الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٦٨ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٨ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار ، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) أي : ما يشاء ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ، ومرجعها إليه .
وقوله : ( ما كان لهم الخيرة ) نفي على أصح القولين ، كقوله تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) [ الأحزاب : 36 ] .
وقد اختار ابن جرير أن ) ما ) هاهنا بمعنى " الذي " ، تقديره : ويختار الذي لهم فيه خيرة .
وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح .
والصحيح أنها نافية ، كما نقله ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس وغيره أيضا ، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار ، وأنه لا نظير له في ذلك ; ولهذا قال : ( سبحان الله وتعالى عما يشركون ) أي : من الأصنام والأنداد ، التي لا تخلق ولا تختار شيئا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) يقول تعالى ذكره: ( وَرَبُّكَ ) يا محمد ( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أن يخلقه ( وَيَخْتَارُ ) لولايته الخيرة من خلْقه, ومن سبقت له منه السعادة.
وإنما قال جلّ ثناؤه: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) والمعنى: ما وصفت, لأن المشركين كانوا فيما ذكر عنهم يختارون أموالهم, فيجعلونها لآلهتهم, فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه, ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح من خلْقه, ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم, نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم, فكذلك اختياري لنفسي.
واجتبائي لولايتي, واصطفائي لخدمتي وطاعتي, خيار مملكتي وخلقي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) قال: كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية.
فإذا كان معنى ذلك كذلك, فلا شكّ أن " ما " من قوله: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) في موضع نصب, بوقوع يختار عليها, وأنها بمعنى الذي.
فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت, من أن " ما " اسم منصوب بوقوع قوله: ( يَخْتَارُ ) عليها, فأين خبر كان؟
فقد علمت ذلك كان كما قلت, أن في كان ذكرا من ما, ولا بد لكان إذا كان كذلك من تمام, وأين التمام؟
قيل: إن العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار بعدها، أحيانا, أخبارا, كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها، ذكر الفرَّاء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة: أمِــنْ سُـمَيَّةَ دَمْـعُ العَيْـنِ تَـذْرِيفُ لَـوْ كَـانَ ذَا مِنْـكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ (2) فرفع معروفا بحرف الصفة, وهو لا شك خبر لذا, وذُكر أن المفضل أنشده ذلك: لوْ أَنَّ ذَا مِنْكَ قبلَ اليوْمِ مَعْرُوفُ ومنه أيضا قول عمر بن أبي ربيعة: قُلْــــتُ أَجِــــيبِي عَاشِـــقًا بِحُـــــــبِّكُمْ مُكَـــــــلَّفُ فيهَــــا ثَــــلاث كـــالدُّمَى وكــــــاعِبٌ وَمُسْــــــلِفُ (3) فمكلَّف من نعت عاشق, وقد رفعه بحرف الصفة, وهو الباء, في أشباه لما ذكرنا بكثير من الشواهد, فكذلك قوله: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) رُفعت الخيرة بالصفة, وهي لهم, إن كانت خبرا لما, لما جاءت بعد الصفة, ووقعت الصفة موقع الخبر, فصار كقول القائل: كان عمر وأبوه قائم, لا شكّ أن قائما لو كان مكان الأب, وكان الأب هو المتأخر بعده, كان منصوبا, فكذلك وجه رفع الخيرة, وهو خبر لما.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون " ما " في هذا الموضع جحدا, ويكون معنى الكلام: وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه, ويختار ما يشاء أن يختاره, فيكون قوله: ( وَيَخْتَارُ ) نهاية الخبر عن الخلق والاختيار, ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بمعنى: لم تكن لهم الخيرة: أي لم يكن للخلق الخيرة, وإنما الخيرة لله وحده؟
قيل: هذا قول لا يخفي فساده على ذي حجا, من وجوه, لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قول, فكيف والتأويل عمن ذكرنا بخلافه; فأما أحد وجوه فساده, فهو أن قوله: ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) لو كان كما ظنه من ظنه, من أن " ما " بمعنى الجحد, على نحو التأويل الذي ذكرت, كان إنما جحد تعالى ذكره, أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نـزول هذه الآية, فأما فيما يستقبلونه فلهم الخيرة, لأن قول القائل: ما كان لك هذا, لا شكّ إنما هو خبر عن أنه لم يكن له ذلك فيما مضى.
وقد يجوز أن يكون له فيما يستقبل, وذلك من الكلام لا شكّ خلف.
لأن ما لم يكن للخلق من ذلك قديما, فليس ذلك لهم أبدا.
وبعد, لو أريد ذلك المعنى, لكان الكلام: فليس.
وقيل: وربك يخلق ما يشاء ويختار, ليس لهم الخيرة, ليكون نفيا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد.
والثاني: أن كتاب الله أبين البيان, وأوضح الكلام, ومحال أن يوجد فيه شيء غير مفهوم المعنى, وغير جائز في الكلام أن يقال ابتداء: ما كان لفلان الخيرة, ولما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك; فكذلك قوله: ( وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ولم يتقدم قبله من الله تعالى ذكره خبر عن أحد, أنه ادعى أنه كان له الخيرة, فيقال له: ما كان لك الخيرة, وإنما جرى قبله الخبر عما هو صائر إليه أمر من تاب من شركه, وآمن وعمل صالحا, وأتبع ذلك جلّ ثناؤه الخبر عن سبب إيمان من آمن وعمل صالحا منهم, وأن ذلك إنما هو لاختياره إياه للإيمان, وللسابق من علمه فيه اهتدى.
ويزيد ما قلنا من ذلك إبانة قوله: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ فأخبر أنه يعلم من عباده السرائر والظواهر, ويصطفى لنفسه ويختار لطاعته من قد علم منه السريرة الصالحة, والعلانية الرضية.
والثالث: أن معنى الخيرة في هذا الموضع: إنما هو الخيرة, وهو الشيء الذي يختار من البهائم والأنعام والرجال والنساء, يقال منه: أُعطي الخِيَرة والخَيْرة, مثل الطِّيرة والطّيْرة, وليس بالاختيار, وإذا كانت الخيرة ما وصفنا, فمعلوم أن من أجود الكلام أن يقال: وربك يخلق ما يشاء, ويختار ما يشاء, لم يكن لهم خير بهيمة أو خير طعام, أو خير رجل أو امرأة.
فإن قال: فهل يجوز أن تكون بمعنى المصدر؟
قيل: لا وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى الكلام: وربك يخلق ما يشاء ويختار كون الخيرة لهم.
إذا كان ذلك معناه, وجب ألا تكن الشرار لهم من البهائم والأنعام; إذا لم يكن لهم شرار ذلك وجب ألا يكون لها مالك, وذلك ما لا يخفى خطؤه, لأن لخيارها ولشرارها أربابا يملكونها بتمليك الله إياهم ذلك, وفي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلى معنى المصدر.
وقوله:سبحانه وتعالى: ( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول تعالى ذكره تنـزيها لله وتبرئة له, وعلوا عما أضاف إليه المشركون من الشرك, وما تخرّصوه من الكذب والباطل عليه.
وتأويل الكلام: سبحان الله وتعالى عن شركهم.
وقد كان بعض أهل العربية يوجهه إلى أنه بمعنى: وتعالى عن الذي يشركون به.
------------------------ الهوامش: (2) البيت من شعر عنترة بن عمرو بن شداد العبسي (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص 394) والرواية فيه رواية المفضل التي أشار إليها المؤلف: أَمِــنْ سُـهَيَّةَ دَمْـعُ الْعَيْـنِ تَـذْرِيفُ لَـوْ كَـانَ مِنـكِ قَبْـلَ الْيَومِ مَعْرُوفُ قال شارحه: سهية، وقيل سمية: امرأة أبيه.
روى صاحب الأغاني بسنده عن علي بن سليمان الأخفش الأصغر قال: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري، عن محمد بن حبيب، قال أبو سعيد: وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، قالا: كان عنترة قبل أن يدعيه أبوه، حرشت عليه امرأة أبيه.
وقالت إنه...
عن نفسي، فغضب من ذلك شداد (شداد أبوه في بعض الروايات) غضبًا شديدًا.
وضربه ضربًا مبرحًا، وضربه بالسيف، فوقعت عليه امرأة أبيه، وكفته عنه، فلما رأت ما به من الجراح بكت، وقوله "مذروف": من ذرفت عليه عينه تذرف ذريفًا، وذرفانًا: وهو قطر يكاد يتصل.
وقوله "لو أن ذا منك قبل اليوم معروف": أي قد أنكرت هذا الحنو والإشفاق منك؛ لأنه لو كان معروفًا قبل ذلك لم ينكره اه.
وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت.
أما على رواية المؤلف، وهي التي نقلها الفراء عن القاسم بن معن القاضي، فإنه جعل قوله "لو كان ذا منك قبل اليوم معروف" برفع معروف على أنه خبر بعد الصفة.
أي الجار والمجرور "منك"، التي هي خبر عن ذا، قال: "لأن العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار بعدها أخبارًا، كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها"...
ثم أنشد البيت وقال: "فرفع معروفًا بحرف الصفة وهو لا شك خبر لذا" اه.
قلت: وكأن مراده أن حرف الصفة موضوع موضع ضمير مبتدأ، ومعروف: خبره، وكأنه قال: لو كان ذا هو معروف أو نحو ذلك.
وفي هذا التعبير من التعسف ما فيه.
ولو قال إن "معروف" خبر عن مبتدأ محذوف تقديره: هو منك معروف، والجملة خبر كان، لكان أوضح تعبيرًا ولم أجد البيت ولا توجيه إعرابه في معاني القرآن للفراء.
(3) البيتان لعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي شاعر الغزل زمن بني أمية، كما قال المؤلف.
ومكلف: من الكلف بالشيء وهو الحب والولوع بالشيء، كلف بالشيء كلفًا فهو كلف ومكلف: لهج به.
وثلاث أي جوار أو نساء.
والدمى: جمع دمية، وهي التمثال من العاج أو الرخام أو نحوهما.
والكاعب: الفتاة التي تكعب ثديها وبرر والمسلف: قال في (اللسان: سلف): المسلف من النساء: النصف.
وقيل: هي التي بلغت خمسًا وأربعين ونحوها، وهو وصف خص به الإناث، قال عمر بن أبي ربيعة "فيها ثلاث..." إلخ البيت: ومحل الشاهد في البيت أن قوله: مكلف بالرفع على أنه خبر، لأنه وقع بعد حرف الجر الذي وضع موضع المبتدأ، كأنه قال: أجيبي عاشقًا هو مكلف.
وهو في معنى الشاهد الذي قبله من قول عنترة "لو كان ذا منك قبل اليوم معروف".
اه.
قوله تعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار هذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم للشفاعة ; أي الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء لا إلى المشركين وقيل : هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يعني نفسه زعم ، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف وقيل : هو جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به .
قاله ابن عباس : والمعنى ; وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته وقال يحيى بن سلام : والمعنى ; وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته .
وحكى النقاش أن المعنى : وربك يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، ويختار الأنصار لدينه .[ ص: 280 ] قلت : وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر إن الله تعالى اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمتي على سائر الأمم واختار لي من أمتي أربعة قرون وذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه في قوله عز وجل : وربك يخلق ما يشاء ويختار قال : من النعم الضأن ، ومن الطير الحمام .
والوقف التام : ( ويختار ) وقال علي بن سليمان : هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون ( ما ) في موضع نصب ب ( يختار ) لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء قال : وفي هذا رد على القدرية .
قال النحاس : التمام ( ويختار ) أي ويختار الرسل ما كان لهم الخيرة أي ليس يرسل من اختاروه هم .
قال أبو إسحاق : ( ويختار ) هذا الوقف التام المختار ويجوز أن تكون ( ما ) في موضع نصب ب ( يختار ) ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة .
قال القشيري : الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله : ( ويختار ) .
قال المهدوي : وهو أشبه بمذهب أهل السنة و ( ما ) من قوله : ما كان لهم الخيرة نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل .
الزمخشري : ما كان لهم الخيرة بيان لقوله : ( ويختار ) لأن معناه يختار ما يشاء ; ولهذا لم يدخل العاطف ، والمعنى : وإن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ; أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه .
وأجاز الزجاج وغيره أن تكون ( ما ) منصوبة ب ( يختار ) .وأنكر الطبري أن تكون ( ما ) نافية ، لئلا يكون المعنى : إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل ، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي .
قال المهدي : ولا يلزم ذلك ; لأن ( ما ) تنفي الحال والاستقبال ك ( ليس ) ولذلك عملت عملها ، ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما يسأل عنه ، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص .
وتقدير الآية عند الطبري : ويختار لولايته الخيرة من خلقه ، لأن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم ، فقال الله تبارك وتعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه ، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم ف ( ما ) على هذا لمن يعقل وهي بمعنى ( الذي ) و ( الخيرة ) رفع بالابتداء و ( لهم ) الخبر والجملة خبر ( كان ) .[ ص: 281 ] وشبهه بقوله : كان زيد أبوه منطلق ، وفيه ضعف ، إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم ( كان ) إلا أن يقدر فيه حذف فيجوز على بعد .
وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس قال الثعلبي : و ( ما ) نفي أي ليس لهم الاختيار على الله وهذا أصوب كقوله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم قال محمود الوراق :توكل على الرحمن في كل حاجة أردت فإن الله يقضي ويقدر إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبدهيصبه وما للعبد ما يتخير وقد يهلك الإنسان من وجه حذرهوينجو بحمد الله من حيث يحذروقال آخر :العبد ذو ضجر والرب ذو قدر والدهر ذو دول والرزق مقسوموالخير أجمع في ما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللوم والشومقال بعض العلماء : لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة : قل يا أيها الكافرون في الركعة الثانية قل هو الله أحد .
واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة الآية ، وفي الركعة الثانية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وكل حسن ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام ، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ، كما يعلمنا السورة في القرآن ; يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به .
قال : ويسمي حاجته .
وروت عائشة عن أبي بكر [ ص: 282 ] رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال : اللهم خر لي واختر لي وروى أنس أن النبي صلى الله عليه قال : يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق قلبك فإن الخير فيه قال العلماء : وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور ، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه ، فإن الخير فيه إن شاء الله .
وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين ; اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم .ثم نزه نفسه سبحانه فقال : ( سبحان الله ) أي تنزيها .
وتعالى أي تقدس وتمجد عما يشركون
هذه الآيات، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر [والأزمان] والأماكن، وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء، وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك، والظهير، والعوين، والولد، والصاحبة، ونحو ذلك، مما أشرك به المشركون.
قوله تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا : " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " ، يعني : الوليد بن المغيرة ، أو عروة بن مسعود الثقفي ، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم .
قوله - عز وجل - : ( ما كان لهم الخيرة ) قيل : " ما " للإثبات ، معناه : ويختار الله ما كان لهم الخيرة ، أي : يختار ما هو الأصلح والخير .
وقيل : هو للنفي أي : ليس إليهم الاختيار ، وليس لهم أن يختاروا على الله ، كما قال تعالى : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة " ( الأحزاب - 36 ) ، " والخيرة " : اسم من الاختيار يقام مقام المصدر ، وهي اسم للمختار أيضا كما يقال : محمد خيرة الله من خلقه .
ثم نزه نفسه فقال : ( سبحان الله وتعالى عما يشركون )
«وربك يخلق ما يشاء ويختار» ما يشاء «ما كان لهم» للمشركين «الخيرة» الاختيار في شيء «سبحان الله وتعالى عما يشركون» عن إشراكهم.
وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويصطفي لولايته مَن يشاء من خلقه، وليس لأحد من الأمر والاختيار شيء، وإنما ذلك لله وحده سبحانه، تعالى وتنزَّه عن شركهم.
ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه ، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ) .أى : وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته ، ولتبليغ دعوته .
( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) و ( مَا ) فى قوله - تعالى ( مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ) نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار ، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار .أى : وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده ، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده ، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا .وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك ، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته .قال القرطبى ما ملخصه : قوله ( مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ) أى : ليس يرسل من اختاروه هم .وقيل : يجوز أن تكون ( مَا ) فى موضع نصب بيختار ، ويكون المعنى ، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة .والصحيح الأول لإطباقهم الوقف على قوله ( وَيَخْتَارُ ) ، و ( مَا ) نفى عام لجميع الأشياء ، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل - .وقال الثعلبى : و ( مَا ) نفى ، أى ليس لهم الاختيار على الله .
وهذا أصوب ، كقوله - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ .
.
) وقوله - تعالى - : ( سُبْحَانَ الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء .أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين ، وضلال الضالين .
اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيباً في التوبة وزجراً عن الثبات على الكفر فقال: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صالحا فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين ﴾ وفي عسى وجوه: أحدها: أنه من الكرام تحقيق والله أكرم الأكرمين.
وثانيها: أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح.
وثالثها: عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا، واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ يعنون الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ﴾ والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة وصواباً فليس لأحد أن يعترض عليه وقوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ﴾ والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر والخيرة أيضاً اسم للمختار يقال محمد خيرة الله في خلقه إذا عرفت هذا فنقول في الآية وجهان: الأول: وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ ويكون ما نفياً، والمعنى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ﴾ ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل والثاني: أن يكون ما بمعنى الذي فيكون الوقف عند قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ ثم يقول: ﴿ ويختَار ما كان لهم الخيرة ﴾ ، قال أبو القاسم الأنصاري وهذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله، فإن قيل لما كلفه استوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم قطعاً إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله، ثم قال: ﴿ سبحان الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير غيره في النبوة، ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال: ﴿ وَهُوَ الله لا إله إلاّ هُوَ ﴾ وفيه تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات، وعالماً بكل المعلومات، منزهاً عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين، ويحتمل أيضاً أن لما بين فساد طريق المشركين من قوله: ﴿ ويَوْم يُنَادِيهِمْ فيقول أَيْنَ شُرَكَائِىَ ﴾ ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به.
أما قوله: ﴿ لَهُ الحمد فِي الأولى والأخرة ﴾ فهو ظاهر على قولنا لأن الثواب غير واجب عليه بل هو سبحانه يعطيه فضلاً وإحساناً فله الحمد في الأولى والآخرة، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ ﴿ وآخر دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم، قال القاضي إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار أيضاً بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والإلطاف وسائر النعم، لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر، وهذا فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن بذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة؟
كلا، بل لابد أن يتوبوا وأن يشتغلوا بالشكر، ومتى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب.
أما قوله: ﴿ وَلَهُ الحكم ﴾ فهو إما في الدنيا أو في الآخرة فأما في الدنيا فحكم كل أحد سواه إنما نفذ بحكمه، فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده ولا على الزوجة حكم زوجها ولا على الابن حكم أبيه ولا على الرعية حكم سلطانهم ولا على الأمة حكم الرسول، فهو الحاكم في الحقيقة، وأما في الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم، لأنه الذي يتولى الحكم بين العباد في الآخرة، فينتصف للمظلومين من الظالمين.
أما قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فالمعنى وإلى محل حكمه وقضائه ترجعون، فإن كلمة إلى لانتهاء الغاية وهو تعالى منزه من المكان والجهة.
<div class="verse-tafsir"
الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير: تستعمل بمعنى المصدر هو التخير، وبمعنى المتخير كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ﴾ بيان لقوله: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ لأنّ معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف.
والمعنى: أنّ الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قيل: السبب فيه قول الوليد بن المغيرة: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: 31] يعني: لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم.
وقيل: معناه ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أي: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم، من قولهم في الأمرين: ليس فيهما خيرة لمختار.
فإن قلت: فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة؟
قلت: أصل الكلام: ما كان لهم فيه الخيرة، فحذف (فيه) كما حذف، منه في قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الامور ﴾ [الشورى: 43] لأنه مفهوم ﴿ سبحان الله ﴾ أي الله بريء من إشراكهم ومايحملهم عليه من الجراءة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأمّا مَن تابَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ وَآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ .
وجَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿ فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ ﴾ عِنْدَ اللَّهِ وعَسى تَحْقِيقٌ عَلى عادَةِ الكِرامِ، أوْ تَرَجٍّ مِنَ التّائِبِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعْ أنْ يُفْلِحَ.
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ لا مُوجَبَ عَلَيْهِ ولا مانِعَ لَهُ.
﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ أيِ التَّخَيُّرُ كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ، وظاهِرَةُ نَفْيِ الِاخْتِيارِ عَنْهم رَأْسًا والأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ اخْتِيارَ العِبادِ مَخْلُوقٌ بِاخْتِيارِ اللَّهِ مَنُوطٌ بِدَواعٍ لا اخْتِيارَ لَهم فِيها، وقِيلَ المُرادُ إنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ خَلا عَنِ العاطِفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .
وقِيلَ ﴿ ما ﴾ مَوْصُولَةُ مَفْعُولٍ لِـ ( يَخْتارُ ) والرّاجِعُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخِيَرَةَ أيِ الخَيْرِ والصَّلاحُ.
﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ اخْتِيارٌ.
﴿ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ مُشارِكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} وفيه دلالة خلق الأفعال ويوقف على {وَيَخْتَارُ} أي وربك يخلق مايشاء وربك يختار ما يشاء {مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة} أي ليس له من يختاروا على الله شيئاً ما وله الخيرة عليهم ولم يدخل العاطف فيما كان لهم الخيرة لأنه بيان لقوله ويختار إذ المعنى أن الخيرة لله وهو أعلم بوجود الحكمة في أفعاله فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ومن وصل على معنى ويختار الذي لهم فيه الخيرة فقد أبعد بل ما لنفي إختيار الخلق تقديرا لاختيار الحق ومن قال ومعناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال والخيرة من التخير يستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى التخير كقولهم محمد خيرة الله من خلقه {سبحان الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي الله بريء من إشراكهم وهو منزه عن أن يكون لأحد عليه اختيار
﴿ ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ خَلْقَهُ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ ﴿ ويَخْتارُ ﴾ عَطْفٌ عَلى يَخْلُقُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ يَخْلُقُ ما يَشاؤُهُ بِاخْتِيارِهِ فَلا يَخْلُقُ شَيْئًا بِلا اخْتِيارٍ، وهَذا مِمّا لَمْ يُفْهَمْ مِمّا يَشاءُ فَلَيْسَ في الآيَةِ شائِبَةُ تَكْرارٍ، وقِيلَ في دَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِمّا نَقَلَهُ ورَدَّهُ الخَفاجِيُّ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَدْحِ في هَذا الوَجْهِ، وأراهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ولِي وجْهٌ في الآيَةِ سَأذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما ﴿ كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ أيِ التَّخَيُّرُ كالطِّيَرَةِ بِمَعْنى التَّطَيُّرِ وهُما والِاخْتِيارُ بِمَعْنى، وظاهِرُ الآيَةِ نَفْيُ الِاخْتِيارِ عَنِ العَبْدِ رَأْسًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ، ومَن أثْبَتَ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا قالَ: إنَّهُ لِكَوْنِهِ بِالدَّواعِي الَّتِي لَوْ لَمْ يَخْلُقْها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لَمْ يَكُنْ كانَ في حَيِّزِ العَدَمِ، وهَذا مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ عَلى ما حَقَّقَهُ العَلّامَةُ الدَّوانِيُّ قالَ: الَّذِي أثْبَتَهُ الأشْعَرِيُّ هو تَعَلُّقُ قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ الَّذِي هو سَبَبٌ عادِيٌّ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ فِيهِ، وإذا فَتَّشْنا عَنْ مَبادِئِ الفِعْلِ وجَدْنا الإرادَةَ مُنْبَعِثَةً عَنْ شَوْقٍ لَهُ وتَصَوُّرِ أنَّهُ مُلائِمٌ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ، وحَقَّقَ العَلّامَةُ الكُورانِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ المُؤَلَّفَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ لَهُ اخْتِيارًا لَكِنَّهُ مَجْبُورٌ بِاخْتِيارِهِ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ هو مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ دُونَ ما شاعَ مِن أنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ أصْلًا بَلْ هي كاليَدِ الشَّلّاءِ ونَفْيُ الِاخْتِيارِ عَنْهُ عَلى هَذا نَحْوُهُ عَلى ما مَرَّ فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ مَجْبُورًا بِهِ كانَ وُجُودُهُ كالعَدَمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ أفادَتْ نَفْيَ مِلْكِهِمْ لِلِاخْتِيارِ ويُصَدِّقُ عَلى المَجْبُورِ بِاخْتِيارِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِلِاخْتِيارِ إذْ لا يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَشاءُ تَصَرُّفَ المالِكِ في مِلْكِهِ، وقِيلَ: المُرادُ لا يَلِيقُ ولا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلَيْهِ تَعالى أيْ لا يَنْبَغِي لَهُمُ التَّحَكُّمُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولُوا لِمَ لَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى كَذا.
ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أوْ حِينَ قالَ اليَهُودُ لَوْ كانَ الرَّسُولُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَآمَنّا بِهِ عَلى ما قِيلَ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُفَسِّرَةٌ لَهُ إذْ مَعْنى ذَلِكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما يَشاءُ أنْ يَخْتارَهُ لا ما يَخْتارُهُ العِبادُ عَلَيْهِ ولِذا خَلَتْ عَنِ العاطِفِ وهي عَلى ما تَقَدَّمَ مُسْتَأْنِفَةٌ في جَوابِ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ فَما حالُ العِبادِ أوْ هَلْ لَهُمُ اخْتِيارٌ أوْ نَحْوُهُ؟
فَقِيلَ: إنَّهم لَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى هَذا المَعْنى في النَّظْمِ الجَلِيلِ وفِيهِ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، وكَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ ما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ، والقَوْلُ الثّانِي فِيهِ يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لَهم لِلْيَهُودِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ مَفْعُولُ يَخْتارُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والوَقْفُ عَلى يَشاءُ لا نافِيَةٌ، والوَقْفُ عَلى يَخْتارُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ والنَّحّاسُ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ أيْ ويَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ، واخْتِيارُهُ تَعالى ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والكَرَمِ عِنْدَنا وبِطْرِيقِ الوُجُوبِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وإلى مَوْصُولِيَّةُ ما وكَوْنُها مَفْعُولَ يَخْتارُ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلّا أنَّهُ قالَ في بَيانِ المَعْنى عَلَيْهِ: أيْ ويَخْتارُ مِنَ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ ما كانَ خِيَرَةً لِلنّاسِ، وأنْكَرُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً لِئَلّا يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الخِيَرَةُ فِيما مَضى وهي لَهم فِيما يُسْتَقْبَلُ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَعْنى ما ذَهَبَ إلَيْهِ، واعْتَرَضَ بِأنَّ اللُّغَةَ لا تُساعِدُهُ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيها أنَّ الخِيرَةَ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ لا بِمَعْنى الخَيْرِ وبِأنَّهُ لا يُناسِبُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ، وكَذا لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ، وضَعَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ العائِدِ ولا يَخْفى أنْ حَذَفَهُ كَثِيرٌ.
وأُجِيبُ عَمّا اعْتَرَضَ بِهِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَعُونَةِ المَقامِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ أوْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ، وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ لُزُومِ كَوْنِ المَعْنى ما ذَكَرَهُ لَوْ أبْقى الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ما مَفْعُولَ يَخْتارُ إذا قَدَّرْنا كانَ تامَّةً أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا اهـ.
يَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمَ أنَّ المُرادَ خِيَرَةُ اللَّهِ تَعالى لَهم أيِ اخْتِيارُهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ.
ولِلْفاضِلِ سَعْدِيِّ جَلْبِيٍّ نَحْوُ هَذا إلّا أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ إنَّهُ في مَعْنى ألْهُمُ الخِيَرَةُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وذَكَرَ أنَّ هَذا المَعْنى يُناسِبُهُ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ إمّا تَعْجِيبٌ عَنْ إثْباتِ الِاخْتِيارِ لِغَيْرِهِ تَعالى أوْ تَنْزِيهٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُ ما قالاهُ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ مِن وُجُوهٍ، ويَظْهَرُ لِي في الآيَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِنَ الأوْجُهِ، وهو أنْ يَكُونَ يَخْتارُ مَعْطُوفًا عَلى يَخْلُقُ والوَقْفُ عَلَيْهِ تامٌّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وهو مِنَ الِاخْتِيارِ بِمَعْنى الِانْتِقاءِ والِاصْطِفاءِ وكَذا الخِيَرَةُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ بِهَذا المَعْنى والفِعْلُ مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ ويَخْتارُ ما يَشاءُ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في كُلٍّ مِن جانِبَيِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وجُمْلَةُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها حَيْثُ تَكَفَّلَ الحَصْرُ بِإفادَةِ النَّفْيِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَجْهِيلِ المُشْرِكِينَ في اخْتِيارِهِمْ ما أشْرَكُوهُ واصْطِفائِهِمْ إيّاهُ لِلْعِبادَةِ والشَّفاعَةِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ ﴿ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ ولِلتَّعْبِيرِ- بِما - وجْهٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى ورَبُّكَ لا غَيْرُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ خَلْقَهُ وهو سُبْحانُهُ دُونَ غَيْرِهِ يَنْتَقِي ويَصْطَفِي ما يَشاءُ انْتِقاءَهُ واصْطِفاءَهُ فَيَصْطَفِي مِمّا يَخْلُقُهُ شُفَعاءَ ويَخْتارُهم لِلشَّفاعَةِ ويُمَيِّزُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلى بَعْضٍ ويُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ بِما شاءَ ما كانَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أنْ يَنْتَقُوا ويَصْطَفُوا ما شاءُوا ويُمَيِّزُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى عَلى بَعْضٍ ويَجْعَلُوهُ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ الكامِلَةَ وعَدَمَ كَوْنِ فاعِلِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أصْلًا وأنّى لَهم ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهم إلّا اتِّباعُ اصْطِفاءِ اللَّهِ تَعالى وهو جَلَّ وعَلا لَمْ يَصْطَفِ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ اصْطَفَوْهم لِلْعِبادَةِ والشَّفاعَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اصْطَفَوْهم عَلَيْهِ فَما هم إلّا جُهّالٌ ضَلالٌ صَدُّوا عَمّا يَلْزُمُهم وتَصَدَّوْا لِما لَيْسَ لَهم بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ شِئْتَ فَنَزِّلِ الفِعْلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ وقُلِ المَعْنى ورَبُّكَ لا غَيْرُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ خَلْقَهُ وهو سُبْحانُهُ لا غَيْرُهُ يَفْعَلُ الِاخْتِيارَ والِاصْطِفاءَ فَيَصْطَفِي بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِكَذا وبَعْضًا آخَرَ لِكَذا ويُمَيِّزُ بَعْضًا مِنها عَلى بَعْضٍ ويَجْعَلُهُ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ تَعالى عَلَيْهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ حَكِيمٌ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهو جَلَّ وعَلا أعْظَمُ مِن أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ وأجَلُّ، ويَدْخُلُ في الغَيْرِ المَنفِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَيَصْطَفُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِلشَّفاعَةِ ويَخْتارُوهم لِلْعِبادَةِ ويَجْعَلُوهم شُرَكاءَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَدْخُلُ في الِاخْتِيارِ المَنفِيِّ عَنْهم ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فَإنَّ فِيهِ انْتِقاءَ غَيْرِهِ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أوْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ وتَمْيِيزَهُ بِأهْلِيَّةِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ عَلَيْهِ فَإنْ صَحَّ ما قِيلَ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُ القَوْلُ المَذْكُورُ كانَ فِيها رَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أيْضًا إلّا أنَّها لِتَضَمُّنِها تَجْهِيلَهم بِاخْتِيارِهِمُ الشُّرَكاءَ واصْطِفائِهِمْ إيّاهم آلِهَةً وشُفَعاءَ كَتَضَمُّنِها الرَّدَّ المَذْكُورَ جِيءَ بِها هُنا مُتَعَلِّقَةً بِذِكْرِ الشُّرَكاءِ وتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّها لَمّا تَضَمَّنَتْ تَجْهِيلَهم فِيما لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِهِ تَعالى كاتِّخاذِ الشُّرَكاءِ لَهُ سُبْحانَهُ وفِيما لَهُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِخاتَمِ رُسُلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَمْيِيزِهِمْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأهْلِيَّةِ الإرْسالِ إلَيْهِ وتَنْزِيلِ القُرْآنِ عَلَيْهِ جِيءَ بِها بَعْدَ ذِكْرِ سُؤالِ المُشْرِكِينَ عَنْ إشْراكِهِمْ وسُؤالِهِمْ عَنْ جَوابِهِمْ لِلْمُرْسَلِينَ النّاهِينَ لَهم عَنْهُ الَّذِينَ عَيْنُ أعْيانِهم وقَلْبُ صَدْرِ دِيوانِهِمْ رَسُولُهُ الخاتَمُ لَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَها تَعَلُّقٌ بِكِلا الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ تَعَلُّقَها بِالأمْرِ الأوَّلِ أظْهَرُ وأتَمُّ وخاتِمَتُها تَقْتَضِيهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأحْكَمَ.
ورُبَّما يُقالُ أيْضًا: إنَّ لَها تَعَلُّقًا بِجَمِيعِ ما قَبْلَها، أمّا تَعَلُّقُها بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَكَما سَمِعْتَ، وأمّا تَعَلُّقُها بِذِكْرِ حالِ التّائِبِ فَمِن حَيْثُ إنَّ انْتِظامَهُ في سِلْكِ المُفْلِحِينَ يَسْتَدْعِي اخْتِيارَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ واصْطِفاءَهُ لَهُ وتَمْيِيزَهُ عَلى مَن عَداهُ، ولِذا جِيءَ بِها بَعْدَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وذِكْرِ انْحِصارِ الخَلْقِ فِيهِ تَعالى وتَقْدِيمِهِ عَلى انْحِصارِ الِاخْتِيارِ والِاصْطِفاءِ مَعَ أنَّ مَبْنى التَّجْهِيلِ والرَّدِّ إنَّما هو الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى أنَّ انْحِصارَ الِاخْتِيارِ مِن تَوابِعِ انْحِصارِ الخَلْقِ، وفي ذِكْرِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ خَلْقَهُ عَزَّ وجَلَّ ما شاءَ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ وإضافَةَ الرَّبِّ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي في غايَةِ الحُسْنِ إنْ صَحَّ ما تَقَدَّمَ عَنِ الوَلِيدِ سَبَبًا لِلنُّزُولِ، ويَخْطِرُ في البابِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ في الآيَةِ فَتَأمَّلْ فَإنِّي لا أقُولُ ما أبْدَيْتُهُ هو المُخْتارُ كَيْفَ ورَبُّكَ جَلَّ شَأْنُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ أيْ تَنَزَّهَ تَعالى بِذاتِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ مِن أنْ يُنازِعَهُ أحَدٌ أوْ يُزاحِمَ اخْتِيارَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَنْ مُشارَكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ كَذا قِيلَ، وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ ﴾ تَعْجِيبًا مِن إشْراكِهِمْ مَن يَضُرُّهم بِمَن يُرِيدُ لَهم كُلَّ خَيْرٍ تَبارَكَ وتَعالى وهو عَلى احْتِمالِ كَوْنِ ما فِيما تَقَدَّمَ مَوْصُولَةً مَفْعُولُ يَخْتارُ، والمَعْنى ويَخْتارُ ما كانَ لَهم فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْجِيبًا أيْضًا مِنِ اخْتِيارِهِمْ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوهم لِلشَّفاعَةِ وإقْدامِهِمْ عَلى ما لَمْ يَكُنْ لَهم وذَلِكَ بِناءً عَلى ما ظَهَرَ لَنا وظاهِرُ كَلامٍ كَثِيرٍ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بابِ الإعْمالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ مِن سُبْحانَ وتَعالى طالِبًا عَمّا يُشْرِكُونَ والأفْيَدُ عَلى ما قِيلَ أنْ لا تَكُونَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي: من الناجين الفائزين بالخير.
قوله عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ للرسالة من يشاء مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ يعني: ليس الخيار إليهم.
ويقال: هو ربك يخلق ما يشاء، ويختار لهم ما يشاء، مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي ما كان لهم طلب الخيار، والأفضل.
ويقال: ما كان لبعضهم على بعض فضل، والله تعالى هو الذي يختار.
وقال الزجاج: الوقف على قوله وَيَخْتارُ.
والمعنى: وربك يخلق ما يشاء، ويختار.
ثم قال: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله، ويكون ما للنفي.
قال: ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي، يعني: وربك يخلق ما يشاء، ويختار الذي لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته، ما لهم فيه الخيرة.
ويقال: ما كان لهم الخيرة.
يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل، وليس إليهم الاختيار، والمعنى: لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم.
ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيهاً لله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: ما تضمر وتسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من القول وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الجنة ويقال: له الألوهية في الدنيا والآخرة، وله الحكم، يعني نفاذ الحكم، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ يعني: ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق، فلو جعل عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائماً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ المواعظ، وتعتبرون بها.
قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: دائماً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يعني: تقرّون وتستريحون فيه أَفَلا تُبْصِرُونَ من يفعل ذلك بكم، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي ومن نعمته وفضله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: في الليل وجعل لكم النهار وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا من رزقه في النهار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون رب هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: أَنذَرَهُمْ بذلك اليوم ويقال: معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم يعني: يدعوهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها لي شريك وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها شَهِيداً بالرسالة والبلاغ فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني: أن عبادة الله هي الحق.
ويقال: علموا أن التوحيد لله.
ويقال: إن الحق ما دعا إليه الله، وأتاهم به الرسول وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: اشتغل عنهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون في الدنيا يعني: الأصنام.
ويقال: الشياطين.
ويقال: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج «١» وغيرُه إلى أن جَوابَ «لو» محذوفٌ.
تقديره: لمَا نَالَهُمْ العَذَابُ.
وقالَتْ فرقةٌ: لو: متعلِقةٌ بِمَا قَبْلَهَا، تقديرهُ: فَوَدُّوا حين رَأَوُا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون.
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ هذا النداء أيضا للكفّار، وفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ: معناه أَظْلَمَتْ عليهم جهاتُها.
وقوله: فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ معناه، في قول مجاهد: لاَ يَتَساءلون بالأرحامِ «٢» ويحتملُ أنْ يرِيدَ أنهم لا يتساءلون عن الأنباء، ليقين جَميعهِم أنه لا حُجَّةَ لَهُمْ.
وقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ.
قال كثير من العلماءِ: «عسى» من الله واجبة.
قال ع «٣» : وهذا ظَنُّ حَسَنٌ باللهِ تعالى يُشْبِهُ كَرَمَه وفَضْلَه سبحَانه، واللازِمُ مِنْ «عسى» : أنها تَرْجِيَة لاَ وَاجِبَة، وفي كتاب الله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] .
ت: ومعنى الوجوب هنا: الوقوع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ قالَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِآَلِهَتِهِمْ خَيْرَ أمْوالِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْن المُغِيرَةِ حِينَ قالَ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا تُبْعَثُ الرُّسُلُ بِاخْتِيارِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: والوَقْفُ الجَيِّدُ عَلى قَوْلِهِ: ويَخْتارُ وتَكُونُ " ما " نَفْيًا؛ والمَعْنى: لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ؛ ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ " ما " بِمَعْنى " الَّذِي "، فَيَكُونُ المَعْنى: ويَخْتارُ الَّذِي لَهم فِيهِ الخِيَرَةُ مِمّا يَتَعَبَّدُهم بِهِ ويَدْعُوهم إلَيْهِ؛ قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِما تَخْتارُهُ: أعْطِنِي الخِيرَةَ والخِيَرَةَ والخَيْرَةَ، قالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّها لُغاتٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِي مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ﴾ \[أيْ\]: يَحْمَدُهُ أوْلِياؤُهُ في الدُّنْيا ويَحْمَدُونَهُ في الجَنَّةِ ﴿ وَلَهُ الحُكْمُ ﴾ وهو الفَصْلُ بَيْنَ الخَلائِقِ والسَّرْمَدُ: الدّائِمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مَن المُفْلِحِينَ ﴾ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذا النِداءُ أيْضًا كالأوَّلِ في احْتِمالِهِ الواسِطَةَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا النِداءُ أيْضًا لِلْكُفّارِ يُوقِفُهم عَلى ما أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى اللهِ تَعالى.
﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ﴾ أيْ: أظْلَمَتِ الأُمُورُ، فَلَمْ يَجِدُوا خَبَرًا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا لَهم فِيهِ نَجاةٌ، وساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ تَعَيَّنَ، والماضِي مِنَ الأفْعالِ مُتَيَقَّنٌ، فَلِذَلِكَ تُوضَعُ صِيغَتُهُ بَدَلَ المُسْتَقْبَلِ المُتَيَقَّنِ فَيَقْوى وُقُوعُهُ وصِحَّتُهُ، ومَعْناهُ: أظْلَمَتْ جِهاتُها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «كانَ اللهُ في عَماءٍ» وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأنْوارَ وسائِرَ المَخْلُوقاتِ.
و"الأنْباءُ" جَمْعُ نَبَأٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ مَعْناهُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: بِالأرْحامِ والأنْسابِ الَّذِي عُرْفُهُ في الدُنْيا أنْ يُتَساءَلَ بِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أيْقَنُوا أنَّ كُلَّهم لا حِيلَةَ لَهم ولا مَكانَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم لا يَتَساءَلُونَ عَنِ الأنْباءِ لِتَيَقُّنِ جَمِيعِهِمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم.
ثُمُ انْتَزَعَ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ مَن تابَ مِن كُفِرِهِ، وآمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلَ بِالتَقْوى، ورَجّى عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يَفُوزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ ويَبْقَوْنَ في النَعِيمِ الدائِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللهِ تَعالى يُشْبِهُ فَضْلَهُ وكَرَمَهُ، واللازِمْ مِن "عَسى" أنَّها تَرَجِيَّةٌ لا واجِبَةٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: سَبَبُها ما تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرابِ أمْرِ النَبِيِّ ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ المَنازِعِ، ورَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَخْلُقُ مِن عِبادِهِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ، وأنَّهُ يَخْتارُ لِرِسالَتِهِ مَن يُرِيدُ ويَجْعَلُ فِيهِ المَصْلَحَةَ، ثُمْ نَفى أنْ يَكُونَ الِاخْتِيارُ لِلنّاسِ في هَذا ونَحْوِهِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: أنَّ "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَتَجِيءُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَخْتارُ اللهُ تَعالى الأدْيانَ والشَرائِعَ، ولَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ في أنْ يَمِيلُوا إلى الأصْنامِ ونَحْوِها في العِبادَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَيَخْتارُ ما كانَ ﴾ مُفَعْوِلَةٌ، قالَ: والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَخْتارُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأصْنامِهِمْ خِيارَها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الِاخْتِيارَ إنَّما هو لَهُ وحْدَهُ، يَخْلُقُ ويَخْتارُ مِنَ الرُسُلِ والشَرائِعِ ما كانَ خَيْرًا لِلنّاسِ، لا كَما يَخْتارُونَ هم ما لَيْسَ لَهُمْ، ويَفْعَلُونَ ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَذَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الرَفْعِ الَّذِي أجْمَعَ القُرّاءُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ بِأقْوالٍ لا تَتَحَصَّلُ، وقَدْ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ القاسِمَ بْنَ مَعْنٍ أنْشَدَهُ بَيْتَ عنتَرَةَ: أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ وقَرَنَ الآيَةَ بِهَذا البَيْتِ، والرِوايَةُ في البَيْتِ: (لَوْ أنَّ ذا)، ولَكِنْ عَلى ما رَواهُ القاسِمْ يَتَّجِهُ في بَيْتِ عنتَرَةَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الأمْرِ والشَأْنِ، فَأمّا في الآيَةِ فَلا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيها مَحْذُوفٌ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.
والوَقْفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ لا يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ.
ويَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعْوِلَةً إذا قَدَّرْنا "كانَ" تامَّةً، أيْ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللهِ تَعالى لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة سبحان ﴾ هذا من تمام الاعتراض وهي جملة ﴿ فأما من تاب وءامن وعمل صالحاً ﴾ [القصص: 67] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء، وأنه الذي اختار فريقاً على فريق.
وفي «أسباب النزول» للواحدي «قال أهل التفسير نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه ﴿ وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] اه.
يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف.
وهما المراد بالقريتين.
وتبعه الزمخشري وابن عطية.
فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله ﴿ ماذا أجبتم المرسلين ﴾ [القصص: 65]، فإن قولهم ﴿ لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى: أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وهذا في معنى قوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124]، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم؛ والوجهان لا يتزاحمان.
والمقصود من الكلام هو قوله ﴿ ويختار ﴾ فذكر ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته.
وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم.
وجوز أن يكون ﴿ ما ﴾ من قوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ موصولة مفعولاً لفعل ﴿ يختار ﴾ وأن عائد الموصول مجرور ب (في) محذوفين.
والتقدير: ويختار ما لهم فيه الخير، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم لا ما يشتهونه من رجالهم.
وجملة ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي.
وصيغة ﴿ ما كان ﴾ تدل على نفي للكون يفيد أشد مما يفيد لو قيل: ما لهم الخيرة، كما تقدم في قوله تعالى ﴿ وما كان ربك نسيَّاً ﴾ في سورة مريم (64).
والابتداء بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ﴾ تمهيد للمقصود وهو قوله ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار.
و ﴿ الخيرة ﴾ بكسر الخاء وفتح التحتية: اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة اسم لمصدر التطير.
قال ابن الأثير: ولا نظير لهما.
وفي «اللسان» ما يوهم أن نظيرهما: سبي طيبة، إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد.
ويحتمل أنه أراد التنظير في الزنة لا في المعنى، لأنها زنة نادرة.
واللام في ﴿ لهم ﴾ للملك، أي ما كانوا يملكون اختياراً في المخلوقات حتى يقولوا ﴿ لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31].
ونفي الملك عنهم مقابل لقوله ﴿ ما يشاء ﴾ لأن ﴿ ما يشاء ﴾ يفيد معنى ملك الاختيار.
وفي ذكر الله تعالى بعنوان كونه رباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه اختاره لأنه ربه وخالقه فهو قد علم استعداده لقبول رسالته.
﴿ لَهُمُ الخيرة سبحان الله وتعالى ﴾ .
استئناف ابتدائي لإنشاء تنزيه الله وعلوه على طريقة الثناء عليه بتنزهه عن كل نقص وهي معترضة بين المتعاطفين.
و ﴿ سبحان ﴾ مصدر نائب مناب فعله كما تقدم في قوله ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ في سورة البقرة (32).
وأضيف ﴿ سبحان ﴾ إلى اسمه العلم دون أن يقال: وسبحانه، بعد أن قال ﴿ وربك يعلم ﴾ [القصص: 69] لأن اسم الجلالة مختص به تعالى وهو مستحق للتنزيه بذاته لأن استحقاق جميع المحامد مما تضمنه اسم الجلالة في أصل معناه قبل نقله إلى العلمية.
والمجرور يتنازعه كلا الفعلين.
ووجه تقييد التنزيه والترفيع ب (ما يشركون) أنه لم يجترئ أحد أن يصف الله تعالى بما لا يليق به ويستحيل عليه إلا أهل الشرك بزعمهم أن ما نسبوه إلى الله إنما هو كمال مثل اتخاذ الولد أو هو مما أنبأهم الله به، و ﴿ إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ [الأعراف: 28].
وزعموا أن الآلهة شفعاؤهم عند الله.
وقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
وأما ما عدا ذلك فهم معترفون بالكمال لله، قال تعالى ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [لقمان: 25].
و ﴿ ما ﴾ مصدرية أي سبحانه وتعالى عن إشراكهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْمًا كانُوا يَجْعَلُونَ خَيْرَ أمْوالِهِمْ لِأهْلِيهِمْ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِن خَلْقِهِ ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ مَن يَشاءُ لِطاعَتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ مَن يَشاءُ لِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ الأنْصارَ لِدِينِهِ حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ويَخْتارُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما كانَ لَهم فِيهِ الخِيرَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ إثْباتًا.
الثّانِي: مَعْناهُ ما كانَ لِلْخَلْقِ عَلى اللَّهِ الخِيرَةُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَفْيًا.
وَمَن قالَ بِهَذا فَلَهم في المَقْصُودِ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِذَلِكَ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ ما ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ حِينَ قالَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ ﴾ الآيَةَ [الزُّخْرُفِ: ٣١] يَعْنِي نَفْسَهُ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ فَقالَ اللَّهُ: ﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ أنْ يَتَخَيَّرُوا عَلى اللَّهِ الأنْبِياءَ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن أبي حاتم عن أرطاة قال: ذكرت لأبي عون الحمصي شيئاً من قول القدر فقال: ما تقرأون كتاب الله تعالى ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ ؟.
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن.
يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، وأرضني به.
ويسمى حاجته باسمها» .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ قال المفسرون: نزلت هذه الآية جوابًا للمشركين حين قالوا: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ ﴾ الآية، [الزخرف: 31] ومعناه: ويختار ما يشاء لنبوته ورسالته (١) ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ أي: الاختيار.
أي: ليس لهم أن يختاروا على الله -عز وجل- (٢) قال ابني قتيبة: أي: لا يرسل الله الرسل على اختيارهم (٣) و ﴿ الْخِيَرَةُ ﴾ اسم من [الاختيار، يقام مقام المصدر، والخيرة: اسم للمختار] (٤) (٥) ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ ذكر ذلك نافع، ويعقوب، وأحمد بن موسى، وأبو حاتم، وعلي بن سليمان، ونصير، وغيرهم (٦) وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر؛ فقال: ويجوز أن تكون: (مَا) في معنى: [الذي، فيكون المعنى:] (٧) (٨) والقدرية ربما تتعلق بالوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق؛ فيقولون: إن الله تعالى يريد بنا، ويختار لنا ما فيه الخيرة لنا، ويحتجون بالآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن حمل الآية على هذا الوجه إبطال لقول جميع المفسرين والقراء (٩) (١٠) وأما القراء فكلهم وقفوا على قوله: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ ولو كان الأمر على ما يذهبون إليه لم يصح الوقف على: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ وأيضًا فإن الكناية في قوله: ﴿ لَهُمُ ﴾ عن المشركين، يقول: ما كان للمشركين أن يختاروا على الله، فكيف يصح ما ذهبوا إليه.
وقال أبو جعفر النحوي: لو صح ما قالوه لكان وجه الكلام نصب ﴿ الْخِيَرَةُ ﴾ على خبر كان (١١) قال مقاتل: ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (١٢) ﴿ لَهُمُ ﴾ عن المشركين خاصة.
ثم أخبر -عز وجل- بنفوذ علمه فيما خفي وظهر، فقال: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 150 ب، قال: هذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .
و"غريب القرآن" لابن قتيبة 334، وأخرج ابن جرير 20/ 100 وابن أبي حاتم 9/ 3001، في هذه الآية عن ابن عباس: كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية.
(٢) "تفسير مقاتل" 68 أ.
(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة 334.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).
(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 309.
ولم أجد قول الليث في كتاب "العين"، وإنما ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 7/ 548 (خار)، وقول: يقال: محمد خيرة الله من خلقه.
ذكره الأزهري عن ابن السكيت.
(٦) "القطع والائتناف" للنحاس 2/ 514، بنصه.
وذكره في "إعراب القرآن" 3/ 241، عن علي بن سليمان.
وذكر الداني أن كلا الوقفين تام، "المكتفى في الوقف والابتداء" 439.
واختار ذلك الثعلبي 8/ 150 ب.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: أ، (ب).
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 151، نقل النحاس عن علي بن سليمان: ولا يجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ في موضع نصب بـ ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ ؛ لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء.
"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 241، و"القطع والائتناف" 2/ 515.
وأما ابن جرير 20/ 100، فقد جعل ﴿ مَا ﴾ في موضع نصب، بمعنى: الذي، وصحح هذا القول ونصره، ورد على من قال بالقول الأول؛ وهو أن ﴿ مَا ﴾ نافية.
وخالفه في ذلك ابن كثير 3/ 397، وقال عن القول الذي اختاره ابن جرير: وقد احتج بهذا المسلك طائفة من المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، ثم قال: والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير، والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً.
(٩) وقد ذكر أن في هذا ردًا على القدرية، علي بن سليمان.
"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 241.
أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3002، عن أبي عون الحمصي، أنه إذا ذكر له شيء من قول أهل القدر، قال: أما يقرءون كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
(١٠) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" 339، بقوله: قال أهل التفسير: نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله تعالى عنه: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
(١١) "القطع والائتناف" 2/ 515.
(١٢) "تفسير مقاتل" 68 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾ قيل: سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ولفظها أعم من ذلك، والأحسن حمله على عمومه: أي يختار ما يشاء من الأمور على الاطلاق، ويفعل ما يريد ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ﴾ ما نافية، والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار، والإرادة لله وحده.
فالوقف على قوله ويختار، وقيل: إن ما مفعولة بيختار، ومعنى الخيرة على هذا الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة، وذلك ضعيف؛ لرفع الخيرة على أنها اسم كان، ولو كانت ما مفعولة: لكان اسم كان مضمراً يعود على ما؛ وكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان، وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ما مفعولة بأن يقال: تقدير الكلام: يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدرنا كان تامة، ويوقف على قوله ما كان: أي يختار كل كائن، ويكون ﴿ لهم الخيرة ﴾ جملة مستأنفة، وهذا بعيد جداً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.
ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.
﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.
قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.
وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.
ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.
وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.
وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.
قال: وإنما قال الله ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.
وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال: يا رب أرنيهم.
قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.
قال: بلى يا رب.
فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.
وروى سهل بن سعد أن رسول الله قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .
قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.
وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.
والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.
والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.
قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.
وقال الكعبي: فيه دليل على أنه يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله .
وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.
ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.
ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.
والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.
وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .
وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.
وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.
ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟
فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.
من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.
وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.
وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.
وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.
وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.
قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.
وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.
وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.
ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.
وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.
وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله خاصة بالمؤمن.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.
ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.
ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.
ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.
وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.
وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.
وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.
والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.
وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.
وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.
يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.
مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.
وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.
ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.
قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟
قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.
قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.
وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله ﴿ وهم ينهون وينأون عنه ﴾ .
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.
قلت: يحتمل أن يكون على أصله.
وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.
وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.
وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.
ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله .
وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.
لإزالة شبهة المبطلين.
قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.
ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.
وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.
ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.
﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟
فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.
قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد خاتم الأنبياء.
وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.
ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.
فبين بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.
أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.
ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.
نظير الاية قوله "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .
قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.
وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .
لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.
وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.
ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.
وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.
وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.
قال الله ﴿ لكنت من المحضرين ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.
قيل: نزلت في النبي وأبي جهل.
وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.
ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.
ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.
و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.
قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.
وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.
وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.
فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.
وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.
وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!
قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.
وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.
وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.
والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.
وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.
ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.
وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.
و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.
ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ فأجاب الله عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.
وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.
وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".
وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.
فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.
ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟
قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.
ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.
و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.
قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.
قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.
وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.
ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.
ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.
وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: وربك يختار للرسالة من يشاء ويجتبيه لها، فيجعلهم رسلا.
﴿ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ : يقول: لم يكن لهم أن يختاروا هم، ولكن الله يختار ويصطفي من يشاء ردّاً لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ...
﴾ الآية [الزخرف: 31]، إلى هذا ذهب بعضهم.
وجائز أن يكون هذا في كل أمر، أي: وربك يختار ما يشاء ويأمر، وما كان لهم الخيرة من أمره أي: التخلص والنجاة من أمره؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ أي: أمر الله ورسوله أمراً، ﴿ أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ .
والقضاء هاهنا أمر، لكنه يحتمل وجهين: أحدهما: على الوقف على قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾ ، والابتداء من قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ من أمرهم، فإن كان على هذا فيكون (ما) هاهنا (ما) جحد، أي: لم يكن لهم الخيرة من أمرهم.
والثاني: على الصلة: ليس على الحجاج، فيكون تأويله: وربك يخلق ما يشاء ويختار الذي لهم الخيرة أن يكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، ثم يقول ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ الذي لهم ﴿ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ .
قال أبو معاذ: قرئ ﴿ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ بجزم الياء وبتحريكها ﴿ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾ على المعتزلة من وجهين: أحدهما: ما أجمعوا عليه أن الله قد شاء جميع ما يفعله العباد من الخيرات والطاعات، فإذا شاء ذلك دل أنه خلقها لهم، أخبر أنه يخلق ما يشاء وقد شاء الخيرات؛ فدلّ ذلك على خلق أفعال العباد.
لكنهم يقولون: قوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إذا خلقه؛ وكذلك يقولون في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : إن خلقه أو كلام نحو هذا.
فلئن جاز لهم هذا من الزيادة جاز لكل أحد مثله، فذلك بعيد.
وعلى قولهم أكثر الأشياء ليست بمخلوقة لله، وهو على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأن أفعال الخلق لا شك أنها أكثر من أنفسهم، فأخبر أنه على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وأن هذا منه خرج مخرج الامتداح له والثناء له بما له من السلطان والقدرة على الخلق كلهم، فلو كان على ما يقوله المعتزلة لم يكن هذا مدحاً له ولا ثناء بالسلطان والقدرة؛ إذ هو على قولهم على أكثر الأشياء ليس بقادر على ما ذكرنا.
ثم نزه نفسه وبرأها عما قالوا فيه وأشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته وفي عبادته فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم والتنبيه؛ ليكونوا على حذر فيما يسرون وما يعلنون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ .
قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ كقوله: ﴿ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ ، وقد ذكرنا أن قوله: ﴿ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ من أمرهم أنه يخرج على وجهين: أحدهما: له الاختيار في أمرهم؛ لا لهم الاختيار في أمرهم، ولا يملكون هم ما يختار لهم دفعه.
والثاني: هو يختار لهم الخيرة في أمرهم؛ لأنه هو العالم بمصالح أمورهم وما يرجع إلى الأوفق والأنفع وهم لا يعرفون ذلك، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ في الدنيا والآخرة لأن أنفس الخلائق له دونهم، فله الحكم في أمورهم وأفعالهم؛ كما له الحكم في أحوالهم؛ لأنه لا يلحقه الخطأ في حكمه؛ إذ هو عالم بذاته، ولا تلحقه التهمة أيضاً في دفع مضرة أو جر نفع؛ لأنه غني بذاته فله الحكم في الدارين جميعاً، والله الموفق.
وقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ : هذا يخرج على وجوه: أحدها: ما قاله أهل التأويل: إن أولياءه يحمدونه في الدنيا والآخرة في الجنة حيث قالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...
﴾ الآية [فاطر: 34] يقولونه إذا دخلوا الجنة.
والثاني: وقال بعضهم: ﴿ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ يقول: في السماوات والأرض، وتصديقه قول الله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ .
والثالث: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ : وهو أن جعل الدنيا مشتركة بين الأعداء والأولياء في نعيمها غير مفترقة ولا مختلفة، وأما الآخرة فقد فرق فيها بين الأولياء والأعداء؛ جعل للأولياء النعمة الدائمة وللأعداء العذاب الدائم، فله الحمد على ذلك.
والرابع: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ لما جعل الدنيا دار محنة والآخرة دار الجزاء لم يجعلها دار المحنة.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ أي: له الحمد من الخلق في كل حال وكل وقت؛ كقوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أنهم يحمدونه في بدء كل أمر وختمه، أو أن يكون له الحمد.
<div class="verse-tafsir"
وربك -أيها الرسول- يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويصطفي من يشاء لطاعته ونبوته، ليس للمشركين الاختيار حتى يعترضوا على الله، تنزه سبحانه وتقدس عما يعبدون معه من الشركاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.KE9Wg"