا لعان، لا في الحال ولا بعد البلوغ، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث» ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ.

المسألة الثانية: الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه، وقول الشافعي رحمه الله أقرب إلى ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام.

المسألة الثالثة: اختلفوا فيما إذا قذف العبد حراً فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة، روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً عليه السلام قال: يجلد العبد في القذف أربعين وعن عبدالله بن عمر أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود، وروي أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد في الفرية ثمانين.

ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن الله تعالى قال: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب  ﴾ فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس.

المسألة الرابعة: اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فاليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين، والله أعلم.

البحث الثالث: في المرمى وهي المحصنة، قال أبو مسلم: اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج، لقوله تعالى في مريم: ﴿ والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا  ﴾ وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد، ويتفرع عليه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة، إلا أن الفقهاء قالوا: شرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا، وإنما اعتبرنا الإسلام لقوله عليه السلام: «من أشرك بالله فليس بمحصن» وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام: «رفع القلم عن ثلاث» وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف، فإذا كان المقذوف زانياً فالقاذف صادق في القذف.

وكذلك إذا كان المقذوف وطئ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطئ فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضاً، ثم نقول من قذف كافراً أو مجنوناً أو صبياً أو مملوكاً، أو من قد رمى امرأة، فلا حد عليه، بل يعزر للأذى، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لا حد عليه، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زناً، ولو قذف محصناً فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لأن صدور الزنا يورث ريبة في حالة فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في أول ما يرتكب المعصية، فبظهوره يعلم أنه كان متصفاً به من قبل، روي أن رجلاً زنى في عهد عمر، فقال والله ما زنيت إلا هذه، فقال عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، وقال المزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.

المسألة الثانية: قال الحسن البصري قوله: ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ يقع على الرجال والنساء، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع لمؤنث فلا يتناول الرجال، بل الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات.

المسألة الثالثة: رمي غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير، فهذا مجموع الكلام في تفسير قوله سبحانه: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ .

أما قوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: اعلم أن الله تعالى حكم في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام أحدها: جلد ثمانين.

وثانيها: بطلان الشهادة.

وثالثها: الحكم بفسقه إلى أن يتوب، واختلف أهل العلم في كيفية ثبوت هذه الأحكام، بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول الشافعي والليث بن سعد.

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد.

قال أبو بكر الرازي وهذا مقتضى قولهم إنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد.

لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها، ثم احتج أبو بكر على صحة قول أبي حنيفة رحمه الله بأمور: أحدها: قوله سبحانه: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ظاهر الآية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة، فلو علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك في كونه معلقاً على الأمرين وذلك بخلاف الآية، وأيضاً فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلاناً فأنت طالق، فأتت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا هاهنا.

وثانيها: أن القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته بمجرد القذف.

بيان الأول من ثلاثة أوجه: الأول: أن مجرد قذفه لو أوجب كونه كاذباً لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه، والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانياً، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه الثاني: أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس قذفه، وإلا لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه.

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما لاعن بين الزوجين: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب كونه كاذباً الثالث: قوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله هُمُ الكاذبون  ﴾ فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط، فثبت بهذه الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذباً بمجرد القذف، وإذا كان كذلك وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلاً ثقة والصادر عنه غير معارض، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة.

وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف».

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد.

ورابعها: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد به وذلك يدل على أن مجرد القذف لا يبطل الشهادة.

وخامسها: أن الشافعي رحمه الله زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف، وأما وجه قول الشافعي رحمه الله فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفاً بعضها على بعض بحرف الواو، وحرف الواو لا يقتضي الترتيب.

فوجب أن لا يكون بعضها مرتباً على البعض، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم، والله أعلم.

البحث الثاني: في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟

«قال نعم» ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان: أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا والثاني: يثبت بخلاف فعل الزنا، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الإطلاع عليه.

المسألة الثانية: إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا، بخلاف ما لو قذف إنساناً فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر، ولو أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يستفسر؟

فيه وجهان: أحدهما: نعم كالشهود والثاني: لا يجب كما في القذف.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه: الأول: أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة الثاني: كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم الثالث: أنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم، فكذا إذا اجتمعوا على بابه.

ثم كان يدخل واحد بعد واحد، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين: الأول: أن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه، ويحصل مقصوده من القذف الثاني: ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط.

المسألة الرابعة: لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد والقول الثاني: وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: يجب عليهم الحد، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة.

المسألة الخامسة: إذا قذف رجل رجلاً فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا، قال أبو حنيفة رحمه الله: يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود.

وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: يحدون، وجه قول أبي حنيفة قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد.

ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين، فبقوا محض القاذفين، وهاهنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المخاطب بقوله: ﴿ فاجلدوهم ﴾ هو الإمام على ما بيناه في آية الزنا، أو المالك على مذهب الشافعي، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام.

المسألة الثانية: خص من عموم هذه الآية صور: أحدها: الوالد يقذف ولده أو أحداً من نوافله، فلا يجب عليه الحد، كما لا يجب عليه القصاص بقتله الثانية: القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلد أربعين، وكذا المكاتب وأم الولد، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد الثالثة: من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها.

المسألة الثالثة: قالوا أشد الضرب في الحدود ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض وزجراً عن هتكها.

المسألة الرابعة: قال مالك والشافعي حد القذف يورث، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير، فإنه يورث عنه، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: حد القذف لا يورث ويسقط بالموت.

حجة الشافعي رحمه الله، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام: «ومن ترك حقاً فلورثته» حجة أبي حنيفة رحمه الله: أنه لو كان موروثاً لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب، ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب: عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة، لأن الزوجية ترتفع بالموت، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة.

المسألة الخامسة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه والرجل غائب، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وعلى هذا المعنى بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها قال الشافعي رحمه الله وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلاناً زنى فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ فاختلف الفقهاء فيه، فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب، وهذه المسألة مبنية على أن قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة، فعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة، وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى الكل، وهذه المسألة قد لخصناها في أصول الفقه، ونذكر هاهنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء الله تعالى، احتج الشافعي رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: التائب من الذنب كمن لا ذنب له ومن لا ذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة.

وثانيها: أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله، فشدد على القاذف من المسلمين زجراً عن إلحاق العار والشنآن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد، قلا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام: «أنبئهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين».

وثالثها: أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا.

ورابعها: أن أبا حنيفة رحمه الله يقبل شهادته إذ تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة.

فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى.

وخامسها: أن قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده إليها بأسرها ويدل عليه أمور: أحدها: أجمعنا على أنه لو قال عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه، فإن قيل الفرق أن قوله: ﴿ إِن شَاء الله  ﴾ يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت فيه شيء، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأساً.

ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء، ولو قال أنت طالق إلا طلاقاً كان الطلاق واقعاً والاستثناء باطلاً لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية، فثبت أنه لا يلزم من رجوع قوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء بحرفه إلى جميع ما تقدم، قلنا هذا فرق في غير محل الجمع، لأن إن شاء الله جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية، فلا جرم جاز رجوعه إلى جميع الجمل المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه إلى جميع الجمل على هذا الوجه، حتى يقتضي أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه.

وثانيها: أن الواو للجمع المطلق فقوله: ﴿ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى ألبتة فوجب رجوعه إلى الكل، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم  ﴾ فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب.

فكذا هاهنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة، فيصير الكل كالمذكور معاً مثل آية الوضوء فإن الكل أمر واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن الكل قد تضمنه لفظ الأمر.

وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به، قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين.

وثالثها: أن قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ عقيب قوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً وكونه فاسقاً يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة.

ورابعها: أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ  ﴾ ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ  ﴾ وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي رحمه الله، واحتج أصحاب أبي حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه: أحدها: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة، فكذا في جميع الصور طرداً للباب.

وثانيها: أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغواً فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط.

وثالثها: أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب: عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب: عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخراً في التقدير عن البعض، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي، فوجب تعليقه بالكل والجواب: عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم يترك العمل به في حق الباقي، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين» فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها.

وثانيها: أن قوله عليه السلام: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف» ولم يشترط فيه وجود التوبة منه.

وثالثها: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز شهادة محدود في الإسلام» قالت الشافعية هذا معارض بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثاً.

وثانيها: قوله عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر» وهاهنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقاً.

وثالثها: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما.

وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ فاعلم أنه يدل على أمرين: الأول: أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة الثاني: أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون، قال الشافعي رحمه الله التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله، وقال أبو إسحاق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول القاذف باطلاً ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.

أما قوله: ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لابد من مضي مدة عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة، وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً إذ لو كان واجباً لما كان في قبوله غفوراً رحيماً، لأنه إذا كان واجباً فهو إنما يقبله خوفاً وقهراً لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية.

أما إذا لم يكن واجباً فقبله.

فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القذف يكون بالزنى وبغيره، والذي دلّ على أن المراد قذفهنّ بالزنى شيئان، أحدهما: ذكر المحصنات عقيب الزواني.

والثاني: اشتراط أربعة شهداء؛ لأنّ القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان، والقذف بالزنى أن يقول الحرّ العاقل البالغ لمحصنة: يا زانية، أو لمحصن: يا زاني، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، يا ولد الزنا، لست لأبيك، لست لرشدة.

والقذف بغير الزنا أن يقول: يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا فاسق، يا خبيث، يا ماص بظر أمّه.

فعليه التعزير، ولا يبلغ به أدنى حدّ العبيد وهو أربعون، بل ينقص منه.

وقال أبو يوسف: يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون.

وقال: للإمام أن يعزر إلى المائة.

وشروط إحصان القذف خمسة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والعفة.

وقرئ: ﴿ بأربعة شهداء ﴾ بالتنوين.

وشهداء صفة.

فإن قلت: كيف يشهدون مجتمعين أو متفرّقين؟

قلت: الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن يحضروا في مجلس واحد، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة.

وعند الشافعي رضي الله عنه: يجوز أن يحضروا متفرقين.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحداً منهم؟

قلت: يجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي.

فإن قلت: كيف يجلد القاذف؟

قلت: كما جلد الزاني، إلاّ أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلاّ ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو.

والقاذفة أيضاً كالزانية، وأشدّ الضرب ضرب التعزير، ثم ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف.

قالوا: لأنّ سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلاّ أنه عوقب صيانة للأعراض وردعاً عن هتكها.

فإن قلت: فإذا لم يكن المقذوف محصناً؟

قلت: يعزر القاذف ولا يحدّ، إلاّ أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حدّ ولا تعزير.

ردّ شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضي الله عنه باستيفاء الحدّ، فإذا شهد قبل الحدّ أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته، فإذا استوفى لم تقبل شهادته أبداً وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء.

وعند الشافعي رضي الله عنه: يتعلق ردّ شهادته بنفس القذف، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه، عاد مقبول الشهادة، وكلاهما متمسك بالآية، فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي: الجلد، وردّ الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدّة حياتهم، وجعل قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ كلاماً مستأنفاً غير داخل في حيز جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية.

و ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من الفاسقين.

ويدلّ عليه قوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والشافعي رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الجملتين أيضاً، غير أنه صرف الأبد إلى مدّة كونه قاذفاً، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف وجعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية.

وحق المستثنى عنده أن يكون مجروراً بدلاً من (هم) في ﴿ لَهُمْ ﴾ وحقه عند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يكون منصوباً لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردّوا شهادتهم وفسقوهم أي: فاجمعوا لهم الجلد والردّ والتفسيق، إلاّ الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإنّ الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين.

فإن قلت: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة رضي الله عنه.

كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام؟

قلت: المسلمون لا يعبئون بسبِّ الكفار؛ لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله، فشدّد على القاذف من المسلمين ردعاً وكفاً عن إلحاق الشنار.

فإن قلت: هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حدّ القاذف؟

قلت: لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحدّ، والمقذوف مندوب إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحدّ.

ويحسن من الأمام أن يحمل المقدوف على كظم الغيظ ويقول له: أعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبات الحدّ: فإذا ثبت لم يكن لواحد منهما أن يعفو لأنه خالص حق الله، ولهذا لم يصحّ أن يصالح عنه بمال.

فإن قلت: هل يورث الحدّ؟

قلت: عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يورث، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحدّ لا يورث» ، وعند الشافعي رضي الله عنه يورث، وإذا تاب القاذف قبل أن يثبت الحدّ سقط.

وقيل: نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت رضي الله عنه حين تاب مما قال في عائشة رضي الله عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ يَقْذِفُونَهُنَّ بِالزِّنا لِوَصْفِ المَقْذُوفاتِ بِالإحْصانِ، وذَكَرَهُنَّ عَقِيبَ الزَّوانِي واعْتِبارِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾ والقَذْفُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ يا فاسِقُ ويا شارِبَ الخَمْرِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ كَقَذْفِ غَيْرِ المُحْصَنِ، والإحْصانُ ها هُنا بِالحُرِّيَّةِ والبُلُوغِ والعَقْلِ والإسْلامِ والعِفَّةِ عَنِ الزِّنا ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وتَخْصِيصُ المُحْصَناتِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ أوْ لِأنَّ قَذْفَ النِّساءِ أغْلَبُ وأشْنَعُ، ولا يُشْتَرَطُ اجْتِماعُ الشُّهُودِ عِنْدَ الأداءِ ولا تُعْتَبَرُ شَهادَةُ زَوْجِ المَقْذُوفَةِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ولْيَكُنْ ضَرْبُهُ أخَفُّ مِن ضَرْبِ الزِّنا لِضِعْفِ سَبَبِهِ واحْتِمالِهِ ولِذَلِكَ نَقَصَ عَدَدُهُ.

﴿ وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً ﴾ أيَّ شَهادَةٍ كانَتْ لِأنَّهُ مُفْتَرٍ، وقِيلَ شَهادَتُهم في القَذْفِ ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى اسْتِيفاءِ الجَلْدِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ الأمْرَ بِالجَلْدِ والنَّهْيِ عَنِ القَبُولِ سِيّانِ في وُقُوعِهِما جَوابًا لِلشَّرْطِ لا تَرْتِيبَ بَيْنَهُما فَيَتَرَتَّبانِ عَلَيْهِ دَفْعَةً، كَيْفَ وحالُهُ قَبْلَ الجَلْدِ أسْوَأُ مِمّا بَعْدَهُ.

﴿ أبَدًا ﴾ ما لَمْ يَتُبْ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ إلى آخِرِ عُمُرِهِ.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ المَحْكُومُ بِفِسْقِهِمْ.

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ القَذْفِ.

﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا ﴾ أعْمالَهم بِالتَّدارُكِ، ومِنهُ الِاسْتِسْلامُ لِلْحَدِّ أوِ الِاسْتِحْلالُ مِنَ المَقْذُوفِ، والِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى أصْلِ الحُكْمِ وهو اقْتِضاءُ الشَّرْطِ لِهَذِهِ الأُمُورِ ولا يَلْزَمُهُ سُقُوطُ الحَدِّ بِهِ كَما قِيلَ، لِأنَّ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ الِاسْتِسْلامَ لَهُ أوِ الِاسْتِحْلالَ ومَحَلُّ المُسْتَثْنى النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقِيلَ إلى النَّهْيِ ومَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن هم في لَهم، وقِيلَ إلى الأخِيرَةِ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مِن مُوجِبٍ وقِيلَ مُنْقَطِعٌ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ عِلَّةٌ لِلِاسْتِثْناءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وقوله {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك} أى القذف {وأصلحوا} أحوالهم استثناء أن يكون منصوباً عندنا لأنه عن موجب وعند من جعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ أيْ رَجَعُوا عَمّا قالُوا ونَدِمُوا عَلى ما تَكَلَّمُوا اسْتِثْناءً مِنَ الفاسِقِينَ كَما صَرَّحَ بِهِ أكْثَرُ الأصْحابِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُسْتَثْنى مِنهُ في الحَقِيقَةِ ( أُولَئِكَ ) وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، ومَحَلُّ المُسْتَثْنى النَّصْبُ لِأنَّهُ عَنْ مُوجَبٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ لِتَهْوِيلِ المَتُوبِ عَنْهُ أيْ مِن بَعْدِ ما اقْتَرَفُوا ذَلِكَ الذَّنْبَ العَظِيمَ الهائِلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأصْلَحُوا ﴾ عَلى مَعْنى وأصْلَحُوا أعْمالَهم بِالِاسْتِحْلالِ مِمَّنْ رَمَوْهُ.

وهَذا ظاهِرٌ إنْ كانَ قَدْ بَقِيَ حَيًّا فَإنْ كانَ قَدْ ماتَ فَلَعَلَّ الِاسْتِغْفارَ لَهُ يَقُومُ مَقامَ الِاسْتِحْلالِ مِنهُ كَما قِيلَ في نَظِيرِ المَسْألَةِ.

فَإنْ كانُوا قَدْ رَمَوْا أمْواتًا فالظّاهِرُ أنَّهم يَسْتَحِلُّونَ مِمَّنْ خاصَمَهم وطَلَبَ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُغْنِيَ عَنْهُ الِاسْتِغْفارُ لِمَن رَمَوْهُ.

والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِحْلالِ مِن أُولَئِكَ المُخاصِمِينَ والِاسْتِغْفارِ لِلْمَرْمِيَّيْنِ أوْلى ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ.

وكَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ فَعِنْدَهم لا تُقْبَلُ شَهادَةُ المَحْدُودِ في قَذْفٍ وإنْ تابَ وأصْلَحَ لَكِنْ قالُوا: إنَّ حَدَّ الكافِرِ ثُمَّ أسْلَمَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ وإنْ لَمْ تَكُنْ تُقْبَلُ قَبِلَ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ، ووَجَّهَهُ أنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ لِرَدِّ شَهادَتِهِ النّاشِئَةِ عَنْ أهْلِيَّتِهِ الثّابِتَةِ لَهُ عِنْدَ القَذْفِ ولِذا قِيلَ: ﴿ ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً ﴾ دُونَ ولا تَقْبَلُوا شَهادَتَهم أيْ ولا تَقْبَلُوا مِنهم شَهادَةً مِنَ الشَّهاداتِ حالَ كَوْنِها حاصِلَةً لَهم عِنْدَ الرَّمْيِ والشَّهادَةِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لِلْكافِرِ عِنْدَ الرَّمْيِ هي الشَّهادَةُ عَلى أبْناءِ جِنْسِهِ فَتَدْخُلُ تَحْتَ الرَّدِّ، وأمّا الشَّهادَةُ الَّتِي اعْتُبِرَتْ بَعْدَ الإسْلامِ فَغَيْرُ تِلْكَ الشَّهادَةِ ولِهَذا قَبِلَتْ عَلى أهْلِ الإسْلامِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الرَّدِّ، وهَذا بِخِلافِ العَبْدِ إذا حَدَّ في قَذْفٍ ثُمَّ أعْتَقَ فَإنَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ شَهادَةٌ مِن قَبْلُ لِلرِّقِّ فَلَزِمَ كَوْنُ تَتْمِيمِ حَدِّهِ بَرُّ شَهادَتِهِ الَّتِي تَجَدَّدَتْ لَهُ، وقَدْ طَلَبَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن زَنى في دارِ الحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ إلى دارِ الإسْلامِ فَإنَّهُ لا يَحُدُّ حَيْثُ تَوَقَّفَ حُكْمُ المُوجَبِ في العَبْدِ إلى أنْ أمْكَنَ ولَمْ يَتَوَقَّفْ في الزِّنا في دارِ الحَرْبِ إلى الإمْكانِ بِالخُرُوجِ إلى دارِ الإسْلامِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الزِّنا في دارِ الحَرْبِ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أصْلًا لِعَدَمِ قُدْرَةِ الإمامِ فَلَمْ يَكُنِ الإمامُ مُخاطِبًا بِإقامَتِهِ أصْلًا لِأنَّ القُدْرَةَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ فَلَوْ حَدَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ كانَ بِلا مُوجَبٍ وغَيْرِ المُوجَبِ لا يَنْقَلِبُ مُوجَبًا بِنَفْسِهِ خُصُوصًا في الحَدِّ المَطْلُوبِ دَرْؤُهُ، وأمّا قَذْفُ العَبْدِ فَمُوجِبٌ حالَ صُدُورِهِ لِلْحَدِّ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَمامُهُ في الحالِ فَتَوَقَّفَ تَتْمِيمُهُ عَلى حُدُوثِ ذَلِكَ بَعْدَ العِتْقِ كَذا قِيلَ، وقالَ في المَبْسُوطِ في الفَرْقِ بَيْنَ الكافِرِ إذا أسْلَمَ بَعْدَ الحَدِّ والعَبْدِ إذا أعْتَقَ بَعْدَهُ: إنَّ الكافِرَ اسْتَفادَ بِالإسْلامِ عَدالَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَهُ عِنْدَ إقامَةِ الحَدِّ وهَذِهِ العَدالَةُ لَمْ تَكُنْ مَجْرُوحَةً بِخِلافِ العَبْدِ فَإنَّهُ بِالعِتْقِ لا يَسْتَفِيدُ عَدالَةً لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ وقَدْ صارَتْ عَدالَتُهُ مَجْرُوحَةً بِإقامَةِ الحَدِّ، ثُمَّ لا فَرْقَ في العَبْدِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ حَدٌّ ثُمَّ أعْتَقَ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ أعْتَقَ ثُمَّ حَدَّ حَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ في الصُّورَتَيْنِ، وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا ثُمَّ أسْلَمَ ثُمَّ حَدٌّ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، ومُقْتَضى الآيَةِ عَدَمُ قَبُولِ كُلِّ شَهادَةٍ لِلْمَحْدُودِ حادِثَةً كانَتْ أوْ قَدِيمَةً لَمّا أنَّ ﴿ شَهادَةً ﴾ نَكِرَةٌ وهي واقِعَةٌ في حَيِّزِ النَّهْيِ فَتُفِيدُ العُمُومَ كالنَّكِرَةِ الواقِعَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، وهَذا يُعَكِّرُ عَلى ما مَرَّ مِن قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ المَحْدُودِ إذا أسْلَمَ، وأجابَ العَلّامَةُ ابْنُ الهُمامِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ بِما في الوُسْعِ وقَدْ كَلَّفَ الحُكّامَ بِرَدِّ شَهادَتِهِ فالِامْتِثالُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ شَهادَةٍ قائِمَةٍ فَحَيْثُ رَدَّتْ تَحَقُّقَ الِامْتِثالِ وتَمَّ وقَدْ حَدَثَتْ أُخْرى فَلَوْ رَدَّتْ كانَتْ غَيْرَ مُقْتَضى إذِ المُوجَبُ أخْذُ مُقْتَضاهُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ومُقْتَضى العُمُومِ أيْضًا عَدَمُ قَبُولِ شَهادَةِ المَحْدُودِ في الدِّياناتِ غَيْرُها وهي رِوايَةُ المُنْتَقى، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها تُقْبَلُ في الدِّياناتِ وكَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوها رِوايَةً وخَبَرًا لا شَهادَةَ ورَبَّ شَخْصٍ تَرِدُ شَهادَتُهُ وتُقْبَلُ رِوايَتُهُ، وأوْرَدَ عَلى العُمُومِ أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في النِّكاحِ بِشَهادَةِ المَحْدُودِينَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الشَّهادَةَ هُناكَ بِمَعْنى الحُضُورِ وإنَّما يُكْتَفى بِهِ في انْعِقادِ النِّكاحِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ لِلنِّكاحِ حُكْمَيْنِ حُكْمَ الِانْعِقادِ وحُكْمَ الإظْهارِ ولا يُقْبَلُ في الثّانِي إلّا شَهادَةُ مَن تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في سائِرِ الأحْكامِ كَما في شَرْحِ الطَّحاوِيِّ والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ رَدِّ شَهادَةِ المَحْدُودِ عَلى الحُكّامِ بِمَعْنى أنَّهُ إذا شَهِدَ عِنْدَهم عَلى حُكْمٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَهادَتِهِ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ شَهادَتُهُ في النِّكاحِ لِأنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَهم إذا وقَعَ التَّجاحُدُ فَلا يُعَكِّرُ عَلى العُمُومِ اعْتِبارَ حُضُورِهِ مَجْلِسِ النِّكاحِ في صِحَّةِ انْعِقادِهِ إذْ ذَلِكَ أمْرٌ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ كَذا قِيلَ فَلْيَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى قَبُولِ شَهادَةِ المَحْدُودِ إذا تابَ، والمُرادُ بِتَوْبَتِهِ أنْ يُكْذِّبَ نَفْسَهُ في قَذْفِهِ، ومَبْنى الخِلافِ عَلى المَشْهُورِ الخِلافُ فِيما إذا جاءَ اسْتِثْناءً بَعْدَ جُمَلٍ مُقْتَرِنَةٍ بِالواوِ هَلْ يَنْصَرِفُ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ أوْ إلى الكُلِّ أوْ هُناكَ تَفْصِيلٌ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ انْصِرافُهُ إلى الكُلِّ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ انْصِرافُهُ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إنْ كانَ الشُّرُوعُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إضْرابًا عَنِ الأوْلى ولا يُضْمَرُ فِيها شَيْءٌ مِمّا في الأوْلى فالِاسْتِثْناءُ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنِ الجُمْلَةِ الأوْلى مَعَ اسْتِقْلالِها بِنَفْسِها إلى غَيْرِها إلّا وقَدْ تَمَّ مَقْصُودُهُ مِنها وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، الأوَّلُ أنْ تَخْتَلِفَ الجُمْلَتانِ نَوْعًا كَما لَوْ قالَ: أكْرَمُ بَنِي تَمِيمٍ والنُّحاةُ البَصْرِيُّونَ إلّا البُغادِدَةُ إذِ الجُمْلَةُ الأُولى أمْرٌ والثّانِيَةُ خَبَرٌ، الثّانِي أنْ يَتَّحِدا نَوْعًا ويَخْتَلِفا اسْمًا وحُكْمًا كَما لَوْ قالَ: أكْرَمُ بَنِي تَمِيمٍ واضْرِبْ رَبِيعَةَ إلّا الطَّوالَ إذْ هُما أمْرانِ، الثّالِثُ أنْ يَتَّحِدا نَوْعًا ويَشْتَرِكا حُكْمًا لا اسْمًا كَما لَوْ قالَ: سَلَّمَ عَلى بَنِي تَمِيمٍ وسَلَّمَ عَلى بَنِي رَبِيعَةَ إلّا الطَّوالُ، الرّابِعُ أنْ يَتَّحِدا نَوْعًا ويَشْتَرِكا اسْمًا لا حُكْمًا ولا يَشْتَرِكَ الحُكْمانِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ كَما لَوْ قالَ: سَلَّمَ عَلَيَّ بَنِي تَمِيمٍ واسْتَأْجَرَ بَنِي تَمِيمٍ إلّا الطَّوالَ، وقُوَّةُ اقْتِضاءِ اخْتِصاصِ الِاسْتِثْناءِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ في هَذِهِ الأقْسامِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الشُّرُوعُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إضْرابًا عَنِ الأوْلى بِأنْ كانَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ نَوْعٌ تَعَلَّقَ فالِاسْتِثْناءُ يَنْصَرِفُ إلى الكُلِّ وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، الأوَّلُ أنْ يَتَّحِدَ الجُمْلَتانِ نَوْعًا واسْمًا لا حُكْمًا غَيْرَ أنَّ الحُكْمَيْنِ قَدِ اشْتَرَكا في غَرَضٍ واحِدٍ كَما لَوْ قالَ: أكْرَمُ بَنِي تَمِيمٍ وسَلَّمَ عَلى بَنِي تَمِيمٍ إلّا الطَّوالَ لِاشْتِراكِهِما في غَرَضِ الإعْظامِ، الثّانِي أنْ يَتَّحِدَ الجُمْلَتانِ نَوْعًا ويَخْتَلِفا حُكْمًا واسْمُ الأُولى مُضْمَرٌ في الثّانِيَةِ كَما لَوْ قالَ: أكْرَمُ بَنِي تَمِيمٍ واسْتَأْجَرَهم إلّا الطَّوالُ، الثّالِثُ بِعَكْسِ ما قَبْلِهِ كَما لَوْ قالَ: أكْرَمُ بَنِي تَمِيمٍ ورَبِيعَةَ إلّا الطَّوالُ، الرّابِعُ أنْ يَخْتَلِفَ نَوْعُ الجُمَلِ إلّا أنَّهُ قَدْ أضْمَرَ في الأخِيرَةِ ما تَقَدَّمَ أوْ كانَ غَرَضُ الأحْكامِ المُخْتَلِفَةِ فِيها واحِدًا، وجَعَلَ آيَةَ الرَّمْيِ الَّتِي نَحْنُ فِيها مِن ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: إنَّ جُمَلَها مُخْتَلِفَةُ النَّوْعِ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾ أمْرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا ﴾ نَهْيٌ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ خَبَرٌ وهي داخِلَةٌ أيْضًا تَحْتَ القِسْمِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ لِاشْتِراكِ أحْكامُ هَذِهِ الجُمَلِ في غَرَضِ الِانْتِقامِ والإهانَةِ وداخِلَةٌ أيْضًا تَحْتَ القِسْمِ الثّانِي مِن جِهَةِ إضْمارِ الِاسْمِ المُتَقَدِّمِ فِيها، وذَهَبَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى مِنَ الشِّيعَةِ إلى القَوْلِ بِالِاشْتِراكِ وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرٍ والغَزالِيُّ وجَماعَةٌ إلى الوَقْفِ، وقالَ الآمِدِيُّ: المُخْتارُ أنَّهُ مَهْما ظَهَرَ كَوْنُ الواوِ لِلِابْتِداءِ فالِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ كَما في القَسَمِ الأوَّلِ مِنَ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ بِالأُخْرى وهو ظاهِرٌ وحَيْثُ أمْكَنَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ أوْ لِلِابْتِداءِ كَما في باقِي الأقْسامِ السَّبْعَةِ فالواجِبُ الوَقْفُ، وذَكَرَ حُجَجَ المَذاهِبِ بِما لَها وعَلَيْها في الأحْكامِ، وفي التَّلْوِيحِ وغَيْرِهِ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى كُلٍّ وإنَّما الخِلافُ في الأظْهَرِ وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ بَعْضَ حُجَجِ القائِلِينَ بِرُجُوعِهِ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ قَدِ اسْتَدَلَّ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ جَوازِ رُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ، قالَ القَلانِسِيُّ: إنَّ نَصْبَ ما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ في الإثْباتِ إنَّما كانَ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ بِإعانَةٍ إلّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أكابِرُ البَصْرِيِّينَ فَلَوْ قِيلَ بِرُجُوعِهِ إلى الجَمِيعِ لَكانَ ما بَعْدَ إلّا مُنْتَصِبًا بِالأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في كُلِّ جُمْلَةٍ ويُلْزِمُ مِنهُ اجْتِماعُ عامِلِينَ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضادَّةٍ أحَدُهُما لِلْآخَرِ في العَمَلِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْمُولُ الواحِدُ مَرْفُوعًا مَنصُوبًا مَعًا وهو مُحالٌ ولِأنَّهُ إنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُسْتَقِلًّا في العَمَلِ لَزِمَ عَدَمَ اسْتِقْلالِهِ ضَرُورَةً أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِ كُلِّ مُسْتَقِلًّا إلّا أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مِنهُما مُسْتَقِلًّا لَزِمَ خِلافَ المَفْرُوضِ، وإنْ كانَ المُسْتَقِلُّ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجَّحٍ، ووَجْهُ دَلالَتِهِ وإنْ بَحَثَ فِيهِ عَلى عَدَمِ جَوازِ رُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ ظاهِرٌ وكَما اخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في ذَلِكَ اخْتَلَفَ النُّحاةُ فِيهِ فَفي شَرْحِ اللَّمْعِ أنَّهُ يُخْتَصُّ بِالأخِيرَةِ وأنَّ تَعْلِيقَهُ بِالجَمِيعِ خَطَأٌ لِلُزُومٍ تَعَدَّدَ العامِلُ في مَعْمُولٍ واحِدٍ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ العامِلَ إلّا أوْ تَمامِ الكَلامِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ أرَ مَن تَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ النُّحاةِ غَيْرَ المَهاباذِيِّ وابْنِ مالِكٍ فاخْتارَ ابْنُ مالِكٍ عَوْدِ الِاسْتِثْناءِ إلى الجُمَلِ كُلِّها كالشَّرْطِ، واخْتارَ المَهاباذِيُّ عَوْدَهُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وقالَ الوَلِيُّ بْنُ العِراقِيِّ: لَمْ يُطْلَقِ ابْنُ مالِكٍ عَوْدَهُ إلى الجُمَلِ كُلِّها بَلِ اسْتَثْنى مِن ذَلِكَ ما إذا اخْتَلَفَ العامِلُ والمَعْمُولُ كَقَوْلِكَ: اُكْسُ الفُقَراءَ وأطْعِمْ أبْناءَ السَّبِيلِ إلّا مَن كانَ مُبْتَدِعًا فَقالَ في هَذِهِ الصُّورَةِ: إنَّهُ يَعُودُ إلى الأخِيرَةِ خاصَّةً، ونَقَلَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ القَوْلَ بِرُجُوعِهِ إلى الأخِيرَةِ مُطْلَقًا وهَذا كَقَوْلِ الحَنَفِيَّةِ في المَشْهُورِ، والحَقُّ أنَّهم إنَّما يَقُولُونَ بِرُجُوعِهِ إلى الأخِيرَةِ فَقَطْ إذا تَجَرَّدَ الكَلامُ عَنْ دَلِيلِ رُجُوعِهِ إلى الكُلِّ أمّا إذا وجَدَ الدَّلِيلُ عَمِلَ بِهِ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في المُحارِبِينَ: ﴿ أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ  ﴾ يَقْتَضِي رُجُوعَهُ إلى الكُلِّ فَإنَّهُ لَوْ عادَ إلى الأخِيرَةِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ) لَمْ يَبْقَ لِلتَّقْيِيدِ بِذَلِكَ فائِدَةٌ لِلْعِلْمِ لِأنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ العَذابَ فَلَيْسَ فائِدَةً «مِن قَبْلُ» إلَخْ إلّا سُقُوطَ الحَدِّ وعَلى مِثْلِ ذَلِكَ يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ الشّافِعِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهم أرادُوا رُجُوعَ الِاسْتِثْناءِ إلى الكُلِّ إذا لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ يَقْتَضِي رُجُوعَهُ إلى الأخِيرَةِ.

وذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الحَنَفِيَّةَ إنَّما قالُوا بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ هُنا لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ ورَدَتا جَزاءً لِأنَّهُما أخْرَجَتا بِلَفْظِ الطَّلَبِ مُخاطِبًا بِهِما الأئِمَّةَ ولا يَضُرُّ اخْتِلافَهُما أمَرًا ونَهْيًا والجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ بِصِيغَةِ الإخْبارِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اسْتِبْعادِ كَوْنِ القَذْفِ سَبَبًا لِوُجُوبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وهي قائِمَةٌ هُنا لِأنَّ القَذْفَ خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ ورُبَّما يَكُونُ حِسْبَةً، ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّهم فَسَقُوا بِهَتْكِ سِتْرِ العِفَّةِ بِلا فائِدَةٍ حَيْثُ عَجَزُوا عَنِ الإثْباتِ فَلِذا اسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ وحَيْثُ كانَتْ مُسْتَأْنَفَةَ تَوَجُّهُ الِاسْتِثْناءِ إلَيْها.

ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ جَعَلَ ﴿ ولا تَقْبَلُوا ﴾ اسْتِئْنافًا مُنْقَطِعًا عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وأبى أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الحَدِّ لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ الجَلْدِ وعَدَمِ قَبُولِ الشَّهادَةِ وجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مَصْرُوفًا إلَيْهِ بِجَعْلِ مَن تابَ مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ ﴿ لَهُمْ ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ اعْتِراضًا جارِيًا مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ قَبُولِ الشَّهادَةِ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ عَمّا قَبْلِهِ ولِهَذا جازَ تُوَسُّطُهُ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ ولا تُعَلِّقُ لِلِاسْتِثْناءِ بِهِ، وآثَرَ ذَلِكَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالَيْهِ حَيْثُ قالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَرْجِعُ إلى الكُلِّ أمّا الجَلْدُ فَبِالِاتِّفاقِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ فَلِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَنعِ الشَّهادَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ فَيَرْجِعُ إلَيْها، وتَعَقَّبَ بِأنَّ اسْتِئْنافَ ﴿ ولا تَقْبَلُوا ﴾ إلَخْ في غايَةِ البُعْدِ، والمُرادُ مِن عَدَمِ قَبُولِ الشَّهادَةِ رَدُّها ومُناسَبَتُهُ لِلْجَلْدِ ظاهِرَةٌ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُؤْلِمٌ زاجِرٌ عَنِ ارْتِكابِ جَرِيمَةِ الرَّمْيِ وكَمْ مِن شَخْصٍ لا يَتَألَّمُ بِالضَّرْبِ كَما يَتَألَّمُ بِرَدِّ شَهادَتِهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنْ رَدَّ الشَّهادَةِ قَطْعٌ لِلْآلَةِ الخائِنَةِ مَعْنًى وهي اللِّسانُ فَيَكُونُ كَقَطْعِ اليَدِ حَقِيقَةً في السَّرِقَةِ، ومَن أنْصَفَ رَأى مُناسَبَتَهُ لِلْجَلْدِ أتَمَّ مِن مُناسَبَةِ التَّغْرِيبِ لَهُ لِأنَّ التَّغْرِيبَ رُبَّما يَكُونُ سَبَبًا لِزِيادَةِ الوُقُوعِ في الزِّنا لِقِلَّةَ مَن يُراقِبُ ويَسْتَحِي مِنهُ في الغُرْبَةِ وقَدْ تَضْطَرُّ المَرْأةُ إذا غَرَبَتْ إلى ما يَسُدُّ رَمَقَها فَتُسَلِّمُ نَفْسَها لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ، وأيْضًا الجِلْدُ فِعْلٌ يَلْزَمُ عَلى الإمامِ فِعْلِهِ والرَّدُّ المُرادُ مِن عَدَمِ القَبُولِ كَذَلِكَ وقَدْ خُوطِبَ بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ الإنْشائِيَّتَيْنِ لَفْظًا ومَعْنى الأئِمَّةِ وبِهَذا يَقْوى أمْرُ المُناسَبَةِ.

واعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِرَدِّ الشَّهادَةِ فَقالَ: لا جائِزَ أنْ يَكُونَ رَدُّ شَهادَتِهِ لِفِسْقِهِ لِأنَّ الثّابِتَ بِالنَّصِّ في خَبَرِ الفاسِقِ هو التَّوَقُّفُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ لا الرَّدُّ وعِلَّةُ الرَّدِّ هُنا لَيْسَتْ إلّا أنَّهُ حَدٌّ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ ولَمْ يَجْعَلِ الشّافِعِيُّ عَلى هَذا النَّقْلِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَوْنِها جارِيَةً مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلِها مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ لِما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ العَطْفَ بِالواوِ يَمْنَعُ قَصْدَ التَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهادَةِ بِسَبَبِ الفِسْقِ لِأنَّ العِلَّةَ لا تُعْطَفُ عَلى الحُكْمِ بِالواوِ بَلْ إنَّما تَذَكَّرَ بِالفاءِ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّها عِلَّةٌ لِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ إذْ ذَلِكَ غَيْرُ مَنطُوقٍ، وانْتَصَرَ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِ إذا تابَ بِأنَّهُ إذا جَعَلَتِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلرَّدِّ يَتِمُّ ذَلِكَ ولَوْ سَلَّمَ رُجُوعَ الِاسْتِثْناءِ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِنَ الجُمَلِ المُتَعاقِبَةِ بِالواوِ وُجُوبَ زَوالِ الحُكْمِ بِزَوالِ العِلَّةِ، ولا أظُنُّهُ يَدْفَعُ إلّا بِالتِزامِ أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا انْقِطاعَ بَيْنَ الجُمَلِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ ومُقْتَضى أصْلُهُ المَشْهُورُ رُجُوعُ الِاسْتِثْناءِ إلى الجَمِيعِ فَيُلْزِمُ حِينَئِذٍ سُقُوطُ الجِلْدِ بِالتَّوْبَةِ لَكِنَّهُ لا يَقُولُ بِذَلِكَ لِأنَّ تَحْقِيقَ مَذْهَبِهِ أنَّ الرُّجُوعَ إلى الكُلِّ قَدْ يَعْدِلُ عَنْهُ وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ وظُهُورِ المانِعِ والمانِعُ هُنا مِن رُجُوعِهِ إلى الجُمْلَةِ الأوْلى عَلى ما قِيلَ الإجْماعُ عَلى عَدَمِ سُقُوطِ الجَلْدِ بِالتَّوْبَةِ لِما فِيهِ مِن حَقِّ العَبْدِ، وأوْلى مِنهُ ما أوْمَأ إلَيْهِ القاضِي البَيْضاوِيُّ مِن أنَّ الِاسْتِسْلامَ لِلْجِلْدِ مِن تَتِمَّةِ التَّوْبَةِ فَكَيْفَ يَعُودُ إلَيْهِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهادَةِ والتَّفْسِيقِ مَن تَتَمَتَّها أيْضًا كَما لا يَخْفى، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ الآيَةُ عَلى أصْلِهِ المَشْهُورِ، ولا مانِعَ مِن رُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ إلى الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا لِما أنَّ المُسْتَثْنى هو ( الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا ) ومِن جُمْلَةِ الإصْلاحِ الِاسْتِحْلالِ وطَلَبِ العَفْوِ مِنَ المَقْذُوفِ وعِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الجِلْدَ أيْضًا، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ طَلَبِ العَفْوِ مِنَ الإصْلاحِ غَيْرِ نافِعٍ لِأنَّ الجِلْدَ لا يَسْقُطُ بِطَلَبِ العَفْوِ بَلِ العَفْوُ وهو لَيْسَ مِن جُمْلَةِ هَذا الإصْلاحِ إذِ العَفْوُ فِعْلُ المَقْذُوفِ وهَذا الإصْلاحُ فِعْلُ القاذِفِ فَلَمْ يَصِحَّ صَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى الكُلِّ كَما هو أصْلُهُ المَشْهُورُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ونُظُمُها أنْ يَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ بِمَجْمُوعِهِنَّ جَزاءَ الشَّرْطِ، والمَعْنى مِن قَذَفَ فاجْمَعُوا لَهم بَيْنَ الأجْزِئَةِ الثَّلاثَةِ إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهم فَيَعُودُونَ غَيْرَ مَجْلُودِينَ ولا مَرْدُودِيَّ الشَّهادَةِ ولا مُفَسَّقِينَ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا جارٍ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى الكُلِّ وانْضَمَّ إلَيْهِ هاهُنا أنَّ الجُمَلَ دَخَلَتْ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَصِرْنَ كالمُفْرِداتِ، وتَعَقَّبَ القَوْلَ بِدُخُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ في حَيِّزِ الجَزاءِ بِأنَّ دَلِيلَ عَدَمِ المُشارَكَةِ في الشَّرْطِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدُّخُولِ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِها الأئِمَّةُ لِإفْرادِ الكافِ في ( أُولَئِكَ ) فَهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أيِ الَّذِينَ يَرْمُونَ إلَخْ أوْ مُسْتَأْنَفٌ لِحِكايَةِ حالِ الرّامِينَ عِنْدَ الشَّرْعِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسَهُ لِاخْتِلافِ الأغْراضِ شائِعانِ في الكَلامِ وأنَّ إفْرادَ كافِ الخِطابِ مَعَ الإشارَةِ جائِزٌ في خِطابِ الجَماعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ  ﴾ عَلى أنَّ التَّحْقِيقَ أنْ ( الَّذِينَ يَرْمُونَ ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اجْلِدُوا الَّذِينَ إلَخْ فَهو أيْضًا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ إنْشائِيَّةٌ مُخاطِبٌ بِها الأئِمَّةَ فالمانِعُ المَذْكُورُ قائِمٌ هُنا زِيادَةَ العُدُولِ عَنِ الأقْرَبِ إلى الأبْعَدِ ولَوْ سَلَّمَ أنْ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأٌ فَلا بُدَّ في الإنْشائِيَّةِ الواقِعَةِ مَوْقِعَ الخَبَرِ مِن تَأْوِيلٍ وصَرْفٍ عَنِ الإنْشائِيَّةِ عِنْدَ الأكْثَرِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ عَطْفُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ فَسَقُوهم والإنْصافُ يَحْكُمُ بِعَدَمِ ظُهُورِ دُخُولِ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ في حَيِّزِ الجَزاءِ وجَمِيعُ ما ذَكَرُوهُ إنَّما يُفِيدُ الصِّحَّةَ لا الظُّهُورَ.

ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّها اسْتِئْنافٌ تَذْيِيلِيٌّ لِبَيانِ سُوءِ حالِ الرّامِينَ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وحِينَئِذٍ عَوْدُ الِاسْتِئْنافِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، لا يُقالُ، إنَّ ذَلِكَ يَنْفِي الفائِدَةَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ شَرْعًا أنَّ التَّوْبَةَ تُزِيلُ الفِسْقَ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنّا نَقُولُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن طَرِيقِ السَّمْعِ وقَدْ ذَكَرَ الدّالَّ عَلَيْهِ مِنهُ وكَوَّنَ آيَةً أُخْرى تُفِيدُهُ لا يَضُرُّ لِلْقَطْعِ بِأنَّ طَرِيقَ القُرْآنِ تَكْرارُ الدَّوالِ خُصُوصًا إذا كانَ التَّأْكِيدُ مَطْلُوبًا، هَذا وإلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ مِن عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ المَحْدُودِ في القَذْفِ إذا تابَ ذَهَبَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَدْ رَوى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ في الدَّرِّ المَنثُورِ وإلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِ ذَهَبَ مالِكٌ وأحْمَدُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ والزَّهْرِيِّ ومُحارِبٍ وشُرَيْحٍ ومُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وعِكْرِمَةِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّيِّبِيُّ وعُدَّ ابْنُ جُبَيْرٍ مِنَ القائِلِينَ كَقَوْلِ الشّافِعِيِّ يُخالِفُهُ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وعُدَّ ابْنُ الهُمامِ شَرِيحًا مِمَّنْ قالَ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَتانِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ جَلَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أبا بَكَرَةَ وشِبْلَ بْنَ مُعَبَّدٍ ونافِعًا بِقَذْفِ المُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتابَهُمْ، وقالَ مَن تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، ومَن تَتَبَّعَ تَحَقَّقَ أنَّ أكْثَرَ الفُقَهاءِ قائِلُونَ كَقَوْلِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ودَعْوى إجْماعِ فُقَهاءِ التّابِعِينَ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَما لا يَخْفى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ لَكِنْ قِيلَ إنَّهُ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ أظْهَرُ وهو تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ ولا مَحَلَّ مِنَ الإعْرابِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهم.

واخْتارَ الجُمْهُورُ الِاسْتِئْنافَ والِاسْتِثْناءَ وهو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُنا مُنْقَطِعٌ، وبَيَّنَهُ أبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ في التَّقْوِيمِ بِما حاصِلُهُ أنَّ المُسْتَثْنى وإنْ دَخَلَ في الصَّدْرِ لَكِنْ لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُهُ مِن حُكْمِهِ عَلى ما هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلُ بَلْ قُصِدَ إثْباتُ حُكْمٍ آخَرَ لَهُ وهو أنَّ التّائِبَ لا يَبْقى فاسِقًا، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْنى ﴿ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الثَّباتُ والدَّوامُ وإلّا فَلا تَعَذُّرَ لِلِاتِّصالِ فَلا وجْهَ لِلِانْقِطاعِ، وبَيَّنَهُ فَخْرُ الإسْلامِ بِأنَّ المُسْتَثْنى غَيْرُ داخِلٍ في صَدْرِ الكَلامِ لِأنَّ التّائِبَ لَيْسَ بِفاسِقٍ ضَرُورَةً إنَّهُ عِبارَةُ عَمَّنْ قامَ بِهِ الفِسْقُ والتّائِبُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِزَوالِ الفِسْقِ بِالتَّوْبَةِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في حَقِيقَةِ اسْمِ الفاعِلِ بَقاءُ مَعْنى الفِعْلِ، وأمّا إذا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ التَّناوُلُ لَكِنْ لا يَصِحُّ الإخْراجُ لِأنَّ التّائِبَ لَيْسَ بِمُخْرَجٍ مِمَّنْ كانَ فاسِقًا في الزَّمانِ الماضِي.

واعْتَرَضَ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ لَيْسَ هو الفاسِقِينَ بَلِ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وأُولَئِكَ ) ولا شَكَّ أنَّ التّائِبِينَ داخِلُونَ فِيهِمْ مُخْرِجُونَ عَنْ حُكْمِهِمْ وهُوَ الفِسْقُ كَأنَّهُ قِيلَ جَمِيعُ القاذِفِينَ فاسِقُونَ إلّا التّائِبِينَ مِنهم كَما يُقالُ القَوْمُ مُنْطَلِقُونَ إلّا زَيْدًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا بِناءً عَلى أنَّ زَيْدًا داخِلٌ في القَوْمِ مُخْرِجٌ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلاقِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ سَواءً جَعَلَ المُسْتَثْنى مِنهُ بِحَسْبِ اللَّفْظِ هو القَوْمُ أوِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في مُنْطَلِقُونَ بِناءً عَلى أنَّهُ أقَرِبُ وأنَّ عَمَلَ الصِّفَةِ في المُسْتَثْنى أظَهَرُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ لَفْظًا هو لَفْظُ القَوْمِ البَتَّةَ وإذا جَعَلَ المُسْتَثْنى مِنهُ ضَمِيرَ مُنْطَلِقُونَ فَمَعْنى الكَلامِ إنَّ زَيْدًا داخِلٌ في الذَّواتِ المَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالإطْلاقِ مُخْرِجٌ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلاقِ كَما في قَوْلِنا: انْطَلَقَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا وكَذا الكَلامُ في الآيَةِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الفاسِقِينَ هاهُنا إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاسِقِ عَلى قَصْدَ الدَّوامِ والثَّباتِ أوْ بِمَعْنى مَن صَدَرَ عَنْهُ الفِسْقُ في الزَّمانِ الماضِي أوْ مَن قامَ بِهِ الفِسْقُ في الجُمْلَةِ ماضِيًا كانَ أوْ حالًا فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ فالتّائِبُ لَيْسَ بِفاسِقٍ ضَرُورَةَ قَضاءِ الشّارِعِ بِأنَّ التّائِبَ لَيْسَ بِفاسِقٍ حَقِيقَةً، ومِن شَرْطِ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ مُتَناوِلًا لِلْمُسْتَثْنى عَلى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ عَنِ الِاسْتِثْناءِ وهَذا مُرادُ فَخْرِ الإسْلامِ بِعَدَمِ تَناوُلِ الفاسِقِينَ لِلتّائِبِينَ بِخِلافِ مُنْطَلِقُونَ فَإنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ زَيْدٌ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الاسْتِثْناءِ وإنْ أُرِيدَ الثّانِي أوِ الثّالِثُ فَلا صِحَّةَ لِإخْراجِ التّائِبِ عَنِ الفاسِقِينَ لِأنَّهُ فاسِقٌ بِمَعْنى صُدُورِ الفِسْقِ عَنْهُ في الجُمْلَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ قاذِفٌ والقَذْفُ فِسْقٌ.

