الآية ٢٤ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٢٤ من سورة العنكبوت

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ، ودفعهم الحق بالباطل : إنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان ، ( إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ) ، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان ، وتوجهت عليهم الحجة ، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم ، ( قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم .

فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ) [ الصافات : 97 ، 98 ] ، وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة ، وحوطوا حولها ، ثم أضرموا فيها النار ، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء : ولم توقد نار قط أعظم منها ، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق ، ثم قذفوا به فيها ، فجعلها الله عليه بردا وسلاما ، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما .

ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما .

فإنه بذل نفسه للرحمن ، وجسده للنيران ، وسخا بولده للقربان ، وجعل ماله للضيفان ، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان .

وقوله : ( فأنجاه الله من النار ) أي : سلمه [ الله ] منها ، بأن جعلها عليه بردا وسلاما ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) يقول تعالى ذكره: فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إذ قال لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إلا أن قال بعضهم لبعض: ( اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ )بالنار ، ففعلوا، فأرادوا إحراقه بالنار، فأضرموا له النار، فألقَوه فيها، فأنجاه الله منها، ولم يسلطها عليه، بل جعلها عليه بَرْدا وسلاما.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ ) قوم إبراهيم ( إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ) قال: قال كعب: ما حرقت منه إلا وثاقه ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في إنجائنا لإبراهيم من النار، وقد ألقي فيها وهي تَسَعر، وتصييرها عليه بردا وسلاما، لأدلة وحججا لقوم يصدّقون بالأدلة والحجج إذا عاينوا ورأوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم فقال : فما كان جواب قومه حين دعاهم إلى الله تعالى إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ثم اتفقوا على تحريقه فأنجاه الله من النار أي من إذايتها إن في ذلك أي في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها ( لآيات ) وقراءة العامة : ( جواب ) بنصب الباء على أنه خبر ( كان ) و ( أن قالوا ) في محل الرفع اسم ( كان ) وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار : ( جواب ) بالرفع على أنه اسم ( كان ) و ( أن ) في موضع الخبر نصبا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فما كان مجاوبة قوم إبراهيم إبراهيم حين دعاهم إلى ربه قبول دعوته، والاهتداء بنصحه، ورؤية نعمة اللّه عليهم بإرساله إليهم، وإنما كان مجاوبتهم له شر مجاوبة.{ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ } أشنع القتلات، وهم أناس مقتدرون، لهم السلطان، فألقوه في النار { فَأَنْجَاهُ اللَّهُ } منها.{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيعلمون صحة ما جاءت به الرسل، وبِرَّهُمْ ونصحهم، وبطلان قول من خالفهم وناقضهم، وأن المعارضين للرسل كأنهم تواصوا وحث بعضهم بعضا على التكذيب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال جل ذكره : ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ) وجعلها عليه بردا وسلاما ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) يصدقون

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: «فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه فأنجاه الله من النار» التي قذفوه فيها بأن جعلها برداً وسلاماً «إن في ذلك» أي إنجائه منها «لآيات» هي عدم تأثيرها فيه مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير «لقوم يؤمنون» يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إلا أن قال بعضهم لبعض: اقتلوه أو حرِّقوه بالنار، فألقوه فيها، فأنجاه الله منها، وجعلها عليه بردًا وسلامًا، إن في إنجائنا لإبراهيم من النار لأدلة وحججًا لقوم يصدِّقون الله ويعملون بشرعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قص - سبحانه - بعد ما قاله قوم إبراهيم له ، وما رد به عليهم .

فقال - تعالى - : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ .

.

.

فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ) .فقوله - تعالى - : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ .

.

.

) بيان لما رد به الظالمون على نبيهم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح الأدلة على صدقة فيما يبلغه عن ربه .ولفظ " جواب " بالنصب ، خبر كان ، واسمها قوله : ( إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ ) .والمراد بقتله : إزهاق روحه بسيف ونحوه ، لتظهر المقابلة بين الإِحراق والقتل .وجاء هنا الترديد بين الأمرين ، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله ، ومنهم من أشار بإحراقه ، ثم اتفقوا جميعا على الإِحراق ، كما جاء فى قوله - تعالى - : ( قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) والمعنى : فما كان جواب قوم إبراهيم له ، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم ، إلا أن قالوا فيما بينهم ، اقتلواه بالسيف ، أو أحرقوه بالنار ، لتستريحوا منه ، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها ، وتحطيمه لها .

.وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم ، يدل على إسرافهم فى الظلم والطغيان والجهالة .

.والفاء فى قوله - تعالى - ( فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار ) فصيحة .

أى : فاتفقوا على إحراقه بالنار ، وألقوه فيما بعد اشتعالها ، فأنجاه الله - تعالى - منها ، بأن جعلها بردا وسلاما عليه .

.( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .

.

أى : إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا مع إبراهيم - عليه السلام - حيث أخرجناه سليما من النار ( لآيَاتٍ ) بينات على وحدانتينا وقدرتنا ، لقوم يؤمنون ، بأن الله - تعالى - هو رب العالمين ، وأنه له الخلق والأمر .وجمع - سبحانه - الآيات لأن فى نجاة إبراهيم ، دلالات متعددة على قدرة الله - تعالى لا دلالة واحدة ، فنجاته من النار وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية ، وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ضررا آية ثانية ، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه ، آية ثالثة على أن القلوب الجاحدة تبقى على جحودها مع وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء بها من عند الله - تعالى - .ولذا خص - سبحانه - هذه الآيات ، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة وأقام البرهان عليه، بقي الأمر من جانبهم إما الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم يأتوا إلا بقولهم: ﴿ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كيف سمى قولهم: ﴿ اقتلوه ﴾ جواباً مع أنه ليس بجواب؟

فنقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف، مع أن السيف ليس بجواب، وإنما معناه لا أقابله بالجواب، وإنما أقابله بالسيف فكذلك قالوا لا تجيبوا عن براهينه واقتلوه أو حرقوه الثاني هو أن الله أراد بيان ضلالهم وهو أنهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب، فتبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا وذلك لأن من لا يجيب غيره ويسكت، لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات، أما إذا أجاب بجواب فاسد، علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.

المسألة الثانية: القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه والمأمورون بقولهم اقتلوه أيضاً هم، فيكون الآمر نفس المأمور؟

فنقول الجواب عنه: من وجهين: أحدهما: أن كل واحد منهم قال لمن عداه اقتلوه، فحصل الأمر من كل واحد وصار المأمور كل واحد ولا اتحاد، لأن كل واحد أمر غيره وثانيهما: هو أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر والرؤساء، فإذا قال أعيان بلد كلاما يقال اتفق أهل البلدة على هذا ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذال، فكان جواب قومه وهم الرؤساء أن قالوا لأتباعهم وأعوانهم اقتلوه، لأن الجواب لا يباشره إلا الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع.

المسألة الثالثة: ﴿ أَوْ ﴾ يذكر بين أمرين الثاني منهما ينفك عن الأول كما يقال زوج أو فرد، ويقال هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولا يصح أن يقال هذا حيوان أو إنسان إذ يفهم منه أنه يقول هو حيوان فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان وهو محال لكن التحريق مشتمل على القتل فقوله اقتلوه أو حرقوه كقول القائل حيوان أو إنسان، الجواب عنه: من وجهين: أحدهما: أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع ويكون ﴿ أَوْ ﴾ مستعملا في موضع بل، كما يقول القائل أعطيته ديناراً أو دينارين، وكما يقول القائل أعطه ديناراً بل دينارين قال الله تعالى: ﴿ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا  نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا  أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا  ﴾ فكذلك هاهنا اقتلوه أو زيدوا على القتل وحرقوه الجواب الثاني: هو أنا نسلم ما ذكرتم والأمر هنا كذلك، لأن التحريق فعل مفض إلى القتل وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقى غيره في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح أن يقال احترق فلان وأحرقه فلان وما مات، فكذلك هاهنا قالوا اقتلوه أو لا تعجلوا قتله وعذبوه بالنار، وإن ترك مقالته فخلوا سبيله وإن أصر فخلوا في النار مقيله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار ﴾ اختلف العقلاء في كيفية الإنجاء، بعضهم قال برد النار وهو الأصح الموافق لقوله تعالى: ﴿ يانار كُونِى بَرْداً  ﴾ وبعضهم قال خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار وقال بعضهم ترك إبراهيم على ما هو عليه والنار على ما كانت عليه ومنع أذى النار عنه، والكل ممكن والله قادر عليه، وأنكر بعض الأطباء الكل، أما سلب الحرارة عن النار، قالوا الحرارة في النار ذاتية كالزوجية في الأربعة لا يمكن أن تفارقها، وأما خلق كيفية تستبرد النار فلأن المزاج الإنساني له طرفا تفريط وإفراط، فلو خرج عنهما لا يبقى إنساناً أو لا يعيش.

مثلا المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنساناً فإن صار أحد عشر لا يكون إنساناً وإن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنساناً فإذا صارت أربعة لا يبقى إنساناً لكن البرودة التي يستبرد معها النار مزاج السمندل فلو حصل في الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة للمزاج، وأما الثالث فمحال أن تكون القطنة في النار والنار كما هي، والقطنة كما هي ولا تحترق، فنقول الآية رد عليهم والعقل موافق للنقل، أما الأول فلوجهين: أحدهما: أن الحرارة في النار تقبل الاشتداد والضعف، فإن النار في الفحم إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد وإن لم ينفخ لا يشتد لكن الضعف هو عدم بعض من الحرارة التي كانت في النار، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم بعض آخر من ذلك عليها إلى أن ينتهي إلى حد لا يؤذي الإنسان، ولا كذلك الزوجية فإنها لا تشتد ولا تضعف والثاني: وهو أن في أصول الطب ذكر أن النار لها كيفية حارة كما أن الماء له كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه البرودة وهو ماء فكذلك النار تزول عنها الحرارة وتبقى ناراً وهو نور غير محرق، وأما الثاني فأيضاً ممكن وقولهم مدفوع من وجهين: أحدهما: منع أصلهم من كون النفس تابعة للمزاج بل الله قادر على أن يخلق النفس الإنسانية في المزاج الذي مثل مزاج الجمد وثانيهما: أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال لأن الكيفية التي ذكرناها تكون في ظاهر كالأجزاء الرشية عليه ولا يتأدى إلى القلب والأعضاء الرئيسة، ألا ترى أن الإنسان إذا مس الجمد زماناً ثم مس جمرة نار لا تؤثر النار في إحراق يده مثل ما تؤثر في إحراق يد من أخرج يده من جيبه، ولهذا تحترق يده قبل يد هذا.

فإذا جاز وجود كيفية في ظاهر جلد الإنسان تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زماناً فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية لحظة فلحظة حتى لا تحترق، وأما الثالث: فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد ونحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز والمعجز ينبغي أن يكون خارقاً للعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لأيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني في إنجائه من النار لآيات، وهنا مسائل: المسألة الأولى: قال في إنجاء نوح وأصحاب السفينة ﴿ جعلناها ءايَةً  ﴾ وقال هاهنا ﴿ لآيَاتٍ ﴾ بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شيء تتسع له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام الله إياه بالاتخاذ وقت الحاجة، فإنه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما في الغيب، وبسبب أن الله صان السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه آيات.

المسألة الثانية: قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وقال هاهنا ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواماً حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار (فإنه) لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق، وفيه لطيفة: وهي أن الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون.

المسألة الثالثة: قال هناك ﴿ جعلناها ﴾ وقال هاهنا ﴿ جعلناه ﴾ لأن السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ جواب قومه ﴾ بالنصب والرفع ﴿ قَالُواْ ﴾ قال بعضهم لبعض.

أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين، فكانوا جميعاً في حكم القائلين.

وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار، نعني: يوم ألقي إبراهيم في النار، وذلك لذهاب حرّها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ﴾ قَوْمِ إبْراهِيمَ لَهُ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ الِاسْمُ والخَبَرُ.

﴿ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ ﴾ وكانَ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَكِنْ لَمّا قِيلَ فِيهِمْ ورَضِيَ بِهِ الباقُونَ أُسْنِدَ إلى كُلِّهِمْ.

﴿ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ ﴾ أيْ فَقَذَفُوهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنها بِأنْ جَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ في إنْجائِهِ مِنها.

﴿ لآياتٍ ﴾ هي حِفْظُهُ مِن أذى النّارِ وإخْمادُها مَعَ عِظَمِها في زَمانٍ يُسْرٍ وإنْشاءُ رَوْضٍ مَكانَها.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّفَحُّصِ عَنْها والتَّأمُّلِ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)

{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان {إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ} قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعاً في حكم القائلين فاتفقوا تحريقه {فَأَنْجَاهُ الله

مِنَ النار} حين قذفوه فيها {إِنَّ فِى ذَلِكَ} فيما فعلوا به وفعلنا {لآيات لقوم يؤمنون}

العنكبوت (٢٨ - ٢٤)

روي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب حرها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ وسالِمٌ الأفْطَسُ بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في نَظائِرِهِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ ما كانَ بِسَيْفٍ ونَحْوِهِ فَتَظْهَرُ مُقابَلَةُ الإحْراقِ لَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلٍ أوْ بِمَعْنى بَلْ، والآمِرُونَ بِذَلِكَ إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ كُبَرائِهِمْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ: اقْتُلُوهُ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم إذا مَضَّتْهُ النّارُ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإحْراقِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ وناسٌ بِالإحْراقِ، وفي اقْتَرَبَ قالُوا حَرِّقُوهُ اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو الَّذِي فَعَلُوهُ رَمَوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ حُجَجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الشَّنِيعَةُ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ إنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوابُهم بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وإلّا فَقَدَ صَدَرَ عَنْهم مِنَ الخُرافاتِ والأباطِيلِ ما لا يُحْصى ﴿ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنها بِأنَّ جَعَلَها سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا حَسْبَما بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها وإنْجائِهِ تَعالى إيّاهُ مِنها، وكانَ ذَلِكَ في كَوْثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وكَوْنُهُ في المَكانِ المَشْهُورِ اليَوْمَ مِن أرْضِ الرَّها وعِنْدَهُ صُورَةُ المَنجَنِيقِ وماءٌ فِيهِ سَمَكٌ لا يُصْطادُ ولا يُؤْكَلُ حُرْمَةً لَهُ لا أصْلُ لَهُ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ في إنْجائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ﴿ لآياتٍ ﴾ بَيِّنَةً عَجِيبَةً وهي حِفْظُهُ تَعالى إيّاهُ مِن حَرِّها وإخْمادِها في زَمانٍ يَسِيرٍ وإنْشاءِ رَوْضٍ في مَكانِها.

وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبَلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، ولَوْلا وُقُوعُ اسْمِ الإشارَةِ في أثْناءِ القِصَّةِ لَكانَ الأوْلى كَوْنَهُ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالفَحْصِ عَنْها، والتَّأمُّلِ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بمحمد  والقرآن وَلِقائِهِ يعني: كفروا بالبعث بعد الموت أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يعني: من جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.

ثم رجع إلى قصة إبراهيم.

حيث قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ وفي الآية مضمر ومعناه: فقذفوه في النار، فأنجاه الله من النار فلم تحرقه، وجعلها برداً وسلاماً إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما أنجاه الله من النار بعد ما قذفوه فيها لَآياتٍ يعني: لعبرات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون بتوحيد الله تعالى.

فقال لهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: إنما عبدتم مِّن دُونِ الله أَوْثاناً يعني: أصناماً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ على عبادة أصنامكم.

قرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، مَوَدَّةَ بنصب الهاء مع التنوين بَيْنِكُمْ بنصب النون.

يعني: اتخذتم أوثاناً آلهة مودة بينكم على عبادتها، صار نصباً لوقوع الفعل عليها.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ بنصب الهاء بغير التنوين بَيْنِكُمْ بكسر النون على معنى الإضافة، وقرأ الباقون مَوَدَّةَ بالضم بَيْنِكُمْ بالكسر.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار المودة رفعا بالصفة بقوله عز وجل: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وينقطع الكلام عند قوله: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً.

ثم بيّن ضرر مودتهم في الحياة الدنيا فقال تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يعني: ليس مودتكم تلك الأصنام بشيء، لأن المودة بَيْنِكُمْ فِى الحياة الدنيا تنقطع، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يعني: الأصنام من العابد، والشياطين ممن عبدها.

ويقال: يعني، الأتباع والقادة، تتبرأ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يعني: الأتباع يلعن القادة، والعابد يلعن المعبود وَمَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مصيركم إلى النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يعني: مانعين من عذاب الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ...

الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:

العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.

وقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك.

ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش.

وقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً قال ابن عباس «١» : هو نحت الأصنام.

وقال مجاهد «٢» : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.

وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ﴾ أيْ: حِينَ دَعاهم إلى اللَّهِ ونَهاهم عَنِ الأصْنامِ ﴿ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ ﴾ وهَذا بَيانٌ لِسَفَهِ أحْلامِهِمْ حِينَ قابَلُوا احْتِجاجَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْجاهُ اللَّهُ ﴾ المَعْنى: فَحَرَقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ.

﴿ مِنَ النّارِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يُشِيرُ إلى إنْجائِهِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " مَوَدَّةُ بَيْنِكم " بِالرَّفْعِ والإضافَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " مَوَدَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ " هي "، كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ، أيْ: أُلْفَتُكم واجْتِماعُكم عَلى الأصْنامِ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ؛ والمَعْنى: إنَّما اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ الأوْثانَ لِتَتَوادُّوا بِها في الحَياةِ الدُّنْيا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " بِمَعْنى الَّذِي.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " مَوَدَّةُ " بِالرَّفْعِ " بَيْنَكم " بِالنَّصْبِ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةٌ بَيْنَكم " قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: اتَّخَذْتُمُ الأصْنامَ لِلْمَوَدَّةِ، و " بَيْنَكم " نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ المَوَدَّةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةَ بَيْنِكم " بِنَصْبِ " مَوَدَّةَ " مَعَ الإضافَةِ، وهَذا عَلى الِاتِّساعِ في جَعْلِ الظَّرْفِ اسْمًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: إنَّما اتَّخَذْتُمُوها لِتَتَّصِلَ المَوَدَّةُ بَيْنَكم واللِّقاءُ والِاجْتِماعُ عِنْدَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّأُ القادَةُ مِنَ الأتْباعِ ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ لِأنَّهم زَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أو حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللهُ مِنَ النارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "جَوابَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "جَوابُ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ سالِمْ الأفْطَسُ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمّا بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الحُجَجَ، وأوضَحَ أمْرَ الدِينِ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، وعَدُّوا عن طَرِيقِ الِاحْتِجاجِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِ قَبْلُ، فَتَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَحْرِيقِهِ بِالنارِ، وأنْفَذُوا أمْرَ تَحْرِيقِهِ حَسَبَما قَدِ أُفِيضَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأنْجاهُ اللهُ تَعالى مِن نارِهِمْ، وجَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، قالَ كَعْبُ الأحْبار : لَمْ تَحْرِقِ النارُ إلّا الحَبَلَ الَّذِي أوثَقُوهُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً وعِبْرَةً، ودَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ لِمَن شَرَحَ صَدْرَهُ ويَسَّرَهُ لِلْإيمانِ، أيْ: هَذا الصِنْفُ يَنْتَفِعُ بِالآيَةِ، والكُفّارُ هي عَلَيْهِمْ عَمًى وإنْ كانَتْ في نَفْسِها آيَةً لِلْكُلِّ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ قَرَّرَهم عَلى أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوثانَ والأنْصابَ إنَّما كانَ اتِّباعًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحِفْظًا لِمَوَدّاتِهِمْ ومَحَبّاتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَلاعَنُونَ؛ لِأنَّ تَوادَّهم كانَ عَلى غَيْرِ تَقْوًى، و ﴿ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ  ﴾ .

وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "مَوَدَّةٌ" بِالرَفْعِ "بَيْنَكُمْ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةٍ أبِي زَيْدٍ -: "مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ" بِالتَنْوِينِ والنَصْبِ، ونَصْبِ "بَيْنَ"، أمّا قِراءَةُ رَفْعِ "مَوَدَّةَ" فَوَجْهُهُما أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي"، وهَذا الضَمِيرُ هو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "اتَّخَذْتُمْ"، و"أوثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"مَوَدَّةٌ" خَبَرُ "إنَّ" في قِراءَةِ مَن نَوَّنَها، وفي قِراءَةِ مَن لَمْ يُنَوِّنْها.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" كافَّةً، ولا يَكُونُ في قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أوثانًا" مَفْعُولًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ثُمْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ويُقَدِّرُ الثانِي: "آلِهَةً" أو نَحْوَهُ، كَما يُقَدِّرُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ  ﴾ أيْ: "إلَهًا" ﴿ سَيَنالُهم غَضَبٌ  ﴾ ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ مَوَدَّةٌ"، وفي هَذِهِ التَأْوِيلاتِ مَجازٌ واتِّساعٌ في تَسْمِيَةِ الأوثانِ مَوَدَّةً، أو يَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وأمّا مَن نَصَبَ "مَوَدَّةً" فَعَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ، وعَلى خُلُوِّ "اتَّخَذْتُمْ" مِنَ الضَمِيرِ، والِاقْتِصارُ عَلى المَفْعُولِ الواحِدِ كَما تَقَدَّمَ، ويَكُونُ نَصْبُ "المَوَدَّةَ" عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ.

ومَن أضافَ "المَوَدَّةَ" إلى "البَيْنِ" في القِراءَتَيْنِ بِالنَصْبِ والرَفْعِ فَقَدْ تَجُوزُ في ذَلِكَ وأجْرى الظَرْفَ مَجْرى الأسْماءِ، ومَن نَصَبَ "بَيْنَكُمْ" في القِراءَتَيْنِ النَصْبُ والرَفْعُ- في "مَوَدَّةَ" فَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ الظُرُوفِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بـِ "مَوَدَّةَ"، وكَذَلِكَ ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ ﴾ ظَرْفٌ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وهو مَصْدَرٌ عَمِلَ في ظَرْفَيْنِ مِن حَيْثُ افْتَرَقَ الزَمانُ والمَكانُ، ولَوْ كانَ لِواحِدٍ مِنهُما لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ في السُوقِ"، ولا تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ البارِحَةَ"؛ إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ الظَرْفَيْنِ جُزْءًا لِلْآخَرِ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ عَشِيَّةً".

ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "بَيْنَكُمْ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ المَوَدَّةِ، وهُنا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "مَوَدَّةً ثابِتَةً بَيْنَكُمْ"، وفي الظَرْفِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "مَوَدَّةَ"، لَمّا حُذِفَتْ "ثابِتَةً" اسْتَقَرَّ الضَمِيرُ في الظَرْفِ نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ ﴾ ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الكائِنِ في "بَيْنِكُمْ" بَعْدَ حَذْفِ "ثابِتَةٍ"، وهَذِهِ الحالُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وجازَ تَعَلُّقُها بِها وهي قَدْ وُصِفَتْ لِأنَّ مَعْنى الفِعْلِ فِيها، وإنْ وُصِفَتْ فَلا يُمْتَنَعُ أنْ يَعْمَلَ مَعْنى الفِعْلِ إلّا في المَفْعُولِ، فَأمّا في الظَرْفِ وفي الحالِ فَيُعْمَلُ، قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " في الحَياةِ " صِفَةٌ ثابِتَةٌ لـِ "مَوَدَّةَ"، ويَكُونُ فِيها مُقَدَّرٌ "مُسْتَقِرَّةٌ"، وفِيها ضَمِيرٌ ثانٍ عائِدٌ إلى "مَوَدَّةَ"، فالتَقْدِيرُ -عَلى هَذا- مَوَدَّةُ بَيْنِكم مُسْتَقِرَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةَ" في قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ويَكُونُ في ذَلِكَ اتِّساعٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "مَوَدَّةَ بَيْنِهِمْ" بِالهاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما تمّ الاعتراض الواقع في خلال قصة إبراهيم عاد الكلام إلى بقية القصة بذكر ما أجابه به قومه.

والفاء تفريع على جملة ﴿ إذ قال لقومه اعبدوا الله ﴾ [العنكبوت: 16].

وجيء بصيغة حصر الجواب في قولهم ﴿ اقتلوه أو حرِّقوه ﴾ للدلالة على أنهم لم يترددوا في جوابه وكانت كلمتهم واحدة في تكذيبه وإتلافه وهذا من تصلبهم في كفرهم.

ثم ترددوا في طريق إهلاكه بين القتل بالسيف والإتلاف بالإحراق ثم استقر أمرهم على إحراقه لما دل عليه قوله تعالى ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ و ﴿ جواب قومه ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ واسمها ﴿ أن قالوا ﴾ .

وغالب الاستعمال أن يؤخر اسمها إذا كان ﴿ أن ﴾ المصدرية وصلتها كما تقدم في قوله تعالى ﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾ في آخر سورة [النور: 51]، ولذلك لم يقرأ الاسم الموالي لفعل الكون في أمثالها في غير القراءات الشاذة إلا منصوباً.

وقد أجمل إنجاؤه من النار هنا وهو مفصل في سورة الأنبياء.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الإنجاء المأخوذ من ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ وجعل ذلك الإنجاء آيات ولم يجعل آية واحدة لأنه آية لكل من شهده من قومه ولأنه يدل على قدرة الله، وكرامة رسوله، وتصديق وعده، وإهانة عدوه، وأن المخلوقات كلها جليلها وحقيرها مسخرة لقدرة الله تعالى.

وجيء بلفظ ﴿ قوم يؤمنون ﴾ ليدل على أن إيمانهم متمكن منهم ومن مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة [البقرة: 164].

فذلك آيات على عظيم عناية الله تعالى برسله فصدَّق أهل الإيمان في مختلف العصور.

ففي قوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ تعريض بأن تلك الآيات لم يصدق بها قوم إبراهيم لشدة مكابرتهم وكون الإيمان لا يخالط عقولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: آمَنَ لُوطٌ بِإبْراهِيمَ وكانَ ابْنَ أخِيهِ وآمَنَتْ بِهِ سارَةُ وكانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ.

﴿ وَقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ﴾ يَعْنِي: مُهاجِرٌ عَنِ الظّالِمِينَ.

وَفِيما هاجَرَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هاجَرَ إلى حَرّانَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

الثّانِي: أنَّهُ هاجَرَ مِن كُوثِي وهو مِن سَوادِ الكُوفَةِ إلى أرْضِ الشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الذِّكْرُ الحَسَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: رِضا أهْلِ الأدْيانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: النِّيَّةُ الصّالِحَةُ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها الأجْرَ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: لِسانُ صِدْقٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: ما أُوتِيَ في الدُّنْيا مِنَ الأجْرِ، رَواهُ ابْنُ بَرْزَةَ.

السّادِسُ: الوَلَدُ الصّالِحُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى وقالَهُ الكَلْبِيُّ حَتّى أنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِن ولَدِهِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّهُ بَقاءُ الصَّلاةِ عِنْدَ قَبْرِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ قال: أصناماً ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون أصناماً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تنحتون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون كذباً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده ﴾ قال: يبعثه.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف بدأ الخلق ﴾ قال: خلق السموات والأرض ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ قال: البعث بعد الموت.

وفي قوله: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ قال: قوم إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ قال: قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه.

وفي قوله: ﴿ قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ قال: اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا ﴿ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ قال: صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين.

وفي قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: فصدقة لوط ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هاجرا جميعاً من كوثي: وهي من سواد الكوفة إلى الشام.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وتخلقون افكا ﴾ خفيفتين وقرأ ﴿ اوثاناً مودة ﴾ منصوبة منونة ﴿ بينكم ﴾ نصب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً.

إن استطعت أن تصلي قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ النشأة الآخرة ﴾ قال: هي الحياة بعد الموت: وهو النشور.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: صدق لوط إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى حران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى الشام كان مهاجر.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط» .

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط» .

وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به.

وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الثناء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الولد الصالح والثناء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ يعني حين دعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام (١) ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ﴾ وهذا تسفيه لرأيهم، وتجهيل لأحلامهم حين أجابوا مَنْ احتج عليهم بأن يُقتل أو يُحرق (٢) قوله تعالى: ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: ففعلوا فأنجاه الله (٣) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لا تحرقه بعد ما ألقي فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ بتوحيد الله وقدرته (٤) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 166، بمعناه.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3048، بمعناه.

(٤) "تفسير مقاتل" 72 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي ﴾ يحتمل أن يكون يأسهم في الآخرة، أو يكون وصف لحالهم في الدنيا، لأن الكافر يائس من رحمة الله، والمؤمن راج خائف، وهذا الكلام من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ، إلى هنا: يحتمل أن يكون خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم معترضاً بين قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون خطاباً لإبراهيم وبعد ذلك ذكر جواب قومه له.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ﴾ .

قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ إلا كذا: ليس في جميع الأوقات وجميع المشاهد، ولكن جائز أن يكون هذا: ما كان جواب قومه في مشهد إلا كذا.

أو أن يكون: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه.

وإلا لم يحتمل ألا يكون منهم إلا ما ذكر من الجواب قد كان جوابات وأجوبة سواء.

لكن يحتمل ما ذكرنا: أن ما كان جواب قومه في مشهد إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه.

أو ما كان آخر جواب قومه إلا قالوا: اقتلوه أو حرقوه، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ  ﴾ لا يحتمل أنه لم يكن منهم إلا هذا ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ : حين ألقوه فيها، ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ : ذكر الآيات في ذلك، فجائز أن يكون ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها - لآيات لمن ذكر.

وجائز أن يكون فيما ذكر هنا خاصة، لكن ليس من شيء إلا وفيه آيات من وجوه: آية الوحدانية، وآية الألوهية، وآية علمه وحكمته وتدبيره وبعثه؛ فهو آيات.

وقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ذكر الآيات للمؤمنين يحتمل وجهين: أحدهما: ذكر الآيات لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها دون من كفر.

والثاني: الآيات لهم على المكذبين بها والكافرين، أي: حجة لهم عليهم؛ كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ كذا هو صلة قصة إبراهيم وإليه يرجع، وهو ما تقدم من دعائه إياهم حيث قال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 16].

وقوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً ﴾ يقول - والله أعلم -: ما اتخذتم من دون الله معبودات سميتموها: آلهة، فهي ليست بآلهة ولا معبود، إنما هي أوثان ﴿ مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، يقول - والله أعلم: هذه الأصنام معبودات واجتماعكم عليها إنما هي مودة حياة الدنيا، لا مودة لها عاقبة أو تدوم، بل تصير العاقبة عداوة وبغضاً، وهو ما ذكر.

﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ ، قال بعضهم: يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا؛ كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: يتبرأ المتبوع من الأتباع؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  ﴾ ونحوه.

ثم أخبر: أن مأوى الكل النار، وما لهم من ناصر ينصرهم من عذاب الله، أو يدفع عنهم العذاب.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هذا قول إبراهيم لقومه؛ كقوله: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذا قول الرسول لقومه الذين عبدوا الأصنام، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ .

قوله: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ أي: أظهر له لوط الإيمان من بين غيرهم، وقد كان لوطا مؤمنا من قبل ليس أنه أحدث له الإيمان في ذلك الوقت، ولم يكن مؤمناً قبل ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه أظهر له الإيمان من بين غيرهم.

والثاني: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ فيما دعاه إليه وهو الهجرة، أي: فيما أخبر أنه أمر بالهجرة فاستصحبه فيها.

وقوله: ﴿ مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ﴾ : قال أهل التأويل: هذا قول إبراهيم كقوله: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ﴾ قول لوط.

ثم لم يفهم من قوله: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي  ﴾ انتقاله أو المكان أو شيء مما يوجب التشبيه مما يفهم من الخلق، فكيف يفهم من قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ و ﴿ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ وأمثاله - ما يفهم من مجيء الخلق وإتيانهم واستوائهم؟

إذ لا فرق بين مجيء آخر إليه وبين مجيئه إلى آخر؛ هذا في الشاهد سواء، فكيف فهم في الغائب في أحدهما ما لم يفهم من الآخر، وهما سيان في الشاهد؟!

فدل أنه لا يجوز أن يفهم منه شيء من ذلك ما يفهم من الخلق؛ إذ أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ ﴾ يعني: لإبراهيم، ﴿ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ : ذكر أنه وهب له إسحاق ويعقوب؛ ليعلم أن الولد هبة الله، وكذلك ولد الولد؛ لأن يعقوب كان ولد ولده، حيث قال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  ﴾ فكلهم هبة الله إياه، قال: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ ﴾ : لم تزل النبوة في ذرية إبراهيم من لدنه إلى هذا الوقت، كان جميع أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق، ونبينا محمد - صلوات الله عليه - كان من ولد إسماعيل،  .

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : اختلف في الأجر الذي أخبر أنه آتاه إبراهيم في الدنيا: قال بعضهم: هو ما وهب له من الولد في الكبر.

وقال بعضهم: هو ما سخر له الألسن بأجمعها على الثناء الحسن عليه؛ حيث نسب جميع أهل الأديان على اختلاف أديانهم ومذاهبهم أنهم على دينه وسنته وسيرته وتولى كل به.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : ما أخبر أنه آتى جميع المؤمنين وأعطاهم، وهو ما قال: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ  ﴾ ، وما ذكر من ثواب الدنيا، فما من مؤمن إلا وقد آتاه الله في الدنيا أجرا وثوابا، فذلك الذي أتى إبراهيم.

أو لا نفسر ما ذلك الأجر الذي ذكر أنه آتاه الله؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لو لم يكرمه الله بالنبوة والرسالة لكان هو أيضاً في الآخرة من الصالحين.

والثاني: ذكر الصلاح له لحقيقة صلاحه، أي: يكون هو ممن حقق الصلاح؛ وكذلك ما ذكر في موسى وهارون حيث قال: ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: من عبادنا الذين حققوا الإيمان، وغيرهم من المؤمنين لم يحققوا.

أو أن يكون ما ذكرنا، أي: لو لم يكن الإكرام الذي أكرمه الله - وهو النبوة - لكان من المؤمنين أيضاً، وإلا ليس في ذكر الإيمان والصلاح لهم كبير منقبة وفضيلة عند الناس؛ إذ يسمى بهذين كل مؤمن ومصلح، والله أعلم.

وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ قال: عمله ما جزي في الآخرة.

وقتادة يقول: آتاه الله عاقبة وعملا صالحاً وثناء حسناً، وقال: فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى بإبراهيم، والله أعلم بذلك.

وقال بعضهم: ما ذكرنا: أنه أعطى الولد الطيب في كبر سنه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما كان جواب قوم إبراهيم له -بعد ما أمرهم به من عبادة الله وحده وترك عبادة غيره من الأوثان- إلا أن قالوا: اقتلوه أو ارموه في النار انتصارًا لآلهتكم، فسلّمه الله من النار، إن في تسليمه من النار بعد رميه فيها لعِبَرًا لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالعبر.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ze3q1"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله