الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٢١ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( لأعذبنه عذابا شديدا ) : قال الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد ، عن ابن عباس : يعني نتف ريشه .
وقال عبد الله بن شداد : نتف ريشه وتشميسه .
وكذا قال غير واحد من السلف : إنه نتف ريشه ، وتركه ملقى يأكله الذر والنمل .
وقوله : ( أو لأذبحنه ) يعني : قتله ، ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) أي : بعذر واضح بين .
وقال سفيان بن عيينة ، وعبد الله بن شداد : لما قدم الهدهد قال له الطير : ما خلفك ، فقد نذر سليمان دمك !
فقال : هل استثنى ؟
فقالوا : نعم ، قال : ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) فقال : نجوت إذا .
قال مجاهد : إنما دفع [ الله ] عنه ببره بأمه .
وقوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) يقول: فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر، وأنه غائب غير شاهد, أقسم (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) وكان تعذيبه الطير فيما ذُكر عنه إذا عذبها أن ينتف ريشها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن شريك, عن عطاء, عن مجاهد, عن ابن عباس في: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) عذابه: نتفه وتشميسه.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه وتشميسه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريشه كله.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتف ريش الهدهد كله, فلا يغفو سِنة.
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: نتف ريشه.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) يقول: نتف ريشه.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قيل لبعض أهل العلم: هذا الذبح, فما العذاب الشديد؟.
قال: نتف ريشه بتركه بَضعة تنـزو.
حدثنا سعيد بن الربيع الرازي, قال: ثنا سفيان, عن عمرو بن بشار, عن ابن عباس, في قوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) قال: نتفه.
حدثني سعيد بن الربيع, قال: ثنا سفيان, عن حسين بن أبي شدّاد, قال: نتفه وتشميسه (أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
كما حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: (أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) يقول: أو لأقتلنه.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عباد بن العوّام, عن حصين, عن عبد الله بن شدّاد: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ )...
الآية, قال: فتلقَّاهُ الطير, فأخبره, فقال: ألم يستثن.
وقوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ بن الحسين الأزدي, قال: ثنا المعافى بن عمران, عن سفيان, عن عمار الدُّهْني, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة أعذره بها, وهو مثل قوله: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ يقول: بغير بينة.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا سفيان, عن رجل, عن عكرمة, قال: كل شيء في القرآن سلطان, فهو حجة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا عبد الله, بن يزيد, عن قباث (3) بن رزين, أنه سمع عكرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: كل سلطان في القرآن فهو حجة, كان للهدهد سلطان.
حدثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر بين.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) : أي بحجة عذر له في غيبته.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: ببينة, وهو قول الله الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ بغير بينة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) قال: بعذر أعذره فيه.
------------------------ الهوامش : (3) قباث بوزن سحاب، ابن رزين اللخمي (ويقال: التجيبي).
وقباث: اسم عربي.
قوله تعالى : لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد ، أما إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة .
روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه .
قال ابن جريج : ريشه أجمع .
وقال يزيد بن رومان : جناحاه .
فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين ، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ; وكأن الله أباح له ذلك ، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع .
والله أعلم .
وفي ( نوادر الأصول ) قال : حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي ، قال : حدثنا عون بن عمارة ، عن الحسين الجعفي ، عن الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، قال : إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه .
وسيأتي .
وقيل : تعذيبه أن يجعل [ ص: 168 ] مع أضداده .
وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد .
وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه .
وقيل : إيداعه القفص .
وقيل : بأن يجعله للشمس بعد نتفه .
وقيل : بتبعيده عن خدمتي ، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه .
وهو مؤكد بالنون الثقيلة ، وهي لازمة هي أو الخفيفة .
قال أبو حاتم : ولو قرئت " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه " جاز .
أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة .
وليست اللام في ليأتيني لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد ; ولكن لما جاء في أثر قوله : لأعذبنه وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه .
وقرأ ابن كثير وحده : ( ليأتينني ) بنونين .
فحينئذ تغيظ عليه وتوعده فقال: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا دون القتل، أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: حجة واضحة على تخلفه، وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لورعه وفطنته.
ثم أوعده على غيبته ، فقال : ( لأعذبنه عذابا شديدا ) واختلفوا في العذاب الذي أوعده به ، فأظهر الأقاويل أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا ، لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض .
وقال مقاتل وابن حيان : لأطلينه بالقطران ولأشمسنه .
وقيل : لأودعنه القفص .
وقيل : لأفرقن بينه وبين إلفه .
وقيل : لأحبسنه مع ضده .
) ( أو لأذبحنه ) لأقطعن حلقه ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) بحجة بينة في غيبته ، وعذر ظاهر ، قرأ ابن كثير : " ليأتينني " بنونين ، الأولى مشددة ، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة .
وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم ، فتجهز للمسير ، واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ ، فحملهم الريح ، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم ، وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه : إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناوأه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب والبعيد عنده في الحق سواء ، لا تأخذه في الله لومة لائم .
قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله ؟
قال : يدين بدين الحنيفية ، فطوبى لمن أدركه وآمن به ، فقالوا : كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله ؟
قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل ، قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ، ثم خرج من مكة صباحا ، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى ، فلما نزل قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها ، ففعل ذلك ، فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس ، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه ، وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير " ، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت وأين تريد ؟
قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود .
فقال : ومن سليمان ؟
قال ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح ، فمن أين أنت ؟
قال : أنا من هذه البلاد ، قال : ومن ملكها ؟
قال : امرأة يقال لها بلقيس ، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه ، فإنها ملكة اليمن كلها ، وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد ، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل ، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ؟
قال : أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء ، قال الهدهد اليماني : إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة ، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها ، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر .
قال : فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء ، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا ، فتفقد الطير ، ففقد الهدهد ، فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله عن الهدهد ، فقال : أصلح الله الملك ، ما أدري أين هو ، وما أرسلته مكانا ، فغضب عند ذلك سليمان ، وقال : ) ( لأعذبنه عذابا شديدا ) الآية .
ثم دعا العقاب سيد الطير فقال : علي بالهدهد الساعة ، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض العقاب نحوه يريده ، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده ، فقال : بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء ، قال : فولى عنه العقاب ، وقال له : ويلك ثكلتك أمك ، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك ، ثم طارا متوجهين نحو سليمان ، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير ، فقالوا له : ويلك أين غبت في يومك هذا ؟
ولقد توعدك نبي الله ، وأخبراه بما قال ، فقال الهدهد : أوما استثنى رسول الله ؟
قالوا : بلى ، قال : " أو ليأتيني بسلطان مبين " ، قال : فنجوت إذا ، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه ، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله ، فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال : أين كنت ؟
لأعذبنك عذابا شديدا ، فقال الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى ، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه ، ثم سأله فقال : ما الذي أبطأ بك عني ؟
قال «لأعذبنه عذاباً» تعذيباً «شديداً» بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام «أو لأذبحنه» بقطع حلقومه «أو ليأتيني» بنون مشددة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة «بسلطان مبين» ببرهان بين ظاهر على عذره.
وتفقد سليمان حال الطير المسخرة له وحال ما غاب منها، وكان عنده هدهد متميز معروف فلم يجده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد الذي أعهده؟
أسَتَره ساتر عني، أم أنه كان من الغائبين عني، فلم أره لغيبته؟
فلما ظهر أنه غائب قال: لأعذبنَّ هذا الهدهد عذابًا شديدًا لغيابه تأديبًا له، أو لأذبحنَّه عقوبة على ما فعل حيث أخلَّ بما سُخِّر له، أو ليأتينِّي بحجة ظاهرة، فيها عذر لغيبته.
وقوله - تعالى - : ( لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) بيان للحكم الذى أصدره سليمان - عليه السلام - على الهدهد بسبب غيابه بدون إذن .أى : لأعذبن الهدهد عذاباً شديداً يؤلمه ، أو لأذبحنه ، أو ليأتينى بحجة قوية توضح سبب غيابه .
وتقنعنى بالصفح عنه ، وبترك تعذيبه ، أو ذبحه .فأنت ترى أن سليمان - عليه السلام - وهو النبى الملك الحكيم العادل - يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه .
بعدم إتيانه بالعذر بالمقبول عن سبب غيابه ، أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه ، ويترك عقابه .فكأنه - عليه السلام - يقول : هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذاباً شديداً وإما أن أذبحهى بعد حضوره ، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه ، وفى هذه الحالة فأنا سأعفو عنه .
اعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه: أحدها: قول وهب أنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها فلذلك تفقده.
وثانيها: أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده.
وثالثها: أنه كان يظله من الشمس، فلما فقد ذلك تفقده.
أما قوله: ﴿ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغائبين ﴾ فأم هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لي لا أراه، على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟
كأنه يسأل عن صحة ما لاح له، ومثله قولهم: إنها لإبل أم شاء.
أما قوله: ﴿ لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان مُّبِينٍ ﴾ فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب، ثم اختلفوا في قوله: ﴿ لأُعَذّبَنَّهُ ﴾ فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله، وقيل إيداعه القفص، وقيل التفريق بينه وبين إلفه، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد، وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، وقيل لألزمنه خدمة أقرانه.
أما قوله: ﴿ فَمَكَثَ ﴾ فقد قرئ بفتح الكاف وضمها ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ (غير زمان بعيد) كقولك عن قريب، ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخراً له.
أما قوله: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفاً في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته.
أما قوله: ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ فاعلم أن سبأ قرئ بالصرف ومنعه، وقد روي بسكون الباء، وعن ابن كثير في رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدي سبا وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسماً للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسماً للحي أو للأب الأكبر صرف، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، والنبأ الخبر الذي له شأن.
وقوله: ﴿ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ ﴾ من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ وشرط حسنه صحة المعنى، ولقد جاء هاهنا زائداً على الصحة فحسن لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان (بنبأ) بخبر لكان المعنى صحيحاً، ولكن لفظ النبأ أولى لما فيه من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.
أما قوله: ﴿ إِنّى وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ ﴾ فالمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريدت المدين فمعناه تملك أهلها.
وأما قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ ففيه سؤال وهو أنه كيف قال: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ مع قول سليمان ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ فكأن الهدهد سوى بينهما جوابه: أن قول سليمان عليه السلام يرجع إلى ما أوتي من النبوة والحكمة، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا، وأما قول الهدهد فلم يكن إلا إلى ما يتعلق بالدنيا.
وأما قوله: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟
وأيضاً فكيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الله تعالى في الوصف بالعظيم؟
والجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش، ويجوز أن لا يكون لسليمان مع جلالته مثله كما قد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله عند السلطان، وعن الثاني: أن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض، واعلم أن هاهنا بحثين: البحث الأول: أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه: أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والصئبان، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب.
وثانيها: أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه؟.
وثالثها: كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف، ومع أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام.
ورابعها: من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟
والجواب عن الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع، وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك.
البحث الثاني: قالت المعتزلة قوله: ﴿ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا يهتدون والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة.
وثانيها: أنه متروك الظاهر، فإنه قال: ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل ﴾ وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدوداً ممنوعاً لسقط عنه التكليف، فلم يبق هاهنا إلا التمسك بفصل المدح والذم والجواب: قد تقدم عنه مراراً فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ ﴾ هي المنقطعة: نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ﴾ على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟
كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.
ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وذكر من قصة الهدهد أنّ سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشرة، فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان يقرّب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً يؤم سهيلاً؛ فوافى صنعاء وقت الزوال؛ وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء أعجبته خضرتها، فنزل ليتغدّى ويصلي فلم يجدوا الماء، وكان الهدهد قناقنه، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، فتفقده لذلك، وحين نزل سليمان حلق الهدهد فرأى هدهداً واقعاً، فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأنّ تحت يدها اثنى عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: عليَّ به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته.
فناشدها الله وقال: بحق الذي قوّاك وأقدرك عليَّ إلا رحمتيني، فتركته وقالت: ثكلتك أمك، إنّ نبي الله قد حلف ليعذبنك؛ قال: وما استثنى؟
قالت: بلى قال: أوليأتيني بعذر مبين، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه، فقال: يا نبي الله؛ اذكر وقوفك بين يدي الله؛ فارتعد سليمان وعفا عنه؛ ثم سأله.
تعذيبه: أن يؤدّب بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه.
وقيل: كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه.
وقيل: أن يطلي بالقطران ويشمس.
وقيل: أن يلقى للنمل تأكله.
وقيل: إيداعه القفص.
وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.
وقيل: لألزمنه صحبة الأضداد.
وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد.
وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
فإن قلت: من أين حل له تعذيب الهدهد؟
قلت: يجوز أن يبيح له الله ذلك.
لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة؛ كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع؛ وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا بالتأديب والسياسة: جاز أن يباح له ما يستصلح به.
وقرئ: ﴿ ليأتينني ﴾ و ﴿ ليأتينن ﴾ والسلطان: الحجة والعذر.
فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء: فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟
ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول والله ليأتيني بسلطان؟
قلت: لما نظم الثلاثة (بأو) في الحكم الذي هو الحلف: آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادّعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحيٌّ من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله: ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان مُّبِينٍ ﴾ عن دراية وإيقان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ﴾ وتَعْرَّفَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَجِدْ فِيها الهُدْهُدَ.
﴿ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ كَأنَّهُ لَمّا لَمْ يَرَهُ ظَنَّ أنَّهُ حاضِرٌ ولا يَراهُ لِساتِرٍ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: ما لِي لا أراهُ، ثُمَّ احْتاطَ فَلاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ أهْوَ غائِبٌ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ.
﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ كَنَتْفِ رِيشِهِ وإلْقائِهِ في الشَّمْسِ، أوْ حَيْثُ النَّمْلُ يَأْكُلُهُ أوْ جَعْلُهُ مَعَ ضِدِّهِ في قَفَصٍ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ ﴾ لِيَعْتَبِرَ بِهِ أبْناءُ جِنْسِهِ.
﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ بِحُجَّةِ تَبَيُّنِ عُذْرِهِ، والحَلِفُ في الحَقِيقَةِ عَلى أحَدِ الأوَّلَيْنِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الثّالِثِ لَكِنْ لَمّا اقْتَضى ذَلِكَ وُقُوعَ أحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ثَلَّثَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِعَطْفِهِ عَلَيْهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أوْ «لَيَأْتِيَنَّنِي» بِنُونَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{لأعذّبنّه عذاباً شديداً} بنتف ريشه وإلقائه في الشمس أو بالتفريق بينه وبين ألغه أو بإلزامه خدمة أقرآنه أو بالحبس مع أضداده وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد أو بإيداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة {أو لأذبحنّه أو ليأتينّي} بالنون الثقيلة ليشاكل قوله لأعذبنه وحذف
النمل (٢٤ - ٢١)
نون العماد للتخفيف ليأتيني بنونين مكي الأولى للتأكيد والثانية للعماد {بسلطانٍ مّبينٍ} بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء اثنان منها فعله ولا مقال فيه والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنها من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال والله ليأتيني بسلطان وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا ادعاء دراية
ثُمَّ مَضى سُلَيْمانُ حَتّى أتى عَلى وادِي النَّمْلِ، ولا يَظْهَرُ الجَمْعُ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ.
ولَعَلَّ المِقْدارَ الَّذِي يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَمَّ لَهُ بِناءُ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَّ وأكْثَرَ مِن تَقْرِيبِ القَرابِينِ، وبَشَّرَ بِالنَّبِيِّ وقَصَدَ اليَمَنَ، وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَلَمْ يَرَ الهُدْهُدَ فَتَوَعَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ قِيلَ: بِنَتْفِ رِيشِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُ رِيشِهِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: بِنَتْفِ رِيشِ جَناحَيْهِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: بِنَتْفِ نِصْفِ رِيشِهِ.
وزادَ بَعْضُهم مَعَ النَّتْفِ إلْقاءَهُ لِلنَّمْلِ، وآخَرُ: تَرْكَهُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِطَلْيِهِ بِالقَطِرانِ وتَشْمِيسِهِ، وقِيلَ: بِحَبْسِهِ في القَفَصِ، وقِيلَ: بِجَمْعِهِ مَعَ غَيْرِ جِنْسِهِ، وقِيلَ: بِإبْعادِهِ مِن خِدْمَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: بِإلْزامِهِ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
وفِي البَحْرِ: الأجْوَدُ أنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وهَذا التَّعْذِيبُ لِلتَّأْدِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُبِيحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ لِما رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ والمَنفَعَةِ، كَما أباحَ سُبْحانَهُ ذَبْحَ البَهائِمِ والطُّيُورِ لِلْأكْلِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ، وإذا سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ ولَمْ يُتِمَّ ما سُخِّرَ مِن أجْلِهِ إلّا بِالتَّأْدِيبِ والسِّياسَةِ جازَ أنْ يُباحَ لَهُ ما يَسْتَصْلِحُ بِهِ.
وفِي الإكْلِيلِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَأْدِيبِ الحَيَواناتِ والبَهائِمِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَقْصِيرِها في المَشْيِ أوْ إسْراعِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وعَلى جَوازِ نَتْفِ رِيشِ الحَيَوانِ لِمَصْلَحَةِ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّعْذِيبِ المَذْكُورِ نَتْفُ رِيشِهِ.
وذُكِرَ فِيهِ أنَّ ابْنَ العَرَبِيِّ اسْتَدَلَّ بِها عَلى أنَّ العَذابَ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الجَسَدِ، وعَلى أنَّ الطَّيْرَ كانُوا مُكَلَّفِينَ إذْ لا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ فِعْلٍ إلّا مَن كُلِّفَ بِهِ، اهـ، فَلا تَغْفُلْ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ ﴾ كالتَّرَقِّي مِنَ الشَّدِيدِ إلى الأشَدِّ؛ فَإنَّ في الذَّبْحِ تَجْرِيعُ كَأْسِ المَنِيَّةِ.
وقَدْ قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ ﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ تَبَيِّنُ عُذْرَهُ في غَيْبَتِهِ، وما ألْطَفَ التَّعْبِيرَ بِالسُّلْطانِ دُونَ الحُجَّةِ هُنا؛ لِما أنَّ ما أتى بِهِ مِنَ العُذْرِ انْجَرَّ إلى الإتْيانِ بِبِلْقِيسَ وهي سُلْطانٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا الشِّقَّ - وإنْ قُرِنَ بِحَرْفِ القَسَمِ - لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما المُقْسَمُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً الأوَّلانِ، وأُدْخِلَ هَذا في سِلْكِهِما لِلتَّقابُلِ.
وهَذا - كَما في الكَشْفِ - نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ومَآلُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأُمُورِ، عَلى مَعْنى: إنْ كانَ الإتْيانُ بِالسُّلْطانِ لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبٌ ولا ذَبْحٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كانَ أحَدُهُما، فَـ(أوْ) في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّرْدِيدِ، وقِيلَ: هي في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّعْذِيبِ والذَّبْحِ، وفي الثّانِي لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الإتْيانِ بِالسُّلْطانِ، وهو كَما تَرى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها في الأوَّلِ لِلتَّخْيِيرِ وفي الثّانِي بِمَعْنى إلّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ لامِ القَسَمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُقْسَمًا عَلَيْها حَقِيقَةً، وصَحَّ قَسَمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الإتْيانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ بِالوَحْيِ أنَّهُ سَيَكُونُ، أوْ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِذَلِكَ لِأمْرٍ قامَ عِنْدَهُ يُفِيدُها، وإلّا فالقَسَمُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ مِن دُونِ عِلْمٍ أوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ بِهِ لا يَكادُ يَسُوغُ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ يُنافِي حُصُولَ العِلْمِ وما حَكاهُ لَهُ، ودَفْعُ المُنافاةِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ لا يَعْلَمُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يَظُنُّ صِدْقَها وكَذِبَها غَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ قَوْلُهُ: (مُبِينٍ) يَأْباهُ، وبِالجُمْلَةِ الوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (لَيَأْتِيَنَّ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بِغَيْرِ ياءٍ، وكُتِبَ في الإمامِ «لا أذْبَحُهُ» بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الذّالِ والألِفِ المُتَّصِلَةِ بِاللّامِ، ولا يُعْلَمُ وجْهُهُ كَأكْثَرِ ما جاءَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ الرَّسْمَ المَعْرُوفَ، وقِيلَ: هو لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الذَّبْحَ لَمْ يَقَعْ.
وقالَ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ: إنَّ الكِتابَةَ العَرَبِيَّةَ كانَتْ في غايَةِ الإتْقانِ والجَوْدَةِ في حِمْيَرَ، ومِنهم تَعَلَّمَها مُضَرُ، إلّا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُجِيدِينَ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الحَضارَةِ، وكانَ الخَطُّ العَرَبِيُّ أوَّلَ الإسْلامِ غَيْرَ بالِغٍ إلى الغايَةِ مِنَ الإتْقانِ والجَوْدَةِ وإلى التَّوَسُّطِ لِمَكانِ العَرَبِ مِنَ البَداوَةِ والتَّوَحُّشِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ الصَّنائِعِ، وما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِنَ الرُّسُومِ المُخالِفَةِ لِما اقْتَضَتْهُ أقْيِسَةُ رُسُومِ الخَطِّ وصِناعَتُهُ عِنْدَ أهْلِها كَزِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» مِن قِلَّةِ الإجادَةِ لِصَنْعَةِ الخَطِّ، واقْتِفاءُ السَّلَفِ رَسْمَهم ذَلِكَ مِن بابِ التَّبَرُّكِ.
وتَوْجِيهُ بَعْضِ المُغَفَّلِينَ تِلْكَ المُخالَفَةَ بِما وجَّهَهُ بِها لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والدّاعِي لَهُ إلى ذَلِكَ تَنْزِيهُ الصَّحابَةِ عَنِ النَّقْصِ لِما زَعَمَ أنَّ الخَطَّ كَمالٌ، ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِأنَّ الخَطَّ مِن جُمْلَةِ الصَّنائِعِ المَدَنِيَّةِ المَعاشِيَّةِ، وذَلِكَ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ؛ إذِ الكَمالُ في الصَّنائِعِ إضافِيٌّ، ولَيْسَ بِكَمالٍ مُطْلَقٍ؛ إذْ لا يَعُودُ نَقْصُهُ عَلى الذّاتِ في الدِّينِ ونَحْوِهِ، وإنَّما يَعُودُ عَلى أسْبابِ المَعاشِ.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُمِّيًّا، وكانَ ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومِثْلُ الأُمِّيَّةِ تَنَزُّهُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الصَّنائِعِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي أسْبابُ المَعاشِ والعُمْرانِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كَمالًا في حَقِّنا؛ إذْ هو مُنْقَطِعٌ إلى رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونَحْنُ مُتَعاوِنُونَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، ومِن هُنا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمُ»» انْتَهى مُلَخَّصًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ زِيادَةِ الألِفِ في «لا أذْبَحَنَّهُ» لِقِلَّةِ إجادَتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - صَنْعَةَ الكِتابَةِ في غايَةِ البُعْدِ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ الذَّبْحِ كَذَلِكَ، وإلّا لَزادُوها في (لَأُعَذِّبَنَّهُ) لِأنَّ التَّعْذِيبَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا.
وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ الإجادَةَ في الخَطِّ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ - إنْ أرادَ بِهِ أنْ تَحْسِينَ الخَطِّ وإخْراجَهُ عَلى صُوَرٍ مُتَناسِبَةٍ يَسْتَحْسِنُها النّاظِرُ، وتَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ كَسائِرِ النُّقُوشِ المُسْتَحْسَنَةِ لَيْسَ بِكَمالٍ في حَقِّهِمْ ولا يَضُرُّ بِشَأْنِهِمْ فَقْدُهُ - فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ هَذا شَيْءٌ وما نَحْنُ فِيهِ شَيْءٌ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ الإتْيانَ بِالخَطِّ عَلى وجْهِهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِن وصْلِ ما يَصِلُونَهُ، وفَصْلِ ما يَفْصِلُونَهُ، ورَسْمِ ما يَرْسُمُونَهُ، وتَرْكِ ما يَتْرُكُونَهُ لَيْسَ بِكَمالٍ - فَهَذا مَحَلُّ بَحْثٍ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُعْتَرَضُ عَلى العالِمِ بِقُبْحِ الخَطِّ وخُرُوجِهِ عَنِ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ والهَيْئاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِوَصْلِ ما يُفْصَلُ وفَصْلِ ما يُوصَلُ، ورَسْمِ ما لا يُرْسَمُ وعَدَمِ رَسْمِ ما يُرْسَمُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الصَّحابَةَ الَّذِينَ كَتَبُوا القُرْآنَ كانُوا مُتْقِنِينَ رَسْمَ الخَطِّ، عارِفِينَ ما يَقْتَضِي أنْ يُكْتَبَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُكْتَبَ، وما يَقْتَضِي أنْ يُوصَلَ وما يَقْتَضِي أنْ لا يُوصَلَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ خالَفُوا القَواعِدَ في بَعْضِ المَواضِعِ لِحِكْمَةٍ، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِهِ التَّكْمِلَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي، عَنْ هَذا الكِتابِ العَرَبِيِّ هَلْ كُنْتُمْ تَكْتُبُونَهُ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا تَجْمَعُونَ مِنهُ ما اجْتَمَعَ، وتُفَرِّقُونَ مِنهُ ما افْتَرَقَ، مِثْلَ الألِفِ واللّامِ والنُّونِ؟
قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذْتُمُوهُ؟
قالَ: مِن حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ حَرْبٌ؟
قالَ: مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ؟
قالَ: مِن أهْلِ الأنْبارِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَهُ أهْلُ الأنْبارِ؟
قالَ: مِن طارٍ طَرَأ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ اليَمَنِ، قُلْتُ: ومِمَّنْ أخَذَ ذَلِكَ الطّارِئُ؟
قالَ: مِنَ الخَلَجانِ بْنِ القَسْمِ كاتِبِ الوَحْيِ لِهُودٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الَّذِي يَقُولُ: فِي كُلِّ عامٍ سُنَّةٌ تُحْدِثُونَها ورَأْيٌ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ يُعْبَرُ ولَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِن حَياةٍ تَسُبُّنا ∗∗∗ بِها جُرْهَمُ فِيمَن يُسَبُّ وحَمِيرُ انْتَهى.
وفِي كِتابِ مُحاصَرَةِ الأوائِلِ ومُسامَرَةِ الأواخِرِ أنَّ أوَّلَ مَنِ اشْتُهِرَ بِالكِتابَةِ في الإسْلامِ مِنَ الصَّحابَةِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَشْتَهِرُوا في ذَلِكَ إلّا لِإصابَتِهِمْ فِيها.
والقَوْلُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأجِلَّةَ وسائِرَ الصَّحابَةِ لَمْ يَعْرِفُوا مُخالَفَةَ رَسْمِ الألِفِ هُنا لِما يَقْتَضِيهِ قَوانِينُ أهْلِ الخَطِّ وكَذا سائِرُ ما وقَعَ مِنَ المُخالَفَةِ - مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى أدَبٍ وإنْصافِ.
ومِثْلُ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مَن عَرَفَ مِنهم إلّا أنَّهُ تَرَكَ تَغْيِيرَهُ إلى المُوافِقِ لِلْقَوانِينِ أوْ وافَقَهُ عَلى الغَلَطِ لِلتَّبَرُّكِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِنَ الرَّسْمِ المُخالِفِ بِسَبَبِ قِلَّةِ مَهارَةِ مَن أخَذُوا عَنْهُ صَنْعَةَ الخَطِّ، فَيَكُونُ هو الَّذِي خالَفَ في مِثْلِ ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ خالَفَ، فالقُصُورُ - إنْ كانَ - مِمَّنْ أخَذُوا عَنْهُ، وأمّا هم فَلا قُصُورَ فِيهِمْ؛ إذْ لَمْ يُخِلُّوا بِالقَواعِدِ الَّتِي أخَذُوها، وإخْلالُهم بِقَواعِدَ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا بِها لا يُعَدُّ قُصُورًا، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما فِيهِ مِنَ البَشاعَةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْصافَ بَعْدَ كُلِّ كَلامٍ يَقْتَضِي الإقْرارَ بِقُوَّةِ دَعْوى أنَّ المُخالَفَةَ لِضَعْفِ صِناعَةِ الكِتابَةِ؛ إذْ ذاكَ - إنْ صَحَّ أنَّها وقَعَتْ أيْضًا - في غَيْرِ الإمامِ مِنَ المُكاتَباتِ وغَيْرِها، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ وإلّا لَنُقِلَ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ يعني: طلب الطير، وذلك أنه أراد أن ينزل منزلاً، فطلب الهدهد فَقالَ ما لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ وكان رئيس الهداهد، وكان سليمان قد جعل على كل صنف منهم رئيساً، ثم جعل الكركي رئيساً على جميع الطيور.
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة مَا لِيَ بسكون الياء.
وقرأ الباقون بنصب الياء، وهما لغتان يجوز كلاهما.
ثم قال: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ يعني: أم كان غائباً لم يحضر بعد.
ويقال: الميم للصلة، ومعناه أكان من الغائبين يعني: أصار من الغائبين.
وذكر أن الهدهد كان مهتديا يعرف المسافة التي بينهم وبين الماء.
ويقال: كان يعرف الماء من تحت الأرض، ويراه كما يرى من القارورة.
وروى عكرمة أنه قال: قلت لابن عباس: كيف يرى الماء من تحت الأرض، وأن صبياننا يأخذونه بالفخ فلا يرى الخيط والشبكة؟
فقال ابن عباس: «ما ألقى هذه الكلمة على لسانك إلا الشيطان، أما علمت أنه إذا نزل القضاء ذهب البصر؟» .
فدعا سليمان أمير الطير، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو؟
وما أرسلته مكاناً، فغضب سليمان عند ذلك وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولاً، ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ يعني: لأقتلنه حتى لا يكون له نسل أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: بحجة بينة واضحة أعذره بها، فإن قيل: كيف يجوز أن يعاقب من لا يجري عليه القلم؟
قيل له: تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا كان منه ذنب، كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير، وأما الذبح فيجوز، وإن لم يكن منه الذنب.
قرأ ابن كثير ليأتينني بنونين.
وقرأ الباقون بنون واحدة.
فمن قرأ بنونين فهو للتأكيد، لأن النون الأولى مشددة، وتسمى تلك نون القسم، وهي في الحقيقة نونين، والنون الثانية للإضافة.
ومن قرأ بنون واحدة، فقد استقل الجمع بين النونات، واقتصر على نونين، فأدغم إحداهما في الأخرى.
<div class="verse-tafsir"
الوازِع «١» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]
على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ...
فَقُلْتُ: أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ «٢»
أي: كافٌّ، وهَكَذا نقل ابنُ العربيِّ «٣» عن مَالكٍ فقال: يُوزَعُونَ أي: يُكَفَّونَ.
قال ابن العربي «٤» : وقد يكُونُ بمعنى يُلهَمُونَ من قوله «أَوْزِعْنِي أن أَشكُرَ نعمَتَكَ» أي: ألهمني، انتهى من «الإحكام» .
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)
وقولُه تَعَالَى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها التبسمُ هو ضِحْكُ الأنبيَاءِ في غالِبِ أمْرهم لا يَليقُ بهم سِوَاهُ، وكان تَبَسُّمُه سروراً بنعمَةِ الله تَعالى عَلَيهِ في إسماعِهِ وتفهيمهِ.
وفي قول النملة: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ثناءٌ على سليمانَ وجنودِه يتضمنُ تنزيهِهم عن تعمدِ القبيحِ.
ثم دعا سليمانُ عليه السلام ربَّه أنْ يُعينَه ويُفَرِّغَهُ لشُكرِ نعمتهِ، وهذا معنى إيزاعِ الشُّكرِ، وقال الثعلبيُّ وغيرَه: «أوزِعْنِي» معناه: ألهِمْنِي، وكذلك قال العراقيّ: أَوْزِعْنِي ألهمني، انتهى.
وقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ...
الآية، قالت فرقةٌ: ذلك بحسْبِ ما تقتَضِيه العنايةُ بالمَمْلَكَةِ والتَّهمُّمِ بكل جُزْءٍ منها، وهذا ظاهر الآيةِ أنَّه تَفَقَّدَ جميعَ الطيرِ، وقالت فِرقةٌ: بل تَفَقَّدَ الطيرَ لأَنَّ الشَّمْسَ دَخَلَتْ مِنْ مَوضِعِ الهُدْهُدِ فكان ذلك سببَ تفقدِ الطيرِ ليَبِينَ مِنْ أين دَخَلَتِ الشمسُ، وقال عبدُ اللهِ بن سلاَم: إنما طلبَ الهدهدَ لأنه احتاجَ إلى معرفةِ الماءِ على كَم هو مِنْ وَجهِ الأرضِ لأنه كانَ نَزَلَ في مفازةٍ عَدِمَ فيها الماءَ، وأن الهُدْهُدَ كان يَرَى بَاطِنَ الأرضِ وظاهرَها فكان يخبرُ سليمانَ بموضع الماءِ، ثم كانتِ الجنُّ تُخْرجُه في ساعةٍ، وقيل غير هذا والله أعلم بما صح من ذلك.
ثم توعد- عليه السلام- الهدهدَ بالعذابِ فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبَه للطير كانَ بنتفِ ريشِه «١» .
والسلطانُ:
الحجةُ حيث وقع في القرآن [العظيم] قاله ابن «٢» عباس.
وفعلَ سليمانُ هذا بالهدهدِ إغلاظاً على العاصينَ وعِقَاباً على إخلاله بنبوته ورتبته، والضميرُ في فَمَكَثَ يحتملُ أن يكونَ لسليمانَ أو للهدهدِ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أُبَيِّ «٤» «فتمكث ثم قال أحطت» .
ت: وهاتان القراءتان تُبَيِّنَانِ أن الضميرَ في «مكث» للهدهدِ وهو الظاهرُ أيضاً في قراءة الجماعة، ومعنى مكثَ: أقامَ.
وقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ يعني: في الزمن.
وقوله: أَحَطْتُ أي: عَلِمْتُ.
وقرأ الجمهورُ «٥» «سبأٍ» بالصرف على أنه اسمُ رجل وبه جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم من حديث فروةَ بن مسيك وغيره، سُئِلَ- عليه السلامُ- عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ: «كَانَ رَجُلاً لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أرْبَعَة» «٦» .
ورواه الترمذي من طريقِ فروة بن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ﴾ التَّفَقُّدُ: طَلَبُ ما غابَ عَنْكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ طَلَبَ ما فَقَدَ مِنَ الطَّيْرِ؛ والطَّيْرُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْجِنْسِ، وكانَتِ الطَّيْرُ تَصْحَبُ سُلَيْمانَ في سَفَرِهِ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها ﴿ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: " ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ " بِفَتْحِ الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِالسُّكُونِ، والمَعْنى: ما لِلْهُدْهُدِ [لا أراهُ]؟!
تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي أراكَ كَئِيبًا، أيْ: ما لَكَ؟
فَهَذا مِنَ المَقْلُوبِ الَّذِي مَعْناهُ مَعْلُومٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَصَلَ سُلَيْمانُ عَنْ وادِي النَّمْلِ، وقَعَ في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، فَعَطِشَ الجَيْشُ فَسَألُوهُ الماءَ، وكانَ الهُدْهُدُ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ، فَإذا قالَ لَهُ: هاهُنا الماءُ، شَقَّقَتِ الشَّياطِينُ الصَّخْرَ وفَجَّرَتِ العُيُونَ قَبْلَ أنْ يَضْرِبُوا أبْنِيَتَهم، وكانَ الهُدْهُدُ يَرى الماءَ في الأرْضِ كَما يَرى الماءَ في الزُّجاجَةِ، فَطَلَبَهُ يَوْمئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنَّما طَلَبُهُ لِأنَّ الطَّيْرَ كانَتْ تُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ، فَأخَلَّ الهُدْهُدُ بِمَكانِهِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلَلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ كانَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: بَلْ كانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: نَتْفُ رِيشِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: نَتْفُهُ وتَشْمِيسُهُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.
والثّالِثُ: شَدُّ رِجْلِهِ وتَشْمِيسُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنْ يَطْلِيَهُ بِالقَطِرانِ ويُشَمِّسُهُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والخامِسُ: أنْ يُودِعَهُ القَفَصَ والسّادِسُ: أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " لَيَأْتِينَّنِي " بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ.
فَأمّا السُّلْطانُ، فَهو الحُجَّةُ، وقِيلَ: العُذْرُ.
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا نَزَلَ في بَعْضِ مَسِيرِهِ، قالَ الهُدْهُدُ: إنَّهُ قَدِ اشْتَغَلَ بِالنُّزُولِ فَأرْتَفِعُ أنا إلى السَّماءِ فانْظُرُ إلى طُولِ الدُّنْيا وعَرْضِها، فارْتَفَعَ فَرَأى بُسْتانًا لِبِلْقِيسَ، فَمالَ إلى الخُضْرَةِ فَوَقَعَ فِيهِ، فَإذا هو بِهُدْهُدٍ قَدْ لَقِيَهُ، فَقالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ؟
قالَ: مِنَ الشّامِ مَعَ صاحِبِي سُلَيْمانَ، فَمِن أيْنَ أنْتَ؟
قالَ: مِن هَذِهِ البِلادِ، ومَلِكُها امْرَأةٌ يُقالُ لَها: بِلْقِيسَ، فَهَلْ أنْتَ مُنْطَلِقٌ مَعِي حَتّى تَرى مُلْكَها؟
قالَ: أخافُ أنْ يَتَفَقَّدَنِي سُلَيْمانُ وقْتَ الصَّلاةِ إذا احْتاجَ إلى الماءِ، قالَ: إنَّ صاحِبَكَ يَسُرُّهُ أنْ تَأْتِيَهُ بِخَبَرِ هَذِهِ المَلِكَةِ، فانْطَلَقَ مَعَهُ، فَنَظَرَ إلى بِلْقِيسَ ومُلْكَها، ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " فَتَمْكُثُ " بِزِيادَةِ تاءٍ؛ والمَعْنى: لَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ، فَقالَ سُلَيْمانُ: ما الَّذِي أبْطَأ بِكَ؟
﴿ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ أيْ: عَلِمْتَ شَيْئًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ مِمّا لَمْ تُعْلَمْ [بِهِ] ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأبُو عَمْرٍو: " سَبَأ " نَصْبًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ خَفْضًا مُنَوَّنًا.
وجاءَ في الحَدِيثِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّ سَبَأ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ» .
وقالَ قَتادَةُ: هي أرْضٌ بِاليَمَنِ يُقالُ لَها: مَأْرِبٌ.
وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ: إنْ شِئْتَ صَرَفْتَ " سَبَأ " فَجَعَلْتَهُ اسْمَ أبِيهِمْ، أوِ اسْمَ الحَيِّ، وإنْ شِئْتَ لَمْ تَصْرِفْ فَجَعَلْتَهُ اسْمَ القَبِيلَةِ، أوِ اسْمَ الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ.
وقالَ آخَرُونَ: الِاسْمُ إذا لَمْ يُدْرَ ما هو لَمْ يُصْرَفْ؛ وكِلا القَوْلَيْنِ خَطَأٌ، لِأنَّ الأسْماءَ حَقُّها الصَّرْفُ، وإذا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ الِاسْمُ لِلْمُذَكَّرِ أمْ لِلْمُؤَنَّثِ، فَحَقُّهُ الصَّرْفُ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّ أصْلَ الأسْماءِ الصَّرْفُ.
وقَوْلُ الَّذِينَ قالُوا: هو اسْمُ رَجُلٍ، غَلَطٌ، لِأنَّ سَبَأ هي مَدِينَةٌ تُعْرَفُ بِمَأْرِبٍ مِنَ اليَمَنِ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَمَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ اسْمَ مَدِينَةٍ، ومَن صَرَفَهُ فَلِأنَّهُ اسْمُ البَلَدِ، فَيَكُونُ مُذَكَّرًا سُمِّيَ بِمُذَكِّرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أيْ: بِخَبَرٍ صادِقٍ، ﴿ إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِلْقِيسَ ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يُعْطاهُ المُلُوكُ ويُؤْتاهُ النّاسُ.
والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ عَرْشُها مِن ذَهَبٍ، قَوائِمُهُ مِن جَوْهَرٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ، وكانَ أحَدُ أبَوَيْها مِنَ الجِنِّ، وكانَ مُؤَخَّرُ أحَدِ قَدَمَيْها مِثْلَ حافِرِ الدّابَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ قَدَماها كَحافِرِ الحِمارِ.
وَقالَ ابْنُ السّائِبِ: لَمْ يَكُنْ بِقَدَمَيْها شَيْءٌ، إنَّما وقَعَ الجِنُّ فِيها عِنْدَ سُلَيْمانَ بِهَذا القَوْلِ، فَلَمّا جُعِلَ لَها الصَّرْحُ بانَ لَهُ كَذِبُهم.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ ارْتِفاعُ عَرْشِها ثَمانِينَ ذِراعًا في عَرْضِ ثَمانِينَ، وكانَتْ أُمُّها مِنَ الجِنِّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وإنَّما صارَ هَذا الخَبَرُ عُذْرًا لِلْهُدْهُدِ، لِأنَّ سُلَيْمانَ كانَ لا يَرى لِأحَدٍ في الأرْضِ مَمْلَكَةً سِواهُ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ يُحِبُّ الجِهادَ، فَلَمّا دَلَّهُ الهُدْهُدُ عَلى مَمْلَكَةٍ لِغَيْرِهِ، وعَلى قَوْمٍ كَفَرَةٍ يُجاهِدُهم، صارَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَسْجُدُوا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " ألّا " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ألّا يَسْجُدُوا، أيْ: فَصَدَّهم لِئَلّا يَسْجُدُوا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيُّ: " ألّا يَسْجُدُوا " مُخَفَّفَةً، عَلى مَعْنى: ألا يا هَؤُلاءِ اسْجُدُوا، فَيَكُونُ في الكَلامِ إضْمارُ " هَؤُلاءِ " ويُكْتَفى مِنها بِ " يا "، ويَكُونُ الوَقْفُ " ألا يا " والِابْتِداءُ " اسْجُدُوا "؛ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ هي سَجْدَةٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن شَدَّدَ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تَكُونَ سَجْدَةً.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ مُسْتَأْنَفٌ، يَعْنِي: ألا يا أيُّها النّاسُ اسْجُدُوا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبِيُّ: " هَلّا يَسْجُدُوا " بَهاءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيِ: المُسْتَتِرُ فِيهِما، وهو مِن خَبَّأْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْفَيْتُهُ، ويُقالُ: خَبْءُ السَّمَواتِ: المَطَرُ، وخَبْءُ الأرْضِ: النَّباتُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما خَبَّأْتَهُ فَهو خَبْءٌ، فالخَبْءُ: كُلُّ ما غابَ؛ فالمَعْنى: يَعْلَمُ الغَيْبَ في السَّمَواتِ والأرْضِ.
٥٠ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: " في " بِمَعْنى " مِن "، فَتَقْدِيرُهُ: يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّمَواتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ قَرَأ حَفْصٌ [عَنْ] عاصِمٍ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن قَوْلِهِ: ﴿ أحَطْتُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ العَظِيمِ ﴾ كَلامُ الهُدْهُدِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " العَظِيمُ " بِرَفْعِ المِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أو لأذْبَحَنَّهُ أو لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ ﴿ إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَفَقُّدِهِ الطَيْرَ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ بِحَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ والتَهَمُّمِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَفَقَّدَ جَمِيعَ الطَيْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ تَفَقَّدُ الطَيْرَ لِأنَّ الشَمْسَ دَخَلَتْ مِن عَلى المَلِكِ مِن مَوْضِعِ الهُدْهُدِ حِينَ غابَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَفَقُّدِ الطَيْرِ لِيَتَبَيَّنَ مِن أيْنَ دَخَلَتِ الشَمْسُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّما طَلَبَ الهُدْهُدَ لِأنَّهُ احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الماءِ عَلى كَمْ هو مِن وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَزَلَ في مَفازَةِ حُرِمَ فِيها الماءَ، ولِأنَّ الهُدْهُدَ كانَ يَرى بَطْنَ الأرْضِ وظاهِرَها، كانَتْ تَشُفُّ لَهُ، وكانَ يُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَوْضِعِ الماءِ، ثُمَّ كانَتِ الجِنُّ تُخْرِجُهُ في ساعَةٍ يَسِيرَةٍ، تُسْلَخُ عنهُ وجْهُ الأرْضِ كَما تُسْلَخُ الشاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عن أبِي سَلامٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في كِتابِ النَقّاشِ: كانَ الهُدْهُدَ مُهَنْدِسًا، ورُوِيَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ هَذا، فَقالَ لَهُ: قِفْ يا وقّافُ، كَيْفَ يَرى الهُدْهُدُ بَطْنَ الأرْضِ وهو لا يَرى الفَخَّ حِينَ يَقَعُ فِيهِ؟
فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا جاءَ القَضاءُ عَمِيَ البَصَرُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَتِ الطَيْرُ تَنْتابُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُلِّ نَوْعٍ واحِدٍ نَوْبَةٌ مَعْهُودَةٌ، فَفَقَدَ الهُدْهُدَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لِيَ لا أرى ﴾ إنَّما المَقْصِدُ أنَّ الهُدْهُدَ غابَ، لَكِنَّهُ أخَذَ اللازِمَ عن غِيابِهِ وهو ألّا يَراهُ، فاسْتَفْهَمَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- عَنِ اللازِمْ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ والِاسْتِفْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ "ما لِيَ" نابَ مَنابَ الألِفِ الَّتِي تَحْتاجُها "أمْ".
ثُمَّ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِالعَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ تَعْذِيبَهُ لِلطَّيْرِ كانَ بِأنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ أجْمَعَ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ: جَناحَهُ، ورُوِيَ عن وهَبٍ أنَّهُ بِأنْ يَنْتِفَ بَعْضُهُ ويَبْقى بِضْعُهُ.
و "السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وحْدَهُ: "لِيَأْتِينَنِي" بِنُونَيْنِ، وفَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا بِالهُدْهُدِ وحْدَهُ إغْلاظًا عَنِ العاصِينَ، وعَلى إخْلالِهِ بِنَوْبِهِ ورُتْبَتِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَمَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "فَمَكَثَ" بِفَتْحِها، ومَعْناهُ -فِي القِراءَتَيْنِ-: أقامَ، والفَتْحُ في الكافِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها لُغَةُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: "ماكِثِينَ"؛ إذْ هو مِن "مَكَثَ" بِفَتْحِ الكافِ، ولَوْ كانَ مَن "مَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ لَكانَ جَمْعُ "مَكِيثٌ"، والضَمِيرُ في "مَكَثَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ الهُدْهُدِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ جاءَ فَقالَ"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ قالَ أحَطْتَ".
وقَوْلُهُ: "غَيْرَ بَعِيدٍ" كَما في مَصاحِفِ الجُمْهُورِ يُرِيدُ بِهِ الزَمَنَ والمُدَّةَ، وقَوْلُهُ: "أحَطْتُ" أيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا تامًّا لَيْسَ في عِلْمِكَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "سَبَأٍ"، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَبَأٍ" بِالصَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "سَبَأ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِن سَبَإٍ" بِالكَسْرِ وتَرْكِ الصَرْفِ، ورَوى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ "سَبَأْ" بِألْفٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ قَنْبَلُ -عَنِ النَبالِ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، فالأُولى عَلى أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وَقالَ الآخَرُ: مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَآرِبَ ∗∗∗....................
وهَذا عَلى أنَّها قَبِيلَةٌ، والثانِيَةُ عَلى أنَّها بَلْدَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكِلا القَوْلَيْنِ قَدْ قِيلَ، ولَكِنْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ مِن حَدِيثِ فَرْوَةِ بْنِ مُسَيْكٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ «وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، تَيامَنَ مِنهم سِتَّةً وتَشاءَمَ أرْبَعَةً»، وحُكِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى الزَجّاجِ فَخَبَطَ عَشْواءَ.
والثالِثَةُ عَلى البِناءِ.
والرابِعَةُ والخامِسَةُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ السَبْعِ فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا لِلتَّثْقِيلِ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تُبْنى عَلى الأُولى، بَلْ هي إمّا عَلى الثانِيَةِ أوِ الثالِثَةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ دُونَ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنَبى" بِالألْفِ مَقْصُورَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مُبالَغَةٌ، أيْ: مِمّا تَحْتاجُ المَمْلَكَةُ، قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ أمْرِ الدُنْيا، ووَصَفَ عَرْشَها بِالعِظَمِ في الهَيْئَةِ ورُتْبَةِ السُلْطانِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الوَقْفُ عَلى [عَرْشٍ]، فَـ "عَظِيمٌ" -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهَذِهِ المَرْأةِ هي بِلْقِيسٌ بِنْتُ شَراحِيلِ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: بِنْتُ القَشْرَحِ، وقِيلَ: كانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً، وأكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في قِصَصِها بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمْ مِنَ الآيَةِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِامْرَأةٍ مُلِّكَتْ عَلى مَدائِنِ اليَمَنِ، وكانَتْ ذاتَ مُلْكٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ كافِرَةً مِن قَوْمٍ كُفّارٍ.
<div class="verse-tafsir"
صيغة التفعُّل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب.
واشتقاق ﴿ تفقّد ﴾ من الفَقْد يقتضي أن ﴿ تفقّد ﴾ بمعنى طلب الفَقد.
ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيراً من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهُدهد أيضاً لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد.
وللطير جنود يقومون بشؤونها.
وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها.
والمعنى: تفقَّد الطيرَ في جملة ما تفقده، فقال لمن يلون أمر الطير: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد ﴾ .
ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال.
و ﴿ الهُدهد ﴾ : نوع من الطير وهو ما يقرقر، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قَزَعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بُعد ويحس به في باطن الأرض، فإذا رَفرف على موضع عُلم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان.
قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
وقوله: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد ﴾ استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، ف ﴿ ما ﴾ استفهام.
واللام من قوله: ﴿ لي ﴾ للاختصاص.
والمجرور باللام خبر عن ﴿ ما ﴾ الاستفهامية.
والتقدير: ما الأمر الذي كان لي.
وجملة: ﴿ لا أرى الهدهد ﴾ في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام، فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد.
والكلام موجه إلى خفرائه، يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد؟
فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد.
و ﴿ أم ﴾ منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين.
و ﴿ أم ﴾ لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها، فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر.
والتقدير: بل أكان من الغائبين؟
وليست ﴿ أم ﴾ المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام.
وصاحب «المفتاح» مثَّل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض.
ولما كان قول سليمان هذا صادراً بعد تقصّيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه ﴾ لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحاً له إن كان يرجى صلاحه، أو إعداماً له لئلا يلقِّن بالفساد غيرَه فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالاً لغيره.
فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود.
ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عُيّن له من عمل أو تغيب عنه.
وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله.
قال القرافي في «تنقيح الفصول» في آخر فصوله: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهرّ الموذي هل يجوز؟
فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه.
قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا تُرك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله.
قال القرافي: وقال أبو حنيفة: إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة " اه.
وقال الشيخ ابن أبي زيد في «الرسالة»: ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يُقدَر على تركها.
فقول سليمان ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ شريعة منسوخة.
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش.
و ﴿ أو ﴾ تفيد أحَدَ الأشياء فقوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول.
والسلطان: الحجة.
والمبين: المظهر لحق المحتج بها.
وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه.
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين ﴿ لأعذبنه لأذبحنه ﴾ باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليَعلم الجند ذلك حتى إذا فُقِد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجراً لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فَعْلته فينالهم العقاب.
وأما تأكيد جملة: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرّر تغيبه، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة.
فلما كان العقاب مؤكّدا محققاً فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادةٌ في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد مُعادله.
وبهذا يظهر أن ﴿ أو ﴾ الأولى للتخيير و ﴿ أو ﴾ الثانية للتقسيم.
وقيل جيء بتوكيد جملة: ﴿ ليأتيني ﴾ مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليباً.
واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق.
وكتب في المصاحف ﴿ لا أذبحنه ﴾ بلاَم ألففٍ بعدها ألفٌ حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادراً في كلامهم، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي، ولأن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة، فإن المصاحف ما كتبت حتى قرئ القرآن نَيِّفاً وعشرين سنة.
وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم.
وقرأ ابن كثير: ﴿ أو ليأتينَّني ﴾ بنونين، الأولى مشددة وهي نون التوكيد، والثانية نون الوقاية.
وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ ﴾ قِيلَ إنَّ سُلَيْمانَ كانَ إذا سافَرَ أظَلَّهُ الطَّيْرُ مِنَ الشَّمْسِ، فَأخَلَّ الهُدْهُدُ بِمَكانِهِ، فَبانَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنهُ بُعْدُهُ عَنْهُ، وكانَ دَلِيلُهُ عَلى الماءِ، وقِيلَ: إنَّ الأرْضَ كانَتْ كالزُّجاجِ لِلْهُدْهُدِ، يَرى ما تَحْتَها فَيَدُلُّ عَلى مَواضِعِ الماءِ حَتّى يَحْضُرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانُوا إذا سافَرُوا نَقَرَ لَهُمُ الهُدْهُدُ عَنْ أقْرَبِ الماءِ في الأرْضِ، فَقالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ: فَكَيْفَ يَعْلَمُ أقْرَبَ الماءِ إلى الأرْضِ ولا يَعْلَمُ بِالفَخِّ حَتّى يَأْخُذَهُ بِعُنُقِهِ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ يا نافِعُ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ إذا جاءَ القَدَرُ ذَهَبَ الحَذَرُ؟
فَقالَ سُلَيْمانُ عَنْ زَوالِ الهُدْهُدِ عَنْ مَكانِهِ ﴿ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ أيِ انْتَقَلَ عَنْ مَكانِهِ أمْ غابَ.
﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَتَفَ رِيشَهُ حَتّى لا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنْ يُحَوِّجَهُ إلى جِنْسِهِ.
الثّالِثُ: أنْ يَجْعَلَهُ مَعَ أضْدادِهِ.
﴿ أوْ لأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
الثّانِي: بِعُذْرٍ ظاهِرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟
قال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده.
وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟
فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث: أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم فيقول: قف من أين افتيت بكذا وكذا، ومن أين كان؟
فيقول ابن عباس رضي الله عنهما: أو مات من كذا وكذا.
حتى ذكر يوماً الهدهد فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض فقال له ابن الأزرق: قف قف..
يا ابن العباس.
كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟
فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا لم أقل له شيئاً.
إن البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر.
فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها في شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان سليمان إذا أراد أن ينزل منزلاً دعا الهدهد ليخبره عن الماء.
فكان إذا قال: هاهنا شققت الشياطين الصخور فجرت العيون من قبل أن يضربوا أبنيتهم، فأراد أن ينزل منزلاً فتفقد الطير فلم يره، فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء.
وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير.
لقد ذكر لنا: أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم هدهد سليمان: عنبر.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نتف ريشه.
وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ قال: نُتِفَ ريشه كله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: نتف ريشة وإلقاؤه للنمل في الشمس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن رومان قال: إن عذابه الذي كان يعذب به الطير: نتف ريش جناحه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: خبر الحق الصدق البين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ قال: بعذر بين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن حجة، ونزع الآية التي في سورة سليمان ﴿ أو ليأتيني بسلطان ﴾ قال: وأي سلطان كان للهدهد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إنما دفع الله عن الهدهد ببره والدته.
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة قال: إنما صرف الله عذاب سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قال: اطلعت على ما لم تطلع عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: خبر حق.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجئتك من سبإ ﴾ قال: سبأ بأرض اليمن يقال لها: مأرب.
بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ﴿ بنبإ يقين ﴾ قال: بخبر حق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: يقولون إن مأرب مدينة بلقيس.
لم يكن بينها وبين بيت المقدس الا ميل، فلما غضب الله عليها بعدها، وهي اليوم باليمن، وهي التي ذكر الله القرآن ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ [ سبأ: 15] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث إلى سبأ اثنا عشر نبياً منهم: تبع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ يقين ﴾ قال: بجعله أرضاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قرأ ﴿ من سبإ بنبإ ﴾ قال: يجعله رجلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: كان اسمها بلقيس بنت أبي شبرة، وكانت هلباء شعراء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ قال: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني إنها امرأة تسمى بلقيس بنت شراحيل، أحد أبويها من الجن.
مؤخر إحدى قدميها مثل حافر الدابة.
وكانت في بيت مملكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان، وأمها فارعة الجنية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلقيس بنت أبي شرح، وأمها بلقته.
وأخرج ابن مردويه عن سفيان الثوري، مثله.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كانت ملكة سبأ اسمها ليلى، وسبأ مدينة باليمن، وبلقيس حميرية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إحدى أبوي بلقيس كان جنياً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن ملك سبأ كانت امرأة باليمن.
كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شراحيل.
هلك أهل بيتها فملكها قومها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: صاحبة سبأ كانت أمها جنية.
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس امرأة من الجن يقال لها: بلقمة بنت شيصان.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال: إن أحد أبويها جني.
فقال: الجن لا يتوالدون!
أي أن المرأة من الإِنس لا تلد من الجن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما قال: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾ أنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من كل شيء في أرضها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ قال: من أنواع الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير كريم من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة، غالي الثمن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ قال: سرير من ذهب، وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد، طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله: ﴿ وجدتها وقومها يسجدون للشمس ﴾ قال: كانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: يعلم كل خفية في السماء والأرض.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الغيب.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: السر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: الماء.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ يخرج الخبء ﴾ قال: المطر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: خبء السموات والأرض؛ ما جعل من الأرزاق، والقطر من السماء، والنبات من الأرض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ قال: لم يصدقه ولم يكذبه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اذهب بكتابي هذا ﴾ قال: كتب معه بكتاب فقال: ﴿ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ﴾ يقول: كن قريباً منهم ﴿ فانظر ماذا يرجعون ﴾ فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرأه عليها فإذا فيه ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها.
فلما غلقت الأبواب وآوت إلى فراشها، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت ﴿ يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ تقول: حسن ما فيه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ قال: مختوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ كتاب كريم ﴾ قال: تريد مختوم.
وكذلك الملوك تختم كتبها.
لا تجيز بينها كتاباً إلا بخاتم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قال: لم يزد زعموا على هذا الكتاب على ما قص الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم.
من سليمان بن داود إلى بلقيس بنت ذي شرح وقومها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد: أن سليمان بن داود كتب إلى ملكة سبأ.
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لم يكن في كتاب سليمان إلى صاحبة سبأ إلا ما تقرأون في القرآن ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي ﴾ يقول: لا تخالفوا علي ﴿ وأتوني مسلمين ﴾ قال: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جميلا.
يطلبون ولا يكثرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن منصور قال: كان يقال كان سليمان بن داود أبلغ الناس في كتاب وأقله كلاماً.
ثم قرأ ﴿ إنه من سليمان ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم.
فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب: باسمك اللهم.
حتى نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ ثم نزلت ﴿ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ [ الرحمن: 110] فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ ثم أنزلت الآية التي في ﴿ طس...
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحرث العكلي قال: قال لي الشعبي: كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليكم؟
قلت: باسمك اللهم فقال: ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وسلم «باسمك اللهم» فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ فكتب ﴿ بسم الله ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ فكتب ﴿ بسم الله الرحمن ﴾ فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فكتب بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: لم يكن الناس يكتبون إلا «باسمك اللهم» حتى نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب «باسمك اللهم» فلما نزلت ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ كتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي «أما بعد: فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» فلما أتى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر فقرأه قال: إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود «بسم الله الرحمن الرحيم» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ ﴾ قال ابن عباس: فتألى ليعذبنه؛ قال: والله لأعذبنه عذاباً شديدًا، قال: يريد النتف، نتف ريشه، وهو أن ينتفه ثم يلقيه بالأرض، فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض (١) (٢) وقال مقاتل: يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطير حولًا (٣) قوله: ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة في غيبته (٤) (٥) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ ليست بموضع قسم؛ لأنه عذر للهدهد في دفع الذبح والعذاب عنه، فلم يكن ليقسم على أن يأتي بعذر، ولكنه لما جاء بها في إثْر (٦) (٧) (٨) ﴿ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ فاللام الأولى دخلت لـ: لو، والثانية على المحاذاة والمعارضة.
(١) "تفسير هود الهواري" 3/ 250، ولم ينسبه.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2862، عن قتادة.
وذكره الثعلبي 8/ 124 ب.
واستظهر هذا القول البغوي 6/ 153.
(٢) "تفسير مجاهد" 2/ 470، عن مجاهد، وعبد الله بن شداد.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن ابن عباس، وقتادة، وعبد الله بن شداد وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد.
وأخرجه ابن جرير 19/ 145، عن ابن عباس، من طرق، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2862، عن ابن عباس، وعبد الله بن شداد وقال به ابن قتيبة في "غريب القرآن" 323.
(٣) "تفسير مقاتل" 58 أ.
قال ابن كثير: اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير.
"البداية والنهاية" 2/ 21.
(٤) "تفسير مقاتل" 58 أ.
و"هود الهواري" 3/ 250، منسوبًا لابن عباس.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 113، ولم ينسبه.
أخرج ابن جرير 19/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 2863، عن ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
(٥) "السبعة في القراءات" 479، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 145.
و"المبسوط في القراءات العشر".
و"الحجة" 5/ 380، و"النشر" 2/ 3370 قال الأزهري: من قرأ: بنونين، ثقل النون للتأكيد، وجاء بنون أخرى للإضافة.
"معاني القراءات" 2/ 235.
قال الداني: في مصاحف أهل مكة ﴿ أَوْ لَيَأْتِيَنني ﴾ بنونين، وفي سائر المصاحف بنون واحدة.
"المقنع" 106.
(٦) قال ابن السكيت: خرجت في أَثَره، وإثْره.
وقال ابن الأعرابي: جاء في أَثَره، وإِثْره.
"تهذيب اللغة" 15/ 121 (أثر).
(٧) يعني: أن اللام لما دخلت على: ﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ ﴾ و ﴿ لَأَذْبَحَنَّهُ ﴾ ، لكونها في موضع قسم دخلت على: ﴿ لَيَأْتِيَنِّي ﴾ من باب: المحاذاة والمعارضة.
والله تعالى أعلم.
(٨) في نسخة، (ج): (وزن).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَفَقَّدَ الطير ﴾ اختلف الناس في معنى تفقده للطير، فقيل: ذلك لعنايته بأمور ملكه، وقيل: لأن الطير كانت تظله فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين ﴾ أم منقطعة، فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، ﴿ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد ﴾ أي لا أراه ولعله حاضر وستره ساتر، ثم علم بأنه غائب فأخبر بذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.
وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.
﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.
﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.
﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.
الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.
وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.
الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.
﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.
الآخرون بالتشديد.
وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.
الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.
فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.
وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.
قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.
الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.
والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.
قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.
فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".
وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.
ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.
وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.
قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.
ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.
والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".
قال المفسرون: إنه جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.
يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.
وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.
وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.
والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.
والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.
والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.
والقطاة تقول: من سكت سلم.
والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.
والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.
والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.
ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.
وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.
وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.
وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.
يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.
خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.
ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.
قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.
ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.
ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.
وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".
وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.
وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.
وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.
وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.
وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.
قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.
وما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.
وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.
وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.
ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.
يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.
القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.
ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.
وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.
وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.
ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.
وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟
قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.
فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.
وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.
وأرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.
فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.
وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.
وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.
وقيل: إيداعه القفص.
وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.
وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.
وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.
وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.
ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.
ثم أخبر الله أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.
والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.
وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.
وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.
ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.
والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.
﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.
﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.
ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.
يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.
وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان .
قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.
والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.
والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.
وفي تخصيص وصف الله في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.
ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.
ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.
ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.
وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.
وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.
وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟
فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.
يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال "كرم الكتاب ختمه" .
وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.
ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟
فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.
سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟
والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.
أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله .
و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.
يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.
قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.
ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.
والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.
ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.
ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.
وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.
قال "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.
ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.
فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.
فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟
وقال: أين الحق؟
وأخبرهم بما فيه.
ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.
والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.
ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.
بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.
والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.
مع كل قيل ألوف.
وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.
وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.
وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".
قالوا: كان اسمه ذكوان.
و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.
ومعنى.
﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.
وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.
وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.
وقيل: إلى انتصاف النهار.
﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.
واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر .
وقيل: جبرائيل.
وقيل: ملك أيد الله به سليمان.
وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.
وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.
وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.
ومنها قول سليمان.
﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.
واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.
وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.
وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.
وما ذلك العلم؟
قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.
والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.
ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.
والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.
يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.
ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.
وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.
وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.
قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.
﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.
زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.
قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.
وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.
﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.
وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.
أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.
﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.
والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.
وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.
والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.
ثم قال ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.
ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.
قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.
وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.
عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟
فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.
فقال: النكاح من الإسلام.
فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.
وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.
﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.
قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.
وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.
قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.
أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.
وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.
وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.
﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.
وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.
﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.
تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.
والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.
﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.
﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.
سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.
آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.
والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ : عن ابن عباس - ما - قال: "تدرون كيف تفقد سليمان الهدهد؟
ثم قال: إنه إذا كان في فلاة من الأرض، دعا الهدهد وسأله عن بعد الماء في الأرض وغوره، فهو يعلمه من بين غيره من الطيور؛ لذلك تفقد وسأل عن حاله".
وذكر أنه سأل ابن سلام عن ذلك، فأخبر ذلك.
لكن هذا بعيد؛ لأن سليمان - صلوات الله عليه - كانت له الريح مسخرة، ذكر أنها كانت تحمله وتسير به كل غداة مسيرة شهر وكل عشية كذلك، وهو قوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ؛ فلا يحتمل أنه إذا وقعت له الحاجة إلى الماء ألا يبلغ إلى الماء حتى يحتاج إلى أن يحفر له البئر، فيستخرج منه الماء، وما كان له من الشياطين والجن مسخرين له مذللين حتى قال واحد منهم: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ ﴾ يعني: عرش بلقيس ﴿ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ ، وقال الآخر: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، فمن له سلطان وقوة على القدر الذي ذكر لا يحتمل أن يقع له الحاجة إلى الماء، وإذا وقعت لا يحتاج إلى أن يتكلف وصوله إليه بالهدهد مع تكلف الحفر في الأرض، هذا يبعد بمرة - والله أعلم - إلا أن يخرج على الامتحان، ويكون تفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعاً، ومنعه إياهم عن الانتشار في الأرض والتفرق، لا لما ذكروا هم - والله أعلم - لما على كل ملك وأمير حفظ رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم وأسبابهم؛ فعلى ذلك هذا.
ثم يحتمل أن يكون من كل صنف من الطير واحد لا عدد حتى قال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ ؛ إذ لو كان عددا من الهداهد لقال: مالي لا أرى هدهدا من الهداهد، إلا أن يكون الذي فقده كان رئيساً لغيره من الهداهد وسيدهم؛ فجائز أن يقال ذلك: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ من بين غيرهم يغيب عن بصري ولا أدركه ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ عنهم؛ فكأنه سأل واحدا منهم عن ذلك، فأخبر أنه من الغائبين، فعند ذلك قال: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً...
﴾ الآية، فقالت الباطنية في ذلك: إن سليمان لا يحتمل أن يعذب من ليس بمخاطب في شيء، ولا يجري عليه القلم؛ فدل وعيده إياه من التعذيب والذبح أنه لم يكن هدهدا معروفاً، ولكن كان رجلا ممن يخاطب ويجري عليه القلم؛ وكذلك قالوا في النملة: إنه كان رجلا ممن يكون منه الكلام والفهم، وأما النملة المعروفة فلا يحتمل.
لكن الجواب لهم في ذلك: أن الله خلق هذه الدواب والطير وغيرها من الأشياء لمنافع البشر ولحاجاتهم، فجائز تعذيبها وذبحها للرد إلى منافعهم إذا امتنعت عن الانتفاع بها، على ما تؤدب الدواب وتعذب للرياضة والتعليم؛ لردها إلى الانتفاع بها.
أو يعذبه لما يشغله عن ذكر الله والقيام ببعض أموره، على ما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ...
﴾ الآية [ص: 31-32] لما شغله عن ذكر ربه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تعذيب الهدهد على الوجوه التي ذكرنا.
ومن الناس من استدل بهذا على مخاطبة الطيور والدواب وغيرها، وتكليفها بأمور كما يكلف غيرها من الخلائق، واحتج على هذا بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، أخبر أن الطير وغيره أمم أمثالنا، وقد أخبر في آية أخرى أنه لم تخل أمة عن أن يكون فيها نذير بقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ ، الأمة التي هي أمثالنا من الإنس والجن، دليله قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ...
﴾ ونحوه كثير، وقوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ليس في الخطاب والتكليف، ولكن في أشياء كثيرة.
وقوله: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ فمكث غير بعيد ثم جاءه ﴾ .
﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ : كأنه سأله: أين كنت؟
فقال عند ذلك له: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ .
وفي حرف أبي: ﴿ أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك ﴾ ، أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك.
ثم قال: ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ : لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، فقال عند ذلك - والله أعلم -: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك الخفاء، وكانت بقرب منه، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك، وكان يذهب في كل غدو مسيرة شهر، وفي كل رواح كذلك، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها؟!
وكانت الجن والشياطين مسخرين له ومذللين، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة، ويطوفون في الآفاق والأفق، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد الله، كيف خفي عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء، حتى أخبره بذلك الهدهد؟!
هذا - والله أعلم - أمر عجيب، ومن عادة الملوك - أيضاً - أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض، ويعلم بأحواله.
لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك، وأن يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر؛ تعظيماً له وإجلالا؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن يخبره عن كل أمر وخبر إلا بعد السؤال إياه؛ تعظيماً لهم وتوقيرا، فعلى ذلك أمر سليمان مع بلقيس.
أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك، ولم نشعر به.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ : إنما طلبه وتفقده؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس، فلما نظر إلى الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس، فعند ذلك قال: ﴿ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ﴾ .
وقالوا في قوله: ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أي: لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس، فذلك هو العذاب الشديد، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده سليمان مخافة الكذب والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ : قال بعضهم: غير طويل.
وجائز أن يكون: فمكث وقتا يأتي في مثله مَن كان غير بعيد؛ لأنه إنما يعبر به عن المكان لا عن الوقت في الظاهر.
فقال: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ ﴾ كأنه يريه المناصحة له والشفقة، يقول: أتيتك من العلم والخبر ما لم تأت أنت ولا أحد من - جنودك، فكيف تعذبني؟!
وفي حرف عبد الله: ﴿ فمكث غير بعيد ثم جاءه ﴾ .
قال أبو معاذ: مكَث: بنصب الكاف ورفعها مكُث لغتان.
وقوله: ﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ : قال بعضهم: حق لا شك فيه، أي: عند الهدهد، وأما عند سليمان فلا؛ ألا ترى أن سليمان قال له: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ ، وقف في خبره لينظر أصدق ما يقول أم كذب؟
وقال بعضهم: ﴿ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ أي: عجيب.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: سبأ: اسم رجل تنسب القرية إليه.
وقال بعضهم: اسم بلدة.
وقال أبو عوسجة: سبأ: أبو اليمن.
فمن جعلها اسم بلدة لم يجر، ومن جعلها اسم رجل جره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: وجدت امرأة تملكهم، أي: تملك أهل سبأ، ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ذكر القوم في آخر الآية؛ دل أن (الأهل) كان مضمرا فيه.
وقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: أوتيت من كل شيء كما يؤتى الملوك من الذكور من الأسباب والهيئة وغير ذلك.
وقال بعضهم: وأوتيت من كل شيء في بلادها.
﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: لها سرير حسن عظيم ضخم، كذا كذا ذراعاً طوله، وكذا كذا ذراعاً عرضه.
وجائز أن يكون العرش كناية عن الملك؛ كأنه قال: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: ملك عظيم.
وقوله: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : ﴿ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يعبدون الشمس من دون الله.
وجائز: يطيعون للشمس ويخضعون لها من دون الله.
وقوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ الخبيثة السيئة حتى رأوها حسنة ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : وهو سبيل الله؛ لأن السبيل المطلق هو سبيل الله وهو الإسلام، والكتاب المطلق كتاب الله.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ : فإن كان هذا القول من الهدهد؛ فتأويله: فصدّهم عن السبيل فهم غير مهتدين؛ لأنه لا يحتمل أن يعرف أنهم لا يهتدون في حادث الوقت.
وإن كان من الله فهو إخبار أنهم لا يهتدون أبدا، لما علم أنهم لا يهتدون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ ﴾ : اختلف في تلاوته بالتخفيف والتشديد: فمن قرأه بالتشديد: ﴿ أَلاَّ يَسْجُدُواْ ﴾ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على طرح (لا) كأنه يقول: فهم لا يهتدون أن يسجدوا، أي: هم لا يهتدون أن يسجدوا.
والثاني: صلة قوله: ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ لئلا يسجدوا.
ومن قرأ بالتخفيف فهو يخرج على الأمر، أي: ألا فاسجدوا لله.
وقال بعضهم: ألا - بالتخفيف -: هلا يسجدون لله؛ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ هلا يسجدوا لله ﴾ ، وهو حجة من قرأه بالتخفيف.
وفي حرف أبيّ: ﴿ ألا تسجدوا لله ﴾ ، بالتاء على المخاطبة إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .
وذكر في حرف حفصة: ﴿ ألا يسجدون ﴾ بالنون.
قال الكسائي: ومن شدد ﴿ أَلاَّ ﴾ فتأويله: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا على ما ذكرنا.
وأما التخفيف فهو على وجه الأمر، أي: اسجدوا و ﴿ أَلاَّ ﴾ صلة والياء صلة أيضاً.
ثم قال بعضهم: من قرأه بالتخفيف يلزمه السجود؛ لأنه أمر.
وأما من قرأه بالتشديد فلا يلزم.
لكن عندنا سواء يلزمه السجود بالتلاوتين جميعاً؛ لأنه لا يحتمل أن يلزم السجود فيما يأمر غيره بالسجود، ولا يلزم فيما يخبر عنهم أنهم لا يسجدون، بل لزوم السجود فيما يخبر أنهم لا يسجدون أولى؛ خلافاً لصنيعهم وإظهاراً للطاعة لله في ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ الخبء: ما يخبأ من الشيء ما كان.
قال بعضهم: خبأ في السماء المطر فيخرج، وفي الأرض النبات فيخرج ذلك النبت.
ويحتمل الخبء ما يخبئ بعضهم من بعض ويسر بعضهم بعضا، يخبر أنه يظهر ذلك ويعلمه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ على الوعيد؛ ليكونوا على حذر أبداً.
وفي حرف حفصة: ﴿ ألا يسجدون لله الذي له الغيب في السماوات والأرض ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - جواب قوله: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ ، يقول: رب العرش العظيم هو الله الذي لا إله إلا هو، لا هي، أعني: بلقيس.
وقوله: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ أي: ننظر أصدقت فيما أخبرت وأتيت من أمر بلقيس، أم كنت من الكاذبين في ذلك؟
وقف في خبره، ولم يصدقه ولم يكذبه إلى أن يظهر له الصدق أو الكذب؛ وهكذا الواجب على كل من أخبر بخبر أن يقف فيه إلى أن يظهر له الحق في ذلك، إذا كان الخبر ممن يحتمل الغلط والكذب.
ثم قال له: ﴿ ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ : لا يحتمل أن يكون سليمان أمر الهدهد بذهاب الكتاب إليها ويوليه تبليغ ذلك إليها، وهو أعظم من خبره الذي أخبره بذلك بعدما وقف في خبره قبل أن يتبين ويظهر له صدقه في خبره؛ فدل توليته إياه تبليغ الكتاب إليها أنه قد ظهر له صدقه فيما أخبره من أمر تلك المرأة، إما بوحي من الله إليه، أو انتهى إليه من الخبر ما قد علم بذلك علم يقين وإحاطة، فعند ذلك ولاه تبليغ الكتاب إليها حيث قال له: ﴿ ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألق الكتاب إليهم ثم تول، أي: استتر واختف عنهم، فانظر ماذا يقولون، وماذا يرددون فيما بينهم من الكلام والجواب؟
والثاني: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ألق الكتاب إليهم، فانظر ماذا يرجعون من الجواب؟
ثم تول عنهم، أي: أعرض عنهم؛ ففعل ما قال له سليمان من إلقاء الكتاب إليها، وإن لم يذكر في الآية.
<div class="verse-tafsir"
فقال لما تبين له غيابه: لأعذبنّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنّه عقابًا له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب.
<div class="verse-tafsir" id="91.vBZWD"