ولا يَخْفى أنَّ مَنعَ عَدَمِ دُخُولِ التّائِبِينَ في الفاسِقِينَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا ومَنَعَ عَدَمَ صِحَّةِ إخْراجِهِمْ عَنْهم بِالمَعْنى الآخَرِ غَيْرُ مُوَجَّهٍ وأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى دُخُولِهِمْ بِأنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِالفِسْقِ عَلى ( أُولَئِكَ ) المُشارُ بِهِ إلى ﴿ الَّذِينَ يَرْمُونَ ﴾ وهو عامٌّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِلْإجْماعِ القاطِعِ عَلى أنَّهُ لا فِسْقَ مَعَ التَّوْبَةِ، وكَفى بِهِ مُخَصَّصًا اهْـ.

وفِيهِ أنَّ الإجْماعَ لا يَكُونُ مُخَصَّصًا فِيما نَحْنُ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُتَراخِيًا عَنِ النَّصِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا إجْماعَ إلّا بَعْدَ زَمانِ النَّبِيِّ  فالحُكْمُ بِالفِسْقِ عَلى ( أُولَئِكَ ) المُشارِ بِهِ إلى ﴿ الَّذِينَ يَرْمُونَ ﴾ وهو عامٌّ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ بِالتَّخْصِيصِ قَصْرُ العامِّ عَلى بَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ لا التَّخْصِيصُ المُصْطَلَحُ وهو كَما تَرى وفي قَوْلِهِ: ومِن شَرْطِ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إلَخْ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وقالَ العَلامَةُ: الظّاهِرُ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا أيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْمُونَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ إلّا التّائِبِينَ مِنهم فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ لِأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهم غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ الدّائِمِ وهو المَحْكُومُ بِهِ عَلَيْهِمْ في الصَّدْرِ بِقَرِينَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ في تَوْجِيهِ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا أنَّ دُخُولَ المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ إنَّما يَكُونُ بِاعْتِبارِ تَناوُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ وشُمُولِهِ إيّاهُ لا بِحَسْبِ ثُبُوتِهِ لَهُ في الواقِعِ كَيْفَ ولَوْ ثَبَتَ الحُكْمُ لَهُ صَحَّ اسْتِثْناؤُهُ فَهاهُنا ( الَّذِينَ يَرْمُونَ ) شامِلٌ لِلتّائِبِينَ مِنهم فَلا يَضُرُّ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ أنَّهم لَيْسُوا بِفاسِقِينَ وأنَّ التَّوْبَةَ تُنافِي ثُبُوتَ الفِسْقِ كَما إذا لَمْ يُدْخِلْ زَيْدٌ في الِانْطِلاقِ فَإنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في القَوْمِ مِثْلُ انْطَلَقَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا.

والحاصِلُ أنَّهُ يَكْفِي في الِاسْتِثْناءِ دُخُولَ المُسْتَثْنى في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِحَسْبِ دَلالَةِ اللَّفْظِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بِحَسْبِ دَلِيلٍ خارِجٍ كَما يُقالُ: خَلَقُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ شَيْءٍ إلّا ذاتَهُ سُبْحانَهُ وصِفاتَهُ العُلى، قالَ العَلامَةُ: ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لِلِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّ خُرُوجَ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ مَعْلُومٌ فَيَحْمِلُ عَلى المُنْقَطِعِ المُفِيدِ لِفائِدَةٍ جَدِيدَةٍ وهَذا مُرادُ فَخْرِ الإسْلامِ بِعَدَمِ دُخُولِ التّائِبِينَ في صَدْرِ الكَلامِ وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّ عَدَمَ التَّناوُلِ الشَّرْعِيِّ مُسْتَفادٌ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ والحَدِيثِ أعْنِي «التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» مُبَيِّنٌ لَهُ فَلا وجْهَ لِمَنعِ وُجُودِ الفائِدَةِ وبِأنَّ كَوْنَ خُرُوجِ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ مَعْلُومًا هُنا غَيْرُ مَعْلُومٍ لِمَكانِ الخِلافِ في اشْتِراطِ بَقاءِ الفِعْلِ وبِأنَّ الفائِدَةَ الجَدِيدَةَ في المُنْقَطِعِ الَّتِي يُعَرّى عَنْها المُتَّصِلُ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وقالَ أيْضًا: لا يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ هو الفاسِقُونَ ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ التّائِبِينَ مِنهم في الحُكْمِ الَّذِي هو الحَمْلُ عَلى أُولَئِكَ القاذِفِينَ والإثْباتُ لَهُ فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما يَجُوزُ مِنَ المَحْكُومِ بِهِ يَجُوزُ مِن غَيْرِهِ كَما يُقالُ: كِرامُ أهْلُ بَلْدَتِنا أغْنِياؤُهم إلّا زَيْدًا بِمَعْنى أنَّ زَيْدًا وإنْ كانَ غَنِيًّا لَكِنَّهُ خارِجٌ عَنِ الحَمْلِ عَلى الكِرامِ لِأنّا نَقُولُ: فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التّائِبُونَ مِنَ الفاسِقِينَ ولا يَكُونُوا مِنَ القاذِفِينَ والأمْرُ بِالعَكْسِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ عَلى مَعْنى أنَّهُمْفاسِقُونَ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ التَّوْبَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكْلِيفٍ في التَّقْدِيرِ أيْ إلّا حالَ تَوْبَةِ الَّذِينَ إلَخْ أوْ إلّا تَوْبَةَ القاذِفِينَ أيْ وقْتِ تَوْبَتِهِمْ عَلى أنْ يَجْعَلَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا لا اسْمًا مَوْصُولًا وضَمِيرُ ﴿ تابُوا ﴾ عائِدًا عَلى ( أُولَئِكَ ) وبَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا انْتَهى فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً.

روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن رجلاً يقال له مرثد بن أبي مرثد قال للنبي  : أأنكح عناقاً، يعني: امرأة بغيَّة كانت بمكة؟

قال: فسكت عنه رسول الله  ، حتى نزلت هذه الآية الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً، أَوْ مُشْرِكَةً، فقال: «يا مَرْثَدُ لا تَنْكِحْهَا» (١)  بأن يتزوجوا الزواني، وكانت لهن رايات كعلامة البيطار لتعرف أنها زانية، وقالوا: لنا في تزويجهن مراد، فأذن لنا فإنهن أخصب أهل المدينة وأكثرهم خيراً، والمدينة غالية السعر، وقد أصابنا الجهد.

فإذا جاءنا الله تعالى بالخير طلقناهن وتزوجنا المسلمات» ، فنزلت الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.

وقال سعيد بن جبير، والضحاك: الزانى لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله في الزنى، والزانية لا تزني إلا بزان مثلها في الزنى.

وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني: الزنى.

وقال الحسن البصري: الزَّانِي المجلود بالزنى، لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً مجلودة مثله في الزنى.

وروي عن علي بن أبي طالب  : «أن مجلوداً تزوج امرأة غير مجلودة، ففرق بينهما» (٢)  : إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: «طَلِّقْهَا» .

قال: إني أحبها، فقال: «أَمْسِكْهَا» (٣) كانوا يرون أن الآية التي بعدها نسختها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: 32] الآية.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، يعني: يقذفون العفائف من النساء، الحرائر المسلمات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ على صدق مقالتهم، فَاجْلِدُوهُمْ يقول: للحكام ويقال: هذا الخطاب لجميع المسلمين، ثم إن المسلمين فوضوا الأمر إلى الإمام وإلى القاضي، ليقيم عليهم الحد.

ثَمانِينَ جَلْدَةً، يعني: ثمانين سوطاً.

وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، أي: لا تقبلوا لهم شهادة بعد إقامة الحد عليهم.

وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، يعني: العاصين.

قال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، يعني: القذف.

وَأَصْلَحُوا، يعني: العمل بعد توبتهم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم بعد التوبة، رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

وقال شريح: «يقبل توبته فيما بينه وبين الله تعالى، فأما شهادته فلا تقبل أبداً» وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: «إذا تاب ذهب عنه الفسق، ولا تقبل شهادته أبداً» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا «تاب الله عليهم من الفسق وأما الشهادة فلا تقبل أبداً» وهكذا عن سعيد بن جبير ومجاهد.

وروي عن جماعة من التابعين: أن شهادته تقبل إذا تاب مثل: عطاء، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وغيرهم، وهو قول أهل المدينة، والأول قول أهل العراق وبه نأخذ.

(١) أخرجه الترمذي (3177) وقال: حديث حسن غريب وأبو داود (2051) والنسائي: 6/ 65 وعزاه السيوطي: 6/ 128 إلى الترمذي والنسائي وأبي داود وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي.

(٢) عزاه السيوطي 6/ 126 إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه.

(٣) حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (2049) وبلفظ «غرّبها» و «فاستمتع بها» والنسائي 6/ 170 والبيهقي 7/ 155.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ...

الآية نزلت بسبب القاذفين، وذكر تعالى في الآية: قَذْفَ النساءِ من حيث هو أَهَمُّ وأبشعُ، وقذفُ الرجال داخلٌ في حكم الآية بالمعنى والإجماع على ذلك، والْمُحْصَناتِ هنا: العفائف، وشَدَّدَ تعالى على القاذف بأربعة شهداء رحمةً بعباده، وستراً لهم، وحكم شهادة الأربعة أنْ تكونَ على معاينة مبالغة كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ في موطنٍ واحد، فإنِ اضطرب منهم واحد

جُلِدَ الثلاثة، والجلد: الضرب، ثم أمر تعالى: ألّا تقبل للقذفة المحدودين شهادة أبدا «١» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ شَرائِطُ الإحْصانِ في الزِّنا المُوجِبِ لِلرَّجْمِ عِنْدَنا أرْبَعَةٌ: البُلُوغُ، والحُرِّيَّةُ، والعَقْلُ، والوَطْءُ في نِكاحٍ صَحِيحٍ.

فَأمّا الإسْلامُ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ في الإحْصانِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

وأمّا شَرائِطُ إحْصانِ القَذْفِ فَأرْبَعٌ: الحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ، والعِفَّةُ، وأنْ يَكُونَ المَقْذُوفُ مِمَّنْ يُجامَعُ مِثْلُهُ.

ومَعْنى الآيَةِ: يَرْمُونَ المُحْصَناتِ بِالزِّنا، فاكْتَفى بِذِكْرِهِ المُتَقَدِّمِ عَنْ إعادَتِهِ.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ﴾ عَلى ما رَمَوْهُنَّ بِهِ ﴿ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴾ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أنَّهم رَأوْهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ ﴿ فاجْلِدُوهُمْ ﴾ يَعْنِي القاذِفِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ عَلى القاذِفِ إذا لَمْ يُقِمِ البَيِّنَةَ الحَدُّ ورَدُّ الشَّهادَةِ وثُبُوتُ الفِسْقِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ ورَدِّ شَهادَتِهِ بِنَفْسِ القَذْفِ، أمْ بِالحَدِّ؟

فَعَلى قَوْلِ أصْحابِنا: إنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ ورَدِّ شَهادَتِهِ إذا لَمْ يُقِمِ البَيِّنَةَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وماِلِكٌ: لا يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ، وتُقْبَلُ شَهادَتَهُ ما لَمْ يُقَمُ الحَدُّ عَلَيْهِ.

* فَصْلٌ والتَّعْرِيضُ بِالقَذْفِ- كَقَوْلِهِ لِمَن يُخاصِمُهُ: ما أنْتَ بِزانٍ، ولا أُمُّكَ زانِيَةٌ- يُوجِبُ الحَدَّ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِنا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُوجِبُ الحَدَّ.

وحَدُّ العَبْدِ في القَذْفِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ، وهو أرْبَعُونَ، قالَهُ الجَماعَةُ، إلّا الأوْزاعِيُّ فَإنَّهُ قالَ: ثَمانُونَ.

فَأمّا قاذِفُ المَجْنُونِ، فَقالَ الجَماعَةُ: لا يُحَدُّ.

وقالَ اللَّيْثُ: يُحَدُّ.

فَأمّا الصَّبِيُّ، فَإنْ كانَ مِثْلُهُ يُجامِعُ أوْ كانَتْ صَبِيَّةً مِثْلُها يُجامِعُ، فَعَلى القاذِفِ الحَدُّ.

وَقالَ مالِكٌ: يُحَدُّ قاذِفُ الصَّبِيَّةِ الَّتِي يُجامَعُ مِثْلُها، ويُحَدُّ قاذِفُ الصَّبِيِّ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: لا يُحَدُّ قاذِفُهُما.

فَإنْ قَذَفَ رَجُلٌ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَعَلَيْهِ حَدٌّ واحِدٌ، وإنْ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ بِكَلِمَةٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ أبِي لَيْلى؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: عَلَيْهِ حَدٌّ واحِدٌ، سَواءً قَذَفَهم بِكَلِمَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ.

* فَصْلٌ وَحَدُّ القَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، يَصِحُّ أنْ يُبَرَّأ مِنهُ، ويُعْفى عَنْهُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هو حَقٌّ لِلَّهِ.

وعِنْدَنا [أنَّهُ] لا يُسْتَوْفى إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: يَحُدُّهُ الإمامُ وإنْ لَمْ يُطالِبِ المَقْذُوفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ أيْ: مِنَ القَذْفِ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أظْهَرُوا التَّوْبَةَ؛ وقالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَعُودُوا إلى قَذْفِ المُحْصَناتِ.

وَفِي هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهُ نَسْخُ حَدِّ القَذْفِ وإسْقاطُ الشَّهادَةِ مَعًا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وطاوُوسَ، ومُجاهِدٍ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، والزُّهْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى الفِسْقِ فَقَطْ، وأمّا الشَّهادَةُ، فَلا تُقْبَلُ أبَدًا، قالَهُ الحَسَنُ، وشُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أبَدًا ﴾ ؛ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ عَلى جَمِيعِ الكَلامِ، وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِالفاحِشَةِ لا يَكُونُ أعْظَمَ جُرْمًا مِن راكِبِها، فَإذا قُبِلَتْ شَهادَةُ المَقْذُوفِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فالرّامِي أيْسَرُ جُرْمًا، ولَيْسَ القاذِفُ بِأشَدَّ جُرْمًا مِنَ الكافِرِ، فَإنَّهُ إذا أسْلَمَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في القاذِفِينَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ سَبَبُها ما قِيلَ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ بِسَبَبِ القَذْفِ عامَّةً لا في تِلْكَ النازِلَةِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ قَذْفَ النِساءِ مِن حَيْثُ هو أهَمُّ، ورَمْيُهُنَّ بِالفاحِشَةِ أبْشَعُ وأنْكى لِلنُّفُوسِ، وقَذْفُ الرِجالِ داخِلٌ في حُكْمِ الآيَةِ بِالمَعْنى وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا نَحْوَ نَصِّهِ تَعالى عَلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ ودُخُولُ شَحْمِهِ وغَضارِيفِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ بِالمَعْنى وبِالإجْماعِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: الأنْفُسُ المُحْصَناتُ، فَهي تَعُمْ بِلَفْظِها الرِجالَ والنِساءَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ  ﴾ ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الصادِ مِنَ "المُحْصَناتِ"، وكَسَرَها يَحْيى بْنُ وثّابٍ.

و"المُحْصَناتُ" العَفائِفُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لَأنَّ هَذا هو الَّذِي يَجِبُ بِهِ جَلْدُ القاذِفِ، والعِفَّةُ أعْلى مَعانِي الإحْصانِ، وفي طَيِّهِ الإسْلامُ، وفي هَذِهِ النازِلَةِ الحُرِّيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: حَصانٌ رَزانٌ.........................................

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها  ﴾ [الأنْبِياءُ: ٩١].

وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن صِفاتِ النِساءِ المُنافِيَةِ لِلرَّمْيِ بِالزِنى، ولِتَخْرُجَ مِن ذَلِكَ مِن ثَبَتَ عَلَيْها الزِنى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغُ الوَطْءَ مِنَ النِساءِ حَسْبَ الخِلافِ في ذَلِكَ.

وعَبَّرَ عَنِ القَذْفِ بِالرَمْيِ مِن حَيْثُ مُعْتادُ الرَمْيِ أنَّهُ مُؤْذٍ كالرَمْيِ بِالحَجَرِ والسَهْمِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُ القاذِفِ مُؤْذِيًا جُعِلَ رَمْيًا، وهَذا كَما قالَ: ...........................

∗∗∗ وجُرْحُ اللِسانِ كَجُرْحِ اليَدِ والقَذْفُ والرَمْيُ مَعْنى واحِدِ.

وشَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلى القاذِفِ في أرْبَعَةِ شُهَداءَ رَحْمَةً بِعِبادِهِ وسِتْرًا لَهم.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ" عَلى إضافَةِ الأرْبَعَةِ إلى الشُهَداءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وأبُو زَرْعَةَ بْنُ جَرِيرٍ: "بِأرْبَعَةٍ" بِالتَنْوِينِ، و"شُهَداءَ" عَلى هَذا إمّا بَدَلٌ وإمّا صِفَةٌ لِلْأرْبَعَةِ وإمّا حالٌ وإمّا تَمْيِيزٌ، وفي هَذَيْنَ نَظَرٌ؛ إذِ الحالُ مِن نَكِرَةٍ والتَمْيِيزُ مَجْمُوعٌ، وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّ تَنْوِينَ العَدَدِ وتَرْكَ إضافَتِهِ إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وقَدْ حَسَّنَ أبُو الفَتْحِ هَذِهِ القِراءَةَ ورَجَّحَها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وحُكْمُ شَهادَةِ الأرْبَعَةِ أنْ تَكُونَ عَلى مُعايَنَةٍ كالمِرْوَدِ والمُكْحُلَةِ في مَوْطِنٍ واحِدٍ، فَإنِ اضْطَرَبَ مِنهم واحِدٌ جُلِدَ الثَلاثَةُ والقاذِفُ، كَما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في أمْرِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِنى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ وأخُوهُ نافِعٌ -وَقالَ الزَهْراوِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنِ الحارِثِ - وزِيادٌ أخُوهُما لِأُمْ -وَهُوَ مُسْتَلْحَقُ مُعاوِيَةَ - وشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الجَبَلِيُّ، فَلَمّا جاؤُوا لِأداءِ الشَهادَةِ تَوَقَّفَ زِيادٌ ولَمْ يُؤَدِّها كامِلَةً، فَجَلَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ الثَلاثَةَ المَذْكُورِينَ.

والجَلْدُ: الضَرْبُ، والمُجادَلَةُ: المُضارَبَةُ في الجُلُودِ أو بِالجُلُودِ، ثُمُ اسْتُعِيرَ الجَلْدُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْفٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: أُجالِدُهم يَوْمَ الحَدِيقَةِ حاسِرًا ∗∗∗ كَأنْ يَدَيَّ بِالسَيْفِ مِخْراقُ لاعِبِ وَنُصِبَ "ثَمانِينَ" عَلى المَصْدَرِ، و"جَلْدَةً" عَلى التَمْيِيزِ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ألّا نَقْبَلَ لِلْقَذَفَةِ المَحْدُودِينَ شَهادَةً أبَدًا، وهَذا يَقْتَضِي مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم فاسِقُونَ، أيْ خارِجُونَ عن طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمُ اسْتَثْنى جَلَّ وعَزَّ مَن تابَ وأصْلُحُ بَعْدَ القَذْفِ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِالرَحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أحْكامٍ في القاذِفِ: جَلْدُهُ، ورَدُّ شَهادَتِهِ أبَدًا، وفِسْقُهُ، فالِاسْتِثْناءُ غَيْرُ عامِلٍ في جِلْدِهِ بِإجْماعٍ، وعامِلٌ في فِسْقِهِ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في عَمَلِهِ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَقالَ شُرَيْحٌ القاضِي، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، والحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يَعْمَلُ الِاسْتِثْناءُ في رَدِّ شَهادَتِهِ، وإنَّما يَزُولُ فِسْقُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وأمّا شَهادَةُ القاذِفِ فَلا تُقْبَلُ البَتَّةَ ولَوْ تابَ وأكْذَبَ نَفْسَهُ ولا بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الِاسْتِثْناءُ عامِلٌ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في صُورَةِ تَوْبَتِهِ فَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ تَوْبَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِأنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القَذْفِ الَّذِي حُدَّ فِيهِ، وهَكَذا فَعَلَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، ونافِعٌ، تابا عَنِ القَوْلِ في المُغِيرَةِ، وأكْذَبا أنْفُسَهُما فَقَبْلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُما، وأبى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعٌ مِن إكْذابِ نَفْسِهِ فَرَدَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُ حَتّى ماتَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ-: تَوْبَتُهُ أنْ يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُهُ وإنْ لَمْ يَرْجِعْ عن قَوْلِهِ بِتَكْذِيبٍ.

واخْتَلَفَ فُقَهاءُ المالِكِيِّينَ، مَتى تَسْقُطُ شَهادَةُ القاذِفِ؟

فَقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ، وأشْهَبُ، وسَحْنُونٌ: لا تُسْقُطُ حَتّى يُجْلَدَ، فَإنَّ مَنَعَ مِن جِلْدِهِ مانِعٌ -عَفْوٌ أو غَيْرُهُ- لَمْ تُرَدَّ شَهادَتُهُ.

قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيِّ: شَهادَتُهُ في مُدَّةِ الأجَلِ في الإثْباتِ مَوْقُوفَةٌ، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّ التَوْبَةَ إمّا أنْ تَكُونَ بِالتَكْذِيبِ في القَذْفِ وإلّا فَأيُّ رُجُوعٍ لِعَدْلٍ إنْ قَذْفَ وحُدَّ وبَقِيَ عَلى عَدالَتِهِ، و"تابُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَرْجِيحٌ، وقَدْ رَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ قَوْلَ مالِكٍ.

واخْتَلَفَ أيْضًا -عَلى القَوْلِ بِجَوازِ شَهادَتِهِ بَعْدَ التَوْبَةِ- في أيِّ شَيْءٍ تَجُوزُ شَهادَتُهُ؟

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: تَجُوزُ في كُلِّ شَيْءٍ بِإطْلاقٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.

وقالَ سَحْنُونٌ رَحِمَهُ اللهُ: مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في مِثْلِ ما حُدَّ فِيهِ.

وقالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونِ: مِن حُدَّ في قَذْفٍ أو زِنى فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الزِنى ولا في قَذْفٍ ولا في لِعانٍ وإنَّ كانَ عَدْلًا، رَوَيا هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، واتَّفَقُوا -فِيما أحْفَظُهُ- عَلى ولَدِ الزِنا أنَّ شَهادَتَهُ لا تَجُوزُ في الزِنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان فاشياً في الجاهلية رمي بعضهم بعضاً بالزنى إذا رأوا بين النساء والرجال تعارفاً أو محادثة.

وكان فاشياً فيهم الطعن في الأنساب بهتاناً إذا رأوا قلة شبه بين الأب والابن، فكان مما يقترن بحكم حد الزنى أن يذيل بحكم الذين يرمون المحصنات بالزنى إذا كانوا غير أزواجهن وهو حد القذف.

وقد تقدم وجه الاقتران بالفاء في قوله: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ [النور: 2] الآية.

والرمي حقيقته: قذف شيء من اليد.

وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى شخص.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ثم يرم به بريئاً ﴾ في سورة النساء (112).

وحذف المرمي به في هذه الآية لظهور المقصود بقرينة السياق وذكر المحصنات.

والمحصنات: هن المتزوجات من الحرائر.

والإحصان: الدخول بزوج بعقد نكاح.

والمحصن: اسم مفعول من أحصن الشيء إذا منعه من الإضاعة واستيلاء الغير عليه، فالزوج يحصن امرأته، أي يمنعها من الإهمال واعتداء الرجال.

وهذا كتسمية الأبكار مخدّرات ومقصورات، وتقدم في سورة النساء.

ولا يطلق وصف المحصنات} إلا على الحرائر المتزوجات دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف الناس قبل الإسلام.

وحذف متعلق الشهادة لظهور أنهم شهداء على إثبات ما رمى به القاذف، أي إثبات وقوع الزنى بحقيقته المعتد بها شرعاً، ومن البيِّن أن الشهداء الأربعة هم غير القاذف لأن معنى ﴿ يأتوا بأربعة شهداء ﴾ لا يتحقق فيما إذا كان القاذف من جملة الشهداء.

والجلد تقدم آنفاً.

وشرع هذا الجلد عقاباً للرامي بالكذب أو بدون تثبت ولسد ذريعة ذلك.

وأسند فعل ﴿ يرمون ﴾ إلى اسم موصول المذكر وضمائر ﴿ تابوا وأصلحوا ﴾ وكذلك وصف ﴿ الفاسقون ﴾ بصيغ التذكير، وعدي فعل الرمي إلى مفعول بصيغة الإناث كل ذلك بناء على الغالب أو على مراعاة قصة كانت سب نزول الآية ولكن هذا الحكم في الجميع يشمل ضد أهل هذه الصيغة في مواقعها كلها بطريق القياس.

ولا اعتداد بما يتوهم من فارق إلصاق المعرة بالمرأة إذا رميت بالزنى دون الرجل يرمى بالزنى لأن جعل العار على المرأة تزني دون الرجل يزني إنما هو عادة جاهلية لا التفات إليها في الإسلام فقد سوى الإسلام التحريم والحد والعقاب الآجل والذم العاجل بين المرأة والرجل.

وقد يعد اعتداء الرجل بزناه أشد من اعتداء المرأة بزناها لأن الرجل الزاني يضيع نسب نسله فهو جان على نفسه، وأما المرأة فولدها لاحق بها لا محالة فلا جناية على نفسها في شأنه، وهما مستويان في الجناية على الولد بإضاعة نسبه فهذا الفارق الموهوم ملغى في القياس.

أما عدم قبول شهادة القاذف في المستقبل فلأنه لما قذف بدون إثبات قد دل على تساهله في الشهادة فكان حقيقاً بأن لا يؤخذ بشهادته.

والأبد: الزّمن المستقبل كله.

واسم الإشارة للإعلان بفسقهم ليتميزوا في هذه الصفة الذميمة.

والحصر في قوله: ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ للمبالغة في شناعة فسقهم حتى كأن ما عداه من الفسوق لا يعد فسقاً.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ حقه أن يعود إلى جميع ما تقدم قبله كما هو شأن الاستثناء عند الجمهور إلا أنه هنا راجع إلى خصوص عدم قبول شهادتهم وإثبات فسقهم وغير راجع إلى إقامة الحد، بقرينة قوله: ﴿ من بعد ذلك ﴾ ، أي بعد أن تحققت الأحكام الثلاثة فالحد قد فات على أنه قد علم من استقراء الشريعة أن الحدود الشرعية لا تسقطها توبة مقترف موجبها وقال أبو حنيفة وجماعة: الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة جرياً على أصله في عود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة.

والتوبة: الإقلاع والندم وظهور عزمه على أن لا يعود لمثل ذلك.

وقد تقدم ذكر التوبة في سورة النساء (17) عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ الآيات.

وليس من شرط التوبة أن يكذب نفسه فيما قذف به عند الجمهور، وهو قول مالك، لأنه قد يكون صادقاً ولكنه عجز عن إثبات ذلك بأربعة شهداء على الصفة المعلومة، فتوبته أن يصلح ويحسن حاله ويتثبت في أمره.

وقال قوم: لا تعتبر توبته حتى يكذب نفسه.

وهذا قول عمر بن الخطاب والشعبي، ولم يقبل عمر شهادة أبي بكرة لأنه أبى أن يكذب نفسه فيما رمى به المغيرة بن شعبة.

وقبل من بعد شهادة شبل بن معبد ونافع بن كلدة لأنهما أكذبا أنفسهما في تلك القضية وكان عمر قد حد ثلاثتهم حد القذف.

ومعنى أصلحوا } فعلوا الصلاح، أي صاروا صالحين.

فمفعول الفعل محذوف دل عليه السياق، أي أصلحوا أنفسهم باجتناب ما نهوا عنه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ [البقرة: 11]، وقوله: ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ في سورة البقرة (160).

وفرع فإن الله غفور رحيم } على ما يقتضيه الاستثناء من معنى: فاقبلوا شهادتهم واغفروا لهم ما سلف فإن الله غفور رحيم، أي فإن الله أمر بالمغفرة لهم لأنه غفور رحيم، كما قال في آية البقرة (160): ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.

﴾ وإنما صرح في آية البقرة بما قدر نظيره هنا لأن المقام هنالك مقام إطناب لشدة الاهتمام بأمرهم إذ ثابوا إلى الإيمان والإصلاح وبيان ما أنزل إليهم من الهدى بعدما كتموه وكتمه سلفهم.

وظاهر الآية يقتضي أن حد القذف حق لله تعالى، وهو قول أبي حنيفة.

وقال مالك والشافعي: حق للمقذوف.

ويترتب على الخلاف سقوطه بالعفو من المقذوف.

وهذه الآية أصل في حد الفرية والقذف الذي كان أول ظهوره في رمي المحصنات بالزنى.

فكل رمي بما فيه معرة موجب للحد بالإجماع المستند للقياس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ يَعْنِي بِالزِّنى.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴾ يَعْنِي بِبَيِّنَةٍ عَلى الزِّنى.

﴿ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾ وهَذا حَدٌّ أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى القاذِفِ لِلْمَقْذُوفَةِ يَجِبُ بِطَلَبِها ويَسْقُطُ بِعَفْوِها، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، لِوُجُوبِهِ بِالطَّلَبِ، وسُقُوطِهِ بِالعَفْوِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

الثّانِي: مِن حُقُوقِ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَنْتَقِلُ إلى مالٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الحُقُوقِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ الآدَمِيِّينَ لِتَمازُجِ الحَقَّيْنِ وهَذا مَذْهَبُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

وَلا يَكْمُلُ حَدُّ القَذْفِ بَعْدَ البُلُوغِ والعَقْلِ إلى بِحُرِّيَّتِهِما وإسْلامِ المَقْذُوفِ وعَفافِهِ، فَإنْ كانَ المَقْذُوفُ كافِرًا أوْ عَبْدًا عُزِّرَ قاذِفُهُ ولَمْ يُحَدَّ، وإنْ كانَ القاذِفُ كافِرًا حُدَّ حَدًّا كامِلًا، وإنْ كانَ عَبْدًا حُدَّ نِصْفَ الحَدِّ.

﴿ وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ وهَذا مِمّا غَلَّظَ اللَّهُ بِهِ القَذْفَ حَتّى عَلِقَ بِهِ مِنَ التَّغْلِيظِ ثَلاثَةُ أحْكامٍ: وُجُوبُ الحَدِّ، والتَّفْسِيقُ وسُقُوطُ الشَّهادَةِ.

وَلَمْ يَجْعَلْ في القَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنى حَدًّا لِما في القَذْفِ بِالزِّنى مِن تَعَدِّي المَعَرَّةِ إلّا الأهْلِ والنَّسْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا ﴾ الآيَةَ.

التَّوْبَةُ مِنَ القَذْفِ تَرْفَعُ الفِسْقَ ولا تُسْقِطُ الحَدَّ.

واخْتَلَفُوا في قَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: تُقْبَلُ شَهادَتُهُ قَبْلَ الحَدِّ وبَعْدَهُ لِارْتِفاعِ فِسْقِهِ وعَوْدِهِ إلى عَدالَتِهِ وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وبِهِ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ أبَدًا، لا قَبْلَ الحَدِّ ولا بَعْدَهُ، وهَذا مَذْهَبُ شُرَيْحٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الحَدِّ ولا تُقْبَلُ بَعْدَهُ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

الرّابِعُ: تُقْبَلُ شَهادَتُهُ بَعْدَ الحَدِّ ولا تُقْبَلُ قَبْلَهُ، وهَذا مَذْهَبُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ الشَّعْبِيُّ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ.

وَفي صِفَةِ التَّوْبَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِإكْذابِهِ نَفْسَهُ وقَدْ رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ونافِعَ بْنَ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وقالَ لَهم: مَن أكْذَبَ نَفْسَهُ أُحْرِزْ شَهادَتَهُ فَأكْذَبَ نَفْسَهُ شِبْلٌ ونافِعٌ، وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَفْعَلَ، قالَ الزُّهْرِيُّ، وهو واللَّهِ السُّنَّةُ فاحْفَظُوهُ.

الثّانِي: أنَّ تَوْبَتَهُ مِنهُ تَكُونُ بِصَلاحِ حالِهِ ونَدَمِهِ عَلى قَذْفِهِ والِاسْتِغْفارِ مِنهُ وتَرْكِ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ﴾ يعني الحاكم إذا رفع إليهم جلدوا القاذف ثمانين جلدة ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ﴾ يعني بعد الجلد ما دام حياً ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ العاصون فيما قالوه من الكذب.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ فتاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ إلى ﴿ رحيم ﴾ فأنزل الله الجلد والتوبة تقبل، والشهادة ترد.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ قال: «توبتهم اكذابهم أنفسهم، فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم» .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: في سورة النور ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ﴾ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ [ النور: 4] فإذا حلفا فرق بينهما وإن لم يحلفا أقيم الحد.

الجلد أو الرجم.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ﴾ ثم قال: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة بالزنا ونكل زياد، فحد عمر الثلاثة وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم، فتاب رجلان ولم يتب أبو بكرة فكان لا تقبل شهادته، وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه، فلما كان من أمر زياد ما كان حلف أبو بكرة أن لا يكلمه أبداً، فلم يكلمه حتى مات.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في الآية قال: إذا تاب القاذف، وأكذب نفسه، قبلت شهادته.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي والزهري وطاوس ومسروق قالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته.

وتوبته أن يكذب نفسه.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: القاذف إذا تاب فتوبته فيما بينه وبين الله ولا تجوز شهادته.

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول في القاذف إذا تام لم تقبل شهادته.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال: القاذف إذا تاب فإنما توبته فيما بينه وبين الله، فأما شهادته فلا تجوز أبداً.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: لا شهادة له.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: توبته فيما بينه وبين ربه من العذاب العظيم.

ولا تقبل شهادته.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ﴾ قال: كان الحسن يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبداً.

توبته فيما بينه وبين الله.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: كل صاحب حد تجوز شهادته إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: لا تقبل للقاذف شهادة؛ توبته بينه وبين ربه.

وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا جاءه رجل يشهده قال: أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: شهدت عمر بن الخطاب حين جلد قذفة المغيرة بن شعبة منهم أبو بكرة، وماتع، وشبل، ثم دعا أبا بكرة فقال: إن تكذب نفسك تجز شهادتك فأبى أن يكذب نفسه.

ولم يكن عمر يجيز شهادتهما حتى هلكا، فذلك قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وتوبتهم اكذابهم أنفسهم.

وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضى الله ورسوله أن لا تقبل شهادة ثلاثة، ولا اثنين، ولا واحد على الزنا، ويجلدون ثمانين ثمانين، ولا تقبل لهم شهادة أبداً حتى يتبين للمسلمين منهم توبة نصوح وإصلاح» .

وأخرج عبد بن حميدعن جعفر بن يرقان قال: سألت ميمون بن مهران عن هذه الآية ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فجعل الله فيها توبته.

وقال في آية أخرى ﴿ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ﴾ فقال: أما الأولى، فعسى أن تكون قارفت، وأما الأخرى فهي التي لم تقارف شيئاً من ذلك.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: لما كان زمن العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، جعلت المرأة تخرج من أهل مكة إلى رسول صلى الله عليه وسلم مهاجرة في طلب الإِسلام فقال المشركون: إنما انطلقت في طلب الرجال، فأنزل الله: ﴿ والذين يرمون المحصنات...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب.

وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: جلد الزاني أشد من جلد الفرية والخمر، وجلد الفرية والخمر فوق الحد والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ الآية.

اختلف العلماء والمفسرون في حكم هذا الاستثناء: فذهب كثير (١) وذهب كثير منهم إلى أن الفسق يزول بالتوبة، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا.

روى عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية قال: فتاب عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز (٢) وهذا قول شريح، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وسعيد بن المسيب (٣) وهذا قول من رأى أن التوبة إنما نسخت الفسق وحده (٤) (٥) وقد رأى آخرون أنها نسخت الفسق وإسقاط الشهادة معًا (٦) روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل (٧) وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، وهم: أبو بكرة (٨) (٩) (١٠) ثم قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ومن لم يفعل لم أجز شهادته.

فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦)  - (٢٧) والأول قول أهل العراق (٢٨)  - (٢٩) قال أبو عبيد: وكلا الفريقين إنما تأوّل الآية (٣٠) ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فذهبوا إلى أن الكلام معطوف بعضه على بعض فقال ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ، ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا (٣١) قال أبو عبيد: والذي يُختار هذا القول؛ لأن من قال به أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب فمن وراءه، مع أنه في النظر على هذا (٣٢) مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ من ذلك: قوله ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ إلى قوله ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا  ﴾ فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعًا بمنزلة واحدة.

وكذلك قوله في الطهور حين قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا  ﴾ فصار التيمم لاحقًا بمن وجب عليه الاغتسال كما (٣٣) ﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ﴾ إلى آخر الآية كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضًا، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به.

انتهى كلامه (٣٤) واختار أبو إسحاق هذا القول أيضًا، فقال: إذا استثنوا من الفاسقين خاصة (٣٥) (٣٦) ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ فليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر، فحقّه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، كما أن الكافر إذا أسلم وأصلح قبلت شهادته.

فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله ﴿ أَبَدًا ﴾ ؟

قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياتهن ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا تقبل منه (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وهذا الذي ذكره معنى قول الشافعي -  -: وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدًا فكيف لا تقبلون شهادة القاذف وهو أحسن دينا!

وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته (٤١) واختلفوا في كيفية توبته: فقال طاووس: توبته أن يكذب نفسه (٤٢) وقال عامر: توبته أن يقوم مثل مقامه يكذب (٤٣) (٤٤) وقال آخرون: التوبة منه كالتوبة من سائر الذنوب يندم على ما قال، ويستغفر منه، ويترك العود فيما بقي من العمر (٤٥) هذا كله إذا حدَّ بقذفه.

فأما إذا لم يحد بعفو المقذوف عنه أو بموته قبل أن يطالب القاذف بحدٍّ أو لم يرفع إلى السلطان فإن شهادته تقبل.

بهذا احتج الشافعي -رحمة الله عليه (٤٦) (٤٧) (٤٨) قوله ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد إظهار التوبة (٤٩) وقال مقاتل: وأصلحوا العمل فليسوا بفساق (٥٠) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ غَفُورٌ ﴾ لذنبهم، يعني لقذفهم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم حيث تابوا (٥١) "فلما نزلت هذه الآية قرأها النبي -  - على الناس في خطبة (٥٢) (٥٣)  -: جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً (٥٤) (٥٥)  -: "كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي".

فخرج عاصم سامعًا مطيعًا، فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟

فقال: شر!

وجدت شريك بن السحماء (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١)  - أنفًا.

فرجع إلى النبي -  - وأخبره (٦٢) ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾ .

وهذا قول ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك، عنه (٦٣) وقال مقاتل (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) وأما قصة هلال بن أمية: فروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ قال سعد بن عبادة: أهكذا نزلت يا رسول الله؟

فقال رسول الله -  -: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم"؟

فقال سعد: والله -يا رسول الله- إني لأعلم (٦٩) ثم ذكر نحو حديث عاصم لرسول الله -  -، فما لبثوا إلا (٧٠)  -: "البينة وإلا حد في ظهرك".

فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد.

فنزلت آية اللعان (٧١) وقال الكلبي: الذي وجد امرأته مع شريك هو عاصم بن عدي، رجع يومًا إلى أهله فوجده على بطن امرأته، فأتى النبي -  - وأخبره بما رأى فنزل آية اللعان (٧٢) وهذه ثلاثة أقوال في الواجد امرأته مع رجل: أحدها (٧٣) والثاني: أنه عويمر العجلاني.

والثالث: أنه عاصم (٧٤) واتفقوا على أن الموجود زانيًا هو شريك.

والأظهر أن الواجد كان عويمر لكثرة ما روي أن النبي -  - لاعن بين العجلاني وامرأته (٧٥) (١) سيذكر الواحدي من قال بذلك.

(٢) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 147 من رواية عطاء الخراساني، عن ابن عباس.

وذكره ابن حزم في " المحلى" 9/ 431 من رواية عطاء الخراساني، عنه، به، وقال 9/ 433: وأما الرواية عن ابن عباس فضعيفة، والأظهر عنه خلاف ذلك.

وذكره ابن حجر في "فتح الباري" 5/ 257 من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعزاه لعبد الرزاق، وقال: وهو منقطع، ولم يصب من قال إنّه سند قويّ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 131 عن ابن عباس، وعزاه لأبي داود في ناسخه وابن المنذر.

(٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" 147 - 148 عنهم جميعًا، إلا أنَّ قول قتادة من روايته عن الحسن وابن المسيب، وذكره ابن حزم في "المحلى" 9/ 431 عن إبراهيم النخعي، والحسن، وسعيد بن المسيب في أحد قوليه.

وقال 9/ 433: كل من رُوي عنه أنَّه لا تقبل شهادته وإن تاب فقد رُوي عنه قبولها إلا الحسن والنخعي فقط.

اهـ.

وقول شريح رواه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 52، وفي "مصنفه" 7/ 388، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 171، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، والطبري 18/ 78، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 13 ب - 14 أ، والبيهقي في "السنن" 10/ 156.

ولشريح قول آخر في قبول شهادته رواه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادتين - باب: شهادة القاذف، 5/ 255) معلقًا، ورواه موصولاً ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 169، والطبري 18/ 78، وقال ابن حجر في "فتح البارى" 5/ 257: بإسناد صحيح.

وقول إبراهيم رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 387، وابن أبي شيبة 6/ 171، == وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، وابن الجعد في "مسنده" 2/ 323، والطبري 18/ 79، وابن أبي حاتم 7/ 14 ب، والبيهقي في "السنن" 10/ 156.

وقول الحسن رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 52، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 171 وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، والطبري 18/ 79، وابن أبي حاتم 7/ 13 ب - 14 أ، والبيهقي في "السنن" 10/ 156.

وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 52 وفي "مصنفه" 8/ 363 والطبري 18/ 79 من رواية عن الحسن، والطبري 18/ 79 من رواية عن سعيد بن المسيب.

ولقتادة قول آخر في قبول شهادته رواه عنه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادات باب: شهادة القاذف ..

5/ 255) معلقًا، ورواه موصولاً عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 362، والطبري في "تفسيره" 18/ 78 من رواية عن ابن المسيب.

وقول سعيد بن المسيب رواه عنه الطبري 18/ 79.

ولسعيد قول آخر في قبول شهادته رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 53، وفي "مصنفه" 7/ 384، 8/ 362، والطبري 18/ 78، وابن أبي حاتم 7/ 14 ب، والبيهقي 10/ 153.

(٤) من قوله، وهذا قول ..

إلى هنا.

هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ" ص 149 بنصَّه.

(٥) في (ظ)، (ع) أي.

(٦) من قوله: (وقد رأى ..

إلى هنا).

هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ" ص 149 بنصَّه.

(٧) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 149، والطبري 18/ 80، والبيهقي في "السنن" 10/ 153 من رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به.

(٨) في (أ): (أبو بكر بن)، وهو خطأ.

وهو: أبو بكرة، نفيع بن الحارث بن كلدة.

(٩) هو: شبل بن معبد بن عبيد البجلي، الأحمسي.

تابعي مخضرم، لم يصح له سماع من رسول الله -  -.

وأمُّه سمية مولاة الحارث بن كلدة والدة أبي بكرة ونافع.

"الإصابة" لابن حجر 5/ 159.

(١٠) هو: نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، أبو عبد الله، أخو أبي بكرة لأمه.

كان ممن نزل إلى رسول الله -  - من الطائف، وأمه سميَّة مولاة الحارث بن كلدة أم أبي بكرة وشبل وزياد.

سكن البصرة.

وهو أول من أفتلى -هكذا عند ابن سعد، وفي "الإصابة": اقتنى- الخيل بالبصرة؛ سأل عمر أرضًا ليست من أرض الخراج ولا تضر أحدًا يتخذها فضاءً لخيله، فأقطعه إياها.

"طبقات ابن سعد" 5/ 507، 7/ 70، "الإصابة" لابن حجر 3/ 514.

(١١) ذكره الثعلبي 3/ 68 ب من رواية ابن إسحاق، به بهذا اللفظ.

ورواه الطبري 18/ 76 من طريق ابن إسحاق، به، بنحوه.

ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" 1/ 152 من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه.

قال ابن كثير في "مسند عمر بن الخطاب" 2/ 558 - بعد ذكره لهذه الطرق-: وهذه طرق صحيحة عن عمر -  -.

ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 149، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 52 - 53، وفي "مصنفه" 8/ 362 من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن ابن المسيب بمعناه.

(١٢) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 150، وعبد الرزاق في "تفسيره".

2/ 52، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 9170.

== ورواه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف 5/ 255) عنه معلقًا.

(١٣) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" 150، وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" 9/ 432.

(١٤) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" 150، وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" 9/ 432.

(١٥) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 151.

ورواه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف 5/ 255) معلقًا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 3/ 380، عن محارب، عن رواية الكرابيسي في كتاب: القضاء.

وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" 9/ 432.

(١٦) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 152 من روايته عن عبد الله بن عتبة.

وذكره ابن حزم في "المحلى" 9/ 432 عن حبيب.

(١٧) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 152، والشافعي في "الأم" 7/ 82، والطبري 18/ 77، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

(١٨) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (1523)، وعبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 383، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 ب) وابن أبي شيبة 6/ 168، والطبري 18/ 77، وابن أبي حاتم 7/ 14 ب، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

(١٩) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 152، وعبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 383، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 168، والطبري 18/ 77، والبيهقي في "السنن" 10/ 153 من طريق ابن نجيح عنه.

ورواه البخاري في "صحيحه" في الشهادات - باب: شهادة القاذف 5/ 255 عنه معلقًا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 3/ 379 من رواية سعيد بن منصور وغيره.

(٢٠) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 151، وعبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 388، 3693، والشافعي في "الأم" 7/ 89، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 58 أ)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 170، والطبري 18/ 76، وابن أبي حاتم 7/ 14 ب، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

ورواه عنه البخاري في "صحيحه" كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف 5/ 255) معلقًا.

ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 3/ 380 من رواية الطبري وغيره.

(٢١) رواه البخاري في الشهادات (باب: شهادة القاذف 5/ 255) عنه معلقًا.

ووصله ابن حجر في "الفتح" 5/ 257 وفي "تغليق التعليق" 3/ 380 من رواية علي بن الجعد، عن شعبة عن يونس بن عبيد، عن عكرمة.

وهو في "مسند علي بن الجعد" 1/ 600 من الرواية المذكورة.

وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" 9/ 432.

وحكى عنه 9/ 431 قولًا آخر أنه لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب.

(٢٢) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 152، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 ب)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 168، والطبري 18/ 77، والبيهقي في "السنن" 10/ 153 من رواية ابن أبي نجيح عنه.

ورواه البخاري في الشهادات (باب شهادة القاذف 5/ 255) عنه معلقًا.

ووصله ابن حجر في "الفتح" 5/ 257 وفي "تغليق التعليق" 3/ 379 من رواية سعيد بن منصور - وغيره.

(٢٣) في (أ): (عبيد الله)، وهو خطأ.

(٢٤) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من أبناء المهاجرين.

وابن أخي عبد الله بن مسعود.

ولد في عهد النبي -  -، واختلف في رؤيته للنبي -  -.

فقيل له رؤيه، وقيل: لم يره فهو تابعي.

روى عن النبي -  -، وعن عمّه عبد الله، وعن أبي هريرة وغيرهم.

قال ابن سعد: وكان ثقة، رفيعًا، كثير الحديث والفتيا، فقيهًا.

توفي سنة 74 هـ.

"طبقات ابن سعد" 5/ 58، "الكاشف" للذهبي 2/ 107، "تهذيب التهذيب" == 5/ 311، "الإصابة" 2/ 332.

وقوله رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 153، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 170، والطبري 18/ 78، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

ورواه عنه البخاري في الشهادات - باب: شهادة القاذف 5/ 255) معلقًا.

ووصله ابن حجر في "فتح الباري" 5/ 256، وفي "تغليق التعليق" 3/ 378 من رواية الطبري.

(٢٥) رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، والطبري 18/ 78، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

(٢٦) قوله: وهذا قول أهل الحجاز جميعًا.

هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 153 بنصِّه.

(٢٧) ذكره عنه الثعلبي 3/ 68 ب.

وهو في "الأم" 7/ 81.

(٢٨) هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (153).

(٢٩) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 273، "بدائع الصنائع" 6/ 271، "تبيين الحقائق" 4/ 218 - 219.

(٣٠) في "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 153: إنما تأول فيما نرى الآية.

(٣١) في (أ): (وراء).

(٣٢) في "الناسخ والمنسوخ": على هذا أصح.

(٣٣) في جميع النسخ: (كمن)، والتصويب من "الناسخ والمنسوخ".

(٣٤) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 153 - 154 مع اختلاف في آخره.

(٣٥) في المعاني: أيضًا.

(٣٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 32.

(٣٧) (منه) ساقطة من (أ).

(٣٨) عند الزجاج: لا يقبل منه شيء أبدًا، فمعناه: ما دام كافرًا فلا يُقبل منه شيء.

(٣٩) في المطبوع من المعاني: القذف.

(٤٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 31 مع اختلاف يسير.

(٤١) "الأم" 7/ 41 - 42 مع اختلاف يسير.

وقول الشعبي رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 7/ 388، 8/ 363 وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 151، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 153.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 170، والطبري 18/ 77 بنحوه.

(٤٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 172، والطبري 18/ 80، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 131 عن طاووس وغيره وعزاه لعبد بن حميد.

(٤٣) في (ع): (مكذب)، وعند ابن أبي شيبة: فيكذب.

(٤٤) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 172 - 173 عنه بهذا الفظ، ورواه بنحو الطبري 18/ 76، 77، وابن أبي حاتم 7/ 14 ب، والبيهقي في "السنن" 10/ 153.

(٤٥) ذكر هذا الطبري 18/ 81، والثعلبي 3/ 68ب.

وحكاه الطبري عن جماعة من التابعين وغيرهم 18/ 77 - 78، 81 وعن الإمام مالك بن أنس.

قال الطبري 18/ 81: وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب؛ لأن الله جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود فيه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربَّه منه فيما كان.

(٤٦) في (ع): (  ).

(٤٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٤٨) "الأم" 7/ 41 - 42.

(٤٩) ذكر القرطبي 12/ 182 هذا القول ولم ينسبه لأحد.

(٥٠) "تفسير مقاتل" 2/ 34 ب.

(٥١) ذكر القرطبي 12/ 182 الشطر الأخير منه، ولم ينسبه لأحد.

(٥٢) في (أ)، (ظ): (خطبته)، والمثبت من (ع)، وتفسير مقاتل.

(٥٣) هو: عاصم بن عدي بن الجدِّ بن العجلان البلوي، حليف الأنصار.

كان سيد بني عجلان.

شهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -  -، ولم يشهد بدرًا؛ لأن النبي -  - استخلفه على العالية من المدينة وضرب له رسول الله -  - بسهمه فيها.

توفي في خلافة معاوية سنة 45 هـ وقد جاوز المائة.

"طبقات ابن سعد" 3/ 466، "الاستيعاب" 2/ 781، "أسد الغابة" 3/ 75، "الكاشف" للذهبي 2/ 51، "الإصابة" 2/ 237.

(٥٤) (رجلاً) ساقط من (ط)، (ع).

(٥٥) في (أ): (فجلد)، وفي (ظ): (يجلد)، والمثبت من (ع) وتفسير مقاتل.

(٥٦) في (ظ)، (ع): (السمحاء)، وهو خطأ.

وهو: شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار.

== وسحماء -بفتح السين وسكون الحاء- أمه.

يقال إنه سعد مع أبيه أحدًا.

"الاستيعاب" 2/ 705، "أسد الغابة" 5/ 66، "الإصابة" 2/ 147.

(٥٧) (خولة) ساقطة من (ع).

(٥٨) (وهي) ساقطة من (أ)، وفي (ظ): (وخولة)، فسقط منها: هي.

(٥٩) في (ع): (ابن)، وهو خطأ.

(٦٠) ذكرها بهذا الاسم ابن حجر في "الإصابة" 4/ 285 وأشار إلى قصة اللعان وقال: لها ذكر ولا يعرف لها رواية.

قاله ابن منده.

(٦١) (والله) ليس في (ظ)، (ع).

(٦٢) في (ع): (فأخبره).

(٦٣) ما ذكره الواحدي جاء من عدة روايات مختلفة فأدخل المصنف بعضها على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فأول الرواية إلى قوله "فرغ الرجل من حاجته" نصُّ رواية مقاتل في "تفسيره" 2/ 34 ب، وذكرها الثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" 3/ 70 أ، وصدّرها بقوله: قال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل.

وأما بقية الرواية من قوله: هكذا أنزلت إلى آخر الرواية، فهذا نصّ رواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس والتي أخرجها الواحدي في "تفسيره الوسيط" 2/ 305 - 306 بسنده إلى جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس.

لكن وقع في الرواية التي ساقها الواحدي في "الوسيط" أن المرأة قالت: يا رسول الله، إن ابن السحماء كان يأتينا في منزلنا فيتعلم الشيء من القرآن، فربما تركه عندي وخرج زوجي ولم ينكر علي ساعة من ليل ولا نهار، فلا أدري أدركته الغيرة، ..

والرواية المذكورة هنا فيها: إنه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث.

== وهذه اللفظة في تفسير الثعلبي "الكشف والبيان" 3/ 70 أ.

وأخذها المصنف من تفسير الثعلبي وأدخلها على رواية جويبر.

ورواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رواية شديدة الضعف سندًا غريبة متنًا، فأما ضعفها سندًا فلأنها من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر هذا قال عنه الذهبي في "المغني" في "الضعفاء" 1/ 138: قال الدارقطني وغيره: متروك.

وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب" 1/ 36: ضعيف جدًا.

كما أن في سندها انقطاعًا فإن الضحاك لم يلق ابن عباس كما قال ذلك الأئمة.

انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر 4/ 453 - 454.

أما غرابة المتن فلأن فيه: "فخرج عاصم سامعًا مطيعًا فاستقبله هلال" والمعروف في الروايات الصحيحة كما سيأتي أن الذي لقي عاصمًا هو عويمر ابن عمه.

ولذلك قال الزيلعي في تخريجه لأحاديث "الكشاف" 2/ 421 بعد ذكره الرواية التي ساقها الزمخشري في "الكشاف" وهي نحو الرواية المذكورة هنا-: غريب بهذا السياق، وفيه تخليط، فإن حديث عاصم بن عدي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس من غير هذا الوجه، وروى مسلم أوله عن ابن مسعود وليس فيه ذكر الأسامي.

وقصة شريك وهلال رواها مسلم، وليس فيها ذكر عاصم وغيره.

ثم قال الزيلعي: ونقله الثعلبي يعني الرواية التي ساقها صاحب "الكشاف" هكذا بتمامه عن ابن عباس.

قال ابن حجر في كتابه تخريج أحاديث "الكشاف" معلقًا على قول الزيلعي الأخير وكأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، والمحفوظ عن ابن عباس بغير هذا السياق وهو متفق عليه وليس فيه تسميتهم.

وكلام ابن حجر يدل على أنه لم يطلع على رواية جويبر هذه.

والله أعلم.

ولما ذكر القرطبي رواية الواحدي هنا قال: والصحيح خلافه.

يعني أن عاصمًا استقبله هلال بن أمية 12/ 184.

(٦٤) "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ.

(٦٥) هذا قول مقاتل بن حيان: انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 16 ب.

(٦٦) في (ظ)، (ع): (السمحاء).

وهو خطأ.

(٦٧) هو: عويمر بن أبي أبيض العجلاني، ويقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن جابر بن الجدَّ بن العجلان، وأبيض لقب لأحد آبائه.

"الإصابة" 3/ 45.

(٦٨) نقل هذا ابن حجر في "الفتح" 9/ 448 عن القرطبي عن مقاتل بن سليمان.

ولم أجد من ترجم لخولة هذه.

(٦٩) في (أ): (لا أعلم)، وهو خطأ.

(٧٠) (إلا) ساقط من (ع).

(٧١) قصة هلال بن أمية التي ساقها هنا الواحدي من رواية عكرمة عن ابن عباس قد جاءت من طرق عن عكرمة عن ابن عباس، لكن الواحدي أدخل بعض الروايات على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فمن قوله "لما نزلت" ..

إلى قوله: "وكان أحد الثلاثة" رواه االإمام أحمد في "مسنده" 4/ 6 - 9 طبعة شاكر وأبو داود في "سننه" == كتاب: الطلاق- باب: في اللعان 6/ 344 - 347، وأبو يعلى في "مسنده" 5/ 124 - 127، والطبري في "تفسيره" 18/ 82 - 83، وابن أبي حاتم (ج 3 ل 15 أ)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 394، والمصنف الواحدي في "أسباب النزول" ص 262 كلهم من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس به.

قال الحافظ المنذري في كتابه "مختصر سنن أبي داود" 3/ 169: في إسناده عبّاد بن منصور، وقد تكلَّم فيه غير واحد، وكان قدريًا داعية.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 12 - بعد ذكره لرواية أبي يعلى-: ومداره على عبّاد بن منصور وهو ضعيف.

وقال في "مجمع الزوائد" 7/ 74: رواه أحمد وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف، وقد وثق.

(٧٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 23/ 165: من رواية الكلبي عن ابن عباس.

وروايات الكلبي لا يعتمد عليها.

(٧٣) في (أ): (أحدهما).

(٧٤) حكى ابن حجر في "الفتح" 8/ 451 هذا القول ثم قال: فيه نظر لأنَّه ليس لعاصم فيه قصة، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة.

اهـ.

ومما يدل على ما قاله ابن حجر ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" للهيثمي 4/ 240 عن عاصم بن عدي أنه كان عند رسول الله -  - فلما نزلت هذه الآية ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾ فقلت.

يا رسول الله: == حتى يأتوا بأربعة شهداء قد قضى الخبيث حاجته، قال: فما قام حتى جاء ابن عمه أخي أبيه، وامرأته تحمل صبيًا وهي تقول: هو منك، وهو يقول: ليس منه، فأنزلت آية اللعان.

قال: فأنا أول من تكلم به وأول من ابتلي به.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 12 - 13: ورجاله رجال الصحيح.

(٧٥) ذكر ابن حجر في "الفتح" 8/ 405 اختلاف العلماء فيمن نزلت فيه آية اللعان، فقال: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجَّح أنَّها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجَّح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد.

وقد جنح النووي إلى هذا، وسبقه الخطيب ..

ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال سعد بن عبادة.

والقائل في قصة عويمر عاصم بن عدي ..

ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول.

اهـ.

وذكر ابن حجر أنَّ النووي نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، ثم تعقبه بقوله 8/ 451: وأما قول النووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح، لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ هذا حدّ القذف، وهو الفرية التي عبر الله عنها بالرمي، والمحصنات يراد بهن هنا العفائف من النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد، وقيل: إن المعنى؛ يرمون الأنفس المحصنات، فيعم اللفظ على هذا النساء والرجال.

ويحتاج هنا إلى الكلام في القذف والمقذوف والشهادة في ذلك، فأما القذف فهو الرمي بالزنا اتفاقاً، أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي لعموم لفظ الرمي في الآية، خلافاً لأبي حنيفة، أو النفي من النسب، ومذهب مالك أن التعريض بذلك كله كالتصريح خلافاً للشافعي وأبي حنيفة، وأما القاذف فيحدّ: سواء كان مسلماً أو كافراً لعموم الآية، وسواء كان حراً أو عبداً، إلا أن العبد والامة إنما يحدّان أربعين عند الجمهور، فنصفوا حدَّهما قياساً على تنصيفه في الزنا خلافاً للظاهرية، ولا يحدّ الصبي ولا المجنون لكونهما غير مكلفين، وأما المقذوف فمذهب مالك أنه يشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رمي به، والتمكن من الوطء تحرزاً من المحبوب وشبهه، فلا يحدّ عنده من قذف صبياً أو كافراً أو محبوباً أو عبداً ومن لا يمكنه الوطء وقد قيل: يحدّ من قذف واحداً منهم لعموم الآية واتفقوا على اشتراط البراءة مما رُمي به وأما الشهادة التي تسقط حدّ القذف، فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبد أو كافر أو يشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قذف به كالمردود في المكحلة، ويؤدون الشهادة مجتمعين ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ تقدّم قبل هذا الاستثناء ثلاثة أحكام، وهي الحدّ، ورد شهادة القاذف، وتفسيقه، فاتفق على أن الاستثناء راجع إلى التفسيق، وأن ذلك يزول عنه بالتوبة، واتفق على أنه لا يرجع إلى الحدّ وأنه لا يسقط عنه بالتوبة، واختلف هل يرجع إلى ردّ الشهادة أم لا: فقال مالك: إذا تاب قبلت شهادته، خلافاً لأبي حنيفة، وتوبته هو صلاح حاله في دينه وقبل إكذاب نفسه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فرضناها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ورأفة ﴾ بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر.

وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون.

وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿ أربع شهادات ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون بالتشديد والنصب ﴿ والخامسة ﴾ الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة.

﴿ أن ﴾ مخففاً ﴿ غضب ﴾ فعلاً ماضياً ﴿ الله ﴾ بالرفع: نافع والمفضل ﴿ أن ﴾ بالتخفيف ﴿ غضب الله ﴾ بالرفع: سهل ويعقوب.

الباقون ﴿ أن غضب الله ﴾ بالتشديد والنصب.

الوقوف: ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جلدة ﴾ ص ﴿ الآخر ﴾ ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ مشركة ﴾ ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ مشرك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ ج للفاء وإن ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر رسول الله  في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال ﴿ سورة ﴾ أي هذه سورة ﴿ أنزلناها وفرضناها ﴾ أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير.

وعلى هذا لا يكون لقوله ﴿ أنزلناها ﴾ محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.

ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة.

والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها.

ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة.

ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف.

وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله  بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر.

وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا ﴿ رب اجعل لي آية  ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.

وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله  لأجل التذكر.

فمن جملة الأحكام حكم الزنا.

قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر ﴿ فاجلدوا ﴾ والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا.

وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب ﴿ سورة أنزلناها ﴾ لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم.

فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.

فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو.

والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله ﴿ ولا يزنون  ﴾ وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير.

وعن النبي  "اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول.

قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.

قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين.

والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة.

وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه  قال "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقوله "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً.

لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً.

واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب.

والثاني قتل الفاعل والمفعول.

والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه.

ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق.

ويروى عن علي  وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل  ﴾ وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح.

ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي.

وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر.

حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري.

فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم.

وأيضاً إنه  قال "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وقال صلى الله عيه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول.

وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر.

وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء.

حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب.

وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل.

وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قال " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟

قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها.

وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً.

والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه  نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.

ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.

البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله  : "الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام" والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال  ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي.

وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات.

وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون.

سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي  م وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة.

وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي  أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي  فجلد، ثم أخبر النبي  أنه كان محصناً فأمر به فرجم.

وقوله  "الثيب بالثيب جلد مائة" ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.

ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره.

وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية.

وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله  فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله  وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي  ورجمنا بعده.

فأخبر أن الذي فرضه الله  هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره.

قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر.

وقال أبو حنيفة: يجلد.

وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام.

وقوله  "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب.

وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب.

حجة الشافعي حديث عبادة "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وقد ورد مثله في قصة العسيف.

حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد.

بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله  "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي  توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر.

وقد روى أبو هريرة "أن النبي  قال في الأمة إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي  فقال: اجلدوه مائة.

فقالوا: إنه اضعف من ذلك.

فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله.

لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها.

ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك.

وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي  أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة.

وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها.

وأيضاً النفي نظير القتل لقوله  ﴿ اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب.

وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية.

فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام.

ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه  جلد وغرّب.

ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف.

وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة.

وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله  "لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب.

وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها.

واعلم أن قولنا ﴿ الزانية والزاني ﴾ إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف.

هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع.

ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد.

ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ.

ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول.

وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام.

ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل.

وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال.

وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟

الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان.

والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟

قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً.

وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه.

ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" دون الشافعي لقوله  "إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي  رجم يهوديين زنيا.

فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه.

ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وعورض بأن الإسلام من كسب العبد.

وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة.

قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة.

وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض.

والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله  "وزنا بعد إحصان" وبقوله "عليهم ما على المسلمين" قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس.

ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ أي تزوّجن ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات  ﴾ فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله ﴿ الزانية ﴾ واتفاق الجمهور على حذف هذين.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه  رجم يهوديين فالجلد أولى.

وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟

رجح كلاً مرجحون.

وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى.

ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده.

وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا "قال النبي في قضية اللعان لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما.

وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا.

الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة.

وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس.

وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً.

حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين.

حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه  عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله  والقياس على الشهادة.

وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها.

والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط.

الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله  ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولقوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة.

وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان.

البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك.

حجة الشافعي أنه  قال "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة أنه  قال "ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر.

وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى.

وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى.

حجة أبي حنيفة في قوله ﴿ فاجلدوا ﴾ الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد.

وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه.

وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد.

أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه.

فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها.

وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق.

وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير.

وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف.

البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه  قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم.

وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف.

والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود.

وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان.

وفي الحديث "يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟

فيقول: رحمة لعبادك.

فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا.

فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا.

فأتي بسوط بين السوطين.

وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص.

فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه.

ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة.

وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه.

وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة.

وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة.

وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "إن الله  خلق آدم على صورته" وهذا المعنى مفقود في الرأس.

ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك.

ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه.

وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط.

وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي  فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة.

والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره.

وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط.

ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن "ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال  :هلا تركتموه" .

وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه.

ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب.

ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له".

وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

ومن تغليظات حد الزنا قوله  ﴿ وليشهد ﴾ ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد.

وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ ولهم عذاب عظيم  ﴾ ومعنى الطائفة قد مر في التوبة.

فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد.

وعن عطاء وعكرمة اثنان.

وعن الزهري وقتادة ثلاثة.

وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا.

وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد.

وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه  لم يحضر رجم ماعز والغامدية.

وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس.

ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد ﴿ لا ينكح ﴾ بالجزم.

ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك.

وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟

والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك.

وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة.

والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟

والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله  بالجملة الثانية عن هذا الانحصار.

الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية.

الجواب للمفسرين فيه وجوه.

أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي".

وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي.

وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا.

الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله ﴿ المؤمنين ﴾ للعهد.

روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن.

فاستأذنوا رسول الله  فنزلت الآية.

والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين.

الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر.

وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام.

ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس.

ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة.

ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها.

ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.

وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم  ﴾ وهو قول الجبائي.

وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها.

وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.

وعن النبي  أنه سئل عن ذلك فقال: "أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين.

قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها.

الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿ لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان.

وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك.

والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة.

والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.

وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه.

والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال مالك: يجب الحد فيه.

وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال  "ادرؤا الحدود بالشبهات" والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.

حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.

فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه.

وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا.

فجلده عمر ثمانين.

وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد.

ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني.

وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد.

وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي.

وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه  قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته.

ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر.

وأجيب بأن قوله ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع وقوله ﴿ المحصنات ﴾ كذلك.

وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه.

وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد.

ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة.

وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله  .

هذا كله هو البحث عن الرمي.

وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ.

قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر.

والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار.

وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما.

وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ وعند الشيعة ويروى عن علي  أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين.

ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص.

وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا.

ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه.

قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه.

فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.

وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.

ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً.

واعلم أنه  حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب.

فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا.

وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته.

وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.

أما الاستثناء في قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال.

هذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوهم ﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه.

ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق.

إلا أن تابوا.

بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف.

ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.

وقوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.

قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب.

قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة.

هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله  "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى.

وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى.

وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر.

لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله  "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يذكر التوبة.

وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله  قال "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً.

ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح.

ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته.

فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.

وقد بقي في الآية مسائل.

الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين.

وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة.

حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية.

وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ.

وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة.

وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر.

حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع.

وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك.

فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر.

فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط.

الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي.

الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول.

وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم.

الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم.

ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟

فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف.

الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب.

إلا أنه عوقب صيانة للأعراض.

السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي.

وقد قال  "من ترك حقاً فلورثته" والأصح أنه يرثه جميع الورثة.

وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل.

وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب.

السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي  أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.

قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال ﴿ ولا تجسسوا  ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله.

الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه.

وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله.

وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.

ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله ﴿ واصلحوا ﴾ وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع.

وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما.

أما قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح.

الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة.

القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به.

وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة.

ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس.

قال: طلقها.

قال: إني أحبها.

قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه.

قال رسول الله  "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.

وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل.

وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما "روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي  : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم.

قال:ما لونها؟

قال: حمر.

قال: فهل فيها أورق؟

قال: نعم قال: فكيف ذاك؟

قال: نزعه عرق.

قال: فلعل هذا نزعه عرق" .

وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟

فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح.

وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله  في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي.

أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم.

فدعاهم رسول الله  جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها.

فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري.

فقال لها رسول الله  : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت.

فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله  هذه الآيات.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ إلى آخرها.

فأمر رسول الله  حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله.

ثم قال: اقعد.

وقال لخولة: قومي فقامت.

وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين.

وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين.

وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين.

وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين.

وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله.

ففرق رسول الله  بينهما.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله  والحديث كما تقدم.

وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب.

فقال  : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟

قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.

فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه.

فقال  : فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله  ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً.

فقال رسول الله  : إما البينة وإما إقامة الحد عليك.

فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد.

فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين.

اي ضخمهما فهو لصاحبه.

فجاءت به خدلج الساقين فقال  : لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه" واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان.

وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر.

وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا.

وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة.

حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد.

وايضاً قوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب ﴾ ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله  لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله.

وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله.

حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.

الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله ﴿ والذين يرمون ﴾ وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها.

الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين.

وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة.

فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات.

دليل الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ والإجماع.

على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار.

دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر.

وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.

وأيضاً اللعان شهادة لقوله  ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ وقد جاء مثله في أحاديث اللعان.

وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر.

أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله  لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق.

وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة.

لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار.

ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية.

ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها.

الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها.

وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم.

وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد.

وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان.

وأما تفريق النبي  بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان.

وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها.

وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما.

وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها.

ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه  فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما.

وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه  أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات.

وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم.

وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.

ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة.

ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله  على ذلك بقوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ﴾ ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب.

وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش".

الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود.

ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه  قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها.

ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله  كما قال  ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وقوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ .

السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان.

وخالف بعضهم مستدلاً بقوله  "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها.

السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم.

الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر.

وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة.

وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب.

ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان.

وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام.

ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة.

التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد.

العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان.

ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار.

أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب.

ثم أخبر عن كمال رافته بقوله ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة.

وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد.

وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به.

التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات.

ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل  ﴾ والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله  أعلم.

﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد.

﴿ وحرم ذلك ﴾ الذي قلنا من اختلاط الأشرار ﴿ على المؤمنين ﴾ ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله { ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها.

الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل ﴿ فاجلودهم ثمانين جلدة ﴾ مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال.

﴿ والخامسة ﴾ وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه.

والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .

ذكر الرمي ولم يذكر بم؟

فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا.

ثم قوله: ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ : هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ...

﴾ الآية [النساء: 25]؛ [و] ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر.

ولأنا لو جعلنا ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها.

وكذلك يدل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ ، الغافلات: عبارة عن العفائف؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية.

ثم شدد الله -  - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله: منها: ما نهى عن تعطيل الحدّ فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .

ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصناً مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة.

ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحدّ إذا لم يأت بأربعة شهداء.

والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - والله أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعاً، وكذلك في الشرع.

والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم.

فإن قيل: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه.

قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول الله  "أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمِّكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟

فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيْرِكَ ما تكرهُ لنفسك" : دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه.

وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم، فهذا كله يدلّ على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - والله أعلم - ما شدّد الله -  - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام.

ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحدّ في الإماء بقوله: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، ولم يذكر في العبيد شيئاً؛ فيلزم للعبد ذلك الحدّ إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحدّ في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله.

ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حدّ عليه، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة، وقال: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ  ﴾ ، سمّي ملك اليمين: محصنة بقوله: ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ ، أي: تزوجن، وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، أي: الحرائر؛ فقد بان بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسمّى الطيعة من النساء محصنة، قال -  -: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ ، يعني: العفائف، فالإحصان على ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحدّ على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان حراً أو حرة فعليهما الحدّ ثمانين، وإن كان عبداً أو أمة فعليه الحد أربعين سوطاً على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ .

فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتاً، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت.

أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد.

والثاني: أن الحدّ قد لزمه بالقذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أقر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ : وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به وإلا حدّ، والله أعلم.

ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحدّ عندنا، والقياس ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ إنما يشهده الفساق [فالفساق] أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حدّ الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحدّ على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون التوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ليس كالكفار والعبيد، وهؤلاء وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقاً أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - أنا نحدّ قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلمٌ كافراً أو قذف حرٌّ عبداً، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحرّ إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر فلا حدّ على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحدّ، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحدّ عنه؛ لذلك افترقا.

ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدّوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس عندنا ألا يحدّوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه، وأمّا الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن الله أكدّ الشهادة بالزنا بأمرين: أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحاً؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل.

والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعاً؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان ذلك إجماعاً؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهمّ عمر أن يجلده؛ فقال له علي -  -: إن جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ إنما أنكر إذا تم، والله أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر.

ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحدّ؛ لما روي عن ابن عباس -  ما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا.

فإن قيل: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حدّه اللعان إذا قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه.

قيل: إنما يكون حدّ الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أوّل ما بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحدّ قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحدّ الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا يقال: إن أحداً منهم يدفع عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئاً من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا يعلمه إلا الله؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ربه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عند الله إلا الذين تابوا.

وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عندكم.

﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ .

لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئاً من الزنا أبداً؛ فأيّ الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عباس: وإنما توبته فيما بينه وبين الله: إذا تاب غفر الله له ذنبه: الفرية، وكذلك روي عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم فردّها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردّت لتهمة فهي لا تقبلُ أبداً، والتهمة التي بها جلد القاذف هي لا تزول أبداً.

أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت"؛ فكنا نردّ شهادته؛ لتهمة الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد.

وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد، وأمّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه.

وزعم الشافعي أن حاله قبل الحدّ وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نصّ الله عليه؛ قال الله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً...

﴾ الآية، وقال: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفاً؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ.

ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد.

ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحاً بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع [ما] وصف؟!

وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي  ما يدل على بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله  : "المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلا محدوداً في قَذْفٍ" وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، وذكر حديث فيه طول، وفيه: "لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، قال: يا رسول الله، لقد رأيت فلاناً مع أهلي؛ فقال رسول الله: ما تقول يا هلال؟!

قال: والله يا رسول الله، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على رسول الله للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟!

فاشتد ذلك على رسول الله، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ؟!

وقول رسول الله: "يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ، وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: "تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب" ؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن يتوب.

وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ ، قال: فتاب الله عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز.

وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربّه.

وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحدّ فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق في نفسي ولم يلزمني الحدّ فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، فإذا تاب فهو يقول: كان الحدّ واجباً علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك أحْرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحدّ.

ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدّع - بقوله هذا - شيئاً قد يجوز أن يكون حقّاً، ولكنه يصير قاذفاً إذا عجز عن إقامة البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه.

فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول.

قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، والحكم إنما يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار.

فإن قيل: فما تقولون في رجل زنى فحدّه الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؟

قيل: بلى.

فإن قيل: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟

قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا.

ومن الدليل - أيضاً - على أن شهادة القاذف إذا حدّ لا تقبل - وإن تاب - أنه إذا قال: تبت من قذفي فلاناً، وكنت في ذلك كاذباً؛ فلسنا ندري هل هو صادق في قوله: كنت كاذباً أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة زانياً فقول القاذف: "كنت في قذفي إياه كاذباً" [كذب] منه، وهو في ذلك آثم؛ فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة.

وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك.

ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول الله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ ، فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا.

على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، إن كان الجلد مأخوذاً من الجلود فجائز أن يستخرج منه حدّ الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ويتوجع، ولا يمزق به الجلود ولا يخرقها.

ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة.

فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك لم يضمنوا.

وقول عمر لأبي بكرة: "تقبل شهادتك إن تبت"، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها.

وقد ذكر أن الحكم والحدّ في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...

﴾ الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في المحصنات.

وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكاً أو قذف كافرة: أما المملوك فلقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ ، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك.

ولأنا لو أجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حدّ خمسين؛ فلا يجوز أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك.

وأما الكافر والكفارة: فسقط عن قاذفهما الحدّ؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم.

ولأنا لو أوجبنا الحدّ وحددنا، لحد بقذف عدو الله، ولا يجوز أن يجلد مسلم بقذف عدو من أعداء الله، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ .

روي عن ابن عباس: قال: "لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: [إن] دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، [و] أراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فَقَتَل قُتِل به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحدّ، ولاعن امرأته، وإن سكت سكت على غيظ!!.

فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول الله فأخبره بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، فجميع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟!

قالت: يا رسول الله، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئاً من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده يدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا عاصم، اتق الله في حليلتك، ولا تقبل إلا حقّاً!!

قال: يا رسول الله، أقسم بالله ما قلت إلا حقّاً، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا وكذا؛ فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد أربع شهادات بالله أنه لكما قلت، وإنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: والخامسة: أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمراة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول الله  : إن ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول الله، فنظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله  يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول الله: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي" .

وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: "فإن الله يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟!" ، [و] قال: "عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" ، وفي بعض الأخبار: "أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم في هذا مسائل: إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف [كانا]؟!

فعندنا أنه إذا كان أحدهما حرّاً والآخر مملوكاً، أو كانا جميعاً مملوكين لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعاً من أهل الشهادة.

وحجتهم في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحدّ ثمانين، وجعل حدّ الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحرّ إذا قذف أمة أو يهودية فلا حدّ عليه؛ فلما لم يكن على الحرّ القاذف للأمة من الحدّ ما على القاذف الحرّ إذا قذف حرة لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة.

وأصل هذا: أن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحدّ إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ ؛ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذا الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان.

ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب الله إن كان من الصادقين، وغضب الله يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي لها: عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقاً، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل حال؛ لذلك بطل.

والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار المسلمين؟!

كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.

ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبي أحدهم حدّ عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ﴾ : أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذ عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحدّ إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحدّ إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله، فوجب إذا أبي أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان.

والثاني: ما قال: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جعل الأيمان سبب درء الحدّ عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحدّ.

وعندنا أنه لا يحدّ بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من أبي اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، [و] لا يظهر بالإباء، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر، وأمّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن الحدّ لا يقام بالإباء ألبتة.

ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدلٍ بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق.

وأما قوله: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول الله  كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت كذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا [بها] قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول الله  : "لولا الأيمان لكان [لي] ولها شأن" كذَّبها؛ حيث قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان.

أو أن يكون العذاب الذي دُرئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبي اليمين حبس، حتى يشهد أربع شهادات بالله، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس عنها بالأيمان التي ذكر.

وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء في الحقيقة إباحة.

ولو أن إنساناً أباح للحاكم أن يقيم عليه الحدَّ لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صوناً لنفسه عن اللعن والغضب الّذي ذكر فلم يحدّ؛ لما ذكرنا.

ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية: إحداهما: في إلحاق الولد أمّه.

والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا.

قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك: إنّه يلحق بفراغ الزوج من اللعان.

والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصّادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان.

وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا يقع بينهما الفرقة، [و] ألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه؛ لذلك افترقا.

والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعاً؛ لأنه روي عن نافع، عن ابن عمر -  ما - أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله  وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة.

وعن ابن عباس أن النبي  لما لاعن بينهما فرق بينهما.

وروي في الأخبار: أن رسول الله  قال لهما: "اللهُ يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ؛ فهل منكما تائبٌ؟" ، قال ذلك لهما ثلاثاً، فأبيا؛ ففرق بينهما.

وفي بعض الأخبار قال: "حسابُكما على اللهِ، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها" فإن قيل: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره النبي أنه لا تحل له، وقال: "لا سبيل لك عليها" قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا وعلى وهم الخصم.

ثم يقال لهم: ألستم تقولون في المولى إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد فرقت بينكما؟!

فإن قيل: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا.

قيل: هما عندنا طلاق.

فإن قيل: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع الفرقة باللعان بتمام اللعان؟!

قيل: لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي.

ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقّاً فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟

فإن قالوا: لا يلزم الحكم حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن [يكون] اللعان مثله؟!

ويقال لهم أيضاً: ما تقولون في العنين: أجّله الحاكم [أيفرق] بينهما؟

فإن قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه كذلك؟!BR>فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم، يقول: طلقها أو فيء إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولى وامرأة العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك افترقا.

فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك إن أكذب الزوج نفسه حدّه وترك عنده امرأته.

وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأنهما إذا التعنا جميعاً عند ذلك يكون أحدهما معلوناً أيهما كذب، والانتفاع بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعاً، فأما بالتعان الزوج خاصة فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا.

وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً.

ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له أن يتزوجها أم لا؟

فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي -  ما -: "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً"، وعن عبد الله كذلك.

وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، وليس في الخبر: "لا يجتمعان أبدا"، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون قوله: "لا يجتمعان أبداً" ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: "لا يجتمعان" قبل التوبة وبعدها، يدل على ما ذكرنا قوله: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً  ﴾ ما داموا في ملتهم، فأمّا إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأمّا إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي.

والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحدّ، ويكونان على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها.

ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي "أن النبي  لما لاعن بين عويمر وامرأته - قال: كذبت عليها إن أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا" ؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع باللعان: طلاقا.

ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهؤلاء، وكذلك يقول أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة.

فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فتقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .

هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره.

ويحتمل: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا ينتفع بأحدهما مما لحقه الّلعن الّذي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ثيابها وتخلي سبيلها.

لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة.

وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحدّ، ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ .

جائز أن يكون ﴿ تَوَّابٌ ﴾ : يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة لقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه.

وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له في الدين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن [يفعل] غير الأصلح في الدّين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا الذين تابوا إلى الله بعد الَّذي أقدموا عليه من ذلك، وأصلحوا أعمالهم فإن الله يقبل توبتهم وشهادتهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kRW3D"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 16 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.6 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله