الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٦٩ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٩ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال ( والذين جاهدوا فينا ) يعني : الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ( لنهدينهم سبلنا ) ، أي : لنبصرنهم سبلنا ، أي : طرقنا في الدنيا والآخرة .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد - من أهل عكا - في قول الله : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) قال : الذين يعملون بما يعلمون ، يهديهم لما لا يعلمون .
قال أحمد بن أبي الحواري : فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه ، وقال : ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر ، فإذا سمعه في الأثر عمل به ، وحمد الله حين وافق ما في نفسه .
وقوله : ( وإن الله لمع المحسنين ) ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عيسى بن جعفر - قاضي الري - حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن المغيرة ، عن الشعبي قال : قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام : إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك .
[ وفي حديث جبريل لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان قال : " أخبرني عن الإحسان " .
قال : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
[ انتهى تفسير سورة العنكبوت ، ولله الحمد والمنة ]
القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) يقول تعالى ذكره: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبا من كفار قريش، المكذّبين بالحقّ لما جاءهم فينا، مُبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا، ونُصرة ديننا(لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) يقول: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم (وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ) يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا) فقلت له: قاتلوا فينا، قال: نعم.
آخر تفسير سورة العنكبوت
قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا الكفار فينا .
أي في طلب مرضاتنا .
وقال السدي وغيره : إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال .
قال ابن عطية : فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته .
قال الحسن بن أبي الحسن : الآية في العباد .
وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم : هي في الذين يعملون بما يعلمون وقد قال صلى الله عليه وسلم : من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم ونزع بعض العلماء إلى قول : واتقوا الله ويعلمكم الله .
وقال عمر بن عبد العزيز : إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا ; قال الله تعالى : واتقوا الله ويعلمكم الله .
وقال أبو سليمان الداراني : ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين ، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك : إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول : لنهدينهم .
وقال الضحاك : معنى الآية ; والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان .
ثم قال : مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى [ ص: 337 ] سلم كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم .
وقال عبد الله بن عباس : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا .
وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال .
ونحوه قول عبد الله بن الزبير ; قال : تقول الحكمة : من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين : أن يعمل بأحسن ما يعلمه ويجتنب أسوأ ما يعلمه .
وقال الحسن بن الفضل : فيه تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا .
لنهدينهم سبلنا أي طريق الجنة ; قاله السدي .
النقاش : يوفقهم لدين الحق .
وقال يوسف بن أسباط : المعنى : لنخلصن نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم وإن الله لمع المحسنين لام تأكيد ودخلت في ( مع ) على أحد وجهين : أن يكون اسما ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء ، أو حرفا فتدخل عليها ; لأن فيها معنى الاستقرار ; كما تقول إن زيدا لفي الدار .
و ( مع ) إذا سكنت فهي حرف لا غير وإذا فتحت جاز أن تكون اسما وأن تكون حرفا .
والأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى وتقدم معنى الإحسان والمحسنين في ( البقرة ) وغيرها وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة ، والحفظ والهداية ، ومع الجميع بالإحاطة .
والقدرة فبين المعيتين بون .
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون.{ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } بالعون والنصر والهداية.
دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه اللّه ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه، بل هو أحد نَوْعَي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين.تم تفسير سورة العنكبوت بحمد اللّه وعونه.
( والذين جاهدوا فينا ) الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا ( لنهدينهم سبلنا ) لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه .
وقيل : لنزيدنهم هدى كما قال : " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " ( مريم - 76 ) ، وقيل : لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة ، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله - عز وجل - .
قال سفيان بن عيينة : إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور ، فإن الله قال : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وقيل : المجاهدة هي الصبر على الطاعات .
قال الحسن : أفضل الجهاد مخالفة الهوى .
وقال الفضيل بن عياض : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به .
وقال سهل بن عبد الله : والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة .
وروي عن ابن عباس : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا .
( وإن الله لمع المحسنين ) بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم .
«والذين جاهدوا فينا» في حقنا «لنهدينَّهم سُبُلنا» أي طريق السير إلينا «وإن الله لمع المحسنين» المؤمنين بالنصر والعون.
والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله، والنفس، والشيطان، وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله، سيهديهم الله سبل الخير، ويثبتهم على الصراط المستقيم، ومَن هذه صفته فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره.
وإن الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية.
ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى - : ( والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ) .أى : هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير ، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق ، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا ، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا ، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة ، فإننا لن نتخلى عنهم ، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم ، ونجعل العاقبة الطيبة لهم ، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم ، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل .وبعد فهذا تفسير لسروة " العنكبوت " نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصاحبه وسلم .
لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين بقوله: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ أي من جاهد بالطاعة هداه سبل الجنة ﴿ وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ﴾ إشارة إلى ما قال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ فقوله: ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ ﴾ إشارة إلى الحسنى وقوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ﴾ إشارة إلى المعية والقربة التي تكون للمحسن زيادة على حسناته، وفيه وجه آخر حكمي وهو أن يكون المعنى ﴿ والذين جاهدوا فِينَا ﴾ أي الذين نظروا في دلائلنا ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ أي لنحصل فيهم العلم بنا.
ولنبين هذا فضل بيان، فنقول أصحابنا المتكلمون قالوا إن النظر كالشرط للعلم الاستدلالي والله يخلق في الناظر علماً عقيب نظره ووافقهم الفلاسفة على ذلك في المعنى وقالوا النظر معد للنفس لقبول الصورة المعقولة، وإذا استعدت النفس حصل لها العلم من فيض واهب الصور الجسمانية والعقلية، وعلى هذا يكون الترتيب حسناً، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تفدهم العلم والإيمان قال: إنهم لم ينظروا فلم يهتدوا وإنما هو هدى للمتقين الذين يتقون التعصب والعناد فينظرون فيهديهم وقوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ﴾ إشارة إلى درجة أعلى من الاستدلال كأنه تعالى قال من الناس من يكون بعيداً لا يتقرب وهم الكفار، ومنهم من يتقرب بالنظر والسلوك فيهديهم ويقربهم ومنهم من يكون الله معه ويكون قريباً منه يعلم الأشياء منه ولا يعلمه من الأشياء، ومن يكون مع الشيء كيف يطلبه فقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ إشارة إلى الأول وقوله: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا ﴾ إشارة إلى الثاني وقوله: ﴿ وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ﴾ إشارة إلى الثالث.
والله أعلم بأسرار كتابه، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول.
ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين ﴿ فِينَا ﴾ في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً، كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ [محمد: 17] وعن أبي سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا.
وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم.
وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم ﴿ لَمَعَ المحسنين ﴾ لناصرهم ومعينهم.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرأَ سورةَ العنكبوتِ كانَ لَهُ منَ الأَجرِ عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ المؤمنينَ والمنافقينَ» .
﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ في حَقِّنا وإطْلاقُ المُجاهَدَةِ لِيَعُمَّ جِهادَ الأعادِي الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بِأنْواعِهِ.
﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا، أوْ لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سَبِيلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقًا لِسُلُوكِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ وفي الحَدِيثِ «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالنَّصْرِ والإعانَةِ.
قالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَن قَرَأ سُورَةَ العَنْكَبُوتِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ» .
{والذين جاهدوا} أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين {فِينَا} في حقنا ومن أجلنا ولو جهنا خالصاً {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} سبلنا أبو عمرو أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً وعن الدارانى والذين جاهدوا فيما علمو لنهدينهم إلى ما لم يعلموا فقد قيل من عمل بما علم وفق لما لا يعلم وقيل إن الذى ترى من حهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما نعلم وعن فضيل والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به وعن سهل والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة وعن ابن عطاء جاهدوا فى رضاها لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان وعن ابن عباس جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وعن الجنيد جاهدرا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا
والأنس بنا أو جاهدوا في طلبنا تحرياً لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا {وَإِنَّ الله لمع المحسنين} بالنصرة والمعونة فى الدينا وبالثواب والمغفرة فى العقبى
سورة الروم مكية وهى ستون أو تسع وخمسون آية والاختلاف في بضع سنين بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ في شَأْنِنا، ومِن أجْلِنا، ولِوَجْهِنا خالِصًا، فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ بِحَمْلِ الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ بِجَعْلِ ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُسْتَقِرًّا لِلْمُجاهَدَةِ، وأُطْلِقَتِ المُجاهَدَةُ لِتَعُمَّ مُجاهَدَةَ الأعادِي الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بِأنْواعِهِما، ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ سُبُلَ السَّيْرِ إلَيْنا والوُصُولِ إلى جَنابِنا، والمُرادُ نَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقًا لِسُلُوكِها، فَإنَّ الجِهادَ هِدايَةٌ أوْ مُرَتَّبٌ عَلَيْها، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ ، وفي الحَدِيثِ ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ، ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»».
ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ ( جاهَدُوا): بِأرادُوا الجِهادَ وأبْقى ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: والَّذِينَ جاهَدُوا بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا إلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى: والَّذِينَ جاهَدُوا في الغَزْوِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الشَّهادَةِ والمَغْفِرَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ خَبَرُهُ نَظِيرَ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا ﴾ .
﴿ وإنَّ اللَّهَ ﴾ المُتَّصِفَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّذِي بَلَغَتْ عَظَمَتُهُ في القُلُوبِ ما بَلَغَتْ ﴿ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ مَعِيَّةَ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وتَقَدُّمُ الجِهادِ المُحْتاجِ لَهُما قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ قَدْ طابَقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( جاهَدُوا ) لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا اللَّفْظُ فَمِن حَيْثُ الإطْلاقُ في المُجاهَدَةِ والمَعِيَّةِ، وأمّا المَعْنى فالمُجاهِدُ لِلْأعْداءِ يَفْتَقِرُ إلى ناصِرٍ ومُعِينٍ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْآيَةِ مُؤَكَّدٌ بِكَلِمَتَيِ التَّوْكِيدِ مُحَلًّى بِاسْمِ الذّاتِ، لِيُؤْذِنَ بِأنَّ مَن جاهَدَ بِكُلِّيَّتِهِ وشَراشِرِهِ في ذاتِهِ جَلَّ وعَلا تَجَلّى لَهُ الرَّبُّ عَزَّ اسْمُهُ الجامِعُ في صِفَةِ النُّصْرَةِ والإعانَةِ تَجَلِّيًا تامًّا، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ خاتِمَةٌ شَرِيفَةٌ لِلسُّورَةِ، لِأنَّها مُجاوِبَةٌ لِمُفْتَتَحِها ناظِرَةٌ إلى فَرِيدَةِ قِلادَتِها ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ ، لامِحَةٌ إلى واسِطَةِ عِقْدِها ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ ، وهي في نَفْسِها جامِعَةٌ فاذَّةٌ اهـ.
و(ألْ) في المُحْسِنِينَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا، ووَجْهُ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ ظاهِرٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ بِهِمْ مُطْلَقُ جِنْسِ مَن أتى بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا بُرْهانِيًّا.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ ( المُحْسِنِينَ ) بِالمُوَحِّدِينَ، وفِيهِ تَأْيِيدٌ ما لِلِاحْتِمالِ الثّانِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ظَنَّ الخَلْقُ أنَّهم يُتْرَكُونَ مَعَ دَعاوى المَحَبَّةِ، ولا يُطالَبُونَ بِحَقائِقِها، وهي صَبُّ البَلاءِ عَلى المُحِبِّ، وتَلَذُّذُهُ بِالبَلاءِ الظّاهِرِ والباطِنِ، وهَذا كَما قالَ العارِفُ ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ وذَكَرُوا أنَّ المَحَبَّةَ والمِحْنَةَ تَوْأمانِ، «وبِالِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ» ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكاذِبِينَ في دَعْوى المَحَبَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُصْرَفُونَ عَنْها بِأذى النّاسِ لَهم ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيِ اطْلُبُوا الرِّزْقَ بِالطّاعَةِ، والإقْبالِ عَلى العِبادَةِ، وقالَ سَهْلٌ: اطْلُبُوهُ في التَّوَكُّلِ لا في المَكْسَبِ، فَإنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ فِيهِ سَبِيلُ العَوامِّ ﴿ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ﴾ أيْ مُهاجِرٌ مِن نَفْسِي، ومِنَ الكَوْنِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيْ راجِعٌ إلى رَبِّي مِن جَمِيعِ ما لِي وعَلَيَّ، والرُّجُوعُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِانْفِصالِ عَمّا دُونَهُ سُبْحانَهُ، ولا يَصِحُّ لِأحَدٍ الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى، وهو مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مِنَ الكَوْنِ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الأكْوانِ أجْمَعَ، ﴿ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ ﴾ سُئِلَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَجْتَمِعُ النّاسُ عَلَيْهِ إلّا الذِّكْرَ فَهو مُنْكَرٌ، ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى مَنِ اعْتَمَدَ عَلى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في أسْبابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهو مُنْقَطِعٌ عَنْ مُرادِهِ غَيْرُ واصِلٍ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: مَنِ اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوى اللَّهِ تَعالى كانَ هَلاكُهُ في نَفْسِ ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، ومَنِ اتَّخَذَ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ ظَهِيرًا قَطَعَ عَنْ نَفْسِهِ سَبِيلَ العِصْمَةِ، ورُدَّ إلى حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ.
﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَقائِقَ المَعارِفِ لا يَعْرِفُها إلّا أصْحابُ الأحْوالِ العالِمُونَ بِهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ وسائِرِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّهم عُلَماءُ المَنهَجِ، وذُكِرَ أنَّ العالِمَ عَلى الحَقِيقَةِ مَن يَحْجِزُهُ عِلْمُهُ عَنْ كُلِّ ما يُبِيحُهُ العِلْمُ الظّاهِرُ، وهَذا هو المُؤَيَّدُ عَقْلُهُ بِأنْوارِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ ذَكَرَ أنَّ حَقِيقَةَ الصَّلاةِ حُضُورُ القَلْبِ بِنَعْتِ الذِّكْرِ، والمُراقَبَةُ بِنَعْتِ الفِكْرِ، فالذِّكْرُ في الصَّلاةِ يَطْرُدُ الغَفْلَةَ الَّتِي هي الفَحْشاءُ، والفِكْرُ يَطْرُدُ الخَواطِرَ المَذْمُومَةَ، وهي المُنْكَرُ، هَذا في الصَّلاةِ، وبَعْدَها تَنْهى هي إذا كانَتْ صَلاةً حَقِيقِيَّةً، وهي الَّتِي انْكَشَفَ فِيها لِصاحِبِها جَمالُ الجَبَرُوتِ وجَلالُ المَلَكُوتِ، وقَرَّتْ عَيْناهُ بِمُشاهَدَةِ أنْوارِ الحَقِّ جَلَّ وعَلا عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ والأعْواضِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الصَّلاةُ إذا كانَتْ مَقْبُولَةً تَنْهى عَنْ مُطالَعاتِ الأعْمالِ والأعْواضِ.
﴿ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيْ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لَكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ سُبْحانَهُ، لِأنَّ ذِكْرَهُ تَعالى بِلا عِلَّةٍ وذِكْرَكم مَشُوبٌ بِالعِلَلِ والأمانِي والسُّؤالِ، وأيْضًا ذِكْرُهُ تَعالى صِفَتُهُ وذِكْرُكم صِفَتُكُمْ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ صِفَةِ الخالِقِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبَيْنَ صِفَةِ المَخْلُوقِ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عَرائِسَ حَقائِقِ القُرْآنِ لا تَنْكَشِفُ إلّا لِأرْواحِ المُقَرَّبِينَ مِنَ العارِفِينَ والعُلَماءِ الرَّبّانِيِّينَ، لِأنَّها أماكِنُ أسْرارِ الصِّفاتِ وأوْعِيَةُ لَطائِفِ كُشُوفِ الذّاتِ، قالَ الصّادِقُ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ: لَقَدْ تَجَلّى اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ لِعِبادِهِ، ولَكِنْ لا يُبْصِرُونَ.
﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ قالَ سَهْلٌ: إذا عُمِلَ بِالمَعاصِي والبِدَعِ في أرْضٍ فاخْرُجُوا مِنها إلى أرْضِ المُطِيعِينَ، وكَأنَّ هَذا لِئَلّا تَنْعَكِسَ ظُلْمَةُ مَعاصِي العاصِينَ عَلى قُلُوبِ الطّائِعِينَ، فَيَكْسَلُوا عَنِ الطّاعَةِ، وذَكَرُوا أنَّ سَفَرَ المُرِيدِ سَبَبٌ لِلتَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والقُضاعِيُّ، والخَطِيبُ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سافِرُوا تَصِحُّوا، وتَغْنَمُوا كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ فَلا يَمْنَعَنَّكم خَوْفُ المَوْتِ مِنَ السَّفَرِ»،» ﴿ وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ ﴾ فَلا يَمْنَعْنَّكم عَنْهُ فَقْدُ الزّادِ أوِ العَجْزُ عَنْ حَمْلِهِ.
﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أيِ الَّذِينَ جاهَدُوا في رِضانا لَنَهْدِيَنَّهم إلى مَحَلِّ الرِّضا، والمُجاهَدَةُ كَما قالَ: الِافْتِقارُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالِانْقِطاعِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أيِ الَّذِينَ شَغَلُوا ظَواهِرَهم بِالوَظائِفِ لَنُوَصِّلَنَّ أسْرارَهم إلى اللَّطائِفِ، وقِيلَ: أيِ الَّذِينَ جاهَدُوا نُفُوسَهم لِأجْلِنا وطَلَبًا لَنا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ المَعْرِفَةِ بِنا والوُصُولِ إلَيْنا، ومَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى عَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ، ومَن وصَلَ إلَيْهِ هانَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ، كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ يَقُولُ: مَنِ اعْتاصَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ فَلْيَسْألْ أهْلَ الثُّغُورِ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ وجِهادُ النَّفْسِ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى، والحِفْظَ التّامَّ مِن كُلِّ شَرٍّ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ سَيِّدِ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قوله عز وجل: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ يعني: باطل وَلَعِبٌ كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشبان.
ويقال: فرح لا يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح.
روى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «إن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاها أو عالماً أو متعلماً» وروي عن النبيّ أنه مرّ بسخلة ميتة فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ للدُّنْيَا على الله أهْوَنُ مِنْ هذه السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا» وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يعني: هي دار الحياة لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يصدقون بثواب الله عز وجل.
ثم قال: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ يعني: في السفن دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: موحدين وتركوا دعاء أصنامهم، ويعلمون أنه لا يجيبهم أحد إلا الله تعالى.
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ به.
قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني: ما أعطيناهم من النّعم وَلِيَتَمَتَّعُوا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش: وَلِيَتَمَتَّعُوا بكسر اللام، وقرأ الباقون بالجزم.
فمن قرأ بالكسر، فمعناه: لكي يتمتعوا، لأن الكلام عطف على ما قبله يعني: يشركون لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا في الدنيا.
ومن قرأ بالجزم فهو على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر، وتشهد له قراءة أبيَّ كان يقرأ تمتعوا فسوف تعلمون ومعناه وليتمتعوا، يعني: وليعيشوا فسوف يعلمون إذا نزل بهم العذاب.
ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أو لم يعلموا ليعتبروا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يعني: يختلس الناس فيقتلون ويسبون وهم آمنون يأكلون رزقي ويعبدون غيري، فكيف أسلط عليهم إذا أسلموا.
أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفبالشيطان يصدقون أن لي شريكاً.
ويقال: أفبالأصنام يؤمنون وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ يعني: ويخالق هذه النعمة ورسوله يجحدون.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكاً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن لَمَّا جاءَهُ أي حين جاءه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي مقاما للكافرين كما قال فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] .
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني: رغبوا في طاعتنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا يعني: لنعرفنهم طريقنا، ويقال: معناه لنرشدنهم طريق الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يعني: في العون لهم ويقال: والذين عملوا بما علموا لنوفقنهم لما لم يعلموا، - والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١) [الجزء الثالث] (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأَنهم إن سُئِلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، ويُؤْفَكُونَ معناه:
يصرفون.
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)
وقوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وصفَ اللهُ تعالى الدنيا في هذه الآيةِ بأنها لهوٌ ولعب، أي: ما كان منها لغير وجه الله تعالى وأما مَا كان للَّه تعالى فهو من الآخرة، وأما أمورُ الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قِوَامُ العَيْشِ، والقوةُ على الطاعات فإنما هي لهو ولعب، وتأملْ ذلك في الملابِس والمطاعِم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالةَ الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة:
كالتنفسِ في الهواء، وسد الجوع، وستر العورة، وتَوَقِّي الحر والبرد هذه عظم أمر العيش والْحَيَوانُ والْحَياةُ بمعنًى، والمعَنى: لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن «١» ، ويقال: أصله: حييان فأبدلت إحداهما واواً لاجتماع المِثْلَين.
ثم وقَفَهُمْ تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانه في غير هذا الموضع: ولِيَكْفُرُوا نصبٌ ب «لام كي» ثم عدَّد تعالى على كَفَرَةِ قريش نعمتَه عليهم في الحَرَمِ و «المثوى» : موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآية في غايةِ الاقْتِضَابِ والإيجاز وجمع المعاني.
ثم ذكر تعالى حالَ أوليائه والمجاهدين فيه.
وقوله: فِينا معناه: في مرضاتنا وبغيةِ ثوابِنا.
قال السدي وغيره: نزلت هذه الآيةُ قبل فَرضِ «٢» القتال.
قال ع «٣» : فهي/ قَبْلَ الجهادِ العَرْفي وإنما هو جِهَاد عامُّ في دين الله وطلب ٦٤ ب مرضاته.
قال الحسن بن أبي الحسن «١» : الآيةُ في العُبَّادِ.
وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما علموا «٢» .
وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدو فقط بل هو نَصْرُ الدِّين والردُّ على المبطلينَ وقمعُ الظالمينَ وأعظمُه الأمر بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، ومنه مجاهدةُ النفوسِ في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر قاله الحسن «٣» وغيره، وفيه حديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم «رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ» «٤» و «السُّبل» هنا يحتملُ أن تكونَ طُرَقَ الجنةِ ومَسَالِكَهَا، ويحتملُ أن تكونَ سبلَ الأعمال المؤَدِّيَةِ إلى الجنةِ، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النيّة في الأعمال، وحب التَزَيُّدِ والتَفَهُّمِ، وهو أن يُجَازَى العبدُ عَلى حَسَنَةٍ بازدياد حسنةٍ وبعلمٍ يَنْقَدِحُ مِن عِلْمٍ متقدمٍ.
قال ص: وَالَّذِينَ جاهَدُوا: مبتدأ خبرُه القسمُ المحذوفُ، وجوابُه وهو:
لَنَهْدِيَنَّهُمْ، انتهى.
وقال الثعلبي: قال سهل بن عبد الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في إقامة السنة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الجنة انتهى.
واللام في قوله لَمَعَ لام تأكيد.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (القَصَصِ: ٧٥) ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ أيْ: أنَّ العَرَبَ يَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا وأهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ ﴿ أفَبِالباطِلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " تُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ تَكْفُرُونَ " بِالتّاءِ فِيهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا والإسْلامَ؛ وقِيلَ: بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ أطْعَمَهم وآمَنُهم ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أيْ: زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا وأنَّهُ أمَرَ بِالفَواحِشِ ﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا والقُرْآنَ ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ؟!
وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وَأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ أيْ: قاتَلُوا أعْداءَنا لِأجْلِنا ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ أيْ: لَنُوَفِّقَنَّهم لِإصابَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمَةِ؛ وقِيلَ: لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمُحْسِنِينَ: المُوَحِّدِينَ؛ وقالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ المُجاهِدِينَ.
وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: مَنِ اعْتاصَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ، فَلْيَسْألْ أهْلَ الثُّغُورِ عَنْها، لِقَوْلِهِ: ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ قَرَّرَهم عَزَّ وجَلَّ عَلى حالِ مَنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ، وهَذِهِ كانَتْ حالُهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهَذا في ضِمْنِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، ثُمْ بَيَّنَ الوَعِيدَ أيْضًا بِالتَقْرِيرِ عَلى أمْرِ جَهَنَّمَ، والمَثْوى: مَوْضِعُ الإقامَةِ.
وألْفاظُ هَذِهِ الآياتِ في غايَةِ الِاقْتِضابِ والإيجازِ وجَمْعِ المَعانِي.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى حالَ أولِيائِهِ والمُجاهِدِينَ فِيهِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ الظَلَمَةِ لِيُبَيِّنَ تَبايُنَ الحالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِينا ﴾ مَعْناهُ: في مَرْضاتِنا وبُغْيَةِ ثَوابِنا.
قالَ السَدِّيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ قَبْلَ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللهِ تَعالى وطَلَبِ رِضائِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في العِبادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وإبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ بِما يَعْلَمُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : «مَن عَمِلَ بِما عَلِمْ عَلَّمَهُ اللهُ ما لَمْ يَعْلَمْ»، ونَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهَ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما قَصَّرَ بِنا عن عِلْمِ ما جَهِلْنا تَقْصِيرَنا في العَمَلِ بِما عَلِمْنا، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: "لَيْسَ الجِهادُ في هَذِهِ الآيَةِ قِتالُ العَدُوِّ فَقَطْ، بَلْ هو نَصْرُ الدِينِ، والرَدُّ عَلى المُبْطِلِينَ، وقَمْعُ الظالِمِينَ، وعُظْمُهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ"، ومِنهُ مُجاهَدَةُ النُفُوسِ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، وهو الجِهادُ الأكْبَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ : «رَجَعْتُمْ مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِابْنِ المُبارَكِ: إذا رَأيْتُ الناسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فَعَلَيْكَ بِالمُجاهِدِينَ وأهْلِ الثُغُورِ، فَإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
وقالَ الضِحاكُ: مَعْنى الآيَةِ: والَّذِينَ جاهَدُوا في الهِجْرَةِ لَنَهْدِيَنَّهم سَبِيلَ الثُبُوتِ عَلى الإيمانِ" و"السَبِيلُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طُرُقَ الجَنَّةِ ومَسالِكَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ سَبِيلَ الأعْمالِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَنَّةِ والعَقائِدِ النَيِّرَةِ.
قالَ يُوسُفُ بْنُ أسْباطِ: "هِيَ إصْلاحُ النِيَّةِ في الأعْمالِ، وحُبُّ التَزَيُّدِ والتَفَهُّمْ، وهَذا هو أنْ يُجازى العَبْدُ عَلى حُسْنِهِ بِازْدِيادِ حُسْنِهِ، ويَعْلَمُ بِجَدِيدِ مَن عَلِمْ مُقَدَّمٌ، وهي حالُ مَن رَضِيَ اللهُ عنهُ".
وباقِي الآيَةِ وعْدٌ.
و"مَعَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هُنا اسْمًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَيْها لامٌ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفًا، ودَخَلَتِ اللامُ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كَما دَخَلَتْ فِي: إنَّ زَيْدًا لَفي الدارِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ العنكَبُوتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
خُتم توبيخ المشركين وذمُّهم بالتنويه بالمؤمنين إظهاراً لمزيد العناية بهم فلا يخلو مقام ذم أعدائهم عن الثناء عليهم، لأن ذلك يزيد الأعداء غيظاً وتحقيراً.
و ﴿ الذين جاهدوا ﴾ في الله هم المؤمنون الأولون فالموصول بمنزلة المعرّف بلام العهد.
وهذا الجهاد هو الصبر على الفتن والأذى ومدافعة كيد العدو وهو المتقدم في قوله أول السورة [العنكبوت: 6] ﴿ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ﴾ إذ لم يكن يومئذ جهاد القتال كما علمت من قبل.
وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة سبب الخبر.
ومعنى ﴿ جاهدوا فينا ﴾ جاهدوا في مرضاتنا، والدِّين الذي اخترناه لهم.
والظرفية مجازية، يقال: هي ظرفية تعليل تفيد مبالغة في التعليل.
والهداية: الإرشاد والتوفيق بالتيسير القلبي والإرشاد الشرعي، أي لنزيدنهم هُدى.
وسُبُل الله: الأعمال الموصلة إلى رضاه وثوابه، شبهت بالطرق الموصلة إلى منزل الكريم المكرم للضيف.
والمراد ب ﴿ المحسنين ﴾ جميع الذين كانوا محسنين، أي كان عمل الحسنات شعارهم وهو عامّ.
وفيه تنويه بالمؤمنين بأنهم في عداد من مضى من الأنبياء والصالحين.
وهذا أوقع في إثبات الفوز لهم مما لو قيل: فأولئك المحسنون لأن في التمثيل بالأمور المقررة المشهورة تقريراً للمعاني ولذلك جاء في تعليم الصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم قوله: «كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».
والمعية: هنا مجاز في العناية والاهتمام بهم.
والجملة في معنى التذييل بما فيها من معنى العموم.
وإنما جيء بها معطوفة للدلالة على أن المهم من سَوقها هو ما تضمنته من أحوال المؤمنين، فعطفت على حالتهم الأخرى وأفادت التذييل بعموم حكمها.
وفي قوله ﴿ لنهدينهم سبلنا ﴾ إيماء إلى تيسير طريق الهجرة التي كانوا يتأهبون لها أيام نزول هذه السورة.
قَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هي مَكَّةُ وهم قُرَيْشٌ أمَّنَهُمُ اللَّهُ بِها.
﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا فَأذْكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيُذْعِنُوا لَهُ بِالطّاعَةِ.
﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفَبِالشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِإبْلِيسَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِعافِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِعَطاءِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: بِإطْعامِهِمْ مِن جُوعٍ وأمْنِهِمْ مِن خَوْفٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ، وهَذا تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِأنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.
﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: بِالقُرْآنِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ مَثْوًى ﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قاتَلُوا المُشْرِكِينَ طائِعِينَ لَنا.
الثّانِي: جاهَدُوا أنْفُسَهم في هَواها خَوْفًا مِنّا.
الثّالِثُ: اجْتَهَدُوا في العَمَلِ بِالطّاعَةِ والكَفِّ عَنِ المَعْصِيَةِ رَغْبَةً في ثَوابِنا وحَذَرًا مِن عِقابِنا.
الرّابِعُ: جاهَدُوا أنْفُسَهم في التَّوْبَةِ مِن ذُنُوبِهِمْ.
﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الطَّرِيقَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: نُوَفِّقُهم لِدِينِ الحَقِّ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ يَهْدِيهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَ، قالَهُ عَبّاسٌ أبُو أحْمَدَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ لَنُخَلِّصَنَّ نِيّاتِهِمْ وصَدَقاتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وصِيامَهم، قالَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ.
﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ في العَوْنِ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا...
﴾ قال: قد كان لهم في ذلك آية، إن الناس يغزون ويتخطفون وهم آمنون ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ أي بالمشرك ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ أي يجحدون.
وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا، والعرب أكثر منا، فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس.
فأنزل الله: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ قال ابن زيد: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾ هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ لنعصمنهم ولنرشدنهم إلى ديننا (١) قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كذلك يزيد المجاهدين هداية كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ (٢) وقال أبو سَوْرَة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾ في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة (٣) قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال مقاتل: في العون لهم (٤) وقال الزجاج: تأويله: إن الله ناصرهم (٥) وقال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.
(١) أخرجه ابن جرير 21/ 15، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ﴾ فقلت له: قاتلوا فينا قال: نعم.
وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 9/ 3084.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 174.
ومن أدلة ذلك قول الله -عز وجل- ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 163 ب.
- أبو سَوْرَة الأنصاري، ابن أخي أبي أيوب.
قال الذهبي: أبو سورة، عن ابن عمر، وعنه مطعم بن المقدام، مجهول.
"المغني في الضعفاء" 2/ 473، وقال ابن حجر: ضعيف.
"تقريب التهذيب" 1158.
(٤) لم أجده عند مقاتل في تفسيره.
وقال الثعلبي 8/ 163 ب: بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقباهم.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 174.
﴿ والذين جَاهَدُواْ فِينَا ﴾ يعني: جهاد النفس من الصبر على إذابة الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك، قيل يعني: القتال: وذلك ضعيف لأن القتال لم يكن مأموراً به حين نزول الآية ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ أي لنوفقنهم لسبيل الخير ﴿ وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين ﴾ المعنى أنه معهم بإعانته ونصره.
القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.
﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.
الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.
وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.
وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.
وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.
ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.
قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.
والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.
وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.
وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...
ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.
وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو واحد لا شريك له.
وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين كثرة.
وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي .
أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.
وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.
وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.
والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.
وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.
والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.
فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .
"وروي أن رسول الله قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.
فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .
وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.
واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.
وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله كما قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟
وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟
وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.
واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.
وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.
وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.
وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".
ثم إن الله كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.
ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.
وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.
وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.
وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.
قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.
وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.
والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.
وعن النبي "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .
ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.
﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.
واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.
فإذا قيل له: لم؟
قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.
فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.
فالله ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.
وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.
ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.
أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.
ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.
سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.
ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.
ولما بين الدليل من جانب النبي ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.
وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.
ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟
﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.
وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟
فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.
فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟
قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.
قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.
ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.
وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.
ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.
وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.
وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.
والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.
وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.
وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.
ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.
وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.
وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.
ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .
واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.
والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.
والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.
ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.
ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.
وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.
فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.
ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.
﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.
وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.
والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.
ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.
وقال المفسرون: لما أمر رسول الله من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.
ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.
﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.
وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.
وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!
﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.
ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟
فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.
ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.
وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.
ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.
ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.
وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.
واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.
قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.
ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.
ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.
ويحتمل أن يقال: إنه قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" وفي "الحديد".
وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".
فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.
"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.
وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.
ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.
ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.
ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.
ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.
ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "القصص".
ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.
فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.
وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟
وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.
وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.
فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟
وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟
وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.
ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.
وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.
وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.
فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.
﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.
فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.
سأل موسى : إلهي أين أطلبك؟
فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.
ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.
ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.
ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
قوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ الآية، على المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر أنهم أخلصوا الدين لله إذا ركبوا في الفلك، ولا شك أن ذلك أصلح لهم في الدين، فلما لم يبقهم على تلك الحال ليكونوا على ذلك الإخلاص؛ بل أخرجهم منها فعادوا إلى ما كانوا فدل ذلك أن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ﴾ قوله: ﴿ لِيَكْفُرُواْ ﴾ أي: أنجاهم ليكونوا على ما علم منهم أنهم يكونون، وقد علم أنه يكون منهم الكفر، فأنجاهم إلى البر؛ ليكون منهم ما قد علم أنه يكون ويختارون، وكأن إخلاصهم الدعاء في الفلك لم يكن إخلاص اختيار، ولكن إخلاص دفع البلاء عن أنفسهم؛ إذ لو كان ذلك إخلاص اختيار، لا دفع البلاء لكانوا لا يتركون ذلك في الأحوال كلها، فهذه الآية وإن كانت في أهل الكفر، ففي ذلك - أيضاً - توبيخ لأهل الإسلام؛ لأنهم لا يقومون بالشكر لله وإخلاص العبادة له في حال السعة والنعمة كما يكونون في حال الضيق والشدة، فينبههم ليكونوا في الأحوال كلها مخلصين العمل لله شاكرين له؛ لئلا يكون عملهم على حرف وجهة كعمل أهل النفاق، وكعمل أولئك الكفرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: يكذبون.
وقيل: يعدلون.
وقيل: يؤفكون: يؤفنون ويحمقون، والمأفون: الأحمق، والأفن: الحمق.
وقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ﴾ أي: سوف يعلمون صدقي في قولي، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما عادوا إلى ما كانوا عليه إذ أنجاهم من الأهوال التي ابتلوا بها؛ أي: سوف يعلمون ما أوعدهم الرسل.
وفي قولهم: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ وجه آخر: وهو أن يقال: ما هذه المحاسن والأعمال [التي] تعملون وتعدون محاسن وصلاحاً في هذه الدنيا إلا لهو ولعب؛ لما لا تبقى ولا تنتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه الله والدار الآخرة، وهو ما قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ﴾ أي: هي الباقية الدائمة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ﴾ قد ذكرنا في غير موضع: أن الاستفهام من الله يخرج مخرج الإلزام والإيجاب، أو يخرج مخرج الخبر، لا على حقيقة الاستفهام؛ لأنه عالم بذاته، يعلم ما في باطنهم وظاهرهم، وما يسرون وما يعلنون، بما كان ويكون، لا يستفهم عباده شيئاً، ولكنه يخرج على ما ذكرنا على الخبر، أو على الإلزام والإيجاب؛ فالخبر كأنه يقول: قد رأوا وعلموا أن الله جعل الحرم مأمناً لهم يأمنون فيه، وكان الناس حولهم يتخطفون ويخافون، والإلزام والإيجاب أن يقول لهم: اعلموا أن الله جعل لكم الحرم مأمناً تأمنون فيه والناس من حولكم على خوف يسلبون ويُسْبَوْنَ ويقتلون.
ثم يخرج تذكيره إياهم هذا على وجهين: أحدهما: أن الله قد جعل لكم الحرم مأمناً تأمنون فيه؛ لتعظيمكم حرم الله وبيته، والناس حولكم على خوف، وأنتم تشاركون من حولكم في الدين، فكيف تخافون الاختطاف والاستلاب إذا دنتم بدينه واتبعتم رسوله، فإذا آمنكم بكونكم في حرم الله وتعظيمكم بيته، ودفع عنكم الاستلاب والاختطاف، فكيف تخافون ذلك إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره؟!
بل الأمن والسعة إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره أكثر وأحق؛ فكأنهم إنما تركوا اتباع دينه خوفاً من الاختطاف؛ كقولهم: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ فقال لهم: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
أو يذكر هذا لهم: أنه قد أمنكم وصرف عنكم مع عبادتكم الأصنام وصرفكم الشكر إليها عند كل مكروه وسوء بكونكم في مجاورة بيته وحرمه، فإذا صرفتم العبادة إليه وشكرتم نعمه - أحق أن يؤمنكم ويوسع عليكم نعمه ويدفع عنكم ما لم يدفع عمن حولكم، وأنتم شركاؤهم في عبادة الأصنام واتخاذهم إياها آلهة.
على هذا يخرج، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: بما أوحى إليكم إبليس من الباطل تؤمنون، وهو ما أوحى إليهم: أن هؤلاء شفعاؤكم عند الله وعبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 121].
وقوله: ﴿ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: بما أوحى إليكم محمد من الله تكفرون.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: بالشرك يؤمنون ﴿ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ أي: بتوحيد الله يكفرون.
أو أن تكون النعمة - هاهنا - هي القرآن، أو ما ذكرنا، وهو محمد .
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على وجهين: على الخبر مرة، وعلى الإيجاب تارة والإلزام: [أي]: اعلموا أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله.
وعلى الخبر: أي: قد علمتم أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله؛ إذ قد عرفتم بعقولكم قبح الافتراء والكذب فيما بينكم، فلا كذب ولا افتراء أوحش أو أقبح من الافتراء على الله، فكيف افتريتم عليه وهو أوحش وأقبح؟!.
وقوله: ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل: ﴿ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ ﴾ برسول الله، أو بالقرآن الذي عجزوا عن إتيان مثله، أو بالتوحيد، أو كذب بالحق الذي ظهر حقه وصدقه لما جاءه.
وقوله: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ كأنه يقول: اعلم أن جهنم مثوى للكافرين؛ يذكره على التصبّر على أذاهم، والتسلي له بما كان يضيق صدره لمكان تركهم الإيمان والإياس منهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ أي: ليس من أجهد نفسه في طلب الدنيا والعمل لها إلا لهواً ولعباً، وأما من أجهد نفسه لله وطلب مرضاته فهو حق وله دار الحياة التي لا موت فيها ولا انقطاع.
ويشبه أن يكون على الابتداء لا على الصلة بالأول؛ يقول: والذين جاهدوا أنفسهم في هواها وشهواتها وأمانيها حقيقة ابتغاء مرضات الله وطلب الهداية والدين وسبيله ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ذكر السبل - هاهنا - لما سبق ذكر الجماعة، يقول: الذين جاهدوا فينا لنهدينهم كلا سبيلا فيكون سبلا للكل، وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ أن السبل على الإطلاق على غير تقدم ذكر من الهدى، أو شيء من الإضافة إلى الله - هي سبل الشيطان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ في التوفيق لهم في الإحسان والأعمال الصالحة.
أو مع المحسنين في النصر لهم والمعونة لهم مع أعدائهم.
أو مع المحسنين يحفظهم ويتولاهم.
ثم لم يفهم أحد من الخلق من قوله: ﴿ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ و ﴿ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ما يفهم من الخلق وذوي الأجسام والجثات، فكيف فهم بعض الناس من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ و ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ و ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ في كذا ما يفهم من استواء الخلق ومجيئهم وإتيانهم؟!
ليعلم أن فهم ذلك على ما يفهم من الخلق بعيدٌ محال، والله أعلم بالصواب.
والذين جاهدوا أنفسهم ابتغاء مرضاتنا لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيم، وإن الله مع المحسنين بالعون والنصر والهداية.