الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٦٧ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) أي : ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة ، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم ، بل عدلا خيارا ، وخير الأمور أوسطها ، لا هذا ولا هذا ، ( وكان بين ذلك قواما ) ، كما قال : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) [ الإسراء : 29 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عصام بن خالد ، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ، عن ضمرة ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من فقه الرجل رفقه في معيشته " .
ولم يخرجوه .
وقال [ الإمام ] أحمد أيضا : حدثنا أبو عبيدة الحداد ، حدثنا سكين بن عبد العزيز العبدي ، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عال من اقتصد " .
ولم يخرجوه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن يحيى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون حدثنا سعيد بن حكيم ، عن مسلم بن حبيب ، عن بلال - يعني العبسي - عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أحسن القصد في الغنى ، وأحسن القصد في الفقر ، وأحسن القصد في العبادة " ثم قال : لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه .
وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف .
وقال غيره : السرف النفقة في معصية الله .
وقال الحسن البصري : ليس النفقة في سبيل الله سرفا [ والله أعلم ] .
يقول تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها.
ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع, وما الإسراف فيها والإقتار.
فقال بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله وإن قلت: قال: وإياها عني الله, وسماها إسرافا.
قالوا: والإقتار: المنع من حقّ الله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقون في معصية الله, ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى.
حدثنا أبو كُريب, قال: ثنا ابن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا, ولو أنفقت صاعا فى معصية الله كان سرفا.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهما واحدا, ولم يقتروا ولم يُقصِّروا عن النفقة في الحق.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: لم يسرفوا فينفقوا في معاصي الله كلّ ما أنفق في معصية الله, وإن قلّ فهو إسراف, ولم يقتروا فيمسكوا عن طاعة الله.
قال: وما أُمْسِكَ عن طاعة الله وإن كثر فهو إقتار.
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو؟
قال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف.
وقال آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد السلام بن حرب, عن مغيرة, عن إبراهيم, قوله: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قال: لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف.
حدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس أبو عبد الله المخزومي المكي, قال: سمعت وهيب بن الورد أبا الورد مولى بني مخزوم, قال: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم, فقال: يرحمك الله أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو؟
قال: هو ما سترك من الشمس, وأكنك من المطر, قال: يرحمك الله, فأخبرني عن هذا الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو؟
قال: ما سدّ الجوع ودون الشبع, قال: يرحمك الله, فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو؟
قال: ما ستر عورتك, وأدفأك من البرد.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح, عن يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا ) ...
الآية, قال: كانوا لا يلبسون ثوبا للجمال, ولا يأكلون طعاما للذّة, ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم, ويكتَنُّون به من الحرّ والقرّ, ويريدون من الطعام ما سدّ عنهم الجوع, وقواهم على عبادة ربهم.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن العلاء بن عبد الكريم, عن يزيد بن مرّة الجعفي.
قال: العلم خير من العمل, والحسنة بين السيئتين, يعني: إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا, وخير الأعمال أوساطها.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مسلم بن إبراهيم, قال: ثنا كعب بن فروخ, قال: ثنا قتادة, عن مطرِّف بن عبد الله, قال: خير هذه الأمور أوساطها, والحسنة بين السيئتين.
فقلت لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟
فقال: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) ...
الآية.
وقال آخرون: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا سالم بن سعيد, عن أبي مَعْدان, قال: كنت عند عون بن عبد الله بن عتبة, فقال: ليس المسرف من يأكل ماله, إنما المسرف من يأكل مال غيره.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه, والإقتار: ما قصر عما أمر الله به, والقوام: بين ذلك.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك, لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين, ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما, لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ.
فإن قال قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبينه لنا؟
قيل: نعم ذلك مفهوم في كلّ شيء من المطاعم والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك, نكره تطويل الكتاب بذكر كلّ نوع من ذلك مفصلا غير أن جملة ذلك هو ما بيَّنا وذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه, وينهك قواه ويشغله عن طاعة ربه, وأداء فرائضه؛ فذلك من السرف, وأن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه وينهك قواه ويضعفه عن أداء فرائض ربه؛ فذلك من الإقتار وبين ذلك القوام على هذا النحو, كل ما جانس ما ذكرنا، فأما اتخاذ الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه مع الناس, وحضوره المحافل والجمع والأعياد دون ثوب مهنته, أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه, مما ارتفع عما قد يسدّ الجوع, مما هو دونه من الأغذية, غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته, فذلك خارج عن معنى الإسراف, بل ذلك من القوام, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض ذلك, وحضّ على بعضه, كقوله: " مَا عَلى أحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ: ثَوْبًا لِمِهْنَتِهِ, وَثَوْبًا لجُمْعَتِهِ وَعِيدِه " وكقوله: " إذَا أنْعَمَ اللهُ عَلَى عبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ" وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيَّناها في مواضعها.
وأما قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) فإنه النفقة بالعدل والمعروف على ما قد بيَّنا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن أبي سليمان, عن وهب بن منبه, في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: الشطر من أموالهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) النفقة بالحقّ.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قال: القوام: أن ينفقوا في طاعة الله, ويمسكوا عن محارم الله.
قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط, عن عمر مولى غُفْرة, قال: قلت له: ما القوام؟
قال: القوام: أن لا تنفق في غير حقّ, ولا تمسك عن حقّ هو عليك.
والقوام في كلام العرب, بفتح القاف, وهو الشيء بين الشيئين.
تقول للمرأة المعتدلة الخلق: إنها لحسنة القوام في اعتدالها, كما قال الحطيئة: طَــافَتْ أُمَامَــةُ بالرُّكْبــانِ آونَـةً يـا حُسْـنَهُ مِـنْ قَـوَام مـا وَمُنْتَقَبـا (9) فأما إذا كسرت القاف فقلت: إنه قِوام أهله, فإنه يعني به: أن به يقوم أمرهم وشأنهم.
وفيه لغات أُخَر, يقال منه: هو قيام أهله وقيّمهم في معنى قوامهم.
فمعنى الكلام: وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلا لا مجاوزة عن حد الله, ولا تقصيرا عما فرضه الله, ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحه جلّ ثناؤه, وأذن فيه ورخص.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) فقرأته عامة قرّاء المدينة " ولمْ يُقْتروا " بضم الياء وكسر التاء من أقتر يَقْتِر.
وقرأته عامة قرّاء الكوفيين ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) بفتح الياء وضم التاء من قتر يَقْتُر.
وقرأته عامة قرّاء البصرة " وَلمْ يَقْتِروا " بفتح الياء وكسر التاء من قتر يَقْتِر.
والصواب من القول في ذلك, أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب, وقراءات مستفيضات وفي قرّاء الأمصار بمعنى واحد, فبأيتها قرأ القارئ فمصيب.
وقد بيَّنا معنى الإسراف والإقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وفي نصب القَوام وجهان: أحدهما ما ذكرت, وهو أن يجعل في كان اسم الإنفاق بمعنى: وكان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما: أي عدلا والآخر أن يجعل بين هو الاسم, فتكون وإن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع, كما يقال: كان دون هذا لك كافيا, يعني به: أقلّ من هذا كان لك كافيا, فكذلك يكون في قوله: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) لأن معناه: وكان الوسط من ذلك قواما.
---------------------------- الهوامش : (9) البيت للحطيئة : وآونة : جمع أوان .
والقوام : حسن الطول .
والمنتقب : مصدر ميمي بمعنى الانتقاب .
يقول : إن أمامة كانت أحيانًا تطوف بالركبان ، فما أعدل قوامها ، وأحسن نقبتها .
والنقاب : ما وضع على مارن الأنف من أغطية الوجه .
والنقبة : هيئة الانتقاب به ، يقال : إن فلانة لحسنة النقبة .
ويكون معنى القوام كذلك : الشيء الوسط بين الشيئين .
وقد حمل عليه المؤلف معنى البيت .
قوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما .قوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية .
فقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار ، ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام .
وقال ابن عباس : من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف ، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف ، ومن منع من حق عليه فقد قتر .
وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما .
وقال عون بن عبد الله : الإسراف أن تنفق مال غيرك .
قال ابن عطية : وهذا ونحوه غير مرتبط بالآية .
والوجه أن يقال : إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير ، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك ، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات ، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا ، وألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح ، والحسن في ذلك هو القوام ، أي العدل ، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب ، أو ضد هذه الخصال ، وخير الأمور أوساطها ; ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أن يتصدق بجميع ماله ; لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ، ومنع غيره من ذلك .
ونعم ما قال إبراهيم النخعي : هو الذي لا يجيع ولا يعري ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف .
وقال يزيد بن أبي حبيب : هم الذين لا يلبسون الثياب لجمال ، ولا يأكلون طعاما للذة .
وقال يزيد [ ص: 71 ] أيضا في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال ، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والبرد .
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة : ما نفقتك ؟
فقال له عمر : الحسنة بين سيئتين ، ثم تلا هذه الآية .
وقال عمر بن الخطاب : كفى بالمرء سرفا ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله .
وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت وقال أبو عبيدة : لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا .
كقوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال الشاعر :ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميموقال آخر :إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطلوساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوة عاجلوقال عمر لابنه عاصم : يا بني ، كل في نصف بطنك ; ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه ، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم .
ولحاتم طيئ :إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعاولم يقتروا قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب على اختلاف عنهما يقتروا بفتح الياء وضم التاء ، وهي قراءة حسنة ; من قتر يقتر .
وهذا القياس في اللازم ، مثل قعد يقعد .
وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء ، وهي لغة معروفة حسنة .
وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الياء وكسر التاء .
قال الثعلبي : كلها لغات صحيحة .
النحاس : وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه ; لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ ، وإنما يقال : أقتر يقتر إذا افتقر ، كما قال عز وجل : وعلى المقتر قدره وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعا .
وهذا تأويل بعيد ، [ ص: 72 ] ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيق : قتر يقتر ويقتر ، وأقتر يقتر .
فعلى هذا تصح القراءة ، وإن كان فتح الياء أصح وأقرب متناولا ، وأشهر وأعرف .
وقرأ أبو عمرو والناس قواما بفتح القاف ; يعني عدلا .
وقرأ حسان بن عبد الرحمن : " قواما " بكسر القاف ; أي مبلغا وسدادا وملاك حال .
والقوام بكسر القاف ، ما يدوم عليه الأمر ويستقر .
وقيل : هما لغتان بمعنى .
و ( قواما ) خبر كان ، واسمها مقدر فيها ، أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما ، قاله الفراء .
وله قول آخر يجعل " بين " اسم كان وينصبها ; لأن هذه الألفاظ كثير استعمالها فتركت على حالها في موضع الرفع .
قال النحاس : ما أدري ما وجه هذا ; لأن " بين " إذا كانت في موضع رفع رفعت ; كما يقال : بين عينيه أحمر .
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } النفقات الواجبة والمستحبة { لَمْ يُسْرِفُوا } بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة، { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فيدخلوا في باب البخل والشح { وَكَانَ } إنفاقهم { بَيْنَ ذَلِكَ } بين الإسراف والتقتير { قَوَامًا } يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار وهذا من عدلهم واقتصادهم.
( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة " يقتروا " بفتح الياء وكسر التاء ، وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء ، وكلها لغات صحيحة .
يقال : أقتر وقتر بالتشديد ، وقتر يقتر .
واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار ، فقال بعضهم : " الإسراف " : النفقة في معصية الله وإن قلت ، و " الإقتار " : منع حق الله تعالى .
وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج .
وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله .
وقال قوم : " الإسراف " : مجاوزة الحد في الإنفاق ، حتى يدخل في حد التبذير ، و " الإقتار " : التقصير عما لا بد منه ، وهذا معنى قول إبراهيم : لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف .
) ( وكان بين ذلك قواما ) قصدا وسطا بين الإسراف والإقتار ، حسنة بين السيئتين .
قال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال ، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والقر .
قال عمر بن الخطاب : كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه فأكله
«والذين إذا أنفقوا» على عيالهم «لم يسرفوا ولم يقتروا» بفتح أوله وضمه: أي يضيقوا «وكان» إنفاقهم «بين ذلك» الإسراف والإقتار «قواما» وسطا.
والذين إذا أنفقوا من أموالهم لم يتجاوزوا الحد في العطاء، ولم يضيِّقوا في النفقة، وكان إنفاقهم وسطًا بين التبذير والتضييق.
ثم بين - سبحانه - حالهم فى سلوكهم وفى معاشهم فقال - تعالى - : ( والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ .
.
.
) .أى : أن من صفاتهم أنهم ملتزمون فى إنفاقهم التوسط ، فلا هم مسرفون ومتجاوزون للحدود التى شرعها الله - تعالى - ولا هم بخلاء فى نفقتهم إلى درجة التقتير والتضييق ، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها .واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ) يعود إلى المذكور من الإسراف والتقتير .
والقوام : الشىء بين الشيئين .
وقوام الرجل : قامته وحسن طوله وهيئته ، وهو : خبر لكان ، واسمها : مقدر فيها .أى : وكان إنفاقهم " قواما " أى وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل ، فهم فى حياتهم نموذج يقتدى به فى القصد والاعتدال والتوازن .
وذلك لأن الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم ، لأن الإسراف تضييع للمال فى غير محله .
والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة ، أما الوسط والاعتدال فى إنفاق المال ، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على أكتفاهم تنهض الأمم ، وتسعد الأفراد والجماعات .
اعلم أن قوله: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة، ويجوز أن يكون خبره ﴿ الذين يَمْشُونَ ﴾ ، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، وقرئ ﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ وهذا وصف سيرتهم بالنهار وقرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ ﴿ هَوْناً ﴾ حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى مشياً هيناً، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة، والهون الرفق واللين ومنه الحديث أحبب حبيبك هوناً ما وقوله: المؤمنون هينون لينون والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع، ولا يضربون بأقدامهم (ولا يخفقون بنعالهم) أشراً وبطراً، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء كما قال: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا ﴾ وعن زيد بن أسلم التمست تفسير ﴿ هَوْناً ﴾ فلم أجد، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض، وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علواً في الأرض.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ معناه لا نجاهلكم ولا خير بيننا ولا شر أي نسلم منكم تسليماً، فأقيم السلام مقام التسليم، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة والسكوت، ويحتمل أن يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكي يمتنعوا، ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابلة الجهل، قال الأصم: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ أي سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم لأبيه: ﴿ سلام عَلَيْكَ ﴾ ثم قال الكلبي وأبو العالية نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين: أحدهما: ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله: ﴿ يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ والآخر تحمل التأذي، وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق في النهار، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال بخدمة الخالق وهو كقوله: ﴿ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع ﴾ ثم قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقاً، ومعنى ﴿ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ ﴾ أن يكونوا في لياليهم مصلين، ثم اختلفوا فقال بعضهم: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل، فقد بات ساجداً وقائماً، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعاً بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائماً ويبيت قائماً، قال الحسن يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، وقال الحسن خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقاً من عذاب جهنم، وقوله: ﴿ غَرَاماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع، وعن محمد بن كعب في ﴿ غَرَاماً ﴾ أنه سأل الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار، واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ فقوله: ﴿ سَاءتْ ﴾ في حكم بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره (مستقراً)، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي (وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً، لها، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إن) ومستقراً حال أو تمييز، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما أن عذابها كان غراماً، وثانيهما: أنها ساءت مستقراً ومقاماً، فما الفرق بين الوجهين؟
وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام؟
قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة، فقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ إشارة إلى كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع، وقوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار، واعلم أن قوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ قرئ ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضاً بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات.
والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً: أحدها: وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ وعن وهيب بن الورد قال لعالم: ما البناء الذي لا سرف فيه؟
قال: ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر، فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه؟
قال ما سد الجوعة، فقال له في اللباس، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد، وروي أن رجلاً صنع طعاماً في إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال: «حق فأجيبوا» ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال: «حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد» ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال: «رياء ولا خير فيه».
وثانيها: وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، قال مجاهد: لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً ولو أنفق صاعاً في معصية الله تعالى كان سرفاً، وقال الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي، وذلك قد يكون في الإمساك عن حق الله، وهو أقبح التقتير، وقد يكون عما لا يجب، ولكن يكون مندوباً مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه.
وثالثها: المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا، وإن كان من حلال، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء، والإقتار هو التضييق فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد، وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: القوام قال ثعلب: القوام بالفتح العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر، قال صاحب الكشاف: القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، وقرئ ﴿ قَوَاماً ﴾ بالكسر وهو ما يقام به الشيء، يقال أنت قوامنا، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص.
المسألة الثانية: المنصوبان أعني ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ جائز أن يكونا خبرين معاً، وأن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً، وأن يكون الظرف خبراً وقواماً حالاً مؤكدة، قال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ اسم كان، كما تقول كان دون هذا كافياً، تريد أقل من ذلك، فيكون معنى ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ ، أي كان الوسط من ذلك قواماً، أي عدلاً، وهذا التأويل ضعيف، لأن القوام هو الوسط فيصير التأويل، وكان الوسط وسطاً وهذا لغو.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يقتروا ﴾ بكسر التاء وضمها.
و ﴿ يقتروا ﴾ ، بتخفيف التاء وتشديدها.
والقتر والإقتار والتقتير: التضييق الذي هو نقيض الإسراف.
والإسراف: مجاوزة الحدّ في النفقة.
ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير.
وبمثله أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط ﴾ [الإسراء: 29] وقيل: الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف.
وسمع رجل رجلاً يقول: لا خير في الإسراف.
فقال: لا إسراف في الخير، وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوّجه ابنته وأحسن إليه، فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت، وجاء بكلام حسن، فقال ابن لعبد الملك: إنما هو كلام أعدّه لهذا المقام، فسكت عبدالملك فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر، فسأله عن نفقته وأحواله فقال: الحسنة بين السيئتين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بنيّ، أهذا مما أعدّه؟
وقيل: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا لايأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسدّ جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والقرّ، وقال عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلاّ اشتراه فأكله.
والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما.
ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء.
وقرئ: ﴿ قواماً ﴾ بالكسر، وهو ما يقام به الشيء.
يقال: أنت قوامنا، بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ : جائز أن يكونا خبرين معاً، وأن يحتمل بين ذلك لغواً، وقواماً مستقراً.
وأن يكون الظرف خبراً، وقواماً حالاً مؤكدة.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ اسم كان، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقوله: لَمْ يَمْنَعِ الشّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي: لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ لَمْ يُجاوِزُوا حَدَّ الكَرَمِ.
( ولَمْ يَقْتُرُوا ) ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ.
وَقِيلَ الإسْرافُ هو الإنْفاقُ في المَحارِمِ والتَّقْتِيرُ مَنعُ الواجِبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ مِن أقْتَرَ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ والكُلُّ واحِدٌ.
﴿ وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ وسَطًا عَدْلًا سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ كَما سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِوائِهِما، وقُرِئَ بِالكَسْرِ وهو ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ بَيْنَ ذَلِكَ لَغْوًا، وقِيلَ إنَّهُ اسْمُ ( كانَ ) لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوامُ فَيَكُونُ كالإخْبارِ بِالشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} لم يجاوزوا الحد في النفقة أو لم يأكلوا للتنعم ولم يلبسوا للتصلف وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم ينفقوا في المعاصي فالإسراف مجاوزة القدر وسمع رجل رجلاً
يقول لا خير في الإسراف فقال لا إسراف في الخير وقال عليه الصلاة والسلام من منع حقاً فقد قتر ومن أعطى في غير حق فقد أسرف {ولم يقتروا} بضم التاء كوفي وبضم الياء وكسر التاء مدني وشامي وبفتح الياء وكسر التاء مكي وبصرى والفتر والإفتار والتقتير والتضييق الذي هو نقيض الإسراف {وكان} إنفاقهم {بين ذلك} أى الإصراف والإقتار {قواماً} أي عدلاً بينهما فالقوام العدل بين الشيئين والمنصوبان أي بين ذلك قواماً خبران وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر عليه الصلاة والسلام ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك الآية وسأل عبد الملك بن مروان عمر عبد العزيز عن نفقته
الفرقان (٧٢ - ٦٨)
حين زوجه ابنته فقال الحسنة بين السيئتين فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية وقيل أولئك أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثيابهم للجمال والزينة ولكن لسد الجوعة وسترالعورة ودفع الحر والقر وقال عمر رضى الله عنه كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا أكله
﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ أيْ: لَمْ يَتَجاوَزُوا حَدَّ الكَرَمِ ﴿ ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ أيْ: ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَبَلِيُّ: الإسْرافُ هو الإنْفاقُ في المَعاصِي، والقَتْرُ الإمْساكُ عَنْ طاعَةٍ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: الإسْرافُ أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ «يَقْتُرُوا» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَبّابَةَ واليَزِيدِيُّ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ مُشَدَّدَةً، وكُلُّها لُغاتٌ في التَّضْيِيقِ، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ لُغَةَ (أقْتَرَ) رُباعِيًّا هُنا، وقالَ: إنَّما يُقالُ أقْتَرَ إذا افْتَقَرَ ومِنهُ: ﴿ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وغابَ عَنْهُ ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن (أقْتَرَ) بِمَعْنى ضَيَّقَ.
﴿ وكانَ ﴾ إنْفاقُهم ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ ﴿ قَوامًا ﴾ وسَطًا وعَدْلًا، سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ وتَعادُلِهِما، كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يُقاوِمُ الآخَرَ، كَما سُمِّيَ (سَواءٌ) لِاسْتِوائِهِما وقَرَأ حَسّانُ «قِوامًا» بِكَسْرِ القافِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، وهو خَبَرٌ ثانٍ لِـ(كانَ) مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ وهو ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أوْ هو الخَبَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ إمّا مَعْمُولٌ لِـ(كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ كانَ النّاقِصَةَ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ، وإمّا حالٌ مِن ﴿ قَوامًا ﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ أوْ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) هو الخَبَرُ وقَوامًا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) اسْمَ كانَ، وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ في قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالِ وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ لا بَأْسَ بِهِ ولَكِنَّ المَعْنى لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ قِوامٌ لا مَحالَةَ فَلَيْسَ في الخَبَرِ الَّذِي هو مُعْتَمِدُ الفائِدَةِ فائِدَةٌ.
وحاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ (كانَ الذّاهِبُ جارِيَتُهُ صاحَبَها) وهو غَيْرُ مُفِيدٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ عَلى قِراءَةِ قِوامًا بِالكَسْرِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مُتَّجَهٌ.
وما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن بابِ: (شِعْرِي شِعْرِي) والمَعْنى كانَ قَوامًا مُعْتَبَرًا مَقْبُولًا غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ إنَّما ورَدَ فِيما اتَّحَدَ لَفْظُهُ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أعَمُّ مِنَ القَوامِ - بِمَعْنى العَدْلِ - الَّذِي يَكُونُ نِسْبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيْهِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ؛ فَإنَّ ما بَيْنَ الإقْتارِ والإسْرافِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوامًا بِهَذا المَعْنى، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُونَ الإسْرافِ بِقَلِيلٍ وفَوْقَ الإقْتارِ بِقَلِيلٍ، فَإنَّهُ تَكَلُّفٌ أيْضًا، إذْ ما بَيْنَهُما شامِلٌ لَحاقَ الوَسَطِ وما عَداهُ كالوَسَطِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، ومِثْلُهُ لا يُسْتَعْمَلُ في المُخاطَباتِ لِإلْغازِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَدْحُهم بِمُراعاةِ لَحاقِ الوَسَطِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الحَرَجِ الَّذِي نُفِيَ عَنِ الإسْلامِ.
وفِيهِ أنَّهُ لا شَكَّ في جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ، نَحْوُ: الَّذِي جاءَنِي زَيْدٌ، والقائِلُ لَمْ يُرِدْ إلْحاقَ الحَقِيقِيِّ بَلِ التَّقْرِيبِيِّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِقَلِيلٍ، ولا حَرَجَ في مِثْلِهِ، فَتَأمَّلْ.
ولَعَلَّ الإخْبارَ عَنْ إنْفاقِهِمْ بِما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ المُسْتَلْزِمَ لِكَوْنِ إنْفاقِهِمْ كَذَلِكَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ فِعْلَهم مِن خَيْرِ الأُمُورِ، فَقَدْ شاعَ: (خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ ما يَعُمُّ إنْفاقَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وإنْفاقَهم عَلى غَيْرِها، والقَوامُ في كُلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنَّ مِنَ السَّرَفِ أنْ تَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ»».
وحُكِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟
فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ.
وقَدْ مَدَحَ الشُّعَراءُ التَّوَسُّطَ في الأُمُورِ والِاقْتِصادَ في المَعِيشَةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ ∗∗∗ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقَوْلُ حاتِمٍ: إذا أنْتَ قَدْ أعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ∗∗∗ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا وقَوْلُ الآخَرِ: إذا المَرْءُ أعْطى نَفْسَهُ كُلَّ ما اشْتَهَتْ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَها تاقَتْ إلى كُلِّ باطِلِ وساقَتْ إلَيْهِ الإثْمَ والعارَ بِالَّذِي ∗∗∗ دَعَتْهُ إلَيْهِ مِن حَلاوَةِ عاجِلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: تَبارَكَ وقد ذكرناه الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعني: خلق في السماء بروجاً، يعني: نجوماً وكواكب.
ويقال: قصوراً.
وذكر أنه جعل في القصور حراساً، كما قال في موضع آخر: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [الجن: 8] الآية.
ويقال: البروج الكواكب العظام، وكل ظاهر مرتفع فهو برج، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها، ثم قال تعالى: وَجَعَلَ فِيها يعني: خلق فيها سِراجاً يعني: شمساً وَقَمَراً مُنِيراً يعني: منوراً مضيئاً.
قرأ حمزة والكسائي سُرُجاً بلفظ الجمع، يعني: الكواكب.
وقرأ الباقون سِراجاً وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ.
كقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: بُرُوجاً.
ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: خلق الليل والنهار خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي خليفة يخلف كل واحد منهما صاحبه.
يذهب الليل ويجيء النهار، ويذهب النهار ويجيء الليل، ويقال: خِلْفَةً يعني: مخالفاً بعضه لبعض، أحدهما أبيض، والآخر أسود، فهما مختلفان كقوله عز وجل: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
وروي عن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر.
قرأ حمزة يَذَّكَّرَ بالتخفيف في الذال، وضم الكاف.
يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار.
وقرأ الباقون بالتشديد وأصله: يتذكر يعني: يتعظ في اختلافهما، ويستدل بهما أَوْ أَرادَ شُكُوراً يعني: العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية.
ويقال: أَوْ أَرادَ شُكُوراً، أي توحيداً وإقراراً، فيمكنه ذلك.
قوله عز وجل: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ يعني: وإن من عباد الرحمن عباداً يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني: يمضون متواضعين، وهذا جواب لقولهم وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ؟
فقال: الرحمن الذي جعل في السماء بروجاً، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء.
يعني: أصحاب النبيّ ، ومن كان مثل حالهم، وهذا كقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ [مريم: 61] وكقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الزمر: 17] الآية.
وقال مجاهد: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال: في طاعة الله متواضعين.
ويقال: هَوْناً، أي: هيناً لا جور منهم على أحد ولا أذى.
ويقال: هَوْناً يعني: سكينة ووقاراً وحلماً.
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ يعني: كلمهم الجاهلون بالجهل قالُوا سَلاماً يعني: سداداً من القول.
ويقال: ردوا إليهم بالجميل.
وقال الحسن: يعني: حلماً لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا.
وقال الكلبي: نسخت بآية القتال.
وقال بعضهم: هذا خطأ، لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خير من حالهم، والنسخ يجري في الأمر والنهي.
ثُمَّ وصف حال لياليهم فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً يعني: يقومون بالليل في الصلاة سجداً وَقِياماً يعني: يكونون في ليلتهم مرة ساجدين، ومرة قائمين.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «من صلى ركعتين أو أربعاً بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً وقائماً» .
ثم وصف خوفهم فقال: إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل، ويتعوذون منه فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ يعني: عباد الرحمن رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يعني: لازماً لا يفارق صاحبه.
وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب.
وقال محمد بن كعب القرظي: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً.
قال: سألهم ثمن النعم، فلم يأتوا بثمنها، فأغرمهم ثمن النعم، وأدخلهم النار، ثم قال: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: بئس المستقر، وبئس الخلود، والمقام الخلود كقوله: دارَ الْمُقامَةِ [فاطر: 35] يعني: دار الخلود.
ويقال: نصب المستقر للتمييز، ومعناه: لأنها ساءت في المستقر.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وقرأ نافع وابن عامر يَقْتُرُوا بضم الياء وكسر التاء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا بنصب الياء وكسر التاء.
وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء، ومعنى ذلك كله واحد.
يعني: لم يسرفوا، فينفقوا في معصية الله تعالى، ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً يعني: بين ذلك عدلاً ووسطاً.
وقال الحسن: ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار، فهو في سبيل الله تعالى.
وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهباً، فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفا.
<div class="verse-tafsir"
والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» بلفظ واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ...
الآية: عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقّاً عليه وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والوجه أَنْ يقال: إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقّاً آخر أو عيالا ونحو هذا، وألّا يضيّق أيضا ويقتر حتى يجمع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك.
وقال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة: مَا نَفَقَتُكَ؟
فقال له عمر: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية «٢» ، وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: كفى بالمرء سَرَفاً أَلاَّ يشتهيَ شيئاً إلاَّ اشتراه فأكله «٣» .
وقَواماً: خبر كانَ واسمها مقدّر، أي: الإنفاق.
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية: في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مسعود:
قَلْتُ يَوْماً: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ؟
قال: «أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ:
ثُمَّ أَي قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟
قَالَ: أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» ثُمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه «١» الآية والأثام في كلام العرب: العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية.
قال ع «٢» : يُضاعَفْ: بالجزم بدل من يَلْقَ قال سيبويه: مضاعفة العذاب هو لقي الأثام.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ: لا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء» .
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ أي: بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً قاله ابن عباس «٣» وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات تَكَرُّماً منه سبحانه وتعالى كما جاء في «صحيح مسلم» «٤» ، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ.
ص: والأَوْلَى: ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعاً، أي: لكن من تاب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يُمَشَّوْنَ " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ والشِّينِ وبِالتَّشْدِيدِ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما نَسَبُهم إلَيْهِ لِاصْطِفائِهِ إيّاهم كَقَوْلِهِ: ﴿ ناقَةُ اللَّهِ ﴾ ، ومَعْنى " هَوْنًا " مَشْيًا رُوَيْدًا، ومِنهُ يُقالُ: أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما.
وقالَ مُجاهِدٌ: يَمْشُونَ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ.
﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: سَدادًا.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإثْمِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.
وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ بِها أنَّهم يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَكم غَيْرُ السَّلامِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ؛ يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، إنَّما المَبِيتُ إدْراكُ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ غَرامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبٌ مَعانِيها.
أحَدُها: دائِمًا، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: مُوجِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مُلِحًّا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُفارِقُ.
والرّابِعُ: هَلاكًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والخامِسُ: أنَّ الغَرامَ في اللُّغَةِ: أشَدُّ العَذابِ، قالَ الشّاعِرُ: وَيَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفا رِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ﴾ أيْ: بِئْسَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ ومَوْضِعُ الإقامَةِ هي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " يَقْتِرُوا " مَفْتُوحَةَ الياءِ مَكْسُورَةَ التّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَقْتُرُوا " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُقْتِرُوا " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الإسْرافَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ، والإقْتارَ: التَّقْصِيرُ عَمّا لا بُدَّ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا أنْ يَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهى.
والثّانِي: [أنَّ] الإسْرافَ: الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وإنْ قَلَّ، والإقْتارَ: مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ﴾ يَعْنِي الإنْفاقَ ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ ﴿ قَوامًا ﴾ أيْ: عَدْلًا؛ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ، بِفَتْحِ القافِ: الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِكَسْرِها: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهِ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا ﴾ ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في الإنْفاقِ، فَعِبارَةُ أكْثَرِهِمْ أنَّ الَّذِي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعَةِ وإنْ أفْرَطَ، والمُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في المَعْصِيَةِ وإنْ قَلَّ إنْفاقُهُ، وأنَّ المُقْتِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ حَقًّا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ: الإسْرافُ: أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.
وغَيْرُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِلَفْظِ الآيَةِ.
وخَلْطُ الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِالإسْرافِ والتَقْتِيرِ فِيهِ نَظَرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَفَقَةَ في مَعْصِيَةٍ أمْرٌ قَدْ حَظَرَتِ الشَرِيعَةُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وكَذَلِكَ التَعَدِّي عَلى مالِ الغَيْرِ، وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مُنَزَّهُونَ عن ذَلِكَ، وإنَّما التَأْدِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو في نَفَقَةِ الطاعاتِ في المُباحاتِ، فَأدَبُ الشَرْعِ فِيها ألّا يُفَرِّطَ الإنْسانُ حَتّى يُضَيِّعَ حَقًّا آخَرَ أو عِيالًا ونَحْوَ هَذا، وألّا يُضَيِّقَ أيْضًا ويُقَتِّرَ حَتّى يُجِيعَ العِيالَ ويُفْرِطَ في الشُحِّ، والحَسَنُ في ذَلِكَ هو القَوامُ، أيِ: العَدْلُ، والقَوامُ في كُلِّ واحِدٍ بِحَسْبِ عِيالِهِ وحالِهِ، وخِفَّةِ ظَهْرِهِ وصَبْرِهِ وجَلَدِهِ عَلى الكَسْبِ، أو ضِدِّ هَذِهِ مِنَ الخِصالِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها، ولِهَذا «تَرَكَ رَسُولُ اللهِ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِهِ» ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وسَطٌ بِنِسْبَةِ جِلَدِهِ وصَبْرِهِ في الدِينِ، ومَنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ، ونِعْمَ ما قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يُجِيعُ ولا يُعْرِي، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ الناسُ: قَدْ أسْرَفَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَلْبَسُونَ الثِيابَ لِلْجَمالِ، ولا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلَّذَّةِ.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟
فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمْ واللَذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثِيابًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَعامِ ما يَسُدُّ عنهُمُ الجُوعَ، ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ومِنَ اللِباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ، ويُكِنُّهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ وأكَلَهُ»، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : «إنَّ مِنَ السَرَفِ أنْ تَأْكُلَ ما اشْتَهَيْتَهُ»، وقالَ الشاعِرُ: ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصَدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يَقْتِرُوا" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ -، وعاصِمْ بِخِلافٍ-.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والناسُ: "قَوامًا" بِفَتْحِ القافِ، أيْ: مُعْتَدِلًا، وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بِكَسْرِ القافِ، أيْ: مُبَلِّغًا وسِدادًا ومِلاكَ حالٍ.
و "قَوامًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها مُقَدَّرٌ، أيِ: الإنْفاقُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ اسْمُها قَوْلَهُ: "بَيْنَ ذَلِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ، إخْراجٌ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِن صِفاتِ الكَفَرَةِ فِي: عِبادَتِهِمُ الأوثانَ، وقَتْلِهِمُ النَفْسَ بِوَأْدِ البَناتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُلْمِ والِاغْتِيالِ والغاراتِ، وبِالزِنى الَّذِي كانَ عِنْدَهم مُباحًا، وفي نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قَلَتْ يَوْمًا لِرَسُولِ اللهِ : أيُّ الذَنْبِ أعْظَمُ؟
قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، ثُمْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالقَتْلِ والزِنى يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ العُصاةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَهم مِنَ الوَعِيدِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو قَتْلُ النَفْسِ، والكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، والزِنى بَعْدَ الإحْصانِ، والكُفْرُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيمانٌ في الحَرْبِيِّينَ.
و "الأثامُ" في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَزى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى ∗∗∗ عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ أيْ: جَزاءٌ وعُقُوبَةٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ: إنَّ "أثامًا" وادٍ في جَهَنَّمَ، هَذا اسْمُهُ، وقَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى عِقابًا لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعَفْ" و "يَخْلُدْ" جَزْمًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعَّفْ" بِشَدِّ العَيْنِ وطَرْحِ الألِفِ، وبِالجَزْمِ في "يُضَعَّفْ"، "وَيَخْلُدْ".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نُضَعِّفْ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" بِالنَصْبِ، "وَيَخْلُدْ" بِالجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَتَخْلُدْ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى مُخاطَبَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُخْلَدْ" بِضَمِّ الياءِ مِن تَحْتِ، وفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، و "يُضاعَفْ" بِالجَزْمِ بَدَلٌ مِن "يَلْقَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: مُضاعَفَةُ العَذابِ لُقِيُّ الأثامِ، قالَ الشاعِرُ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامَلٌ في الكافِرِ والزانِي، واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: لَهُ التَوْبَةُ، وَجَعَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ قاعِدَتَها قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَحُصِّلَ القاتِلُ في المَشِيئَةِ كَسائِرِ التائِبِينَ مِن ذُنُوبٍ، ويَتَأوَّلُونَ الخُلُودَ الَّذِي في آيَةِ القَتْلِ في سُورَةِ النِساءِ بِمَعْنى الدَوامِ إلى مُدَّةٍ كَخُلُودِ الدُوَلِ ونَحْوِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ لِمَن قَتَلَ: حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ .
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما أُرِيدَ بِالتَوْبَةِ فِيها المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ طَوائِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ: كَيْفَ لَنا بِالدُخُولِ في الإسْلامِ ونَحْنُ قَدْ فَعَلْنا جَمِيعَ هَذا؟
فَنَزَلَتْ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ ، فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحِهِ بِها وبِسُورَةِ الفَتْحِ».
وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ قالَ بِأنْ لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ النِساءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ورَواهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَما رَأيْتُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا سَألْتُهُ عنهُ، فَما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ لِذَنْبٍ: لا أغْفِرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ .
مَعْناهُ: يَجْعَلُ أعْمالَهم بَدَلَ مَعاصِيهِمُ الأُولى طاعَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ورَدُّوا عَلى مَن قالَ: هو في يَوْمِ القِيامَةِ لِمَن يُرِيدُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ، يُبَدِّلُ السَيِّئاتِ حَسَناتٍ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ المُسَيَّبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ مَعْنى كَرَمِ العَفْوِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُبْدِلُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ.
<div class="verse-tafsir"
أفاد قوله ﴿ إذا أنفقوا ﴾ أن الإنفاق من خصالهم فكأنه قال: والذين ينفقون وإذا أنفقوا إلخ.
وأريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب وذلك إنفاق المرء على أهل بيته وأصحابه لأن الإنفاق الواجب لا يذمّ الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقاً بَلْهَ أن يذم الإقتار فيه على أن في قوله ﴿ إذا أنفقوا ﴾ إشعاراً بأنهم اختاروا أن ينفقوا ولم يكن واجباً عليهم.
والإسراف: تجاوز الحد الذي يقتضيه الإنفاق بحسب حال المنفق وحال المنفَق عليه.
وتقدم معنى الإسراف في قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ في سورة النساء (6)، وقوله: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ في سورة الأنعام (141).
والإقتار عكسه، وكان أهل الجاهلية يسرفون في النفقة في اللذات ويُغْلُون السباء في الخمر ويتممون الأيسار في الميسر.
وأقوالهم في ذلك كثيرة في أشعارهم وهي في معلّقة طرفة وفي معلقة لبيد وفي ميمية النابغة، ويفتخرون بإتلاف المال ليتحدث العظماء عنهم بذلك، قال الشاعر مادحاً: مفيد ومتلاف إذا ما أتيتُه *** تهلَّل واهتز اهتزاز المهند وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ولا يُقتِروا} بضم التحتية وكسر الفوقية من الإقْتار وهو مرادف التقتير.
وقرأه ابن كثير وأبو عَمرو ويعقوب بفتح التحتية وكسر الفوقية من قتر من باب ضَرَب وهو لغة.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح التحتية وضم الفوقية من فعل قتر من باب نصَر.
والإقتار والقَتْر: الإجحاف والنقص مما تسعه الثروة ويقتضيه حال المنفَق عليه.
وكان أهل الجاهلية يُقْتِرون على المساكين والضعفاء لأنهم لا يسمعون ثناء العظماء في ذلك.
وقد تقدم ذلك عند قوله: ﴿ كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدَيْن ﴾ [البقرة: 180].
والإشارة في قوله: ﴿ بين ذلك ﴾ إلى ما تقدم بتأويل المذكور، أي الإسراف والإِقتار.
والقَوام بفتح القاف: العدل والقصد بين الطرفين.
والمعنى: أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق، وأما الإقتار فمن شأنه إمساكُ المال فيُحرم من يستأهله.
وقوله: ﴿ بين ذلك ﴾ خبرُ ﴿ كَان ﴾ و ﴿ قَواماً ﴾ حال موكِّدة لمعنى ﴿ بين ذلك ﴾ .
وفيها إشعار بمدح ما بين ذلك بأنه الصواب الذي لا عِوَج فيه.
ويجوز أن يكون ﴿ قَواما ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ و ﴿ بين ذلك ﴾ ظرفا متعلقاً به.
وقد جرت الآية على مراعاة الأحوال الغالبة في إنفاق الناس.
قال القرطبي: والقَوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله ومنع غيره من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عُلَماءُ وكُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أعِفّاءُ أتْقِياءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مُتَواضِعِينَ لا يَتَكَبَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ الجاهِلُونَ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ.
الثّانِي: السُّفَهاءُ.
﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالُوا سَدادًا، قالَهُ مُجاهِدٌ لِأنَّهُ قَوْلٌ سَلِيمٌ.
الثّانِي: قالُوا وعَلَيْكَ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طَلَبُ المُسالَمَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لازِمًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى، ومِنهُ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ وأنْشَدَ الأعْشى: إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِرْ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي الثّانِي: شَدِيدًا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ شِدَّةُ المِحْنَةِ غَرامًا قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ويَوْمُ الجِفارِ ويَوْمُ النِّسا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا، وكانَ غَرامًا الثّالِثُ: ثَقِيلًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّهم أُغْرِمُوا بِالنَّعِيمِ في الدُّنْيا عَذابَ النّارِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ سَألَ الكُفّارَ عَنْ فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهم جَهَنَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإسْرافُ النَّفَقَةُ في المَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لَمْ يُنْفِقُوا كَثِيرًا فَيَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفُوا، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّالِثُ: لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جَمالًا، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، قالَ: هَؤُلاءِ أصْحابُ النَّبِيِّ كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ.
الرّابِعُ: لَمْ يُنْفِقُوا نَفَقَةً في غَيْرِ حَقِّها فَإنَّ النَّفَقَةَ في غَيْرِ حَقِّها إسْرافٌ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ فَإنَّ مَنعَ حُقُوقِ اللَّهِ إقْتارٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يُعَرِّيهِمْ ولا يُجِيعُهم، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّالِثُ: لَمْ يُمْسِكُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: لَمْ يُقَصِّرُوا في الحَقِّ، قالَهُ الأعْمَشُ.
رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ النَّفَقَةِ في الإسْرافِ والإقْتارِ ما هو، فَقالَ: مَن مَنَعَ مِن حَقٍّ فَقَدْ قَتَّرَ، ومَن أعْطى في غَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ أسْرَفَ» .
﴿ وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَدْلًا، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّانِي: أنَّ القِوامَ: أنْ يُخْرِجُوا في اللَّهِ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، قالَهُ وهْبٌ.
الثّالِثُ: أنَّ القِوامَ: أنْ يُنْفِقَ في طاعَةِ اللَّهِ ويَكُفَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القِوامَ ما لَمْ يُمْسَكْ فِيهِ عَزِيزٌ ولَمْ يُقْدَمْ فِيهِ عَلى خَطَرٍ، والفَرْقُ بَيْنَ القَوامِ بِالفَتْحِ والقِوامِ بِالكَسْرِ، ما قالَهُ ثَعْلَبٌ: أنَّهُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ قال: هم المؤمنون ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالطاعة والعفاف والتواضع.
وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: علماء حكماء.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: بالسريانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: حلماء بالسريانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: حلماء بالسريانية.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالوقار والسكينة ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: سداداً من القول.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: لا يشتدون.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وابن النجار عن ابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الفضيل بن عياض في قوله: ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالسكينة والوقار ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: إن جهل عليه حلم، وإن أسيء إليه أحسن، وإن حرم أعطى، وإن قطع وصل.
وأخرج الآمدي في شرح ديوان الأعشى بسنده عن عمر بن الخطاب: أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقواماً فقال: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ فاقصد في مشيتك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: تواضعاً لله لعظمته ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: كانوا لا يجهلون على أهل الجهل.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن علي الباقر قال: سلاح اللئام قبيح الكلام.
وأخرج أحمد عن النعمان بن مقرن المزني: أن رجلاً سب رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اما أن ملكاً بينكما يذب عنك كلما شتمك هذا قال له: بل أنت.
وأنت أحق به، وإذا قلت له: عليك السلام قال: لا.
بل لك أنت أحق به» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ قال: السفهاء ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني ردوا معروفاً ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ يعني يصلون بالليل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: يمشون حلماء متواضعين لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم جاهل لم يجهلوا.
هذا نهارهم إذا انتشروا في الناس ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال: هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان يقال: ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً، وأحسن مجاورة من جاورك من الناس تكن مسلماً، وصاحب الناس بالذي تحب أن يصاحبوك به تكن عدلاً، وإياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
إنه قد كان بين أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون شديداً، ويأملون بعيداً، فأين هم؟
أصبح جمعهم بوراً، وأصبح عملهم غروراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً.
ابن آدم إنك مرتهن بعملك، وأنت على أجلك معروض على ربك، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت يأتيك من الخير.
يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
يا ابن آدم خالط الناس وزايلهم: خالطهم ببدنك، وزايلهم بقلبك وعملك.
يا ابن آدم أتحب أن تذكر بحسناتك وتكره أن تذكر بسيئاتك، وتبغض على الظن وتقيم على اليقين.
وكان يقال: أن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها وافضاء بعينها خشعت لذلك قلوبهم، وأبدانهم، وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم قوماً كأنهم رأي عين.
والله ما كانوا بأهل جدل وباطل، ولكن جاءهم من الله أمر فصدقوا به، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: الحسن (والهون) في كلام العرب: اللين والسكينة والوقار ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا.
يصاحبون عباد الله نهارهم مما تسمعون.
ثم ذكر ليلهم خير ليل قال: ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سجداً لربهم، تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.
قال الحسن: لأمر مّا سهر ليلهم، ولأمر ما خشع نهارهم ﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: كل شيء يصيب ابن آدم لم يدم عليه فليس بغرام، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض، قال: صدق القوم.
والله الذي لا إله إلا هو فعلوا ولم يتمنوا.
فاياكم وهذه الأماني يرحمكم الله!
فإن الله لم يعط عبد بالمنية خيراً في الدنيا والآخرة قط.
وكان يقول: يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة!
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: «الدائم» .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: ملازماً شديداً كلزوم الغريم الغريم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول بشر بن أبي حازم؟
ويوم النسار ويوم الجفار ** كانا عذاباً وكانا غراماً وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كان غراماً ﴾ ما الغرام؟
قال: المولع.
قال فيه الشاعر: وما أكلة إن نلتها بغنيمة ** ولا جوعة إن جعتها بغرام وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: هم المؤمنون.
لا يسرفون فيقعوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعون حقوق الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ولم يقتروا ﴾ بنصب الياء ورفع التاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: الاسراف النفقة في معصية الله، والاقتار الامساك عن حق الله قال: وإن الله قد فاء لكم فيئة فانتهوا إلى فيئة الله.
قال في المنفق ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ﴾ [ الأحزاب: 70] قال: قولوا صدقاً عدلاً.
وقال للمؤمنين ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ [ النور: 30] عما لا يحل لهم.
وقال في الاستماع ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [ الزمر: 18] وأحسنه طاعة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله: ﴿ لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال لا ينفقه في باطل ولا يمنعه من حق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، كانت قلوبهم على قلب واحد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ قال: عدلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: ﴿ القوام ﴾ أن لا تنفق من غير حق، ولا تمسك من حق هو عليك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه ﴿ وكان بين ذلك قواماً ﴾ قال: الشطر من أموالهم.
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين.
يعني إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وخير الأمور أوساطها.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في قوله: ﴿ لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ أن عمر بن الخطاب قال: كفى سرفاً أن الرجل لا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله.
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ فيه ثلاثهَ أوجه من القراءة؛ ضم الياء، من ﴿ يَقْتُرُوا ﴾ وضم التاء، وكسر التاء مع فتح الياء (١) (٢) قال أبو عبيد: وهي ثلاث لغات، معناها: لم يضيقوا في الإنفاق (٣) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وقال الشاعر: لكم مسجد الله المزوران والحصا ...
لكم قِبصُهُ من بين أثْرى وأقترا (٤) تقديره من بين رجل أثرى، ورجل أقتر، فأقام الصفة مقام الموصوف، وعلى هذا معنى: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ لم يفتقروا في إنفاقهم؛ لأن المسرف مُشرف على الافتقار لسرفه في إنفاقه (٥) واختلفوا في معنى هذا الإسراف والإقتار؛ فقال الكلبي، والنخعي: هذا في الإنفاق على العيال، إذا أنفقوا على أهلهم وعيالهم وعلى أنفسهم لم يسرفوا في النفقة (٦) وقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة يقول الناس: إنك قد أسرفت فيها (٧) وقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿ لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ لم يخرجوا في إنفاقهم من السِّطَةِ (٨) ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ لم يمسكوا ولم ينقصوا عن الاقتصاد فيقصروا عن التوسط فمن كان في هذا الطرَف فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾ الآية [الإسراء: 29] ويبين هذا قوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ أي: كان إنفاقهم بين ذلك لا إسرافًا، يدخل به في حد التبذير، ولا تضييقًا يصير في حد المنع (٩) (١٠) (١١) وذُكر أن عبد الملك بن مروان، دخل على عمر بن عبد العزيز، بعد ما زوجه ابنته، فقال له: كيف نفقتك على عيالك؟
قال: الحسنة بين السيئتين، قال: كيف ذاك؟
قال: كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ ﴿ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ (١٢) - من السرف: أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا أكله، وقال: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما يشتهي (١٣) (١٤) وروى الضحاك عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حق فهو سرف، ومن منع من حق فقد قتر (١٥) وقال سفيان في هذه الآية: لم يضعوا في غير حقه، ولم يقصروا عن حقه.
وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله، ولم يمسكوا عن فرائض الله (١٦) قوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ أي: بين الإسراف والإقتار (١٧) ﴿ قَوَامًا ﴾ القِوام من العيش: ما أقامك وأغناك.
وقِوام الجسم: تمامه، وقِوام كلِّ شيء ما استقام به (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ بَيْنَ ﴾ في معنى رفع كما تقول: كان دون هذا كافيًا.
تريد: أقلّ من هذا فيكون معنى قوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ وكان الوسط قوامًا (٢١) (١) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، وكسر التاء.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿ يَقتُرُواْ ﴾ بفتح الياء، وضم التاء.
وقرأ نافع، وابن عامر: ﴿ يُقتروا ﴾ بضم الياء، وكسر التاء.
"كتاب السبعة في القراءات" 466، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 124، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، و"النشر" 2/ 334.
قال النحاس، معلقاً على قراءة ضم الياء: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، فإنما يقال: أقتر يُقتر، إذا افتقر، كما قال جل وعز: ﴿ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعاً، وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل أن أبا عمرو الجرمي، حكى عن الأصمعي، أنه يقال للإنسان إذا ضَيَّق: قتر يقتُر ويقتِر، وقتَّر يُقتِّر، وأقتر يُقتر، فعلى هذا تصح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح، وأقرب متناولاً، وأشهر وأعرف.
"إعراب القرآن" 3/ 167.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 349.
والرَّمَق: بقية الحياة.
"تهذيب اللغة" 9/ 145.
(٣) قال ابن جرير 19/ 40: كل هذه القراءات ...
بمعنى واحد، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب.
وكذا الأزهري في "معاني القراءات" 2/ 218.
(٤) البيت للكميت بن زيد يمدح بني أمية، المسجدان: مسجد مكة والمدينة، أي: لكم العدد الكثير من جميع الناس، المثري منهم والمقتر.
"لسان العرب" 3/ 205 (سجد).
وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 8/ 385 (قبص)، ولم ينسبه، ثم قال: أي من بين مُثرٍ ومُقلٍ، واستشهد به على أن القبص: العدد الكثير.
وذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، ولم ينسبه.
وكذا الأنباري في "الإنصاف" 2/ 721، والطبرسي 7/ 277.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، من قولى: قتر إذا ضيق.
(٦) اختار هذا القول الهواري 3/ 217، ولم ينسبه.
(٧) إبراهيم هو النخعي، أخرج قوله ابن جرير 1/ 389.
وابن أبي حاتم 8/ 2725، 2726.
وهذا القول يدل على أن الإسراف: تجاوز الحد في الإنفاق، والإقتار: التقصير عما لا بد منه.
"تفسير البغوي" 6/ 94.
(٨) هكذا في النسخ الثلاث، وأيضًا عند أبي علي في "الحجة" 5/ 349، ومعناه: التوسط.
يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسِطة، أي: توسطتهم.
كتاب "العين" 7/ 279 (وسط)، و"تهذيب اللغة" 13/ 28، و"اللسان" 7/ 429.
ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله - - الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟
قال: "لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير".
قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلاقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.
أخرجه مسلم 2/ 603، كتاب صلاة العيدين، رقم 885، وابن خزيمة 2/ 357، رقم 1460.
(٩) في (ج): (المانع).
(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 349.
وظاهر هذا أن الإنفاق أريد به الإنفاق الواجب، ولم يرتض ابن عاشور 19/ 71، هذا فقال: أريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب، وذلك إنفاق المرء على أهله، وأصحابه؛ لأن الإنفاق الواجب لا يذم الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقاً بَلْه أن يذم الإقتار فيه، على أن في قوله: ﴿ إِذَا أَنْفَقُوا ﴾ إشعاراً بأنهم اختاروا أن ينفقدا ولم يكن واجباً عليهم.
(١١) قال الهواري 3/ 218: ذكروا أن هذه أنزلت في أصحاب النبي - -، وصفهم الله بهذه الصفة، كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، وكانت قلوبهم على قلب واحد.
وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 38، وابن أبي حاتم 8/ 2725، عن يزيد بن أبي حبيب.
وليس معنى هذا أنه لا يجوز التوسع في الملبس، والمأكل، والمسكن، بل الضابط في ذلك: التوسط، فاتخاذ الرجل الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسد الجوع فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القوام؛ لأن النبي - - قد أمر ببعض ذلك، وحض على بعضه، كقوله - -: "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِن وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ" أخرجه أبو داود 1/ 650، كتاب الصلاة، رقم 1078.
وابن ماجه 1/ 349، كتاب الصلاة، رقم: 1096.
وصححه الألباني، "صحيح سنن أبي داود" 1/ 201.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - -: "إِنَّ الله يُحِبَّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِغَمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ".
قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
"سنن الترمذي" 5/ 114، كتاب الأدب، رقم: 2819.
وقد بين ذلك ابن جرير 19/ 39.
(١٢) ذكر هذه القصة الزمخشري 3/ 285، وابن عطية 11/ 71، والقرطبي 13/ 73.
وأخرج نحو قول عمر ابن عبد العزيز، ابن جرير 19/ 38، عن قتادة، ويزيد بن مرة الجعفي.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2727، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: العلم خير من العمل، وخير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، ذلك بأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ يقول: سيئة ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ يقول: سيئة ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ يقول: حسنة.
(١٣) أخرجه ابن ماجه 2/ 1112، كتاب الأطعمة، رقم: 3352.
وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" 2/ 229، والسيوطي في "اللآلئ" 2/ 246، والألباني، في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 272.
وقد ذكروه جميعاً من طريق الحسن، عن أنس مرفوعاً، وليس بموقوف.
وأخرجه عبد الرزاق، في التفسير 2/ 71، عن عمر، وفي إسناده رجل لم يسم، ومن طريقه أخرجه الثعلبي 8/ 103 أ.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2726، من طريق آخر، من كلام الحسن، وليس بموقوف على عمر، وفي إسناده رجل لم يسم.
وذكره الزمخشري 3/ 285، عن عمر.
وحكم عليه بالانقطاع ابنُ حجر، "الكاف الشاف"، بحاشية الكشاف 3/ 285.
فتبين بهذا أنه لم يثبت هذا القول؛ وعليه فلا يدخل في السرف أكل الإنسان من الشيء يشتهيه إذا لم يترتب على ذلك ارتكاب مخالفة شرعية، أو التقصير في واجب.
والله أعلم.
(١٤) يعني الواحدي بالقول الذي اختاره: النفقة المتوسط فيها بين الإسراف والتقتير.
واختار هذا القول قبله الثعلبي 8/ 102 ب، فقال: وقال قوم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لابد منه.
وهذا الاختيار.
وقال ابن عطية 11/ 71: وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشارع فيها ألاَّ يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا، وألاَّ يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح ...
ولهذا ترك رسول الله - - أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله؛ لأن ذلك وسط بنسبة == جَلَدِه وصبره، في الدين، ومنع غيره من ذلك.
ونقله القرطبي 13/ 73، ولم يعترض عليه.
واستظهر هذا القول الشنقيطي 6/ 351.
(١٥) قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله ما كان سرفاً، ولو أنفقت في معصة الله كان سرفاً.
"تفسير ابن جرير" 19/ 37.
وأخرج ابن جرير 19/ 37، وابن أبي حاتم 8/ 2725، 2726، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقدن في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى.
وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 37، عن ابن جريج، وابن زيد.
وعلى هذا الإسراف: النفقة في معصية الله؛ ولكن يشكل على هذا تجاوز الحد في المباح، أو الطاعة، كإكرام الضيف، ونحوه، فهل يسمى هذا سرفاً أم لا؟
ولعل الصواب في ذلك أن يقال: التبذير: الإنفاق في معصية الله، قليلاً كان أو كثيرًا، والإسراف: تجاوز الحد في المباح، والتقتير: المنع من الواجب.
ويدل لهذا التفصيل قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ وقَول النَّبِيُّ - - "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
أخرج البخاري الحديث المرفوع والموقوف معلقاً بصيغة الجزم، في كتاب اللباس، "فتح الباري" 10/ 252.
وأخرج المرفوع ابن ماجه 2/ 1192، كتاب اللباس، رقم 3605، والنسائي، "السنن الكبرى" 2/ 41، كتاب الزكاة، رقم 2340، وحسنه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 284، رقم 1904.
وبهذا تجتمع أقوال السلف، وعباراتهم في التفريق بين ذلك.
والله أعلم.
وذكر أقوالهم: ابن جرير 15/ 72، وذكرها الواحدي في "الوسيط" 19/ 38، وابن كثير 6/ 124.
وهو اختيار ابن جرير 38/ 19.
(١٦) "تفسير مقاتل" ص 47، بنحوه.
وفي "تنوير المقباس" ص 305: لم ينفقوا في المعصية، ولم يمنعوا من الحق.
وذكر نحوه، الهواري 3/ 217، ولم ينسبه.
وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 39، عن ابن زيد.
(١٧) "تنوير المقباس" ص 305.
(١٨) "تهذيب اللغة" 9/ 360 (قام).
قال ابن جرير 19/ 39: القَوام، في كلام العرب، بفتح القاف، هو: الشيء بين الشيئين ...
فأما إذا كسرت القاف، فقلت: إنه قوام أهله، فإنه يعني به: أنه به يقوم أمرهم وشأنهم.
وقال ابن جني: القَوام، بفتح القاف: الاعتد الذي الأمر ..
وأما القِوام، بكسر القاف، فإنه مِلاك الأمر، وعِصامه.
"المحتسب" 2/ 125.
(١٩) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2727، عن سفيان، عن الأعمش.
ونسبه الماوردي 4/ 156، للأعمش.
قال ابن العربي، في تفسير العدل: وهو أن ينفق الواجب، ويتسع في الحل الذي غير دوام على استيفاء اللذات في كل وقت من كل طريق.
"أحكام القرآن" 3/ 453.
(٢٠) "تفسير مقاتل" ص 47.
(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 273.
وذكره بنصه، ابن جرير 19/ 40، ولم ينسبه.
== واعترض على هذا النحاس، فقال: ما أدري ما وجه هذا؛ لأن بين إذا كانت في موضع رفع رفعت، كما يقال: بين عينيه أحمرُ، فترفع بين.
إعراب القرآن 3/ 168.
وقال الرازي 24/ 110: وهذا التأويل ضعيف؛ لأن القوام هو الوسط، فيصير التأويل: وكان الوسط وسطاً، وهذا لغو.
وذكر نحوه البيضاوي 2/ 147.
وفي "المحتسب" 2/ 125: فقوام إذاً: تأكيد وجارٍ مجرى الصفة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ الاقتار هو التضييق في النفقة والشح وضده الإسراف، فنهى عن الطرفين، وأمر بالتوسط بينهما وهو القوام، وذلك في الانفاق في المباحات وفي الطاعات، وأما الانفاق في المعاصي فهو إسراف، وإن قل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.
﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الباقون بفتح الياء وكسر التاء.
﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.
الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.
﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.
وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.
النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه لم يترك طاعة الله طرفة عين.
ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.
وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.
يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.
وسمى المائين الكثيرين بحرين.
والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.
سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله ؟
والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.
وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.
الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.
ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.
يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.
﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.
ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.
يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.
والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.
والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.
وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".
إذا نبذها وراء ظهره.
والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.
قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.
ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.
فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.
وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.
ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.
وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.
ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.
ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".
ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.
وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.
قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.
والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله .
وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.
وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".
قال ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع ﴾ .
وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.
وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.
والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.
وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.
قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".
ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.
ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.
ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.
والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.
ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.
ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.
فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.
شبهت بالقصور العالية.
واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.
ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ في أحد تفاسيره.
وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.
وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.
ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.
أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.
قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.
وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.
والشكور مصدر كالكفور.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.
وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.
وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.
ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.
وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.
وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.
وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.
والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.
وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.
ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.
والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.
عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.
وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.
ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.
وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.
وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.
وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.
"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.
قلت: ثم أي؟
قال أن تزاني حليلة جارك" .
فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.
والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.
وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.
ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.
هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.
وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.
وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.
وقال الزجاج.
السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .
وقال القاضي والقفال: إنه يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.
ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.
والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.
فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.
وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.
وعن مجاهد: أعياد المشركين.
وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله وعلى رسوله.
والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.
وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.
وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.
ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.
وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.
وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.
قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.
ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.
عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.
وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.
وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.
والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.
والثالث حصول الرضا.
وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.
وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.
ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.
قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله .
وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.
وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.
وقيل: الغرفة اسم للجنة.
وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.
ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.
ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.
وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟
والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.
قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.
﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.
والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.
وقيل: يكون العقاب لزاماً.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.
ويروى أن موسى سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.
فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.
وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.
فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.
والرزخ هو القلب.
وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.
وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.
ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.
﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.
﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.
﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.
وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.
وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.
﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.
﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.
وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.
ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.
وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.
وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.
وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.
وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.
وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.
وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...
﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .
عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.
ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.
ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.
وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.
وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.
وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.
والغرام: الهلاك.
وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.
وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.
وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .
قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.
وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.
وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.
وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.
والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.
وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ولكن بين ذلك.
وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.
ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.
﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.
ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.
وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.
قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.
وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.
وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.
وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.
وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.
﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.
قال: والقوام: الوسط.
ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.
قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.
وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...
﴾ الآية [الأنفال: 2].
وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟
قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.
والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.
ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...
﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.
وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.
والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟
قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].
والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.
وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.
وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.
وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.
﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.
وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...
﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.
قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.
وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.
وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.
وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ .
أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.
﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.
وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.
وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.
وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.
والذين إذا بذلوا أموالهم لم يَصِلُوا في بذلهم لها إلى حد التبذير، ولم يضيقوا في بذلها على من تجب عليهم نفقته من أنفسهم أو غيرها، وكان إنفاقهم بين التبذير والتقتير عدلًا وسطًا.
من فوائد الآيات الداعي إلى الله لا يطلب الجزاء من الناس.
ثبوت صفة الاستواء لله بما يليق به سبحانه وتعالى.
أن الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد قط، دال على صفة من صفاته وهي الرحمة.
إعانة العبد بتعاقب الليل والنهار على تدارُكِ ما فاتَهُ من الطاعة في أحدهما.
من صفات عباد الرحمن التواضع والحلم، وطاعة الله عند غفلة الناس، والخوف من الله، والتزام التوسط في الإنفاق وفي غيره من الأمور.
<div class="verse-tafsir" id="91.bGbqB"