الآية ٢٠ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٢٠ من سورة العنكبوت

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) أي : يوم القيامة ، ( إن الله على كل شيء قدير ) .

وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) [ فصلت : 53 ] ، وكقوله تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 35 ، 36 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: ( سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ ) الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداء، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاؤها معيدا( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) يقول: ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) خلق السموات والأرض ( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) : أى البعث بعد الموت.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) قال: هي الحياة بعد الموت، وهو النشور.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد إفنائه كهيئته قبل فنائه، وعلى غير ذلك مما يشاء فعله قادر لا يعجزه شيء أراده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل سيروا في الأرض أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم ، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم ; لتعلموا بذلك كمال قدرة الله .

ثم الله ينشئ النشأة الآخرة وقرأ أبو عمرو وابن كثير : ( النشاءة ) بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفة والرآفة وشبهه .

الجوهري : أنشأه الله : خلقه والاسم النشأة والنشاءة بالمد عن أبي عمرو بن العلاء .

إن الله على كل شيء قدير

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } لهم، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء: { سِيرُوا فِي الْأَرْضِ } بأبدانكم وقلوبكم { فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } فإنكم ستجدون أمما من الآدميين والحيوانات، لا تزال توجد شيئا فشيئا، وتجدون النبات والأشجار، كيف تحدث وقتا بعد وقت، وتجدون السحاب والرياح ونحوها، مستمرة في تجددها، بل الخلق دائما في بدء وإعادة، فانظر إليهم وقت موتتهم الصغرى -النوم- وقد هجم عليهم الليل بظلامه، فسكنت منهم الحركات، وانقطعت منهم الأصوات، وصاروا في فرشهم ومأواهم كالميتين، ثم إنهم لم يزالوا على ذلك طول ليلهم، حتى انفلق الإصباح، فانتبهوا من رقدتهم، وبعثوا من موتتهم، قائلين: \" الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور \" ولهذا قال: { ثُمَّ اللَّهُ } بعد الإعادة { يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ } وهي النشأة التي لا تقبل موتا ولا نوما، وإنما هو الخلود والدوام في إحدى الدارين.

{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى لا يعجزها شيء وكما قدر بها على ابتداء الخلق، فقدرته على الإعادة من باب أولى وأحرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم ) .

( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) أي : ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت ، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءا لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا .

قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : ) ( النشأة ) بفتح الشين ممدودة حيث وقعت ، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها : الرأفة والرآفة .

( إن الله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» لمن كان قبلكم وأماتهم «ثم الله ينشئ النَّشأةَ الآخرة» مداً وقصراً مع سكون الشين «إن الله على كل شيءٍ قدير» ومنه البدء والإعادة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لمنكري البعث بعد الممات: سيروا في الأرض، فانظروا كيف أنشأ الله الخلق، ولم يتعذر عليه إنشاؤه مبتدَأً؟

فكذلك لا يتعذر عليه إعادة إنشائه النشأة الآخرة.

إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء أراده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر فى أحوال هذا الكون ، لعل هذا التأمل يديهم إلى الحق فقال : ( قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث : سيحوا فى الأرض ، وتتبعوا أحوال الخلق ، وتأملوا كيف خلقهم الله - تعالى - ابتداء على أطوار مختلفة ، وطبائع متمايزة .

وأحوال شتى .

.

ثم قل لهم بعد كل ذلك ، الله الذى خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة المتكاثرة ، هو وحده الذى ( يُنشِىءُ النشأة الآخرة ) أى : هو وحده الذى ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم إلى الحاية مرة أخرى ، بعد أن أوجهم فى المرة الأولى .فجملة ( ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة ) معطوفة على قوله : ( سِيرُواْ ) وداخلة معها فى حيز القول .والكيفية في هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى ، وصور متعددة .

.وفى الآية السابقة وهى قوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ) باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها .والمقصود بالأمر بالسير : التدبر والتأمل والاعتبار ، لأن من شأن التنقل فى جنبات الأرض ، أنه يوقظ الحس ، ويبعث على التفكير ، ويفتح العين والقلب على المشاهدة الجديدة التى لم تألفها العين ، ولم يتأملها القلب قبل ذلك .وجاء الأمير بالسير عاما ، لأن كل إنسان - فى كل زمان ومكان - يأخذ وجوه اعلبرة والعظة - عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله ، وثقافته ، وبيئته ، وفكره ، ومستواه المادى ، والاجتماعى ، والحضارى .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تعليل لما قبله .

أى : هو - سبحانه - قادر على النشأة الأولى ، وعلى النشأة الآخرة ، لأن قدرته لا يعجزنها شئ ولا يحول دون نفاذها حائل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي وهو الحاصل من غير طلب فقال: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ ﴾ على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه، وقال في هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكري، وهذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئاً من غير تعليم وإقامة برهان له، وبعضهم لا يفهم إلا بإبانة وبعضهم لا يفهمه أصلاً فقال: إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض، أي سيروا فكركم في الأرض وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية وفي هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه؟

نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين، والرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية، يقال نظرت فرأيت والمفضي إلى الشيء دون ذلك الشيء، فقال في الأول أما حصلت لكم الرؤية فانظروا في الأرض لتحصل لكم الرؤية.

المسألة الثانية: ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفي الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل، وإن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكرياً فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق، وأما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به.

المسألة الثالثة: أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: ﴿ كَيْفَ يُبْدِئ الله ﴾ وأضمره عند الإعادة وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ﴿ ثُمَّ الله يُنشِئ ﴾ لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البدء فقال: ﴿ كَيْفَ يُبْدِئ الله ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ كما يقول القائل ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً ولا يحتاج إلى إظهار اسم زيد اكتفاء بالأول، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسنداً إلى الله فاكتفى به ولم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد، اسمع مني كيف خرج، ولا يظهر اسم زيد، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً حيث قال: ﴿ ثُمَّ الله يُنشِئ ﴾ مع أنه كان يكفي أن يقول: ثم ينشيء النشأة الآخرة، فلحكمة بالغة وهي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسماً من يفهم المسمى به بصفات كماله ونعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال الله مظهراً مبرزاً ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته، فإن قيل فلم لم يقل ثم الله يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة؟

نقول لوجهين: أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: ﴿ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق ﴾ ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق وأما هاهنا فلم يكن مذكوراً عند البدء فأظهره وثانيهما: أن الدليل هاهنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وفي الآية الأولى أشار إلى الدليل النفسي الحاصل لهذا الإنسان من نفسه، وفي الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق بقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ﴾ وعندهما تم الدليلان، فأكده بإظهار اسمه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني، فلم يقل ثم الله يعيده.

المسألة الرابعة: في الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ ﴾ وهاهنا قال بلفظ الماضي فقال: ﴿ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ ﴾ ولم يقل كيف يبدأ، فنقول الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم الحدسي وهو في كل حال يوجب العلم ببدء الخلق، فقال إن كان ليس لكم علم بأن الله في كل حال يبدأ خلقاً فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ خلقاً، ويحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشيء كما بدأ ذلك.

المسألة الخامسة: قال في هذه الآية ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وقال في الآية الأولى ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ وفيه فائدتان إحداهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي، وهو وإن كان موجبه العلم الحدسي التام ولكن عند انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام، لأنه بالنظر في نفسه علم نفسه وحاجته إلى الله ووجوده منه، وبالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه ووجوده منه، فتم علمه بأن كل شيء من الله فقال عند تمام ذكر الدليلين ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وقال عند الدليل الواحد ﴿ إِنَّ ذلك ﴾ وهو إعادته ﴿ عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ الثانية: هي أنا بينا أن العلم الأول أتم وإن كان الثاني أعم وكون الأمر يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل أن القائل يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه، فإذا سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه يسير، فنقول قال الله تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور، ونفس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الارض ﴾ ؟

قلت: هي حكاية كلام حكاه إبراهيم عليه السلام لقومه، كما يحكي رسولنا صلى الله عليه وسلم كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن فإن قلت: فإذا كانت خطاباً لقريش فما وجه توسطهما بين طرفي قصة إبراهيم والجملة؟

أو الجمل الاعتراضية لابد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه؟

ألا تراك لا تقول: مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟

قلت: إيراد قصة إبراهيم ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له ومتفرجا بأنّ أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوّا بنحو مامني به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: وإن تكذبوا، على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمداً فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها؛ لأن قوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ ﴾ لابد من تناوله لأمّه إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض واقع متصل، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها، لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه قرئ: ﴿ يَرَوْاْ ﴾ بالياء والتاء.

ويبدئ ويبدأ.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ليس بمعطوف على يبدئ، وليست الرؤية واقعة عليه، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت، كما وقع النظر في قوله تعالى: ﴿ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله ينشئ النشأة الأخرة ﴾ على البدء دون الإنشاء، ونحوه قولك: ما زلت أوثر فلاناً وأستخلفه على من أخلفه، فإن قلت: هو معطوف بحرف العطف، فلا بد له من معطوف عليه، فما هو؟

قلت: هو جملة قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق ﴾ وكذلك: وأستخلفه، معطوف على جملة قوله: ما زلت أوثر فلاناً ذلك يرجع إلى ما يرجع إليه هو في قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم: 27] من معنى يعيد.

دل بقوله ﴿ النشأة الاخرة ﴾ على أنهما نشأتان، وأن كل واحدة منهما إنشاء، أي: ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخر إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك.

وقرئ ﴿ النشأة ﴾ و ﴿ النشاءة ﴾ كالرأفة والرآفة، فإن قلت: ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله: ﴿ ثُمَّ الله ينشئ النشأة الأخرة ﴾ بعد إضماره في قوله: كيف بدأ الخلق؟

وكان القياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة؟

قلت: الكلام معهم كان واقعاً في الإعادة، وفيها كانت تصطك الركب، فلما قرّرهم في الإبداء بأنه من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء، فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ تعذيبه ﴿ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ﴾ رحمته، ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن وهو من يستوجبهما من الكافر والفاسق إذا لم يتوبا، ومن المعصوم والتائب ﴿ تُقْلَبُونَ ﴾ تردون وترجعون ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه ﴿ فِى الارض ﴾ الفسيحة ﴿ وَلاَ فِي السماء ﴾ التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها، كقوله تعالى: ﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ [الرحمن: 33] ، وقيل: ولا من في السماء كما قال حسان رضي الله عنه: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُم ** وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ ويحتمل أن يراد: لا تعجزونه كيفما هبطتم في مهاوي الأرض وأعماقها، أو علوتم في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78] أو لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجري عليكم، فيصيبكم ببلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ حِكايَةُ كَلامِ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ أوْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ﴾ عَلى اخْتِلافِ الأجْناسِ والأحْوالِ.

﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ﴾ بَعْدَ النَّشْأةِ الأُولى الَّتِي هي الإبْداءُ، فَإنَّهُ والإعادَةُ نَشْأتانِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا اخْتِراعٌ وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ، والإفْصاحُ بِاسْمِ اللَّهِ مَعَ إيقاعِهِ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ إضْمارِهِ في ( بَدَأ ) والقِياسُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الإعادَةِ، وأنَّ مَن عُرِفَ بِالقُدْرَةِ عَلى الإبْداءِ يَنْبَغِي أنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ لِأنَّها أهْوَنُ والكَلامُ في العَطْفِ ما مَرَّ، وقُرِئَ «النَّشاءَةُ» كالرَّآفَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لِأنَّ قُدْرَتَهُ لِذاتِهِ ونِسْبَةَ ذاتِهِ إلى كُلِّ المُمْكِناتِ عَلى سَواءٍ فَيَقْدِرُ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى كَما قَدَرَ عَلى النَّشْأةِ الأُولى.

﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ تَعْذِيبَهُ.

﴿ وَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ ﴾ رَحْمَتَهُ.

﴿ وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ تُرَدُّونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ} يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن قل {سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق} على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله لمشاهدة وبدأ وأبدأ بمعنى {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} أي البعث وبالمد حيث كان مكي وأبو عمرو وهذا

دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود غير أن الآخرة لأن الكلام معهم وقع في الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشيء النشأة الآخرة فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ {إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} قادر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا ﴾ إلَخْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ فِيها هُمُ المُخاطَبُونَ أوَّلًا، يَعْنِي إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً فالأمْرُ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ لا يُناسِبُ لِمَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ، والقَوْلُ بِأنَّ الأوَّلَ دَلِيلٌ أنْفُسِيٌّ، والثّانِي آفاقِيٌّ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مِن وُجُوهٍ اهـ فَتَدَبَّرْ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ والأبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ في نَظْمِ الآياتِ ما نَقَلْناهُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.

وقَرَأ الزُّبَيْرِيُّ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ كَيْفَ يَبْدَأُ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ بَدَأ الثُّلاثِيِّ مَعَ إبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا كَما ذَكَرَهُ الهَمْدانِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ لا عَلى يُبْدِئُ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَهي واقِعَةٌ عَلى الإبْداءِ دُونَ الإعادَةِ فَلَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وكَذا إذا كانَتْ عِلْمِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِما عَلِمُوهُ مِن أحْوالِ المَبْدَأِ عَلى المَعادِ لِإثْباتِهِ فَلَوْ كانَ مَعْلُومًا لَهم كانَ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ.

وجُوِّزَ العَطْفُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلِ الإعادَةِ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ما أنْشَأهُ سُبْحانَهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ووُقُوعِهِ عَلى ما قِيلَ مِن غَيْرِ رَيْبٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَلْقَ هُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإعادَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ إذْ لا يَحْتاجُ فِعْلُهُ تَعالى إلى شَيْءِ خارِجٍ عَنْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وكَذا جَعَلَهُ مَن جَعَلَ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ﴾ اعْتِراضًا جَعَلَ هَذا أمْرًا لِنَبِيِّنا  أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ.

وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ نَظْمُ الآياتِ السّابِقَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ ويُجْعَلَ هَذا أمْرًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهم فَإنَّهم مِثْلُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ والإنْكارِ لَهُ، وما في حَيِّزِ هَذا القَوْلِ مُتَضَمِّنٌ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ، وعَدَمُ اتِّحادِهِ مَعَ ما سَبَقَ لا يَضُرُّ.

وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِما أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى وجْهِهِ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ، والسَّيْرُ كَما قالَ الرّاغِبُ: المُضِيُّ في الأرْضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ في الآيَةِ تَجْرِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ المُضِيُّ بِالجِسْمِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ إجالَةُ الفِكْرِ.

وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ فِيما يُرْوى في وصْفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أبْدانُهم في الأرْضِ سائِرَةٌ وقُلُوبُهم في المَلَكُوتِ جائِلَةٌ، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الجِدِّ في العِبادَةِ المُتَوَصَّلِ بِها إلى الثَّوابِ، والمَعْنى عَلى ما قُلْنا أوَّلًا امْضُوا في الأرْضِ وسِيحُوا فِيها ﴿ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿ الخَلْقَ ﴾ أيْ كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ وأخْلاقٍ شَتّى، فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ مُؤْذِنٌ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها، وعَلى هَذا تَتَغايَرُ الكَيْفِيَّةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ والكَيْفِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِما أنَّ الأوْلى كَما عَلِمْتَ بِاعْتِبارِ المادَّةِ وعَدَمِها وهَذِهِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ الأحْوالِ.

ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ في الآيَةِ الأوْلى بِالمُضارِعِ أعْنِي ﴿ يُبْدِئُ ﴾ دُونَ الماضِي كَما هُنا لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِما أنَّ بَدْءَ الخَلْقِ مِن مادَّةٍ وغَيْرِها أغْرَبُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ خَلْقَ الأشْياءِ أغْرَبُ مِن جَعْلِ أطْوارِها مُخْتَلِفَةً، وأنْتَ إذا لاحَظْتَ أنَّ خَلْقَ الأشْياءِ يَعُودُ في الآخِرَةِ إلى إيجادِها مَن كَتْمِ العَدَمِ مِن غَيْرِ سَبْقِ مادَّةٍ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ وأنَّ جَعْلَ أطْوارِها مُخْتَلِفَةً إنَّما هو بَعْدَ سَبْقِ المادَّةِ ولَوْ سَبْقًا ذاتِيًّا وهو ما قامَ بِهِ الِاخْتِلافُ أعْنِي ذَواتِ الأشْياءِ لا تَشُكُّ في أنَّ الأوَّلَ أغْرَبُ مِنِ الثّانِي، ولِذا تَرى التَّمَدُّحَ بِأصْلِ الخَلْقِ في القُرْآنِ العَظِيمِ أكْثَرُ مِنَ التَّمَدُّحِ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ.

وقَدْ وافَقَ الصِّيغَةَ في الإشْعارِ بِالغَرابَةِ بِناءُ الفِعْلِ مِن بابِ الإفْعالِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ولِذا قالُوا: إنَّهُ مُخِلٌّ بِالفَصاحَةِ لَوْلا وُقُوعُهُ مَعَ (يُعِيدُ، ومِمّا يُقَرِّبُ مِن هَذا السِّرِّ ما قِيلَ في وجْهِ حَذْفِ الياءِ مِن يَسْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ  ﴾ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُسْرى فِيهِ لا يَسْرِي أيْ لِيَدُلَّ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ في اللَّفْظِ عَلى مُخالَفَتِهِ في المَعْنى وهو مَعْنًى دَقِيقٌ.

وقِيلَ في وجْهِ التَّعْبِيرِ بِما ذَكَرَ إفادَةَ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ وهو بِناءٌ عَلى المَعْنى الثّانِي في الآيَةِ.

وقالَ بَعْضُهم في تَغايُرِ الدَّلِيلَيْنِ: إنَّ هَذا عَيْنِيٌّ وذَلِكَ عِلْمِيٌّ أوْ هَذا آفاقِيٌّ والأوَّلُ أنْفُسِيٌّ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها ألِفًا ثُمَّ حَذْفِها في الوَصْلِ.

قالَ أبُو حَيّانَ: وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ كَما قالَ: فارِعَيْ فَزارَةَ لا هُناكَ المَرْتَعُ، وقِياسُ تَخْفِيفِ هَذا التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ ﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ بَعْدَ النَّشْأةِ الأُولى الَّتِي شاهَدْتُمُوها والنَّشْأةُ الإيجادُ والخَلْقُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعادَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النِّزاعِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِ البَدْءِ نَشْأةً أوْلى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما شَأْنٌ واحِدٌ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً واسْمًا مِن حَيْثُ إنَّ (كُلًّا) مِنهُما اخْتِراعٌ وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالأوَّلِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ كَذا قِيلَ.

والظّاهِرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَسَدَ يُعْدَمُ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعادُ خَلْقًا جَدِيدًا لا أنَّهُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ ثُمَّ تُجْمَعُ بَعْدَ تَفَرُّقِها وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والأدِلَّةُ مُتَعارِضَةٌ، والمَسْألَةُ كَما قالَ ابْنُ الهُمامِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ظَنِّيَّةٌ، وفي كِتابِ الِاقْتِصادِ في الِاعْتِقادِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُونَ أتُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ تُعادّانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ وإنَّما تُعادُ الأعْراضُ؟

قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ ولَكِنْ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ المُمَكَّناتِ انْتَهى، وذَهَبَ ابْنُ الهُمامِ إلى أنَّ الحَقَّ وُقُوعُ الكَيْفِيَّتَيْنِ إعادَةِ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وتَأْلِيفِ ما تَفَرَّقَ مِنَ الأجْزاءِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ بَدْءَ الإنْسانِ ونَحْوِهِ لَيْسَ اخْتِراعًا مَحْضًا وإخْراجًا مِن كَتْمِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ لِما أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرابِ وسائِرِ العَناصِرِ، والظّاهِرُ أنَّ فَناءَهُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ صَيْرُورَتِهِ عَدَمًا مَحْضًا بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ انْحِلالِهِ إلى ما تَرَكَّبَ مِنهُ ورُجُوعُ كُلِّ عُنْصُرٍ إلى عُنْصُرِهِ.

نَعَمْ لا شَكَّ في فَناءِ بَعْضِ الأعْراضِ وانْعِدامِها بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُسْتَثْنى مِنهُ بَعْضُ الأجْزاءِ فَلا يَنْحَلُّ إلى ما مِنهُ التَّرْكِيبُ بَلْ يَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ وهو عَجَبُ الذَّنْبِ لِظاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ««لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ لا يَبْلى إلّا عَظَمًا واحِدًا وهو عَجَبُ الذَّنْبِ مِنهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ»» وتَأْوِيلُهُ بِما أوَّلَهُ بِهِ مُلّا صَدْرا في أسْفارِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فالإعادَةُ تَكُونُ بِتَرْكِيبِ ما انْحَلَّ مِنَ العَناصِرِ وضَمِّهِ إلى هَذا الجُزْءِ فَلا تَكُونُ اخْتِراعًا مَحْضًا وإخْراجًا مِن كَتْمِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنْ لِكُلٍّ مِنَ البَدْءِ والإعادَةِ شَبَهٌ تامٌّ بِالِاخْتِراعِ والإخْراجِ المَذْكُورِ، وبِهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِكُلِّ اخْتِراعٍ وإخْراجٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَلا تَغْفُلْ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ، ولا يَضُرُّ تَخالُفُهُما خَبَرًا وإنْشاءً فَإنَّهُ جائِزٌ بَعْدَ القَوْلِ وما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُها عَلى بَدَأ الخَلْقَ لِأنَّها لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مَوْقِعًا لِلنَّظَرِ أمّا إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْصارِ فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَ بِمَعْنى التَّفَكُّرِ فَلِأنَّ التَّفَكُّرَ في الدَّلِيلِ لا في النَّتِيجَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ وإيقاعُهُ مُبْتَدَأً مَعَ إضْمارِهِ في بَدَأ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَحَقُّقِ الإعادَةِ بِالإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّهُ الِاسْمُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ ورَدِّ ما تَقَدَّمَ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ فَلا يُحْتاجُ لِلتَّوْجِيهِ وكَوْنُ المُرادِ مِنهُ لَيْسَ إثْباتَ الإعادَةِ لِمَن أنْكَرَها فَلِذا لَمْ يُنْسَجْ عَلى هَذا المِنوالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «النَّشاءَةَ» بِالمَدِّ وهُما لُغَتانِ كالرَّأْفَةِ والرَّآفَةِ والقَصْرُ أشْهَرُ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ يُنْشِئُ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ الإنْشاءَةُ أوْ بِحَذْفِ العامِلِ أيْ يُنْشِئُ فَيَنْشَؤُونَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ نَحْوَ ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإنَّ مِن عَلِمَ قُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإعادَةُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَتَرَدَّدَ في قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها ولا في وُقُوعِها بَعْدَ ما أخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ لا يَقُولُونَ بِاسْتِحالَتِهِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ بَلْ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ اسْتِبْعادُهُ، والرَّدُّ عَلى هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها ظاهِرٌ لِما فِيها مِمّا يُزِيلُ الِاسْتِبْعادَ مِنَ الإبْداءِ الَّذِي هو في الشّاهِدِ أشَقُّ مِنَ الإعادَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ بِاسْتِحالَتِهِ عَقْلًا فَلا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ القائِلُونَ بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن إعادَةِ المَعْدُومِ ولَيْسَ مِن جَمْعِ المُتَفَرِّقِ بِإبْطالِ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى الِاسْتِحالَةِ، وقَدْ تَكَفَّلَتِ الكُتُبُ الكَلامِيَّةُ بِذَلِكَ، وأمّا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها فَلِما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى تَزْيِيفِ أدِلَّةِ الِاسْتِحالَةِ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله عزّ وجلّ: أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر أَوَلَمْ تَرَوْاْ بالتاء على معنى المخاطبة، يعني: قل لهم يا محمد أولم تروا وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: يا محمد أو لم يروا هؤلاء الكفار كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: يخلقهم في الابتداء ولم يكونوا شيئا، ثم يعيدهم كما خلقهم إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: إن الذي بدأ الخلق، يقدر أن يعيده، وهو عليه هين.

قوله عز وجل: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: سافروا في الأرض.

يعني: لتعتبروا في أمر البعث.

ويقال: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ.

يعني: اقرءوا القرآن فَانْظُرُوا يعني: فاعتبروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ يعني: كيف خلق الخلق ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ يعني: يحييهم بعد الموت للبعث إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من أمر البعث وغيره.

ثم قال عز وجل: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذل من يشاء ولا يهدي من لم يكن أهلاً لذلك.

وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ فيهديه إن كان أهلاً كذلك وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ يعني: ترجعون إليه في الآخرة.

قوله عز وجل: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: لا تهربون منه ولا تفوتونه وَلا فِي السَّماءِ يعني: إن كنتم في الأرض، ولا في السماء لا يَقدرون أن يهربوا منه وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ يعني: من قريب ينفعكم وَلا نَصِيرٍ يعني: ولا مانع يمنعكم من عذاب الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ...

الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:

العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.

وقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك.

ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش.

وقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً قال ابن عباس «١» : هو نحت الأصنام.

وقال مجاهد «٢» : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.

وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَرَوْا " \] بِالياءِ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ.

[وَعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ] .

وعَنى بِالكَلامِ كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ﴾ أيْ:كَيْفَ يَخْلُقُهُمُ ابْتِداءً مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ يَتِمَّ الخَلْقُ ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أيْ: ثُمَّ هو يُعِيدُهُ في الآخِرَةِ عِنْدَ البَعْثِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا كَيْفَ اسْتَأْنَفَ اللَّهُ الخَلْقَ الأوَّلَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.

وفِيهِ لُغَتانِ: أبْدَأ وأعادَ، وكانَ مُبْدِئًا ومُعِيدًا، وبَدَأ وعادَ، وكانَ بادِئًا وعائِدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي الخَلْقَ الأوَّلَ والخَلْقَ الثّانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيِ: انْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ، وابْحَثُوا عَنْها هَلْ تَجِدُونَ لَها خالِقًا غَيْرَ اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ لا خالِقَ لَهم سِواهُ، لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ في الإعادَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُهم عِنْدَ البَعْثِ نَشْأةً أُخْرى.

وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا: " النَّشْأةَ " بِتَسْكِينِ الشِّينِ وتَرْكِ المَدِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " النَّشاءَةَ " بِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ بَعْدَ إنْشائِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا.

ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ حَكاها الماوَرْدِيُّ.

أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ.

والثّانِي: يُعَذِّبُ بِسُوءِ الخُلُقِ ويَرْحَمُ بِحُسْنِ الخُلُقِ والثّالِثُ: يُعَذِّبُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ.

والرّابِعُ: يُعَذِّبُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ بِالإعْراضِ عَنْها.

والخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّ النّاسِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ أيْ: تَرُدُّونَ.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ حَكاهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا أهْلُ السَّماءِ بِمُعْجِزِينَ في السَّماءِ.

والثّانِي: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا لَوْ كُنْتُمْ في السَّماءِ وقالَ قُطْرُبٌ: هَذا كَقَوْلِكَ: ما يَفُوتُنِي فُلانٌ لا هاهُنا ولا بِالبَصْرَةِ، أيْ: ولا بِالبَصْرَةِ لَوْ صارَ إلَيْها.

قالَ مُقاتِلٌ: والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: لا تَسْبِقُونَ اللَّهَ حَتّى يَجْزِيَكم بِأعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُكم ﴿ وَلا نَصِيرٍ ﴾ يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ والبَعْثِ ﴿ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي ﴾ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: العَفْوُ والمَغْفِرَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهُ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ الآيَةُ.....

وعِيدٌ، أيْ: قَدْ كَذَّبَ غَيْرُكم وعَذَّبَ، وإنَّما عَلى الرَسُولِ البَلاغُ، وكُلُّ أحَدٍ -بَعْدَ ذَلِكَ- مَأْخُوذٌ بِعَمَلِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُ-: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، الأُولى عَلى المُخاطَبَةِ، والثانِيَةُ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْدِئُ"، وقَرَأ الزُبَيْرُ، عِيسى، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يَبْدَأُ".

وهَذِهِ الإحالاتُ عَلى ما يَظْهَرُ مَعَ الإخْبارِ مِن إحْياءِ الأرْضِ والنَباتِ وإعادَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو دَلِيلٌ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أوَلَمْ يَرَوْا بِالدَلائِلِ والنَظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ.

وقالَ الرَبِيعُ ابْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمْ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ حَتّى إلى التُرابِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ في هَذِهِ الآيَةِ اللَيْلُ والنَهارُ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ -وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدًا إنْ كانَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَلاةُ السَلامُ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ- بِأنْ يَأْمُرَهم -عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ- بِالسَيْرِ في الأرْضِ، والنَظَرِ في كُلِّ قُطْرٍ، وفي كُلِّ أُمَّةٍ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ ألّا خالِقَ إلّا اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا مُبْتَدِئًا بِالخَلْقِ سِواهُ، ثُمْ ساقَ -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ- أنَّ اللهَ تَعالى هو المُبْتَدِئُ لِنَشْأةِ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "النَشاءَةُ" عَلى وزْنِ (الفَعالَةُ)، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وهَذا كَما تَقُولُ: رَأْفَةٌ ورَآفَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ: "النَشْأةَ" عَلى وزْنِ (الفَعْلَةَ)، وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "النَشَّةَ" بِشِينٍ مُشَدَّدَةٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ يَقُومُ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى جَوازِهِ، وأخْبَرَتِ الشَرائِعُ وُقُوعَهُ ووُجُودَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض انتقالي من الإنكار عليهم ترك الاستدلال بما هو بمرأى منهم، إلى إرشادهم للاستدلال بما هو بعيد عنهم من أحوال إيجاد المخلوقات وتعاقب الأمم وخلف بعضها عن بعض، فإن تعوُّد الناس بما بين أيديهم يصرف عقولهم عن التأمل فيما وراء ذلك من دلائل دقائقها على ما تدل عليه، فلذلك أمر الله رسوله أن يدعوهم إلى السير في الأرض ليشاهدوا آثار خلق الله الأشياء من عدم فيوقنوا أن إعادتها بعد زوالها ليس بأعجب من ابتداء صنعها.

وإنما أمر بالسير في الأرض لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمّة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوِيَّاتها ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها فيرى كثيراً من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جَوَلاناً لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه، لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائباً عن بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسيرُ في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة.

وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل الماضي لأن السائر ليس له من قرار في طريقه فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها بعد أن لم تكن وأنه قادر على إيجاد أمثالها فهو بالأحرى قادر على إعادتها بعد عدمها.

والاستدلال بالأفعال التي مضت أمكن لأن للشيء المتقرر تحققاً محسوساً.

وجيء في هذا الاستدلال بفعل النظر لأن إدراك ما خلقه الله حاصل بطريق البصر وهو بفعل النظر أولى وأشهر لينتقل منه إلى إدراك أنه ينشئ النشأة الآخرة.

ولذلك أعقب بجملة ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ فهي جملة مستقلة.

(وثم) للترتيب الرتبي كما تقدم في قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ [العنكبوت: 19].

وإظهار اسم الجلالة بعد تقدم ضميره في قوله ﴿ كيف بدأ الخلق ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ثم ينشئ.

قال في «الكشاف»: لأن الكلام كان واقعاً في الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فالذي لم يعجزه الإبداء فهو الذي وجب أن لا تُعجزه الإعادة.

فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ اه.

يريد أن العدول عن الإضمار إلى الإسم الظاهر لتسجيل وقوع هذا الإنشاء الثاني، فتكون الجملة مستقلة حتى تكون عنوان اعتقاد بمنزلة المثل لأن في اسم الجلالة إحضاراً لجميع الصفات الذاتية التي بها التكوين، وليفيد وقوع المسند إليه مخبراً عنه بمسند فعلي معنى التقوي.

وجملة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل، أي قدير على البعث وعلى كل شيء إذا أراده.

وإظهار اسم الجلالة لتكون جملة التذييل مستقلة بنفسها فتجري مجرى الأمثال.

و ﴿ النشأة ﴾ بوزن فعلة: المرة من النّشء وهو الإيجاد، وكذلك قرأها الجمهور، عبر عنها بصيغة المرة لأنها نشأة دفعية تخالف النّشء الأول ويقال: النّشاءة بمد بعد الشين بوزن الكآبة ومثلها الرأفة والرءافة.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ النشاءة ﴾ بالمدّ.

ووصفها ب ﴿ الآخرة ﴾ إيماء بأنها مساوية للنشأة الأولى فلا شبهة لهم في إحالة وقوعها.

وأما قوله تعالى ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ [الواقعة: 62] فذلك على سبيل المشاكلة التقديرية لأن قوله قبله ﴿ ونُنشئكم فيما لا تعلمون ﴾ [الواقعة: 61] يتضمن النشأة الآخرة فعبر عن مقابلتها بالنشأة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالإعْراضِ عَنْها.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ.

الثّالِثُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِسُوءِ الخُلُقِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُسْنِ الخُلُقِ.

الرّابِعُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّهِمْ لَهُ.

الخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ قال: أصناماً ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون أصناماً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تنحتون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون كذباً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده ﴾ قال: يبعثه.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف بدأ الخلق ﴾ قال: خلق السموات والأرض ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ قال: البعث بعد الموت.

وفي قوله: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ قال: قوم إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ قال: قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه.

وفي قوله: ﴿ قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ قال: اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا ﴿ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ قال: صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين.

وفي قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: فصدقة لوط ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هاجرا جميعاً من كوثي: وهي من سواد الكوفة إلى الشام.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وتخلقون افكا ﴾ خفيفتين وقرأ ﴿ اوثاناً مودة ﴾ منصوبة منونة ﴿ بينكم ﴾ نصب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً.

إن استطعت أن تصلي قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ النشأة الآخرة ﴾ قال: هي الحياة بعد الموت: وهو النشور.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: صدق لوط إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى حران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى الشام كان مهاجر.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط» .

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط» .

وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به.

وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الثناء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الولد الصالح والثناء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: هل تجدون فيما تبحثون من البلاد وتسيرون خالقًا غيري، والمعنى على هذا: سيروا لتعلموا أن الذي بدأ الخلق هو الله لا خالق غيره، فإذ أقروا بابتداء الخلق وعلموا أن ذلك من الله، لزمتهم الحجة في الإعادة.

وقال مقاتل: ﴿ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ يعني خلق السموات والأرض وما فيهما من الخلق (١) قال مقاتل: وذلك لأنهم يعلمون أن الله خلق الأشياء كلها (٢) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾ أي: ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها يُنشؤها نشأة ثانية (٣) ﴿ النَّشْأَةَ ﴾ بالقصر.

وقرأ أبو عمرو بالمد [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: [النَّشَاءَةَ] ممدودة في كل القرآن، وقرأ الباقون بالقصر.

"السبعة في القراءات" 498، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 183، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]]، والأحسن القصر؛ يقال: نَشَأَ ينشأ نَشئًا ونشأة، ولم يذكر أبو زبد وأبو عبيدة المد (٤) (٥) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٢) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٣) "تفسير مقاتل" 72 أ، بمعناه.

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، بتصرف.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 315.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق ﴾ يقال بدأ الله الخلق وأبداه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة والمعنى: أو لم يَرَ الكفار أن الله خلق الخلق فيستدلون بالخلقة ا لأولى على الإعادة في الحشر، فقوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ليس بمعطوف على يبدأ، لأن المعنى فيهما مختلف، لأن رؤية البداءة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها، وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات، وإبدائه، وعلى هذا يكون ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ عطفاً على يبدىء لاتفاق المعنى، والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام ﴿ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ يعني إعادة الخلق وهي حشرهم، ثم أمرهم بالسير في الأرض ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها بقوله: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ أي ترجعون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : إنهم قد رأوا أن كيف أنشأ الله الخلق في الابتداء، وإن عجزوا عن الأسباب التي خلقهم، ولا احتمل وسعهم ذلك، فعلى ذلك يعيدهم على ما أبدأهم، وإن عجز وسعهم عن احتمال ذلك وإدراكه؛ إذ الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في البداية، بل الأعجوبة في ابتداء الإنشاء أكثر من الإعادة؛ لما الإعادة عندكم أيسر وأهون من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.

﴿ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ : الابتداء والإعادة جميعاً لا يعجزه شيء؛ إذ هو قادر بذاته.

وقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ﴾ : كأن الأمر بالسير في الأرض والنظر ليس هو سيراً بالأقدام فيها، ولكن أمر بإرسال الفكر فيها من الخلائق، والنظر في بدء ما فيها من الخلق متقناً محكماً بالتدبير والعلم والحكمة بلا أسباب؛ ليعلموا أن التقدير في ابتداء الإنشاء والإعادة بالخارج عن احتمال وسعهم وقوامهم - خطأ، وأنه الذي قدر على إنشاء الخلق وابتدائه بلا سبب ولا شيء، وإن لم يحتمل وسعهم وبنيتهم وقواهم ذلك؛ فعلى ذلك الإعادة والنشأة الأخرى، وإن كانت خارجة عن احتمال وسعهم وقواهم - قادر عليها.

أو أن يقال: انظروا واعتبروا أن بدء الخلق والنشأة من الحكم العالم الذاتي بلا إعادة ورجوع ليس بحكمة في العقل والحكمة جميعاً؛ لأن في الحكمة والعقل: التفريق بين الولي والعدو، وبين الشاكر والكافر، وبين المطيع والعاصي؛ إذ قد سوى بينهم في الدنيا وأشركهم فيها، حتى جعل للكافر ما للشاكر، و[كذلك] الولي والعدو والمطيع والعاصي؛ فلا بد من الإعادة في دار يفرق بينهم ليخرج بدء إنشائهم وخلقه الخلق على الحكمة والتدبير والعلم لا على السفه والعبث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : في النشأة الأولى والآخرة جميعاً لا يعجزه شيء؛ إذ هو قادر بذاته.

وقوله: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ ﴾ : يحتمل هذا في الدنيا: يعذب من يشاء في الدنيا، أي: يمتحنه ويبتليه بالشدة والضيق، ويرحم من يشاء، أي: يمتحنه بالسعة والرخاء؛ فيكون التعذيب كناية عن الشدة والضيق، والرحمة: كناية عن السعة والرخاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ أي: ترجعون.

ويحتمل التعذيب في الآخرة والرحمة فيها، أي: يعذب من يشاء في الآخرة من كان في الدنيا أهلا له مستوجباً، ويرحم من يشاء من كان في الدنيا أهلا لها مطيعاً لها.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: ما أنتم بمعجزين الله في السماء، وعلى قول المعتزلة: يكونون معجزين الله في الأرض على ظاهر مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الله قد أراد إبقاء الأخيار وأهل الصلاح، ثم يجيء كافر فيقتلهم قبل أجلهم الذي أراد الله إبقاءهم إلى وقت.

وكذلك يقولون: أراد الله أن يرزقهم الحلال، وأراد أن يكون أولادهم من رشد ونكاح، لكنهم يطلبون الرزق من حرام ويزنون، فيخلق أولادهم من زنى شاء أو أبى، لا يقدر التخلص عما يريدون هم، فأي إعجاز يكون أشد من هذا، فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هم يعلمون - أعني: الكفرة - أنهم لا يعجزون الله ولا يقدرون على إعجازه، لكنه يذكر؛ لأنهم كانوا يعملون عمل من هو معجز فائت عن عذاب الله ونقمته؛ وهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ  ﴾ ، هم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يسعوا في آياته معاجزين، لكنهم يسعون في دفع آياته والإنكار لها سعي معاجز لها لا سعي خاضع قابل؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ أي: ما لكم من دون الله مما طمعتم من النصر لكم والشفاعة وليس لكم ذلك؛ لأنهم عبدوا تلك الأصنام لما طمعوا شفاعتها عند الله لهم والزلفى حيث قال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  كَلاَّ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ونحوه فيقول: ما لكم مما طمعتم بعبادتكم تلك الأصنام من ولي ولا نصير.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ ﴾ .

قوله: ﴿ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل آيات الله: الآيات التي جاءت بها الرسل في إثبات الرسالة لهم، ويحتمل آياته: الآيات التي جعلها لوحدانيته وألوهيته ولقائه، أي: كفروا بالبعث، وقد ذكرنا فيما تقدم وجه تسمية البعث: لقاءه.

وقال الحسن: آيات الله: دين الله، وكذلك يقول: كل آية في القرآن: الدين.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ﴿ مِن رَّحْمَتِي ﴾ أي: من جنتي وتأويل هذا؛ لأنهم كفروا بالبعث، فإذا كفروا به زعموا أن لا ثواب ولا جزاء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِن رَّحْمَتِي ﴾ أي: من رسلي وكتبي؛ لأن الله سمى رسله وكتبه: رحمة في غير آي من القرآن، أيسوا منهم، حيث كذبوهم وكفروا بهم، أيسوا أن يرسل الرسل أو ينزل الكتب.

ويحتمل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي ﴾ أولئك عليهم الإياس من رحمتي لما كفروا بآياته ورسله، ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين بالبعث: سيروا في الأرض فتأملوا كيف بدأ الله الخلق، ثم الله يحيي الناس بعد موتهم الحياة الثانية للبعث والحساب، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فلا يعجز عن بعث الناس كما لم يعجز عن خلقهم أولًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.rN2o9"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد