الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤٥ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٥ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن ، وهو قراءته وإبلاغه للناس : ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) يعني : أن الصلاة تشتمل على شيئين : على ترك الفواحش والمنكرات ، أي : إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك .
وقد جاء في الحديث من رواية عمران ، وابن عباس مرفوعا : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم تزده من الله إلا بعدا " .
[ ذكر الآثار الواردة في ذلك ] : قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس ، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد ، حدثنا عمر بن أبي عثمان ، حدثنا الحسن ، عن عمران بن حصين قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) قال : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، فلا صلاة له " .
وحدثنا علي بن الحسين ، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي حدثنا أبو معاوية ، عن ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم يزدد بها من الله إلا بعدا " .
ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية .
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن العلاء بن المسيب ، عمن ذكره ، عن ابن عباس في قوله : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) قال : فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر ، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا .
فهذا موقوف .
قال ابن جرير : وحدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا علي بن هاشم بن البريد ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا صلاة لمن لم يطع الصلاة ، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر " .
قال : وقال سفيان : ( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك ) [ هود : 87 ] قال : فقال سفيان : أي والله ، تأمره وتنهاه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو خالد مرة : عن عبد الله - : " لا صلاة لمن لم يطع الصلاة ، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر " .
والموقوف أصح ، كما رواه الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : قيل لعبد الله : إن فلانا يطيل الصلاة ؟
قال : إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها .
وقال ابن جرير : قال علي : حدثنا إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر ، لم يزدد بها من الله إلا بعدا " .
والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن وقتادة ، والأعمش وغيرهم ، والله أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا جرير - يعني ابن عبد الحميد - عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : أراه عن جابر - شك الأعمش - قال : قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن فلانا يصلي فإذا أصبح سرق ، قال : " سينهاه ما يقول " .
وحدثنا محمد بن موسى الحرشي حدثنا زياد بن عبد الله ، عن الأعمش عن أبي صالح ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه - ولم يشك - ثم قال : وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش واختلفوا في إسناده ، فرواه غير واحد عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أو غيره ، وقال قيس عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، وقال جرير وزياد : عن عبد الله ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش قال : أنبأنا أبو صالح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق ؟
فقال : " إنه سينهاه ما يقول " .
وتشتمل الصلاة أيضا على ذكر الله تعالى ، وهو المطلوب الأكبر ; ولهذا قال تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) أي : أعظم من الأول ، ( والله يعلم ما تصنعون ) أي : يعلم جميع أقوالكم وأعمالكم .
وقال أبو العالية في قوله : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ، قال : إن الصلاة فيها ثلاث خصال ، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة : الإخلاص ، والخشية ، وذكر الله .
فالإخلاص يأمره بالمعروف ، والخشية تنهاه عن المنكر ، وذكر القرآن يأمره وينهاه .
وقال ابن عون الأنصاري : إذا كنت في صلاة فأنت في معروف ، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر ، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر .
وقال حماد بن أبي سليمان : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) يعني : ما دمت فيها .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولذكر الله أكبر ) ، يقول : ولذكر الله لعباده أكبر ، إذا ذكروه من ذكرهم إياه .
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس .
وبه قال مجاهد ، وغيره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن داود بن أبي هند ، عن رجل ، عن ابن عباس : ( ولذكر الله أكبر ) قال : ذكر الله عند طعامك وعند منامك .
قلت : فإن صاحبا لي في المنزل يقول غير الذي تقول : قال : وأي شيء يقول ؟
قلت : قال : يقول الله : ( فاذكروني أذكركم ) [ البقرة : 152 ] ، فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه .
قال : صدق .
قال : وحدثنا أبي ، حدثنا النفيلي ، حدثنا إسماعيل ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولذكر الله أكبر ) قال : لها وجهان ، قال : ذكر الله عندما حرمه ، قال : وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن ربيعة قال : قال لي ابن عباس : هل تدري ما قوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) ؟
قال : قلت : نعم .
قال : فما هو ؟
قلت : التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة ، وقراءة القرآن ، ونحو ذلك .
قال : لقد قلت قولا عجبا ، وما هو كذلك ، ولكنه إنما يقول : ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه ، أكبر من ذكركم إياه .
وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس .
وروي أيضا عن ابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وسلمان الفارسي ، وغيرهم .
واختاره ابن جرير .
القول في تأويل قوله تعالى : اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (اتْلُ) يعني: اقرأ (مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) يعني: ما أنـزل إليك من هذا القرآن (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) يعني: وأدّ الصلاة التي فرضها الله عليك بحدودها( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) اختلف أهل التأويل في معنى الصلاة التي ذُكرت في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي الوفاء، عن أبيه، عن ابن عمر ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد.
وقال آخرون: بل عنى بها الصلاة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس، في قول الله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد، قال: قال العلاء بن المسيب، عن سمرة بن عطية، قال: قيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة، قال: فإنها لا تنفع إلا من أطاعها.
قال ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، قال: من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا.
قال ثنا الحسين، قال: ثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يُطِعِ الصَّلاةَ، وَطاعَةُ الصَّلاةِ أنْ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ" قال: قال سفيان: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ قال: فقال سفيان: إي والله، تأمره وتنهاه.
قال علي: وحدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلى صَلاةً لَمْ تَنْهَهُ عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا ".
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: الصلاة إذا لم تنه عن الفحشاء والمنكر، قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة والحسن، قالا من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإنه لا يزداد من الله بذلك إلا بعدا.
والصواب من القول في ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال ابن عباس وابن مسعود، فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر إن لم يكن معنيا بها ما يتلى فيها؟
قيل: تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا بعدا.
وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر.
حدثنا أبو حميد الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، في قول الله ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، و (الفَحْشَاءِ): هو الزنا، و (المُنْكَر): معاصي الله، ومن أتى فاحشة أو عَصَى الله في صلاته بما يفسد صلاته، فلا شكّ أنه لا صلاة له.
وقوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟
قال: قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: لقد قلت قولا عجبا وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه، إذا ذكرتموه (أَكْبَرُ) من ذكركم إياه.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن ربيعة، عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن ربيعة، قال: سألني ابن عباس، عن قول الله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) فقلت: ذكره بالتسبيح والتكبير والقرآن حسن، وذكره عند المحارم فيحتجز عنها.
فقال: لقد قلت قولا عجيبا وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، عن ابن عباس (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه.
حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع، قال ابن المثنى: ثني عبد الأعلى وقال ابن وكيع: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت قاعدا عند ابن عباس، فجاءه رجل، فسأل ابن عباس عن ذكر الله أكبر، فقال ابن عباس: الصلاة والصوم، قال: ذاك ذكر الله، قال رجل: إني تركت رجلا في رحلي يقول غير هذا، قال: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله العباد أكبر من ذكر العباد إياه، فقال ابن عباس: صدق والله صاحبك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: حدثني عن قول الله (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن عكرمة (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: هو قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس (وَلَذِكْرُ اللهِ) لعباده إذا ذكروه (أكْبَرُ) من ذكركم إياه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ) قال: ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه في الصلاة أو غيرها.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، عن ابن عباس، قال: ذكر الله إياكم، إذا ذكرتموه، أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيْلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن أبي قرة، عن سلمان، مثله.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عَريب، عن كثير بن مرّة الحضرميّ، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟
قالوا: ما هو؟
قال: ذكركم ربكم، وذكر الله أكبر.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي قرة، عن سلمان (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: قال ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
قال: ثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: سألت أبا قرة، عن قوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قالا ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس قال: هو كقوله: (اذْكُرُونِي أذْكرْكُمْ) فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
قال: ثنا حسن بن عليّ، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لربه.
قال: ثنا أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكركم الله أفضل من كلّ شيء.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، عن العيزار بن حريث، عن رجل، عن سلمان أنه سئل: أيّ العمل أفضل؟
قال: أما تقرأ القرآن (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) : لا شيء أفضل من ذكر الله.
حدثنا ابن حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عليّ بن عياش، قال: ثنا &; 20-45 &; الليث، قال: ثني معاوية، عن ربيعة بن يزيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أمّ الدرداء، أنها قالت: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) فإن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكلّ خير تعمله فهو من ذكر الله، وكل شرّ تجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيحُ الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: لا شيء أكبر من ذكر الله، قال: أكبر الأشياء كلها، وقرأ (أقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِي) قال: لذكر الله وإنه لم يصفه عند القتال إلا أنه أكبر.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لسلمان: أي العمل أفضل،؟
قال: ذكر الله.
وقال آخرون: هو محتمل للوجهين جميعا، يعنون القول الأوّل الذي ذكرناه والثاني.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرِمة، عن ابن عباس في قوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: لها وجهان: ذكر الله أكبر مما سواه، وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا خالد الحذّاء، عن عكرِمة، عن ابن عباس في قوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: لها وجهان: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وذكر الله عند ما حُرم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لذكر الله العبد في الصلاة، أكبر من الصلاة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السُّدِّي، عن أبي مالك في قوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) قال: ذكر الله العبد في الصلاة، أكبر من الصلاة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللصلاة التي أتيت أنت بها، وذكرك الله فيها، أكبر مما نهتك الصلاة من الفحشاء والمنكر.
حدثني أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، في قول الله ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر.
قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، قول من قال: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه.
وقوله: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) يقول: والله يعلم ما تصنعون أيها الناس في صلاتكم، من إقامة حدودها، وترك ذلك وغيره من أموركم، وهو مجازيكم على ذلك، يقول: فاتقوا أن تضيعوا شيئا من حدودها، والله أعلم.
قوله تعالى : اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( اتل ) أمر من التلاوة والدءوب عليها وقد مضى في ( طه ) الوعيد فيمن أعرض عنها وفي مقدمة الكتاب الأمر بالحض عليها والكتاب يراد به القرآن .الثانية : ( وأقم الصلاة ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها وقد تقدم بيان ذلك في ( البقرة ) فلا معنى للإعادة .الثالثة : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر يريد : إن الصلوات الخمس [ ص: 320 ] هي التي تكفر ما بينها من الذنوب ; كما قال عليه السلام : أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ؟
قالوا : لا يبقى من درنه شيء ; قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال فيه : حديث حسن صحيح .
وقال ابن عمر : الصلاة هنا القرآن .
والمعنى : الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر وعن الزنا والمعاصي .قلت : ومنه الحديث الصحيح : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) يريد قراءة الفاتحة وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي : العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا ; أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها .
قال ابن عطية : وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك ; قال : كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ركبه ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الصلاة ستنهاه .
فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم أقل لكم .
وفي الآية تأويل ثالث وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون ; فقيل : المراد ب ( أقم الصلاة ) إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر ; وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة ، والصلاة تشغل كل بدن المصلي ، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه واذكر أنه واقف بين يديه وأنه مطلع عليه ويراه ; صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى وظهرت على جوارحه هيبتها ، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة ، فهذا معنى هذه الأخبار ; لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون .قلت : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله ، وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد ; فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم وهذا مما لا خلاف فيه .
وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك [ ص: 321 ] الملوك .
فهذه صلاة تنهى - ولا بد - عن الفحشاء والمنكر ، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل كصلاتنا - وليتها تجزي - فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده .
وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند قال ابن عطية سمعت أبي رضي الله عنه يقول : فإذا قررنا ونظر معناه فغير جائز أن يقول : إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية ، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله بل تتركه على حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر والبعد ، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله ، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله .
وقيل لابن مسعود : إن فلانا كثير الصلاة .
فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها .قلت : وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث : لم تزده من الله إلا بعدا ولم يزدد بها من الله إلا مقتا إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته ; لغلبة المعاصي على صاحبها .
وقيل : هو خبر بمعنى الأمر أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر .
والصلاة بنفسها لا تنهى ولكنها سبب الانتهاء .
وهو كقوله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق وقوله : أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركونقوله تعالى : ولذكر الله أكبر أي ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم ، قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن ; وهو اختيار الطبري وروي مرفوعا من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل : ولذكر الله أكبر قال : ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه .
وقيل : ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء .[ ص: 322 ] وقيل : المعنى ; إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر وقال الضحاك : ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجل الذكر .
وقيل : المعنى : ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير و ( أكبر ) يكون بمعنى كبير وقال ابن زيد وقتادة : ولذكر الله أكبر من كل شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر .
وقيل : ذكر الله يمنع من المعصية فإن من كان ذاكرا له لا يخالفه قال ابن عطية : وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقب له .
وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى ; كما في الحديث : ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ) والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي .
والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة لذكر العبد ربه .
قال الله عز وجل : فاذكروني أذكركم وباقي الآية ضرب من الوعيد والحث على المراقبة .
يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهو هذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله، داخلة في تلاوة الكتاب.
فيكون قوله: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ } من باب عطف الخاص على العام، لفضل الصلاة وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } والفحشاء: كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس.والمنكر: كل معصية تنكرها العقول والفطر.ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها.
وثَمَّ في الصلاة مقصود أعظم من هذا وأكبر، وهو ما اشتملت عليه من ذكر اللّه، بالقلب واللسان والبدن.
فإن اللّه تعالى، إنما خلق الخلق لعبادته، وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها، ما ليس في غيرها، ولهذا قال: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها، أخبر أن ذكره تعالى خارج الصلاة أكبر من الصلاة، كما هو قول جمهور المفسرين، لكن الأول أولى، لأن الصلاة أفضل من الذكر خارجها، ولأنها -كما تقدم- بنفسها من أكبر الذكر.{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } من خير وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه.
( اتل ما أوحي إليك من الكتاب ) يعني القرآن ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) الفحشاء : ما قبح من الأعمال ، والمنكر : ما لا يعرف في الشرع .
قال ابن مسعود ، وابن عباس : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله ، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ، ولم تنهه عن المنكر ، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا .
وقال الحسن ، وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه .
وروي عن أنس قال : كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه ، فوصف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاله فقال : " إن صلاته تنهاه يوما " فلم يلبث أن تاب وحسن حاله .
وقال ابن عون : معنى الآية أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها .
وقيل : أراد بالصلاة القرآن ، كما قال تعالى : " ولا تجهر بصلاتك " ( الإسراء - 110 ) أي : بقراءتك ، وأراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة ، فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق ، قال : " ستنهاه قراءته " .
وفي رواية قيل : يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل ، فقال : " إن صلاته لتردعه " .
قوله - عز وجل - : ( ولذكر الله أكبر ) أي : ذكر الله أفضل الطاعات .
أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد ، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البردعي ، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، أخبرنا هارون بن معروف أبو علي الضرير ، أخبرنا أنس بن عياض ، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش ، عن أبي تجرية ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وأن تلقوا عدوكم ، فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم " ؟
قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟
قال : " ذكر الله " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا أبو الأسود ، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج ، عن أبي السمح ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل أي ، العباد أفضل ، درجة عند الله يوم القيامة ؟
قال : " الذاكرون الله كثيرا " قالوا : يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله ؟
فقال : " لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر أو يختضب دما ، لكان الذاكر الله كثيرا أفضل منه درجة " .
وروينا أن أعرابيا قال : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟
قال : " أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري ، أخبرنا أمية بن بسطام العيشي ، أخبرنا يزيد ، يعني : ( ابن زريع ) ، أخبرنا روح بن القاسم ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان ، فقال : " سيروا ، هذا جمدان ، سبق المفردون " ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟
قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " .
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا خلاد بن أسلم ، حدثنا النضر ، أخبرنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت الأغر قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده " .
وقال قوم : معنى قوله : " ولذكر الله أكبر " أي : ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه .
ويروى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ويروى ذلك مرفوعا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال عطاء في قوله : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " ، قال : ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية .
( والله يعلم ما تصنعون ) قال عطاء : يريد لا يخفى عليه شيء .
«اتل ما أوحي إليك من الكتاب» القرآن «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» شرعا أي من شأنها ذلك ما دام المرء فيها «ولذكر الله أكبر» من غيره من الطاعات «والله يعلم ما تصنعون» فيجازيكم به.
اتل ما أُنزل إليك من هذا القرآن، واعمل به، وأدِّ الصلاة بحدودها، إن المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ وذلك لأن المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها، يستنير قلبه، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تنعدم رغبته في الشر، ولَذكر الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل من كل شيء.
والله يعلم ما تصنعون مِن خيرٍ وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه.
والمقصود بالتلاوة فى قوله - تعالى - : ( اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب ) : القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ ، وبتفهم المعانى .
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم كل من آمن به .
أى : اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ ، ودوام على ذلك ، ومر أتباعك أن يقتدوا بك فى المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة .( وَأَقِمِ الصلاة ) أى : وواظب على إقامة الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإخلاص واطمئنان ، وعلى المؤمنين أن يقتدوا لك فى ذلك .وقوله : ( إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ) تعليل للأمر بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص .
أى : دوام - أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة بالطريقة التى يحبها الله - تعالى - ، فإن من شأن الصلاة التى يؤديها المسلم فى أوقاتها بشخوع وإخلاص ، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء - وهى كل ما قبح قوله وفعله - ، وعن المنكر - وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة - .قال الجمل : " ومعنى نهيها عنهما ، أنها سبب الانتهاء عنها لأنها مناجاة لله - تعالى - ، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته ، وإعراض كل عن معاصيه .قال ابن مسعود : فى الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله ، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ، ولم تنهه عن المنكر ، لم يزدد من الله إلا بعداً .
.وروى عن أنس - رضى الله عنه - أن فتى من الأنصار ، كان يصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم ثم يأتى الفواحش ، فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم - فقال : إن صلاته ستناه ، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله .والخلاصة : أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإِخلاص والخشوع وبإتمام سنننها وآدابها ، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، فإن وجدت إنساناً يؤدى الصلاة ، ولكنه مع ذلك يرتكب بعض المعاصى ، فأقول لك : إن الذنب ليس ذنب الصلاة ، وإنما الذنب ذنبه ذا المرتكب للمعاصى ، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوباً بالخشوع والإِخلاص ..
.
.
وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه .
.
ولعلها تنهاه فى يوم من الأيام ببركة مداومته عليها ، كما جاء فى الحديث الشريف : " إن الصلاة ستنهاه " .وقوله - سبحانه - : ( وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) أى : ولذكر الله - تعالى - بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر ، أفضل وأكبر من كل شئ آخر ، لأن هذا الذكر لله - تعالى - فى كل الأحوال ، دليل على صدق الإِيمان ، وحسن الصلة بالله - تعالى - .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) ، قال ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر .
.
أى : ولذكر الله - تعالى - إياكم ، أكبر من ذكركم إياه - سبحانه - .
.وروى عن جماعة من السلف أن المعنى : ولذرك العبد لله - تعالى - ، أكبر من سائر الأعمال .أخرج الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل قال : ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله يوم القيامة ، من ذكر الله - تعالى - .وقيل : المراد بذكر الله : الصلاة .
كما فى قوله - تعالى - : ( فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ) أى : إلى الصلاة ، فيكون المعنى : وللصلاة أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبر عنها به ، للإِيذان بأن ما فيها من ذكر الله - تعالى - هو العمدة فى كونها مفضلة على الحسنات ، نهاية عن السيئات .ويبدو لنا أن المراد بذكر الله - تعالى - هنا : ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح ، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع ، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال : التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل ، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال .
.وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله - تعالى - ، كان ثوابه - سبحانه - له ، وثناؤه عليه ، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل .وقوله - سبحانه - : ( والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) تذييل قصد به الترغيب فى إخلاص العبادة لله ، والتحذير من الرياء فيها .أى : داوموا - أيها المؤمنون .
على تلاوة القرآن الكريم ، بتدبر واعتبار ، وأقيموا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وخضوع ، وأكثروا من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، فإن الله - تعالى - يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير أو شر ، وسيجازى - سبحانه - الذين آساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
يعني إن كنت تأسف على كفرهم فاتل ما أوحي إليك لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة ولهذا قال: ﴿ اتل ﴾ وما قال عليهم، لأن التلاوة ما كانت بعد اليأس منهم إلا لتسلية قلب محمد عليه الصلاة والسلام وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن الرسول إذا كان معه كتاب وقرأ كتابه مرة ولم يسمع لم يبق له فائدة في قراءته لنفسه فنقول الكتاب المنزل مع النبي المرسل ليس كذلك، فإن الكتب المسيرة مع الرسل على قسمين قسم يكون فيه سلام وكلام، مع واحد يحصل بقراءته مرة تمام المرام، وقسم يكون فيه قانون كلي تحتاج إليه الرعية في جميع الأوقات كما إذا كتب الملك كتاباً فيه إنا رفعنا عنكم البدعة الفلانية ووضعنا فيكم السنة الفلانية وبعثنا إليكم هذا الكتاب فيه جميع ذلك فليكن ذلك كمنوال ينسج عليه وال بعد وال، فمثل هذا الكتاب لا يقرأ ويترك بل يعلق من مكان عال، وكثيراً ما تكتب نسخته على لوح ويثبت فوق المحاريب، ويكون نصب الأعين، فكذلك كتاب الله مع رسوله محمد قانون كلي فيه شفاء للعالمين فوجب تلاوته مرة بعد مرة ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم ويثبت في الصدور على مرور الدهور الوجه الثاني: هو أن الكتب على ثلاثة أقسام كتاب لا تكره قراءته إلا للغير كالقصص فإن من قرأ حكاية مرة لا يقرؤها مرة أخرى إلا لغيره، ثم إذا سمعه ذلك الغير لا يقرؤها إلا لآخر لم يسمعه ولو قرأه عليه لسئموه، وكتاب لا يكرر عليه إلا للنفس كالنحو والفقه وغيرهما وكتاب يتلى مرة بعد مرة للنفس وللغير كالمواعظ الحسنة فإنها تكرر للغير وكلما سمعها يلتذ بها ويرق لها قلبه ويستعيدها وكلما تدخل السمع يخرج الوسواس مع الدمع وتكرر أيضاً لنفس المتكلم فإن كثيراً ما يلتذ المتكلم بكلمة طيبة وكلما يعيدها يكون أطيب وألذ وأثبت في القلب وأنفذ حتى يكاد يبكي من رقته دماً ولو أورثه البكاء عمى، إذا علم هذا فالقرآن من القبيل الثالث مع أن فيه القصص والفقه والنحو فكان في تلاوته في كل زمان فائدة.
المسألة الثانية: لم خصص بالأمر هذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة؟
فنقول لوجهين: أحدهما: أن الله لما أراد تسلية قلب محمد عليه السلام قال له الرسول واسطة بين طرفين من الله إلى الخلق، فإذا لم يتصل به الطرف الواحد ولم يقبلوه فالطرف الآخر متصل، ألا ترى أن الرسول إذا لم تقبل رسالته توجه نحو مرسله، فإذا تلوت كتابك ولم يقبلوك فوجه وجهك إليَّ وأقم الصلاة لوجهي الوجه الثاني: هو أن العبادات المختصة بالعبد ثلاثة: وهي الاعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية خارجية وهي العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن من اعتقد شيئاً لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمراً والنبي عليه السلام كان ذلك حاصلاً له عن عيان أكمل مما يحصل عن بيان، فلم يؤمر به لعدم إمكان تكراره، لكن الذكر ممكن التكرار، والعبادة البدنية كذلك فأمره بهما فقال: أتل الكتاب وأقم الصلاة.
المسألة الثالثة: كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟
نقول قال بعض المفسرين المراد من الصلاة القرآن وهو ينهى أي فيه النهي عنهما وهو بعيد لأن إرادة القرآن من الصلاة في هذا الموضع الذي قال قبله ﴿ اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ ﴾ بعيد من الفهم، وقال بعضهم أراد به نفس الصلاة وهي تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، لأنه لا يمكنه الاشتغال بشيء منهما، فنقول هذا كذلك لكن ليس المراد هذا وإلا لا يكون مدحاً كاملاً للصلاة، لأن غيرها من الأشغال كثيراً ما يكون كذلك كالنوم في وقته وغيره فنقول: المراد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر مطلقاً وعلى هذا قال بعض المفسرين الصلاة هي التي تكون مع الحضور وهي تنهى، حتى نقل عنه صلى الله عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد بها إلا بعداً ونحن نقول الصلاة الصحيحة شرعاً تنهى عن الأمرين مطلقاً وهي التي أتى بها المكلف لله حتى لو قصد بها الرياء لا تصح صلاته شرعاً وتجب عليه الإعادة، وهذا ظاهر فإن من نوى بوضوئه الصلاة والتبرد قيل لا يصح فكيف من نوى بصلاته الله وغيره إذا ثبت هذا فنقول الصلاة تنهى من وجوه: الأول: هو أن من كان يخدم ملكاً عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة، ويرى عبداً من عباده قد طرده طرداً لا يتصور قبوله، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله، يستحيل من ذلك المقرب عرفاً أن يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار عبداً له، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر الثاني: هو أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج مذهب يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفاً، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع يمينه على شماله؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة، ولباس التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم، فإذن من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر.
ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع الثالث: من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصباً له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين، إذ صار من أصحاب اليمين، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر الرابع: وهو موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيداً عن الملك كالسوقي والمنادي والمتعيش لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل في دكان الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك كما إذا صار واحداً من الجندارية والقواد والسواس عند الملك لا تمنعه تلك القربة من تعاطي ما كان يفعله، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميراً حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى: ﴿ واسجد واقترب ﴾ فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلاً عن الكبائر، وفي الآية وجه آخر معقول يؤكده المنقول وهو أن المراد من قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ هو أنها تنهى عن التعطيل والإشراك، والتعطيل هو إنكار وجود الله، والإشراك إثبات ألوهية لغير الله.
فنقول التعطيل عقيدة فحشاء لأن الفاحش هو القبيح الظاهر القبح، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من شيء إلا وفيه آية على الله ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر الإنكار، فالقول بأن لا إله قبيح والإشراك منكر، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفساً إلى غير الوالد مع جواز أن يكون له ولد حيث قال: ﴿ إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول ﴾ فالمشرك الذي يقول الملائكة بنات الله وينسب إلى من لم يلد، ولا يجوز أن يكون له ولد، ولداً كيف لا يكون قوله منكراً؟
فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول الله أكبر، فبقوله الله ينفي التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، فإذا قال: ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة، والرحيم من يعطي البقاء بالرزق بالرحمة، فإذا قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ ، أثبت بقوله: ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل وبقوله: ﴿ رَبّ العالمين ﴾ خلاف الإشراك، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فإذا قال: ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له، وبقوله: ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله فينفي الإشراك والتعطيل، وهاهنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة الله وآخرها لفظة الله في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع الله، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمداً رسول الله والصلاة على الرسول والتسليم، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لا غير، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى الله وحصل مع الله لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول، كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب، فقال أنت في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول الله، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر إحسانه بالصلاة عليه، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي الله كوقوف المملوك بين يدي السلطان، ثم إن آخرها جثو بين يدي الله كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه بالإجلاس، كأن العبد لما وقف وأثنى على الله أكرمه الله وأجلسه فجثا، وفي هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له جثو في الآخرة، ولا يكون من الذين قال الله في حقهم: ﴿ وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ .
لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم، فقال: ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بملء أفواهكم وقلوبكم، لكن ذكر الله أكبر، فينبغي أن يكون على أبلغ وجوه التعظيم، وأما الصلاة فكذلك لأن الله يعلم ما تصنعون، وهذا أحسن صنعكم فينبغي أن يكون على وجه التعظيم، وفي قوله: ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ مع حذف بيان ما هو أكبر منه لطيفة وهي أن الله لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن ما نسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة، إذا لا يقال الجبل أكبر من خردلة، وإنما يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر الله له الكبر لا لغيره، وهذا كما يقال في الصلاة الله أكبر أي له الكبر لا لغيره.
<div class="verse-tafsir"
الصلاة تكون لطفاً في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها.
فإن قلت: كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟
قلت الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق بها الثواب: أن يدخل فيها مقدّماً للتوبة النصوح، متقياً؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ [المائدة: 27] ويصليها خاشعاً بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم: كأنّ رجلي على الصراط والجنة عن يميني والنار عن يساري وملك الموت من فوقي، وأصلي بين الخوف والرجاء؛ ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً» وعن الحسن رحمه الله: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه.
وقيل: من كان مراعياً للصلاة جرّه ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه» وروي أنّ فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات، ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب.
وعلى كل حال إنّ المراعي للصلاة لابد أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها.
وأيضاً فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها، كما تقول: إنّ زيداً ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكير، وإنما تريد أنّ هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ [الجمعة: 9] وإنما قال: ولذكر الله: ليستقلّ بالتعليل، كأنه قال: وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله.
أو ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر، فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته ﴿ والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِقِراءَتِهِ وتَحَفُّظًا لِألِفاظِهِ واسْتِكْشافًا لِمَعانِيهِ، فَإنَّ القارِئَ المُتَأمِّلَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّكْرارِ ما لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ أوَّلُ ما قَرَعَ سَمْعَهُ.
﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ بِأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ عَنِ المَعاصِي حالَ الِاشْتِغالِ بِها وغَيْرِها مِن حَيْثُ إنَّها تُذَكِّرُ اللَّهَ وتُورِثُ النَّفْسَ خَشْيَةً مِنهُ.
رُوِيَ «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الصَّلَواتِ ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا ارْتَكَبَهُ، فَوُصِفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: «إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ» فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ» .
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهِ لِلتَّعْلِيلِ بِأنَّ اشْتِمالَها عَلى ذِكْرِهِ هو العُمْدَةُ في كَوْنِها مُفَضَّلَةً عَلى الحَسَناتِ ناهِيَةً عَنِ السَّيِّئاتِ، أوْ ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ﴾ مِنهُ ومِن سائِرِ الطّاعاتِ فَيُجازِيكم بِهِ أحْسَنَ المُجازاةِ.
<div class="verse-tafsir"
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)
{اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب} تقرباً إلى الله تعالى بقراءة كلامه ولتقف على ما أمر به ونهى عنه {وأقم الصلاة} أي دم على إقامة الصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً {والمنكر} هو ما ينكره الشرع والعقل قيل من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما فقد روى أنه قيل يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم
إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال إن صلاته لتردعه وروى أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال إن صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب وقال ابن عوف إن الصلاة تنهى إذا كنت فيها فأنت في معروف وطاعة وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر وعن الحسن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه {ولذكر الله أكبر} أي الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات وإنما قال ولذكر الله ليستقل بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ذكر الله وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته وقال ابن عطاء ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى وقال سلمان ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل فقد قال عليه السلام ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا وما ذاك يا رسول الله قال ذكر الله وسئل أي الأعمال أفضل قال أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله أو ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهاكم وعقولكم أو ذكر الله أكبر من أن تلقى معه معصية أو ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من غيره {والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} من الخير والطاعة فيثيبكم
العنكبوت (٤٩ - ٤٦)
أحسن الثواب
﴿ اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ أيْ دُمْ عَلى تِلاوَةِ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى بِتِلاوَتِهِ وتَذَكُّرًا لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ المَعانِي وتَذْكِيرًا لِلنّاسِ وحَمْلًا لَهم عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ ومَحاسِنِ الآدابِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ ﴾ أيْ داوِمْ عَلى إقامَتِها.
وحَيْثُ كانَتِ الصَّلاةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ المُؤَدّاةِ بِالجَماعَةِ وكانَ أمْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإقامَتِها مُتَضَمِّنًا لِأمْرِ الأُمَّةِ بِها عُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَلِّ بِهِمْ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَعْنى نَهْيُها إيّاهم عَنْ ذَلِكَ أنَّها لِتَضَمُّنِها صُنُوفَ العِبادَةِ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ والقِراءَةِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَهُ سُبْحانَهُ الدّالِّ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ كَأنَّها تَقُولُ لِمَن يَأْتِي بِها لا تَفْعَلِ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ ولا تَعْصِ رَبًّا هو أهْلٌ لِما أتَيْتَ بِهِ، وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ وتَعْصِيَهُ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ أتَيْتَ مِمّا يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ بِما تَكُونُ بِهِ إنْ عَصَيْتَ وفَعَلْتَ الفَحْشاءَ أوِ المُنْكَرَ كالمُتَناقِضِ في أفْعالِهِ، وبِما ذُكِرَ يَنْحَلُّ الإشْكالُ المَشْهُورُ وهو أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ المُرْتَكِبِينَ لِلْفَحْشاءِ والمُنْكَرِ يُصَلُّونَ ولا يَنْتَهُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ نَهْيَها إيّاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ بِهَذا المَعْنى لا يَسْتَلْزِمُ انْتِهاءَهم.
ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ ﴾ والنّاسُ لا يَنْتَهُونَ ولَيْسَ نَهْيُ الصَّلاةِ بِأعْظَمَ مِن نَهْيِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ اسْتِلْزامٌ فَكَيْفَ يَكُونُ هُنا.
وما أرى هَذا الإشْكالَ إلّا مَبْنِيًّا عَلى تَوَهُّمِ اسْتِلْزامِ النَّهْيِ لِلِانْتِهاءِ، وهو تَوَهُّمٌ باطِلٌ وتَخَيُّلٌ عاطِلٌ لا يَشْهَدُ لَهُ عَقْلٌ ولا يُؤَيِّدُهُ نَقْلٌ.
ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنْ ذَلِكَ ما دامَ المُصَلِّي فِيها، وكَأنَّهم أرادُوا أنَّها كالنّاهِيَةِ لِلْمُصَلِّي القائِلَةِ لَهُ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ ما دامَ فِيها لِأنَّهُ إذا فَرَغَ مِنها فَقَدِ انْقَطَعَتِ الأقْوالُ والأفْعالُ الَّتِي كانَ النَّهْيُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
ونُقِلَ عَنِ القُطْبِ أنَّهُ قالَ في جَوابِ الإشْكالِ: إنَّ الصَّلاةَ تُقامُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ ومَن كانَ ذاكِرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنَعَهُ ذَلِكَ عَنِ الإتْيانِ بِما يَكْرَهُهُ مِنهُ تَعالى مِمّا قَلَّ أوْ كَثُرَ وكُلُّ مَن تَراهُ يُصَلِّي ويَأْتِي الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ فَهو بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي لَكانَ أشَدَّ إتْيانًا فَقَدْ أثَّرَتِ الصَّلاةُ في تَقْلِيلِ فَحْشائِهِ ومُنْكَرِهِ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّ الصَّلاةَ سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا كُلِّيًّا لِما أنَّ الصَّلاةَ في حُكْمِ النَّكِرَةِ وهي في الإثْباتِ لا يَجِبُ أنْ تَعُمَّ فَيَنْحَلُّ الإشْكالُ، وعَلى ما قُلْنا لا يَضُرُّ دَعْوى الكُلِّيَّةِ.
نَعَمِ النَّهْيُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ أداءِ الصَّلاةِ فَهو في صَلاةٍ أُدِّيَتْ عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ مِنَ الخُشُوعِ والتَّدَبُّرِ لِما يُتْلى فِيها مَعَ الإتْيانِ بِفُرُوضِها وواجِباتِها وسُنَنِها وآدابِها عَلى أحْسَنِ أحْوالِها أتَمُّ، وقَدْ يَضْعُفُ النَّهْيُ فِيها حَتّى كَأنَّهُ لا تَنْهى كَما في الصَّلاةِ الَّتِي تُؤَدّى مَعَ الغَفْلَةِ التّامَّةِ والإخْلالِ بِما يَلِيقُ فِيها وهي الصَّلاةُ المَرْدُودَةُ الَّتِي تُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ ويُرْمى بِها وجْهُ صاحِبِها فَتَقُولُ لَهُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ تَعالى كَما ضَيَّعْتَنِي، وكَأنَّ مُرادَ القائِلِ: إنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الَّتِي تَنْهى عَمّا ذُكِرَ هي الصَّلاةُ المَقْبُولَةُ هو هَذا.
وقَدْ يُجْعَلُ الِانْتِهاءُ عَلامَةَ القَبُولِ.
رَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ قُبِلَتْ صَلاتُهُ أمْ لَمْ تَقْبَلْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ مَنَعَتْهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَبِقَدْرِ ما مَنَعَتْهُ قُبِلَتْ مِنهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ».
وفي لَفْظٍ: «لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بُعْدًا»» وأخْرَجَهُ بِهَذا اللَّفْظِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا يُطِيلُ الصَّلاةَ فَقالَ: إنَّ الصَّلاةَ لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها ثُمَّ قَرَأ ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ وقَدْ يَتَّفِقُ لِمَن يُكْثِرُ الصَّلاةَ أنْ تَقَعَ بَعْضُ صَلاتِهِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَتُقْبَلُ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا، ويَظْهَرُ أثَرُ ذَلِكَ بِالِانْتِهاءِ عَنِ المَعاصِي، ويُشِيرُ إلى هَذا ما أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حَيّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ فُلانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإذا أصْبَحَ سَرَقَ قالَ سَيَنْهاهُ ما تَقُولُ»».
وأصْرَحُ مِنهُ فِيما ذَكَرْنا ما رُوِيَ «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصَّلاةَ ولا يَدْعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا رَكِبَهُ فَوُصِفَ لَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ صَلاتَهَ سَتَنْهاهُ» فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا أنْ تابَ»، إلّا أنَّ ابْنَ حَجْرِ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
ثُمَّ إنَّ حَمْلَ الصَّلاةِ في الآيَةِ عَلى الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ هو الظّاهِرُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ والأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِها هُنا القُرْآنُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ المُرادَ بِها الدُّعاءُ أيْ أقِمِ الدُّعاءَ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى إنَّ الدُّعاءَ إلى أمْرِهِ سُبْحانَهُ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلٌّ مِنهُما عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: «إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ» ﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو قُرَّةَ ومُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ: المَعْنى لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ سُبْحانَهُ، وفي لَفْظٍ لَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ، فَذِكْرُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وكَذا المُفَضَّلُ عَلَيْهِ وهو خاصٌّ عَلى ما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عامًّا أيْ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: المَعْنى ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِن سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: أيْ ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِ إيّاهُ سُبْحانَهُ خارِجَ الصَّلاةِ، وقِيلَ: أيْ ولَذِكْرُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى أكْبَرُ مِن سائِرِ أعْمالِهِ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ما يَقْتَضِيهِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؟
قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَنْقَطِعَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ ﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ أعْمالِكم وأحَبِّها إلى مَلِيكِكم وأسْماها في دَرَجاتِكم وخَيْرٍ مِن أنْ تَغْزُوا عَدُوَّكم فَيَضْرِبُوا رِقابَكم وتَضْرِبُوا رِقابَهم وخَيْرٍ مِن إعْطاءِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ قالُوا: وما هو يا أبا الدَّرْداءِ؟
قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ » .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ سُئِلَ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟
قالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ؟
﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ لا شَيْءَ أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، ونُسِبَ في البَحْرِ إلى أبِي الدَّرْداءِ.
وسَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما القَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَمَّنْ سَمِعْتَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُما، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا رِوايَةٌ تُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ العَبْدِ لَهُ سُبْحانَهُ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ في الكُنى والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟
قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ وما قَعَدَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ تَعالى يَدْرُسُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَعاطَوْنَهُ بَيْنَهم إلّا أظَلَّتْهُمُ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها وكانُوا أضْيافَ اللَّهِ تَعالى ما دامُوا فِيهِ حَتّى يُفِيضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وما سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ العِلْمَ إلّا سَهَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ ولَلصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما فِيها مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى هو العُمْدَةُ في كَوْنِها مُفَضَّلَةً عَلى الحَسَناتِ ناهِيَةً عَنِ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وذِكْرُ نَهْيِهِ عَنْهُما ووَعِيدِهِ عَلَيْهِما أكْبَرُ في الزَّجْرِ مِنَ الصَّلاةِ، (فَذِكْرُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ أفْعَلُ لِلتَّفْضِيلِ سَواءٌ كانَتْ إضافَةُ المَصْدَرِ لِلْفاعِلِ أمْ لِلْمَفْعُولِ كَما في اللَّهُ أكْبَرُ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والطّاعَةِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ المُجازاةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وحَثٌّ عَلى المُراقَبَةِ.
لَكَ الحَمْدُ يا أللَّهُ عَلى ما أنْعَمْتَ عَلَيْنا بِإتْمامِ الجُزْءِ العِشْرِينَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ ووَفَّقْتَنا لِذَلِكَ نَسْألُكَ أنْ تُيَسِّرَ لَنا ما بَقِيَ مِنهُ بِعَوْنِكَ وحَوْلِكَ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الحادِي والعِشْرُونَ أوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تُجادِلُوا ﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ يعني: اقرأ عليهم ما أنزل إليك مِنَ الْكِتابِ يعني: من القرآن.
ويقال: هو أمره بتلاوة القرآن، يعني: اقرءوا القرآن، واعملوا بما فيه.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: وأتمّ الصلاة إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ يعني: ما دام العبد يصلي لله عز وجل انتهى عن الفحشاء والمعاصي.
ويقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: وأدِّ الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها وسجودها والتضرع بعدها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ يعني: إذا صلى العبد لله صلاة خاشع يمنعه من المعاصي، لأنه يرق قلبه، فلا يميل إلى المعاصي.
وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله أنه قال: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَمْ تَزِدْهُ صَلاتُهُ عِنْدَ الله إلاَّ مَقْتاً» وروي عن الحسن البصري رحمه الله عن رسول الله أنه قال: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتَهُ عَن فَحْشَاءَ وَلاَ مُنْكَرٍ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ الله إلاَّ بُعْداً» (١) «إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمُصَلٍ.
ثم قال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني: أفضل من سائر العبادات.
وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا يكون فيها كثير القراءة، ثم قرأ هذه الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال مقاتل: ولذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة، وقال الكلبي: يقول: ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه، والله يذكر من ذكره بالخير.
قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، قال سألني ابن عباس عن قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فقلت: «هو التسبيح والتهليل والتقديس» ، فقال: «لقد قلت شيئاً عجيباً، وإنما هو ذكر الله العباد أكثر من ذكر العباد إياه» .
وقال قتادة: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أي: ليس شيء أفضل من ذكر الله.
وسئل سلمان الفارسي: أي العمل أفضل؟
قال: «ذكر الله» .
ويقال: ذكر الله أفضل من الاشتغال بغيره.
ويقال: ذكر الله حين كتبكم في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل.
ويقال: ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ بالمغفرة أفضل من ذكرك إياه.
وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «مَنْ ذَكَرَ الله فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ الله في نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَهُ في مَلإٍ ذَكَرَهُ الله عزّ وجلّ في مَلإٍ أَكْبَرَ مِنَ المَلإِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِمْ وَأَطْيَبَ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنَ الله شِبْراً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ ذِرَاعاً يعني: بإجابته وتوفيقه ورحمته وَمَنْ تَقَرَّبَ إلى الله تَعَالَى ذِرَاعاً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ باعاً، وَمَنْ أتَى الله مَاشِياً الله أتاهُ هَرْوَلةً» (٢) ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ من الخير والشر فيجازيكم به.
قوله عز وجل: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ قال مقاتل: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ يعني: مؤمنيهم، ثم استثنى كفارهم، فقال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فيها تقديم، ثم نسخته آية قتال أهل الكتاب.
وقال الكلبي: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إن الله عز وجل أمر المسلمين إذ كانوا بمكة قبل أن يأمرهم بالقتال، فقال: وَلا تُجادِلُوا من أتاكم من أهل الكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالقرآن تعظونهم به، وتدعونهم إلى الإسلام، وهي التي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ في الملاعنة، وهم أهل نجران.
ويقال: لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ يعني: لا تخاصموهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إلا بالكلمة التي هي أحسن يعني: كلمة التوحيد إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: ولا الذين ظلموا منهم.
ويقال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فلا بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد.
ثم بيّن الكلمة التي هي أحسن، فقال: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني: القرآن والتوراة.
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ يعني: ربنا وربكم وَاحِدٌ.
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصين بالتوحيد.
(١) عزاه السيوطي: 6/ 465 إلى عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي.
(٢) حديث أبي هريرة صحيح سبق تخريجه.
<div class="verse-tafsir"
مجاهد «١» : كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ وبعضُهُمْ يرى بَعْضاً.
وقال ابن عباس «٢» : كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّراً والرجزُ: العذابُ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية:
موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى.
وقوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ...
الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى: وخافوا، وتَعْثَوْا معناه: تفسدوا، والسَّبِيلِ: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، وما كانُوا سابِقِينَ، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيّن.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: العَالِمُ:
مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ تعالى فَعَمِلَ بطاعته وانتهى عن معصيته.
وقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً.
ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها.
ثم أخبر سبحانه حُكْماً منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر.
قال ع «١» : وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات «٢» وتذكرِ الله، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ الله تعالى فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى يرجع بها إلى أفضل حاله فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى.
قال ع «٣» : فهذه صلاة تنهى- ولا بد- عن الفحشاء/ والمنكر، وأما من كانت ٦٢ ب صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ.
وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس «٤» وأبو الدرداء «٥» وسلمان «٦» وابن
مسعود «١» وأبو قرة «٢» : معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وقيل: معناه: ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر.
وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر «٣» من كل شيء.
وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟
فقال: أَمَا تَقْرَأُ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.
والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ لا تنحصر.
وقال ابن العربي في «أحكامه» «٤» : قوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فيه أربعة أقوال:
الأول: ذكر الله لكم أفضلُ من ذكرِكم له أضاف المصدر إلى الفاعل.
الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء.
الثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في غيرها يعني: لأنهما عبادتان.
الرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى.
قال ع «٥» : وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «ومن ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ» «٦» والحركاتُ التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من الله تعالى.
وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربّه.
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ، ولِإظْهارِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ في المُرادِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» " .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فِيما سَبَقَ [البَقَرَةِ: ١٦٨، النَّحْلِ: ٩٠] .
وَفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الصَّلاةَ كَما يَنْبَغِي وتَدَبَّرَ ما يَتْلُو فِيها، نَهَتْهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، هَذا مُقْتَضاها ومُوجِبُها.
والثّانِي: أنَّها تَنْهاهُ ما دامَ فِيها.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَنْبَغِي أنْ تَنْهى الصَّلاةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
والثّانِي: ولَذِكْرُ اللَّهِ أفْضُلُ مِن كُلٍّ شَيْءٍ سِواهُ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي الدَّرْداءِ، وسَلْمانَ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِمّا نَهاكَ عَنْهُ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ.
والرّابِعُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ- ماكانَ في صِلاتِهِ- أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ﴾ نَبَّهَ في ذِكْرِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ عَلى أمْرٍ يُوَقَعُ الذِهْنُ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوثانِ وَكُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِالواجِبِ النَيِّرِ، لا لِلْعَبَثِ واللَعِبِ، بَلْ لِيَدُلَّ عَلى سُلْطانِهِ، ويُثْبِتَ شَرائِعَهُ، ويَضَعَ الدَلائِلَ لِأهْلِها، ويَعُمُ المَنافِعَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى عَدًّا.
ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ بِالخُضُوعِ لِأمْرِهِ، وتِلاوَةِ القُرْآنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، أيْ: إدامَتِها والقِيامِ بِحُدُودِها.
ثُمْ أخْبَرَ -حُكْمًا مِنهُ- إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي بِأنَّ المُصَلِّيَ إذا كانَ عَلى الواجِبِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ وتَذَكُّرِ اللهِ تَعالى وتَوَهُّمُ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأنَّ قَلْبَهُ وإخْلاصَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَرْقُوبٌ، صَلَحَتْ لِذَلِكَ نَفْسُهُ وتَذَلَّلَتْ، وخامَرَها ارْتِقابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فاطَّرَدَتْ لِذَلِكَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وانْتَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولا يَكادُ يَفْتُرُ مِن ذَلِكَ حَتّى تُظَلِّلَهُ صَلاةٌ أُخْرى يَرْجِعُ بِها إلى أفْضَلِ حالَةٍ، وهَذا مَعْنى هَذا الإخْبارِ؛ لِأنَّ صَلاةَ المُؤْمِنِ هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ.
ورُوِيَ عن بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَلاةِ ارْتَعَدَ واصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَكَلَّمَ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي أقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وحُقَّ لِي هَذا مَعَ مُلُوكِ الدُنْيا، فَكَيْفَ مَعَ مَلِكِ المُلُوكِ ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ صَلاةٌ تَنْهى -وَلا بُدَّ- عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَن كانَتْ صَلاتُهُ دائِرَةً حَوْلَ الإجْزاءِ، لا خُشُوعَ فِيها ولا تَذَكُّرَ ولا فَضائِلَ، فَذَلِكَ يَتْرُكُ صاحِبُها مِن مَنزِلَتِهِ حَيْثُ كانَ، فَإنْ كانَ عَلى طَرِيقَةِ مَعاصٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى تَمادى عَلى بُعْدِهِ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، والأعْمَشِ، وهو قَوْلُهُمْ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صِلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلّا بُعْدًا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ أرْسَلَهُ عَنِ النَبِيِّ ، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحِ السَنَدِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: فَإذا قَدَّرْناهُ، ونَظَرْنا مَعْناهُ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نَفْسَ صَلاةِ العاصِي تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى كَأنَّها مَعْصِيَةٌ، وإنَّما يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تُؤَثِّرُ في تَقْرِيبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، بَلْ تَتْرُكُهُ في حالِهِ ومَعاصِيهِ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبُعْدِ، فَلَمْ تَزِدْهُ الصَلاةُ إلّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ البُعْدِ الَّذِي كانَ سَبِيلُهُ، فَكَأنَّها بِعَّدَتْهُ حِينَ لَمْ تَكُفُّ بُعْدَهُ عَنِ اللهِ تَعالى.
وقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ فُلانًا كَثِيرُ الصَلاةِ، فَقالَ: إنَّها لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها.
وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "إنَّ الصَلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ".
وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الصَلاةُ هُنا- القُرْآنُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الصَلاةَ تَنْهى ما دُمْتَ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ، وأيْنَ هَذا مِمّا رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؟
قالَ: «كانَ فَتًى مِنَ الأنْصارِ يُصَلِّي مَعَ النَبِيِّ ، ولا يَدْعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَرِقَةِ إلّا رَكِبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، فَقالَ: "إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ"، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَلْمانُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو قُرَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَحابَةِ أجْمَعِينَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مَعَ المُداوَمَةِ عَلى الصَلاةِ في النَهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ لِسَلْمانَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟
فَقالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ: ﴿ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ ﴾ ، كَأنَّهُ يَحُضُّ عَلَيْهِ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الأخِيرَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في غَيْرِ الصَلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ مُراقِبٍ لَهُ، وثَوابُ ذَلِكَ الذِكْرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللهُ تَعالى، كَما في الحَدِيثِ: «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم».
والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في نَهْيٍ، والذِكْرُ النافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللهِ تَعالى، وأمّا ما لا يَتَجاوَزُ اللِسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى، وذِكْرُ اللهِ تَعالى لِلْعَبْدِ هو إفاضَةُ الهُدى ونُورِ العِلْمِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ ثَمَرَةٌ لِذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ.
قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ ﴾ ، وباقِي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ والحَثِّ عَلى المُراقَبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن ضرب الله للناس المثل بالأمم السالفة جاء بالحجة المبيّنة فساد معتقد المشركين، ونوه بصحة عقائد المؤمنين بمنتهى البيان الذي ليس وراءه مطلب أقبل على رسوله بالخطاب الذي يزيد تثبيته على نشر الدعوة وملازمة الشرائع وإعلان كلمة الله بذلك، وما فيه زيادة صلاح المؤمنين الذين انتفعوا بدلائل الوحدانية.
وما الرسول عليه الصلاة والسلام إلا قدوة للمؤمنين وسيّدهم فأمره أمر لهم كما دل عليه التذييل بقوله ﴿ والله يعلم ما تصنعونلآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ * اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ ﴾ بصيغة جمع المخاطبين كقوله ﴿ فاستقم كما أُمِرتَ ومن تاب معك ﴾ [هود: 112] قرآن إذ ما فرط فيه من شيء من الإرشاد.
وحذف متعلق فعل ﴿ اتْلُ ﴾ ليعم التلاوة على المسلمين وعلى المشركين.
وهذا كقوله تعالى ﴿ إنما أُمرتُ أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرّمها ﴾ إلى قوله ﴿ وأن أتلو القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ﴾ [النمل: 91، 92].
وأمره بإقامة الصلاة لأن الصلاة عمل عظيم، وهذا الأمر يشمل الأمة فقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة.
وعلل الأمر بإقامة الصلاة بالإشارة إلى ما فيها من الصلاح النفساني فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ ، فموقع ﴿ إن ﴾ هنا موقع فاء التعليل ولا شك أن هذا التعليل موجّه إلى الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الفحشاء والمنكر فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون تعليل الأمر بتلاوة القرآن لما في هذا الصلاح الذي جعله الله في الصلاة من سِرّ إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه تعالى؛ فأخبر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمقصود أنها تنهى المصلي.
وإذ قد كانت حقيقة النهي غير قائمة بالصلاة تعيّن أن فعل ﴿ تنهى ﴾ مستعمل في معنى مجازي بعلاقة أو مشابهة.
والمقصود: أن الصلاة تيسر للمصلي ترك الفحشاء والمنكر.
وليس المعنى أن الصلاة صارفة المصلي عن أن يرتكب الفحشاء والمنكر فإن المشاهد يخالفه إذ كم من مصلّ يقيم صلاته ويقترف بعض الفحشاء والمنكر.
كما أنه ليس يصح أن يكون المراد أنها تصرف المصلي عن الفحشاء والمنكر ما دام متلبساً بأداء الصلاة لقلة جدوى هذا المعنى.
فإن أكثر الأعمال يصرف المشتغل به عن الاشتغال بغيره.
وإذ كانت الآية مسوقة للتنويه بالصلاة وبيان مزيتها في الدين تعين أن يكون المراد أن الصلاة تُحذر من الفحشاء والمنكر تحذيراً هو من خصائصها.
وللمفسرين طرائق في تعليل ذلك منها ما قاله بعضهم: إن المراد به ما للصلاة من ثواب عند الله، فإن ذلك غرض آخر وليس منصباً إلى ترك الفحشاء والمنكر ولكنه من وسائل توفير الحسنات لعلها أن تغمر السيئات، فيتعين لتفسير هذه الآية تفسيراً مقبولاً أن نعتبر حكمها عاماً في كل صلاة فلا يختص بصلوات الأبرار، وبذلك تسقط عدة وجوه مما فسروا به الآية.
قال ابن عطية: «وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات صلحت بذلك نفسه وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأفعاله وانتهى عن الفحشاء والمنكر» اه.
وفيه اعتبار قيود في الصلاة لا تناسب التعميم وإن كانت من شأن الصلاة التي يحق أن يلقنها المسلمون في ابتداء تلقينهم قواعد الإسلام.
والوجه عندي في معنى الآية: أن يُحمل فعل ﴿ تنهى ﴾ على المجاز الأقرب إلى الحقيقة وهو تشبيه ما تشتمل عليه الصلاة بالنهي، وتشبيه الصلاة في اشتمالها عليه بالناهي، ووجه الشبه أن الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله.
وهذا كما يقال: صديقك مرآة ترى فيها عيوبك.
ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجيه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه فذلك صدّ عن الفحشاء والمنكر.
وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه.
وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر.
وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتُجتنب نواهيه.
فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله قال ﴿ تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ ولم يقل تَصُدّ وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر.
ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها.
ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: سينهاه ما تقول» أي صلاته بالليل.
واعلم أن التعريف في قوله ﴿ الفحشاء والمنكر ﴾ تعريف الجنس فكلما تذكر المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر.
و ﴿ الفحشاء ﴾ : اسم للفاحشة، والفُحش: تجاوز الحد المقبول.
فالمراد من الفاحشة: الفعلة المتجاوزة ما يُقبل بين الناس.
وتقدم في قوله تعالى ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة [البقرة: 169].
والمقصود هنا من الفاحشة: تجاوز الحد المأذون فيه شرعاً من القول والفعل، وبالمنكر: ما ينكره الشرع ولا يرضى بوقوعه.
وكأنّ الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه.
وقوله ﴿ وَلَذِكْرُ الله أكبر ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فيكون عطف علة على علة، ويكون المراد بذكر الله هو الصلاة كما في قوله تعالى ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ [الجمعة: 9] أي صلاة الجمعة.
ويكون العدول عن لفظ الصلاة الذي هو كالاسم لها إلى التعبير عنها بطريق الإضافة للإيماء إلى تعليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي إنما كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر لأنها ذكر الله وذكر الله أمرٌ كبير، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة مقصود به قوة الوصف كما في قولنا: الله أكبر، لا تريد أنه أكبر من كبير آخر.
ويجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ .
والمعنى: واذكر الله فإن ذكر الله أمر عظيم، فيصح أن يكون المراد من الذكر تذكُّر عظمة الله تعالى.
ويجوز أن يكون المراد ذكر الله باللسان ليعمّ ذكر الله في الصلاة وغيرها.
واسم التفضيل أيضاً مسلوب المفاضلة ويكون في معنى قول معاذ بن جبل «ما عَمِل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله».
ويجوز أن يكون المراد بالذكر تذكر ما أمر الله به ونهى عنه، أي مراقبة الله تعالى وحذر غضبه، فالتفضيل على بابه، أي ولذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة في ذلك النهي، وذلك لإمكان تكرار هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة فيكون قريباً من قول عمر رضي الله عنه: أفضل من شكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه.
ولك أن تقول: ذكر الله هو الإيمان بوجوده وبأنه واحد.
فلما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأراد أمر المؤمنين بعملين عظيمين من البر أردفه بأن الإيمان بالله هو أعظم من ذلك إذ هو الأصل كقوله تعالى ﴿ فكُّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين ءامنوا ﴾ [البلد: 13 17].
وذلك من ردّ العجز على الصدر عاد به إلى تعظيم أمر التوحيد وتفظيع الشرك من قوله ﴿ إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء ﴾ [العنكبوت: 42] إلى هنا.
وقوله ﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ تذييل لما قبله، وهو وعد ووعيد باعتبار ما اشتمل عليه قوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ وقوله ﴿ تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .
والصنع: العمل.
الجزء الحادي والعشرون <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ أنْ يَتْلُوَ ما أُنْزِلَ مِنهُ عَلى أُمَّتِهِ.
﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الدُّعاءُ ومَعْناهُ قُمْ بِالدُّعاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ الفَحْشاءُ الزِّنى والمُنْكَرُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ما دامَ فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ.
الثّانِي: تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ قَبْلَها وبَعْدَها رَوى طاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
الثّالِثُ: إنَّ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ولَذِكْرُ اللَّهِ أفْضَلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ سَلْمانُ.
الثّالِثُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ الَّتِي أنْتَ فِيها أكْبَرُ مِمّا نَهَتْكَ عَنْهُ الصَّلاةُ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ.
الرّابِعُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الخامِسُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن أنْ تَحْوِيَهُ أفْهامُكم وعُقُولُكم.
السّادِسُ: أكْبَرُ مِن قِيامِكم بِطاعَتِهِ.
السّابِعُ: أكْبَرُ مِن أنْ يُبْقِيَ عَلى صاحِبِهِ عِقابَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ قال: الصلاة فيها ثلاث خلال: الاخلاص، والخشية، وذكر الله، فكل صلاة ليس فيها من هذه الخلال فليس بصلاة.
فالاخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه أنه كان يقرأها ﴿ إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له.
وفي لفظ لم يزدد بها من الله إلا بعداً» .
وأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم تأمره بالمعروف وتَنْهَهُ عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعداً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلاناً يطيل الصلاة قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها، ثم قرأ ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من لم تأمره الصلاة بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً.
وأخرج أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال: إنه سينهاه ما تقول» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: يا ابن آدم نما الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن لم تنهك صلاتك عن الفحشاء والمنكر فإنك لست تصلي.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر...
﴾ قال: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك الصلاة عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد بن أبي سليمان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ قال: ما دمت فيها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ فقلت: ذكر الله بالتسبيح، والتهليل، والتكبير.
قال: لا.
ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قرأ ﴿ اذكروني أذكركم ﴾ [ البقرة: 152] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله.
وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: هو قوله: ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم اياه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: لذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه، في الصلاة وغيرها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ يقول: لذكر الله إياكم إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم اياه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن جابر قال: سألت أبا قرة عن قوله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: ذكر الله أكبر من ذكركم إياه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولذكر الله ﴾ عندما حرمه، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ قال: لا شيء أكبر من ذكر الله.
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم في الكنى والبيهقي في شعب الإِيمان عن عنترة قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أي العمل أفضل؟
قال: ذكر الله أكبر، وما قعد قوم في بيت من بيوت الله يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره، وما سلك رجل طريقاً يلتمس فيه العلم إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم، وأنماها في درجاتكم، وخير من أن تلقوا عدوكم، فيضربوا رقابكم، وتضربوا رقابهم، وخير من اعطاء الدنانير والدراهم.
قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟
قال: ذكر الله ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ وإن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله.
وأخرج ابن جرير عن سلمان رضي الله عنه أنه سئل أي العمل أفضل؟
قال: أما تقرأ القرآن ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ لا شيء أفضل من ذكر الله.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن (١) ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ يريد: وأتم الصلاة (٢) (٣) ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله - - كان يقول: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (٤) -: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا" (٥) وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا (٦) (٧) ومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله - - كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله - - حالُه؛ فقال: "إن صلاته تنهاه يومًا ما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله - -: "ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه" (٨) وروى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي.
وفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال الكلبي: ﴿ الْفَحْشَاءِ ﴾ المعصية (١٣) ﴿ وَالْمُنْكَرِ ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (١٤) (١٥) وقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (١٦) وروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (١٧) (١٨) ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير (١٩) ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول (٢٠) الوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء.
وهذا قول أبي الدرداء وقتادة (٢١) وروي معنى هذا الوجه عن النبي - -، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي - - في قوله: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" (٢٢) والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل (٢٣) ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ ﴾ بما قبله.
وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر (٢٤) - بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن (٢٥) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3065، عن الحسن.
(٢) في نسخة (أ)، (ب): الصوم.
وهو خطأ.
وقول ابن عباس في "تنوير المقباس" 336.
(٣) "تفسير مقاتل" 73 ب.
(٤) أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه.
وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا.
وأخرجه ابن جرير 20/ 155، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر".
(٥) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي - -، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن.
ولفظه: بعدا.
وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه.
باللفظين: بعدًا، ومقتا.
وأخرجه ابن جرير 20/ 155، موقوفًا على ابن مسعود - -.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3066، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: "من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه.
== قال ابن كثير 3/ 415: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم.
وذهب إلى هذا الألباني؛ فقد قال بعد أن ساق روايات الحديث وطرقه: وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي - -، وإنما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الإيمان، إلا موقوفاً على ابن مسعود وابن عباس ما.
وقد نقد متن الحديث شيخ الإسلام رحمه الله لمخالفته لظاهر الآية؛ قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي - -، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقًا.
ذكر هذا عن الشيخ الألباني، ونسبه لمخطوطة اطلع عليها في المكتبة الظاهرية، تحت عنوان: فقه حنبلي 3/ 12/ 1 - 3.
وقد تكلم عن نقد متن هذا الحديث باستفاضة الألباني، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 15، رقم الحديث (2).
(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 155، وابن أبي حاتم 9/ 3066.
وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.
وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 155، بنحوه.
(٨) ذكره الثعلبي 8/ 160 أ، بنصه، عن أنس بن مالك، يرفعه.
قال عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 46: غريب.
وأما ابن حجر فقال: لم أجده.
"الكافي الشاف" 3/ 443، بحاشية الكشاف.
لكن يشهد لمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة - -، أن النبي - -، قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق!
قال: "سينهاه ما تقول، أو قال: ستمنعه صلاته".
أخرجه الإمام أحمد 15/ 483، رقم (9778)، ط: الرسالة، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
وأخرجه أيضًا ابن الجعد في "مسنده" (306)، رقم (2069)، بلفظ: ستنهاه قراءته.
وأخرجه ابن حبان، "الإحسان" 6/ 300، رقم الحديث (2560).
وصحح إسناده الألباني، "سلسله الأحاديث الضعيفة" 1/ 16، عند كلامه على الحديث رقم (2).
(٩) "تفسير مقاتل" 73 ب.
(١٠) "تفسير مقاتل" 73 ب.
(١١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن الكلبي.
و"تنوير المقباس" 336.
وأخرجه ابن == جرير 20/ 155، عن ابن عون، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3066، وقد كتب اسمه تصحيفًا: أبو غوث!.
وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عون.
(١٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة 338.
(١٣) "تنوير المقباس" 336.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3067، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.
(١٤) "تنوير المقباس" 336.
الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ .
(١٥) أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.
(١٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 156، وابن أبي حاتم 9/ 3067، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة.
وأخرجه كذلك الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3538)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
- عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول.
"تهذيب الكمال" 14/ 489، و"تقريب التهذيب" 505.
(١٧) أخرجه ابن جرير 20/ 156.
وأخرجه الثعلبي 8/ 160 أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.
(١٨) أخرجه ابن جرير 20/ 157، عن عبد الله بن مسعود، وسلمان، ومجاهد.
"تفسير مقاتل" 74 أ.
وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن عبد الله وسلمان، ومجاهد، وعطية، وعكرمة، وسعيد بن جبير.
(١٩) أخرجه ابن جرير 20/ 156، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه 20/ 158، عن السدي.
وأخرجه الثعلبي 8/ 161 ب، عن السدي.
(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.
و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 170.
(٢١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 157، وذكره عنهما الثعلبي 8/ 160 أ.
(٢٢) أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، == يرفعه.
وهذا إسناد لا يصح؛ فيه ضعف وانقطاع، فجويبر ضعيف جدًا، "تقريب التهذيب" 205، رقم (994).
والضحاك لم يلق ابن مسعود.
"تهذيب التهذيب" 4/ 397.
(٢٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 160 ب.
(٢٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.
و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.
(٢٥) ذكر هذا القول ابن جرير 20/ 154، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة.
ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد.
ولم يحكه عن غيره.
وذكره عن ابن عمر، الثعلبي 8/ 160 أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ﴾ إذا كان المصلي خاشعاً في صلاته، متذكراً لعظمة من وقف بين يديه، حمله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر؛ فكأن الصلاة ناهية عن ذلك ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ قيل: فيه ثلاثة معان؛ الأول أن المعنى أن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، لأن ذكر الله أعظم ما فيها، كأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر، لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهي عن الفحشاء والمنكر: الثاني أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة، لأنها في بعض الأوقات دون بعض: الثالث أن ذكر الله أكبر أجراً من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في الحديث: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم؛ قالوا: بلى قال: ذكر الله» .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.
﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.
الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.
وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.
وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.
وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.
ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.
قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.
والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.
وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.
وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...
ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.
وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو واحد لا شريك له.
وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين كثرة.
وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي .
أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.
وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.
وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.
والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.
وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.
والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.
فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .
"وروي أن رسول الله قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.
فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .
وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.
واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.
وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله كما قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟
وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟
وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.
واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.
وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.
وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.
وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".
ثم إن الله كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.
ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.
وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.
وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.
وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.
قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.
وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.
والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.
وعن النبي "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .
ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.
﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.
واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.
فإذا قيل له: لم؟
قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.
فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.
فالله ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.
وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.
ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.
أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.
ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.
سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.
ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.
ولما بين الدليل من جانب النبي ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.
وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.
ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟
﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.
وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟
فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.
فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟
قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.
قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.
ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.
وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.
ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.
وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.
وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.
والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.
وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.
وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.
ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.
وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.
وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.
ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .
واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.
والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.
والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.
ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.
ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.
وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.
فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.
ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.
﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.
وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.
والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.
ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.
وقال المفسرون: لما أمر رسول الله من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.
ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.
﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.
وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.
وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!
﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.
ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟
فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.
ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.
وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.
ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.
ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.
وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.
واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.
قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.
ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.
ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.
ويحتمل أن يقال: إنه قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" وفي "الحديد".
وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".
فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.
"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.
وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.
ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.
ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.
ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.
ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.
ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "القصص".
ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.
فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.
وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟
وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.
وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.
فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟
وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟
وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.
ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.
وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.
وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.
فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.
﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.
فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.
سأل موسى : إلهي أين أطلبك؟
فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.
ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.
ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.
ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع.
وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾ يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت هم الرؤساء منهم والمتبوعون.
يقول - والله أعلم -: مثل اتخاذكم أولئك أولياء من دون الله وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحرّ والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هؤلاء أولياء من دون الله مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال: ﴿ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25]، ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون منهم.
وجائز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة، ضرب مثل عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت، وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن تنتفع به كما ينتفع بالبيوت في دفع الحر والبرد، والستر والحجاب، فلما أن وقعت الحاجة إليه لم تنتفع ما كان تأمل منه في شيء مما كانت تأمل، فعلى ذلك هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبوداً؛ رجاء أن ينفعهم ذلك يوماً، فلما أن وقعت لهم الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم إياها واتخاذهم آلهة؛ بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولياء العبدة لتلك الأصنام شيء مما كانوا يأملون، فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة، لكنه - والله أعلم - ضرب مثلها ببيت العنكبوت؛ لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها، وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد اشتدت به الريح، وبسراب بقيعة؛ لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر؛ فيشبه أعمالهم به، فعلى ذلك تشبيه اتخاذ أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ﴾ أي: أضعف وأبعد من المنفعة بيت العنكبوت، فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبوداً أوهن وأبعد مما يأملون ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: إن كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ \[هو\] - والله أعلم -: أن الله لم يزل عالماً بما يكون منهم من اتخاذهم الأصنام معبوداً، وأنه عن علم أنشأ لهم ذلك لا عن غفلة وسهو، لكن أنشأهم لمنافع أنفسهم ولحاجة لهم لا لحاجة ومنفعة له في إنشائه إياها، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ العزيز: قيل: إنه المنيع.
وقيل: إنه الذي يذل كل شيء دونه.
لكن العزيز عندنا: هو الذي لا يعلو سلطانه شيء، ولا يقهر ملكه شيء، ويعلو سلطانه وإرادته على جميع الأشياء ويقهرها.
والحكيم: قيل: الذي له الحكم.
وقيل: هو المصيب.
وقيل: هو الذي يضع كل شيء موضعه.
والحكيم عندنا: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ فإن قيل: ذكر أنه لا يعقلها إلا العالمون، والعقل يسبق العلم بالشيء؛ إذ بالعقل يعلم ما يعلم، فكيف ذكر أنه لا يعقل إلا العالمون، ولم يقل: وما يعلمها [إلا] العاقلون؟
فهو - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن الأمثال إنما تضرب لتقريب ما يبعد عن الأوهام، ولكشف ما استتر من الأشياء على الأفهام وتجليها عما خفيت فلا يعقل الأمثال أنها لماذا ضربت؟
- إلا العالم.
والثاني: أن العقول تعرف أسباب الأشياء ودلائلها، فإما أن تعرف حقائق الأشياء وأنفسها فلا، من نحو المسالك والطرق إلى البلد التي تعرف مسالكها وطرقها التي بها يوصل إليها، فأما أعينها فلا، وكذا المراقي التي بها يعلو ويرتفع، فأمّا عين العلوّ فلا، وأما العلم فإنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وأنفسها وصورها؛ لذلك كان ما ذكر.
والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ ﴾ أي: وما ينتفع بما ذكر إلا العالمون، وهو كما قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ نفى عنهم هذه الحواس وإن كانت لهم أنفس تلك الحواس لما لم يستعملوها فيما جعلت وأنشئت، ولم ينتفعوا بها، فنفى عنهم تلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ أي: ما ينتفع بما يعقل إلا العالم، فأما من لم ينتفع فلا يعقل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: لعاقبة، وهو البعث؛ لأنه لم يخلقهما لأنفسهما، وكذلك لم يخلق الدنيا للدنيا، ولكن إنما خلقها للآخرة؛ إذ بالآخرة يصير خلقها حكمة وحقّاً؛ لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها عبثاً باطلا، وهو ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ لا كافر يظن أنه خلقهما باطلا، ولكن تركوا الإيمان بالبعث وأنكروا البعث؛ كأنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا؛ إذ لولا البعث كان خلقهما باطلا عبثاً فإنما صار خلقهما حقّاًَ وحكمة بالبعث، فإذا أنكروا ما به صار خلقه إياهما حكمة وحقّاً - فقد ظنوا الباطل بخلقهما، فنسأل الله التوفيق والصواب.
ويحتمل قوله: إنه خلقهما؛ لتدلا على الحق؛ لأنهما تدلان على وحدانية الله وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات.
أو أن يكون بالحق الذي لله عليهم.
أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، والله أعلم.
﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ صير آية لمن أقر بها وآمن؛ إذ هو المنتفع بها، فأمّا من أنكر وجحد وكذبها فهو آية عليه لا له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ جائز أن يكون قوله: اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم به الصلاة أي: بالكتاب الذي أوحي إليك.
ويحتمل: اتل ما أوحي إليك من الكتاب عليهم، وأقم بهم الصلاة؛ فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد؛ على ما ذكرنا في سائر المخاطبات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الامتنان.
والثاني: على الإلزام.
فأما وجه الامتنان: فهو أن جعل لكم الصلاة لتمنعكم عن الفحشاء والمنكر ما لو لم يجعلها لكم لا شيء يمنعكم عن الفحشاء والمنكر؛ فيمنُّ عليهم بجعل الصلاة لهم؛ لما تمنعهم عما ذكر.
وأما وجه الإلزام: فإنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن الصلاة لو كان موهوماً منها النطق والنهي، لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ على ما أضاف التغرير والتزيين إلى الحياة الدنيا؛ أي: لو كان هذا الذي كان من الدنيا، كان ممن له التغرير - كان ذلك تغريراً؛ فعلى ذلك الصلاة لو كان منها حقيقة الأمر والنهي لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والثاني: أضيف النهي إلى الصلاة؛ لما بها يعرف ذلك، فقد تضاف الأشياء إلى الأسباب وإن لم يكن منها حقيقة ما أضيف إليها؛ نحو ما يضاف الأمر والنهي إلى الكتاب والسنة ونحوه؛ يقال: أمرنا الكتاب بكذا، والسنة بكذا، ونهانا عن كذا، وإن لم يكن منهما أمر حقيقة ولا نهي؛ لما بهما يعرف الأمر والنهي، وهما سببا ذلك؛ فعلى ذلك جائز إضافة النهي إلى الصلاة أن يكون على هذا السبيل.
وقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذكر الله أكبر في العبادات من أنفس تلك العبادات.
ووجه هذا - والله أعلم -: أن العبادات إنما تكون بجوارح تغلب وتقهر وتستعمل؛ فلا تعرف تلك أنها لله إلا بتأويل.
وأمّا ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب، وهما لا يغلبان، ولا يستعملان ولا يقهران، فهو يعرف أن ذلك لله حقيقة، فهو أكبر.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ من سائر الأذكار التي ليست لله؛ فهذا ليس فيه كبير حكمة؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد.
وقال بعضهم: ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة.
وقال بعضهم: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه؛ لأن ذكره إياكم رحمة ومغفرة، وذلك مما لا يعدله ولا يوازيه شيء، وأما العبد فإنه يذكر ربه بأدنى شيء.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ : أي: ما وفق الله العبد من ذكره إياه وطاعته له أكبر من نفس ذلك الذكر ونفس تلك العبادة.
وذكر في حرف ابن مسعود وأبيٍّ وحفصة: ﴿ إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .
وعن الحسن يحدث عن النبي أنه قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً، ولم يزدد بها عند الله إلا مقتاً" وعن سلمان الفارسي قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وعن ابن عباس - - قال: لهذا وجهان: أحدهما: يقول: ذكر الله أكبر مما سواه من أعمال البر.
والآخر: يقول: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
والضحاك يقول: العبد يذكر الله عند ما أحل له وحرم عليه، فيأخذ بما أحل ويجتنب ما حرم عليه.
وقتادة يقول: لا شيء أكبر من ذكر الله.
وأصله ما ذكرنا من الوجوه التي تقدم ذكرها.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ قال بعضهم: تنهى وتمنع ما دام فيها لا يعمل بالفحشاء والمنكر.
والثاني: أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ أي: لو كانت لها النطق بالأمر والنهي لكانت تنهى عما ذكر.
والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ وعيد؛ ليكونوا أبداً على حذر ويقظة.
<div class="verse-tafsir"
اقرأ -أيها الرسول- على الناس ما أوحى به الله إليك من القرآن، وائت بالصلاة على أكمل وجه، إن الصلاة المؤداة بصفتها الكاملة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ لما تحدثه من نور في القلوب يمنع من اقتراف المعاصي، ويرشد إلى عمل الصالحات، ولذكر الله أكبر وأعظم من كل شيء، والله يعلم ما تصنعونه، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
من فوائد الآيات أهمية ضرب المثل: "مثل العنكبوت".
تعدد أنواع العذاب في الدنيا.
تَنَزُّه الله عن الظلم.
التعلق بغير الله تعلق بأضعف الأسباب.
أهمية الصلاة في تقويم سلوك المؤمن.
<div class="verse-tafsir" id="91.pVYm4"