الآية ٦٧ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٦٧ من سورة القصص

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأما من تاب وآمن وعمل صالحا ) أي : في الدنيا ، ( فعسى أن يكون من المفلحين ) أي : يوم القيامة ، و " عسى " من الله موجبة ، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه لا محالة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) يقول تعالى ذكره: ( فَأَمَّا مَنْ تَابَ ) من المشركين, فأناب وراجع الحقّ, وأخلص لله الألوهة, وأفرد له العبادة, فلم يشرك في عبادته شيئا( وَآمَنَ ) يقول: وصدّق بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) يقول: وعمل بما أمره الله بعمله في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ( فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) يقول: فهو من المنجحين المدركين طَلِبتهم عند الله, الخالدين في جنانه, وعسى من الله واجب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأما من تاب أي من الشرك وآمن أي صدق وعمل صالحا أدى الفرائض وأكثر من النوافل فعسى أن يكون من المفلحين أي من الفائزين بالسعادة و ( عسى ) من الله واجبة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ } لما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم وعن رسلهم، ذكر الطريق الذي ينجو به العبد من عقاب اللّه تعالى، وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة من الشرك والمعاصي، وآمن باللّه فعبده، وآمن برسله فصدقهم، وعمل صالحا متبعا فيه للرسل، { فَعَسَى أَنْ يَكُونَ } من جمع هذه الخصال { مِنَ الْمُفْلِحِينَ } الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب، فلا سبيل إلى الفلاح بدون هذه الأمور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ) السعداء الناجين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأما من تاب» من الشرك «وآمن» صدق بتوحيد الله «وعمل صالحاً» أدى الفرائض «فعسى أن يكون من المفلحين» الناجين بوعد الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأما من تاب من المشركين، وأخلص لله العبادة، وعمل بما أمره الله به ورسوله، فهو من الفائزين في الدارين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين ، أتبع الحديث عن الكافرين ، بالحديث عن المؤمنين فقال : ( فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى ) هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة ( أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين ) أى من الفائزين بالمطلوب .قال ابن كثير : و ( عسى ) من الله - عز وجل - موجبة ، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة وزجراً عن الثبات على الكفر فقال: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صالحا فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين ﴾ وفي عسى وجوه: أحدها: أنه من الكرام تحقيق والله أكرم الأكرمين.

وثانيها: أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح.

وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا، واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ يعنون الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ﴾ والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة وصواباً فليس لأحد أن يعترض عليه وقوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ﴾ والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر والخيرة أيضاً اسم للمختار يقال محمد خيرة الله في خلقه إذا عرفت هذا فنقول في الآية وجهان: الأول: وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ ويكون ما نفياً، والمعنى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ﴾ ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل والثاني: أن يكون ما بمعنى الذي فيكون الوقف عند قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ ثم يقول: ﴿ ويختَار ما كان لهم الخيرة ﴾ ، قال أبو القاسم الأنصاري وهذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله، فإن قيل لما كلفه استوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم قطعاً إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله، ثم قال: ﴿ سبحان الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير غيره في النبوة، ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿ وَهُوَ الله لا إله إلاّ هُوَ ﴾ وفيه تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات، وعالماً بكل المعلومات، منزهاً عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين، ويحتمل أيضاً أن لما بين فساد طريق المشركين من قوله: ﴿ ويَوْم يُنَادِيهِمْ فيقول أَيْنَ شُرَكَائِىَ  ﴾ ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به.

أما قوله: ﴿ لَهُ الحمد فِي الأولى والأخرة ﴾ فهو ظاهر على قولنا لأن الثواب غير واجب عليه بل هو سبحانه يعطيه فضلاً وإحساناً فله الحمد في الأولى والآخرة، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن  ﴾ ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ  ﴾ ﴿ وآخر دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم، قال القاضي إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار أيضاً بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والإلطاف وسائر النعم، لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر، وهذا فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن بذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة؟

كلا، بل لابد أن يتوبوا وأن يشتغلوا بالشكر، ومتى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب.

أما قوله: ﴿ وَلَهُ الحكم ﴾ فهو إما في الدنيا أو في الآخرة فأما في الدنيا فحكم كل أحد سواه إنما نفذ بحكمه، فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده ولا على الزوجة حكم زوجها ولا على الابن حكم أبيه ولا على الرعية حكم سلطانهم ولا على الأمة حكم الرسول، فهو الحاكم في الحقيقة، وأما في الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم، لأنه الذي يتولى الحكم بين العباد في الآخرة، فينتصف للمظلومين من الظالمين.

أما قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فالمعنى وإلى محل حكمه وقضائه ترجعون، فإن كلمة إلى لانتهاء الغاية وهو تعالى منزه من المكان والجهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ ﴾ من المشركين من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح ﴿ فعسى أَن ﴾ يفلح عند الله، و (عسى) من الكرام تحقيق.

ويجوز أن يراد: ترجي التائب وطمعه، وكأنه قال: فليطمع أن يفلح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأمّا مَن تابَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ.

﴿ وَآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ .

وجَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿ فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ وعَسى تَحْقِيقٌ عَلى عادَةِ الكِرامِ، أوْ تَرَجٍّ مِنَ التّائِبِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعْ أنْ يُفْلِحَ.

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ لا مُوجَبَ عَلَيْهِ ولا مانِعَ لَهُ.

﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ أيِ التَّخَيُّرُ كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ، وظاهِرَةُ نَفْيِ الِاخْتِيارِ عَنْهم رَأْسًا والأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ اخْتِيارَ العِبادِ مَخْلُوقٌ بِاخْتِيارِ اللَّهِ مَنُوطٌ بِدَواعٍ لا اخْتِيارَ لَهم فِيها، وقِيلَ المُرادُ إنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ خَلا عَنِ العاطِفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .

وقِيلَ ﴿ ما ﴾ مَوْصُولَةُ مَفْعُولٍ لِـ ( يَخْتارُ ) والرّاجِعُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخِيَرَةَ أيِ الخَيْرِ والصَّلاحُ.

﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ.

﴿ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ مُشارِكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأما من تاب} من الشرك {وآمن} بربه وبما جاء من عنده

{وَعَمِلَ صالحا فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين} أي فعسى أن يفلح عند الله وعسى من الكرام تحقيق وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام وترغيب الكافرين على الإيمان ونزل جواباً لقول الوليد بن المغيرة لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يعني نفسه أو أبا مسعود

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأمّا مَن تابَ ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ أيْ جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿ فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ ﴾ أيِ الفائِزِينَ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ النّاجِينَ عَنِ المَهْرُوبِ و(عَسى لِلتَّحْقِيقِ عَلى عادَةِ الكِرامِ أوْ لِلتَّرَجِّي مِن قِبَلِ التّائِبِ المَذْكُورِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعْ أنْ يُفْلِحَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأمّا) قِيلَ لِتَفْصِيلِ المُجْمَلِ الواقِعِ في ذِهْنِ السّامِعِ مِن بَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ المُشْرِكِينَ، وهو أنَّ حالَ مَن تابَ مِنهم كَيْفَ يَكُونُ، والدَّلالَةَ عَلى تَرَتُّبِ الإخْبارِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ فالآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا  ﴾ والحَدِيثُ عَنِ الشُّرَكاءِ مُسْتَطْرَدٌ لِذِكْرِ الإحْضارِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بَلْ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ قالَ تَعالى شَأْنُهُ حَثًّا لَهم عَلى الإقْلاعِ: ﴿ فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذُكِرَ لِمَصِيرِهِمْ فَأمّا مَن تابَ فَكَلّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي: من الناجين الفائزين بالخير.

قوله عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ للرسالة من يشاء مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ يعني: ليس الخيار إليهم.

ويقال: هو ربك يخلق ما يشاء، ويختار لهم ما يشاء، مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي ما كان لهم طلب الخيار، والأفضل.

ويقال: ما كان لبعضهم على بعض فضل، والله تعالى هو الذي يختار.

وقال الزجاج: الوقف على قوله وَيَخْتارُ.

والمعنى: وربك يخلق ما يشاء، ويختار.

ثم قال: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله، ويكون ما للنفي.

قال: ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي، يعني: وربك يخلق ما يشاء، ويختار الذي لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته، ما لهم فيه الخيرة.

ويقال: ما كان لهم الخيرة.

يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل، وليس إليهم الاختيار، والمعنى: لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم.

ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيهاً لله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: ما تضمر وتسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من القول وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: في الدنيا والآخرة.

وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الجنة ويقال: له الألوهية في الدنيا والآخرة، وله الحكم، يعني نفاذ الحكم، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.

قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ يعني: ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق، فلو جعل عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائماً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ المواعظ، وتعتبرون بها.

قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: دائماً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يعني: تقرّون وتستريحون فيه أَفَلا تُبْصِرُونَ من يفعل ذلك بكم، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي ومن نعمته وفضله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: في الليل وجعل لكم النهار وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا من رزقه في النهار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون رب هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: أَنذَرَهُمْ بذلك اليوم ويقال: معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم يعني: يدعوهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها لي شريك وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها شَهِيداً بالرسالة والبلاغ فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني: أن عبادة الله هي الحق.

ويقال: علموا أن التوحيد لله.

ويقال: إن الحق ما دعا إليه الله، وأتاهم به الرسول وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: اشتغل عنهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون في الدنيا يعني: الأصنام.

ويقال: الشياطين.

ويقال: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج «١» وغيرُه إلى أن جَوابَ «لو» محذوفٌ.

تقديره: لمَا نَالَهُمْ العَذَابُ.

وقالَتْ فرقةٌ: لو: متعلِقةٌ بِمَا قَبْلَهَا، تقديرهُ: فَوَدُّوا حين رَأَوُا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون.

وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ هذا النداء أيضا للكفّار، وفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ: معناه أَظْلَمَتْ عليهم جهاتُها.

وقوله: فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ معناه، في قول مجاهد: لاَ يَتَساءلون بالأرحامِ «٢» ويحتملُ أنْ يرِيدَ أنهم لا يتساءلون عن الأنباء، ليقين جَميعهِم أنه لا حُجَّةَ لَهُمْ.

وقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ.

قال كثير من العلماءِ: «عسى» من الله واجبة.

قال ع «٣» : وهذا ظَنُّ حَسَنٌ باللهِ تعالى يُشْبِهُ كَرَمَه وفَضْلَه سبحَانه، واللازِمُ مِنْ «عسى» : أنها تَرْجِيَة لاَ وَاجِبَة، وفي كتاب الله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] .

ت: ومعنى الوجوب هنا: الوقوع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ هَذا عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ؛ والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِيَ في قَوْلِكُمْ؟!

﴿ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، وهم رُؤَساءُ الضَّلالَةِ، وَفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا ﴾ يَعْنُونَ الأتْباعَ ﴿ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ﴾ أيْ: أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تَبَرَّأْنا مِنهم إلَيْكَ؛ والمَعْنى أنَّهم يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ويَصِيرُونَ أعْداءً.

﴿ وَقِيلَ ﴾ لِكَفّارِ بَنِي آَدَمَ ﴿ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيْ: اسْتُغِيثُوا بِآَلِهَتِكم لِتُخَلِّصَكم مِنَ العَذابِ ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ أيْ: فَلَمْ يُجِيبُوهم إلى نَصْرِهِمْ ﴿ وَرَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: لَوْ [أنَّهُمْ] كانُوا يَهْتَدُونَ لَما اتَّبَعُوهم ولَما رَأوُا العَذابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ الكَفّارَ ويَسْألُهم ﴿ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴾ .

﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العَقِيلِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " فَعَمِيَتْ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ، وسُمِّيَتْ أنْباءٌ، لِأنَّها أخْبارٌ يُخْبَرُ بِها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: عَمُوا عَنْها- مِن شِدَّةِ الهَوْلِ- فَلَمْ يُجِيبُوا، و " الأنْباءُ " هاهُنا: الحُجَجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى سَكَتُوا فَلا يَتَساءَلُونَ في تِلْكَ السّاعَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ شَيْئًا مِن ذُنُوبِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

﴿ فَأمّا مَن تابَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَآمَنَ ﴾ أيْ: صَدَّقَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ أدّى الفَرائِضَ ﴿ فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ ﴾ و " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مَن المُفْلِحِينَ ﴾ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذا النِداءُ أيْضًا كالأوَّلِ في احْتِمالِهِ الواسِطَةَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا النِداءُ أيْضًا لِلْكُفّارِ يُوقِفُهم عَلى ما أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى اللهِ تَعالى.

﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ﴾ أيْ: أظْلَمَتِ الأُمُورُ، فَلَمْ يَجِدُوا خَبَرًا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا لَهم فِيهِ نَجاةٌ، وساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ تَعَيَّنَ، والماضِي مِنَ الأفْعالِ مُتَيَقَّنٌ، فَلِذَلِكَ تُوضَعُ صِيغَتُهُ بَدَلَ المُسْتَقْبَلِ المُتَيَقَّنِ فَيَقْوى وُقُوعُهُ وصِحَّتُهُ، ومَعْناهُ: أظْلَمَتْ جِهاتُها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «كانَ اللهُ في عَماءٍ» وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأنْوارَ وسائِرَ المَخْلُوقاتِ.

و"الأنْباءُ" جَمْعُ نَبَأٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ مَعْناهُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: بِالأرْحامِ والأنْسابِ الَّذِي عُرْفُهُ في الدُنْيا أنْ يُتَساءَلَ بِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أيْقَنُوا أنَّ كُلَّهم لا حِيلَةَ لَهم ولا مَكانَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم لا يَتَساءَلُونَ عَنِ الأنْباءِ لِتَيَقُّنِ جَمِيعِهِمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم.

ثُمُ انْتَزَعَ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ مَن تابَ مِن كُفِرِهِ، وآمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلَ بِالتَقْوى، ورَجّى عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يَفُوزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ ويَبْقَوْنَ في النَعِيمِ الدائِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللهِ تَعالى يُشْبِهُ فَضْلَهُ وكَرَمَهُ، واللازِمْ مِن "عَسى" أنَّها تَرَجِيَّةٌ لا واجِبَةٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: سَبَبُها ما تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرابِ أمْرِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ المَنازِعِ، ورَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَخْلُقُ مِن عِبادِهِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ، وأنَّهُ يَخْتارُ لِرِسالَتِهِ مَن يُرِيدُ ويَجْعَلُ فِيهِ المَصْلَحَةَ، ثُمْ نَفى أنْ يَكُونَ الِاخْتِيارُ لِلنّاسِ في هَذا ونَحْوِهِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: أنَّ "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَتَجِيءُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَخْتارُ اللهُ تَعالى الأدْيانَ والشَرائِعَ، ولَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ في أنْ يَمِيلُوا إلى الأصْنامِ ونَحْوِها في العِبادَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَيَخْتارُ ما كانَ ﴾ مُفَعْوِلَةٌ، قالَ: والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَخْتارُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأصْنامِهِمْ خِيارَها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الِاخْتِيارَ إنَّما هو لَهُ وحْدَهُ، يَخْلُقُ ويَخْتارُ مِنَ الرُسُلِ والشَرائِعِ ما كانَ خَيْرًا لِلنّاسِ، لا كَما يَخْتارُونَ هم ما لَيْسَ لَهُمْ، ويَفْعَلُونَ ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَذَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الرَفْعِ الَّذِي أجْمَعَ القُرّاءُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ بِأقْوالٍ لا تَتَحَصَّلُ، وقَدْ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ القاسِمَ بْنَ مَعْنٍ أنْشَدَهُ بَيْتَ عنتَرَةَ: أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ وقَرَنَ الآيَةَ بِهَذا البَيْتِ، والرِوايَةُ في البَيْتِ: (لَوْ أنَّ ذا)، ولَكِنْ عَلى ما رَواهُ القاسِمْ يَتَّجِهُ في بَيْتِ عنتَرَةَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الأمْرِ والشَأْنِ، فَأمّا في الآيَةِ فَلا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيها مَحْذُوفٌ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.

والوَقْفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ لا يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ.

ويَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعْوِلَةً إذا قَدَّرْنا "كانَ" تامَّةً، أيْ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللهِ تَعالى لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تخلل بين حال المشركين ذكر حال الفريق المقابل وهو فريق المؤمنين على طريقة الاعتراض لأن الأحوال تزداد تميزاً بذكر أضدادها، والفاء للتفريع على ما أفاده قوله ﴿ فعميت عليهم الأنباء ﴾ [القصص: 66] من أنهم حق عليهم العذاب.

ولما كانت (أما) تفيد التفصيل وهو التفكيك والفصل بين شيئين أو أشياء في حكم فهي مفيدة هنا أن غير المؤمنين خاسرون في الآخرة وذلك ما وقع الإيماء إليه بقوله ﴿ فهم لا يتساءلون ﴾ [القصص: 66] فإنه يكتفى بتفصيل أحد الشيئين عن ذكر مقابله ومنه قوله تعالى ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضلء ﴾ [النساء: 175] أي وأما الذين كفروا بالله فبضد ذلك.

والتوبة هنا: الإقلاع عن الشرك والندم على تقلده.

وعطف الإيمان عليها لأن المقصود حصول إقلاع عن عقائد الشرك وإحلال عقائد الإسلام محلها ولذلك عطف عليه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ لأن بعض أهل الشرك كانوا شاعرين بفساد دينهم وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض الزائلة التي فتنوا بها.

و (عسى) ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح.

و ﴿ أن يكون من المفلحين ﴾ أشد في إثبات الفلاح من: أن يفلح، كما تقدم غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الأخْبارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُسْألُونَ بِالأنْسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَحْتَمِلَ مِن ذُنُوبِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الرّابِعُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الحُجَّةِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي، يا ابن آدم ماذا عملت فيما عملت؟

يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فعميت عليهم الأنباء ﴾ قال: الحجج ﴿ يومئذ فهم لا يتساءلون ﴾ قال: بالأنساب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَأَمَّا مَنْ تَابَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: من الشرك ﴿ وَآمَنَ ﴾ صدق بتوحيد الله (١) ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ أدى الفرائض ﴿ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ من الناجين الفائزين الذين سعدوا.

قالوا جميعًا: و: (عسى)، من الله واجب (٢) (١) "تفسير مقاتل" 68 أ.

و"تفسير ابن جرير" 20/ 99، ولم ينسبه.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 3001، نحوه عن ابن عباس.

(٢) "تفسير مقاتل" 68 أ.

و"معاني القرآن" للفراء 2/ 309.

ولم ينسبه.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3001، عن ابن عباس.

و"تفسير ابن جرير" 20/ 99، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ﴾ أي هل صدقتم المرسلين أو كذبتموهم ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ ﴾ عميت عبارة عن حيرتهم، و ﴿ الأنبآء ﴾ الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن الأنباء لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا  فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.

ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه  لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.

﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.

قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.

ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.

وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.

ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه  لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.

وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.

ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.

وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها  ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون  ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.

قال: وإنما قال الله  ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.

وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد  قال: يا رب أرنيهم.

قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.

قال: بلى يا رب.

فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال  : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.

وروى سهل بن سعد أن رسول الله  قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .

قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.

وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.

قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.

والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.

والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.

والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.

والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.

قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.

قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.

وقال الكعبي: فيه دليل على أنه  يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله  .

وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.

ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.

ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال  : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.

والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه  جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.

وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله  في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .

وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.

وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد  فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.

ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟

فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.

من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.

وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.

وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.

وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.

وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.

قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.

وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.

وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.

ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.

وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.

وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله  خاصة بالمؤمن.

وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى  ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.

ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.

ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.

ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.

وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.

وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.

وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.

والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.

وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.

وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.

﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.

يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.

وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.

مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.

وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.

ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.

قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي  : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟

قال: فما تريد يا ابن أخي؟

قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.

قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.

وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله  ﴿ وهم ينهون وينأون عنه  ﴾ .

واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.

وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله  حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله  : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً  ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.

قلت: يحتمل أن يكون على أصله.

وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.

وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.

وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله  مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.

ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه  احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله  .

وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.

لإزالة شبهة المبطلين.

قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.

ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.

وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.

ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.

ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.

﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.

ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد  لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟

فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.

قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد  خاتم الأنبياء.

وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.

ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.

فبين  بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.

أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.

ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله  ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.

نظير الاية قوله  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .

قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم  ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.

وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .

لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.

وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.

ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.

وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.

وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.

قال الله  ﴿ لكنت من المحضرين  ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون  ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.

قيل: نزلت في النبي  وأبي جهل.

وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.

وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.

ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.

ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.

ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.

﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.

و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.

قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.

وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.

وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.

وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.

فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.

وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.

وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.

وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.

ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.

ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال  ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا  ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!

قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله  وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.

وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.

وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.

والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.

وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.

ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.

وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.

و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.

ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ فأجاب الله  عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.

وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.

وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".

وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.

فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.

ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟

قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.

ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.

ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.

و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن  ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.

قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.

والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.

قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.

وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.

ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.

ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.

ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.

وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني  ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ الذين في زعمكم أنهم شركائي، حيث أشركتموهم في العبادة وتسمية الألوهية، وإلا لم يكن لله شريك فيقول: أين هؤلاء الذين زعمتم أنهم شركائي.

ثم قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ إنما يقال لهم لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فيقول: أين شفاعة من زعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله، وأين قربتكم وزلفاكم بعبادتكم إياها حيث زعمتم أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى؟

أين ذلك لكم منهم؟

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ الذي قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ أي: وجب عليهم العذاب؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم  ﴾ أي: وجب العذاب عليهم؛ وكقوله: ﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ  ﴾ أي: وجب العذاب عليهم بما ظلموا ونحوه.

ثم اختلفوا في الذين حق عليهم القول.

فمنهم من يقول: هم رؤساء الكفرة وأئمتهم الذين أضلوا أتباعهم ودعوهم إلى الضلال.

ومنهم من يقول: هم شياطين الجن.

وللفريقين جميعاً في الكتاب ذكر: قال في أئمتهم: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ وأمثال هذا كثير.

وقال في شياطين الجن: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، ونحوه كثير أيضاً.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ : يقولون: ﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ يعتذرون: أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى الغواية؛ وهو كقول إبليس اللعين وخطبته يومئذ حيث قال: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22]؛ فعلى ذلك هؤلاء يقولون: لم يكن منا إليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة فاتبعونا؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم؛ حيث تركتم إجابة الرسل ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو كنا على الهدى لهديناكم، كقوله: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ : إنما يتبرءون أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدوهم.

ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية؛ لأنهم يقولون: إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حيث قالوا: ﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ ؛ دل أن الله لا يغوي أحدا.

فيقال لهم: إنا لا نضيف ولا نجيز إضافة الغواية إلى الله فيما يخرج مخرج الذم له، وإنما نضيف فيما يخرج مخرج المدح له والثناء عليه، ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حيث قال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي  ﴾ في غير موضع وقال: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، ونحوه كثير في القرآن، فما خرج مخرج المدح له والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم له فلا، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ يوم قال لإبليس: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ ، ثم قالت الشياطين في الآخرة: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ ﴾ يعنون: كفار بني آدم، هؤلاء الذين أضللناهم عن الهدى كما ضللنا تبرأنا إليك منهم يا رب ﴿ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ ، فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها، فقالوا: لم نأمرهم بعبادتنا، وقيل لكفار بني آدم: ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ يقول سلوا الآلهة التي سميتموها: آلهة أهم آلهة؟

﴿ فَدَعَوْهُمْ ﴾ أي: سألوهم، فلم تجبهم الآلهة بأنها آلهة.

وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ في الدنيا، أي: معي شركاء على ما ذكرنا من قبل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ يحتمل شركاءكم في الخلقة، أو شركاءكم في العبادة ادعوهم؛ ليشفعوا لكم ويقربوكم إلى الله على ما زعمتم في الدنيا، ﴿ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: لم يشفعوا لهم ولم يستجيبوا لهم؛ لما لم يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجباً كائناً في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ : تأويله، أي: لو رأوا العذاب في الدنيا لكانوا يهتدون، ولكن لم يروه؛ هذا وجه.

ووجه آخر: أنهم لم يصدقوا بالعذاب في الدنيا، ولو صدقوه لاهتدوا مخافة نزول العذاب بهم.

والثالث: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: إنما يسألون عن إجابتهم الرسل ماذا أجبتموهم؟

على علم منه أنهم ماذا أجابوا هم، ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ أي: الإجابة، فلا يتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك وفزعهم.

وقال بعضهم: إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقول لهم: لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ ، أي: الحجج والعذر، لما لم يكن لهم الحجة والعذر في تركهم إجابتهم.

﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ : قال بعضهم: لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا على ما ذكر في الكتاب.

وقال بعضهم: ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ بالحجة والبرهان؛ لما لا حجة لهم ولا برهان، أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حججهم وكلل ألسنتهم.

وقال بعضهم: لا يتساءلون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، والله أعلم بذلك.

ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه وقالوا: لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة، لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون: يا ربنا أجبنا ما نفذ من مشيئتك وإرادتك، وما مضى من قضائك وكتابتك علينا؛ إذ كنت أنت قضيت وكتبت علينا وشئت وأردت ما كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت وقضيت علينا.

إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب، وهذا تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم.

ثم يقال: لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم، فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمع حيث قالوا: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)، وبكتاب الله ما ذكر في غير آي من القرآن ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ...

﴾ الآية [يونس: 99]، وأمثاله مما لا يحصى من الآيات، فلئن كان لهم ذلك إنما يكون بما ذكرنا لا بقولنا.

وأصله: أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج؛ لأنهم وقت فعلهم لا يفعلون بأن الله شاء ذلك لهم أو قضى وكتب ذلك عليهم، وهم يودون ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم ويرضى، فإذا كانوا وقت فعلهم لا يفعلون لذلك، فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا عليه يفعلون لا لذلك؟!

لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر.

وأصل قولنا في هذا: أنا نقول: إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ويختار، وكذلك قضى وكتب على كل ما علم أنه يكون منه؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف ما علم أنه يكون؛ لأن فيه أحد وجهين: إما الجهل بالعواقب.

وإما العجز فيه.

وذانك عن الله منفيان،  الله عن ذلك علوّاً كبيرا.

وأصلهما: ما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: بيننا وبين القدرية حرفان: أحدهما: أنا نقول لهم: إن الله علم ما يكون أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا: بلى، فيقال لهم: وشاء أن يكون ما علم أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم يقولون: شاء أن يجهل، وذلك كفر، وإن قالوا: بلى شاء ذلك، لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ فَعَمِيَتْ ﴾ بالتخفيف، أي: خفيت، و ﴿ فَعَمِيَتْ ﴾ بالتشديد، أي: أخفيت.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ أي: فأما من تاب، أي: رجع عما كان فيه من الشرك والكفر، وآمن بالذي دعاهم الرسل وأجابهم، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه.

﴿ فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ ﴾ : يحتمل رجوع ﴿ فَعَسَىٰ ﴾ إلى ذلك الرجل الذي نعته، يقول: على رجاء القبول والفلاح يفعل ما يفعل من التوبة والعمل الصالح.

أو أن يقال ما قال أهل التأويل: إن ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجب، وهو ما ذكرنا أن كل استفهام كان من الله فهو على اللزوم والوجوب؛ فعلى ذلك حرف (عسى)، و(لعل)، وإن كان حرف شك في الظاهر، فهو من الله على الوجوب واليقين.

قال أبو معاذ: الفلاح في كلام العرب البقاء، ويقال: النجاة، وقد ذكرناه في غير موضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأما من تاب من هؤلاء المشركين من كفره وآمن بالله ورسله، وعمل عملًا صالحًا؛ فعسى أن يكون من الفائزين بما يطلبونه، الناجين مما يرهبونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.NPBDx"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده