الآية ٢٧ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٧ من سورة لقمان

وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَـٰمٌۭ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍۢ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وجلاله ، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد ، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها ، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل : " لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " ، فقال تعالى : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [ أي : ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما ، وجعل البحر مدادا ومده سبعة أبحر ] معه ، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ، ونفد ماء البحر ، ولو جاء أمثالها مددا .

وإنما ذكرت " السبعة " على وجه المبالغة ، ولم يرد الحصر ولا [ أن ] ثم سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم ، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرائيليين التي لا تصدق ولا تكذب ، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) [ الكهف : 109 ] ، فليس المراد بقوله : ( بمثله ) آخر فقط ، بل بمثله ثم بمثله ثم بمثله ، ثم هلم جرا; لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته .

وقال الحسن البصري : لو جعل شجر الأرض أقلاما ، وجعل البحر مدادا ، وقال الله : " إن من أمري كذا ، ومن أمري كذا " لنفد ما في البحور ، وتكسرت الأقلام .

وقال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال الله تعالى : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) أي : لو كان شجر الأرض أقلاما ، ومع البحر سبعة أبحر ، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه .

وقال الربيع بن أنس : إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها ، وقد أنزل الله ذلك : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .

يقول : لو كان البحر مدادا لكلمات الله والأشجار كلها أقلاما ، لانكسرت الأقلام ، وفني ماء البحر ، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء ; لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ، ولا يثني عليه كما ينبغي ، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه .

إن ربنا كما يقول ، وفوق ما نقول .

وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود ، قال ابن إسحاق : حدثني ابن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ; أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد ، أرأيت قولك : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ؟

[ الإسراء : 85 ] ، إيانا تريد أم قومك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلا " .

فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها في علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " .

وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .

وهكذا روي عن عكرمة ، وعطاء بن يسار .

وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية ، والمشهور أنها مكية ، والله أعلم .

وقوله : ( إن الله عزيز حكيم ) أي : عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه ، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه ، ( حكيم ) في خلقه وأمره ، وأقواله وأفعاله ، وشرعه وجميع شؤونه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) يقول تعالى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما(والبَحْرُ يَمُدُّهُ) يقول: والبحر له مداد، والهاء في قوله: (يَمُدُّهُ) عائدة على البحر.

وقوله: (منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفذ ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن هذه الآية (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ) قال: لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحور مدادا، وقال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحور، وتكسَّرت الأقلام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو في قوله: (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ) قال: لو بريت أقلاما والبحر مدادا، فكتب بتلك الأقلام منه (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) ولو مدّه سبعة أبحر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) &; 20-152 &; قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البرّ أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت من اليهود له.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا إيانا تريد أم قومك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كُلا "، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كلّ شيء؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّها في عِلْمِ اللهِ قَلِيلٌ وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذلكَ ما يكْفِيكُمْ"، فأنـزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنـزل الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا قال: فنـزلت (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) قال: ما أوتيتم من علم فنجاكم الله به من النار، وأدخلكم الجنة، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: لما نـزلت بمكة وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا يعني: اليهود، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا أفتعنينا أم قومك؟

قال: " كُلا قَدْ عَنَيْتُ"، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان &; 20-153 &; كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هِيَ فِي عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكُمُ اللهُ ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ"، فأنـزل الله: (وَلَوْ أنَّما فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ) إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (والبَحْرُ يَمُدُّهُ مَنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ) فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والكوفة: (والبحرُ) رفعا على الابتداء، وقرأته قرّاء البصرة نصبا، عطفا به على " ما " في قوله: (وَلَوْ أنَّمَا فِي الأرْضِ)، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندي.

وقوله: (إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) يقول: إن الله ذو عزّة في انتقامه ممن أشرك به، وادّعى معه إلها غيره، حكيم في تدبيره خلقه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم .لما احتج على المشركين بما احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد ، وأنها لا نهاية لها .

وقال القفال : لما ذكر أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما ، والبحار مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب .

قال القشيري : فرد معنى تلك الكلمات إلى المقدورات ، وحمل الآية على الكلام القديم أولى ; والمخلوق لا بد له من نهاية ، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده ، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه ، والقديم لا نهاية له على التحقيق .

وقد مضى الكلام في معنى كلمات الله في آخر ( الكهف ) .وقال أبو علي : المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود .

وهذا نحو مما قاله القفال ، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية ، وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة ; لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور .

ومعنى نزول الآية يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم .

قال ابن عباس : إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت : يا محمد ، كيف عنينا بهذا القول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه ، وعندك أنها تبيان كل شيء ؟

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التوراة قليل من كثير " ونزلت هذه الآية ، والآية مدنية .

قال أبو جعفر النحاس : فقد تبين أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء ; لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من كل شيء ، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر ، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة [ ص: 72 ] وعضو ، وما في الشجرة من ورقة ، وما فيها من ضروب الخلق ، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون ; فلو سمى كل دابة وحدها ، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت عليه من الأحوال ، وما زاد فيها في كل زمان ، وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت إليه ، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان ، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها ، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر .قلت : هذا معنى قول القفال ، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى .

وقال قوم : إن قريشا قالت : سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر ; فنزلت .

وقال السدي : قالت قريش : ما أكثر كلام محمد !

فنزلت .قوله تعالى : والبحر يمده قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء ، وخبره في الجملة التي بعدها ، والجملة في موضع الحال ; كأنه قال : والبحر هذه حاله ; كذا قدرها سيبويه .

وقال بعض النحويين : هو عطف على ( أن ) لأنها في موضع رفع بالابتداء .

وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : ( والبحر ) بالنصب على العطف على ( ما ) وهي اسم ( أن ) .

وقيل : أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه .

وقرأ ابن هرمز والحسن : ( يمده ) ; من أمد .

قالت فرقة : هما بمعنى واحد .

وقالت فرقة : مد الشيء بعضه بعضا ; كما تقول : مد النيل الخليج ; أي زاد فيه .

وأمد الشيء ما ليس منه .

وقد مضى هذا في ( البقرة .

وآل عمران ) .

وقرأ جعفر بن محمد : ( والبحر مداده ) .

ما نفدت كلمات الله تقدم .

إن الله عزيز حكيم تقدم أيضا .

وقال أبو عبيدة : البحر هاهنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام ، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله، بشرح يبلغ من القلوب كل مبلغ، وتنبهر له العقول، وتحير فيه الأفئدة، وتسيح في معرفته أولو الألباب والبصائر، فقال: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } يكتب بها { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مدادا يستمد بها، لتكسرت تلك الأقلام ولفني ذلك المداد، و لم تنفد { كَلِمَاتُ اللَّهِ } تعالى، وهذا ليس مبالغة لا حقيقة له، بل لما علم تبارك وتعالى، أن العقول تتقاصر عن الإحاطة ببعض صفاته، وعلم تعالى أن معرفته لعباده، أفضل نعمة، أنعم بها عليهم، وأجل منقبة حصلوها، وهي لا تمكن على وجهها، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فنبههم تعالى تنبيها تستنير به قلوبهم، وتنشرح له صدورهم، ويستدلون بما وصلوا إليه إلى ما لم يصلوا إليه، ويقولون كما قال أفضلهم وأعلمهم بربه: "لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" وإلا، فالأمر أجل من ذلك وأعظم.وهذا التمثيل من باب تقريب المعنى، الذي لا يطاق الوصول إليه إلى الأفهام والأذهان، وإلا فالأشجار، وإن تضاعفت على ما ذكر، أضعافا كثيرة، والبحور لو امتدت بأضعاف مضاعفة، فإنه يتصور نفادها وانقضاؤها، لكونها مخلوقة.وأما كلام اللّه تعالى، فلا يتصور نفاده، بل دلنا الدليل الشرعي والعقلي، على أنه لا نفاد له ولا منتهى، وكل شيء ينتهي إلا الباري وصفاته { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } وإذا تصور العقل حقيقة أوليته تعالى وآخريته، وأنه كل ما فرضه الذهن من الأزمان السابقة، مهما تسلسل الفرض والتقدير، فهو تعالى قبل ذلك إلى غير نهاية، وأنه مهما فرضه الذهن والعقل، من الأزمان المتأخرة، وتسلسل الفرض والتقدير، وساعد على ذلك من ساعد، بقلبه ولسانه، فاللّه تعالى بعد ذلك إلى غير غاية ولا نهاية.واللّه في جميع الأوقات يحكم، ويتكلم، ويقول، ويفعل كيف أراد، وإذا أراد لا مانع له من شيء من أقواله وأفعاله، فإذا تصور العقل ذلك، عرف أن المثل الذي ضربه اللّه لكلامه، ليدرك العباد شيئا منه، وإلا، فالأمر أعظم وأجل.ثم ذكر جلالة عزته وكمال حكمته فقال: { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: له العزة جميعا، الذي ما في العالم العلوي والسفلي من القوة إلا منه، أعطاها للخلق، فلا حول ولا قوة إلا به، وبعزته قهر الخلق كلهم، وتصرف فيهم، ودبرهم، وبحكمته خلق الخلق، وابتدأه بالحكمة، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة، وكذلك الأمر والنهي وجد بالحكمة، وكانت غايته المقصودة الحكمة، فهو الحكيم في خلقه وأمره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ) قوله - عز وجل - : ) ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) الآية .

قال المفسرون : نزلت بمكة ، قوله سبحانه وتعالى : " ويسئلونك عن الروح " ، إلى قوله : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ( الإسراء - 85 ) ، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا : يا محمد ، بلغنا عنك أنك تقول : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " أفعنيتنا أم قومك ؟

فقال عليه الصلاة والسلام : كلا قد عنيت ، قالوا : ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم " ، قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " ( البقرة - 269 ) ، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير ؟

فأنزل الله هذه الآية .

قال قتادة : إن المشركين قالوا : إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع ، فنزلت : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ) ، أي : بريت أقلاما ( والبحر يمده ) قرأ أبو عمرو ويعقوب : " والبحر " بالنصب عطفا على " ما " ، والباقون بالرفع على الاستئناف ) ( يمده ) أي : يزيده ، وينصب فيه ) ( من بعده ) خلفه ( سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) وفي الآية اختصار تقديره : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله .

( إن الله عزيز حكيم ) وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية ، وعلى قول غيره مكية ، وقالوا : إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة ، والله أعلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر» عطف على اسم أن «يمده من بعده سبعة أبحر» مدادا «ما نفدت كلمات الله» المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك لأن معلوماته تعالي غير متناهية «إن الله عزيز» لا يعجزه شيء «حكيم» لا يخرج شئ عن علمه وحكمته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أن أشجار الأرض كلها بُريت أقلامًا والبحر مداد لها، ويُمَد بسبعة أبحر أخرى، وكُتِب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفِد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله التامة التي لا يحيط بها أحد.

إن الله عزيز في انتقامه ممن أشرك به، حكيم في تدبير خلقه.

وفي الآية إثبات صفة الكلام لله- تعالى- حقيقة كما يليق بجلاله وكماله سبحانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال - سبحانه - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض .

.

.

.

سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) .قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .وعن ابن عباس " أن أحبار قالوا للبنى صلى الله عليه وسلم أرأيت قولك : ( وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ) ؟

إيانا تريد أم قومك؟

فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا عنيت " فقالوا : ألست تتلو فيما جاءم أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شئ؟

فقال صلى الله عليه وسلم : " إنها فى علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم " وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) .و " لو " شرطية ، وجوابها ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله ) و " من " فى قوله ( مِن شَجَرَةٍ ) للبيان ، وفى الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق .والمعنى : ولو أن ما فى الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ، ولو أن البحر - أيضا - تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى .

وكتبت بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات الله التى يحيط بها علمه - تعالى - .لنفدت الأقلام ، ولند ماء البحر ، لتناهى كل ذلك ، وما نفدت كلمات الله - تعالى - ولا معلوماته ، لعد تناهيها .( إِنَّ الله عَزِيزٌ ) لا يعجزه شئ ، ولا يغلبه غالب ( حَكِيمٌ ) فى كل أقواله وأفعاله .فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله - تعالى لا نهاية له ، وأن مشيئته لا يقف أمامها شئ ، وكلماته لا أول لها ولا آخر .وقال - سبحانه - ( مِن شَجَرَةٍ ) بالإِفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام .وجمع - سبحانه - الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها .والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل .وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله .قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، والبحر مداد؟

قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ( يَمُدُّهُ ) لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها .

جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا ، فهى تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع .فإن قلت : الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكقير لا التقليل ، فهلا قيل : كلم الله؟

.قلت : معناه أن كلماته لا تفى بكتابها البحار فكيف بكلمه .وقال الآلوسى : والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته .

وقيل : المراد بها : مقدوراته وعجائب خلقه ، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له :( كُنْ فَيَكُونُ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما قال تعالى: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض ﴾ وكان ذلك موهماً لتناهي ملكه لانحصار ما في السموات وما في الأرض فيهما، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ ويكتب بها والأبحر مداد لا تفنى عجائب صنع الله، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز.

يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك، ويقال للدواء في حق المريض هذا شفاؤك، ودليل صحة هذا هو أن الله تعالى سمى المسيح كلمة لأنه كان أمراً عجيباً وصنعاً غريباً لوجوده من غير أب، فإن قال قائل الآية واردة في اليهود حيث قالوا الله ذكر كل شيء في التوراة ولم يبق شيء لم يذكره، فقال الذي في التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية، وقيل أيضاً إنها نزلت في واحد قال للنبي عليه السلام إنك تقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وتقول: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ فنزلت الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى العباد، وبالنسبة إلى الله وعلومه قليل، وقيل أيضاً إنها نزلت رداً على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده محمد سينفد، فقال إنه كلام الله وهو لا ينفد.

وما ذكر من أسباب النزول ينافي ما ذكرتم من التفسير، لأنها تدل على أن المراد الكلام، فنقول ما ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا، لأنه إذا صلح جواباً لهذه الأشياء التي ذكرتموها وهي متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافي هذا، لأن كلام الله عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله، وإذا قلنا بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه، لا يقال إنك جعلت الكلام مخلوقاً، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب، وأما الكلمات فهي من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذي هو مكتوب، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله، فإنه بأمر الرسول كتب كذلك، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذي فيه، ثم إن الآية فيها لطائف الأولى: قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير، يعني ولو أن بعدد كل شجرة أقلاماً.

الثانية: قوله: ﴿ والبحر يمده ﴾ تعريف البحر باللام لاستغراق الجنس وكل بحر مداد، ثم قوله: ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ إشارة إلى بحار غير موجودة، يعني لو مدت البحار الموجودة بسبعة أبحر أخر وقوله: ﴿ سَبْعَةُ ﴾ ليس لانحصارها في سبعة، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد، لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، والذي يدل عليه وجوه: الأول: هو أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان، لأن المكان فيه الأجسام والزمان فيه الأفعال، لكن المكان منحصر في سبعة أقاليم والزمان في سبعة أيام، ولأن الكواكب السيارة سبعة، وكان المنجمون ينسبون إليها أموراً، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير الثاني: هو أن الآحاد إلى العشرة وهي العقد الأول وما بعده يبتدئ من الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر، ثم المئات من العشرات والألوف من المئات، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلتئم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط، ولهذا يقال أقل ما يكون الاسم والفعل منه هو ثلاثة أحرف، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة التي هو العدد الأصلي تبقى السبعة القسم الأكثر، فإذا أريد بيان الكثرة ذكرت السبعة، ولهذا فإن المعدودات في العبادات من التسبيحات في الانتقالات في الصلوات ثلاثة، والمرار في الوضوء ثلاثة تيسيراً للأمر على المكلف اكتفاءً بالقسم الأول، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام: المؤمن يأكل في معى والكافر يأكل في سبعة أمعاء إشارة إلى قلة الأكل وكثرته من غير إرادة السبعة بخصوصها، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير، ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فإن فيها الحسنى وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها، والذي يدل على ما ذكرنا في السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واواً، يقول الفراء إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم في العرف، ثم بالثامن استئناف جديد اللطيفة الثالثة: لم يقل في الأقلام المدد لوجهين: أحدهما: هو أن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله في البحر: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني: هو أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ لما ذكر أن ملكوته كثيراً أشار إلى ما يحقق ذلك فقال: ﴿ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مداداً لما نفد ما في علمه وقدرته.

ثم قال تعالى: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة ﴾ لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للمعشر وقال: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة ﴾ ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتى كونوا فيكونوا.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ سميع لما يقولون بصير بما يعملون فإذاً كونه قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال يوجب ذلك الاجتناب التام والاحتراز الكامل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأنّ الذي خلق السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر.

وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى ﴾ عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.

قرئ: ﴿ والبحر ﴾ بالنصب عطفاً على اسم إنّ، وبالرفع عطفاً على محل إن ومعمولها على معنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

أو على الابتداء والواو للحال، على معنى.

ولو أنّ الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً، وفي قراءة ابن مسعود: و ﴿ بحر يمدّه ﴾ على التنكير، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأوّل.

وقرئ: ﴿ تمدّه ﴾ و ﴿ يمدّه ﴾ بالتاء والياء.

فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام، والبحر مداد.

قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمدّه، لأنه من قولك: مدّ الدواة وأمدّها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً، فهي تصب فيه مداداً أبداً صباً لا ينقطع.

والمعنى: ولو أنّ أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر.

وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ [الكهف: 109] .

فإن قلت: زعمت أنّ قوله: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ ﴾ حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال.

قلت: هو كقوله: وَقَدِ اغْتَدَى وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا وجئت والجيش مصطف.

وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف.

ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض.

فإن قلت: لم قيل: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟

قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاماً.

فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل.

فهلا قيل: كلم الله؟

قلت: معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف بكلمه؟

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت جواباً لليهود لما قالوا: (قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة) وقيل: إن المشركين قالوا: إنّ هذا- يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد.

وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تتلو فيما أنزل عليك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ﴿ أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الأشْجارِ أقْلامًا، وتَوْحِيدُ شَجَرَةٍ لِأنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ الآحادِ.

﴿ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ والبَحْرُ المُحِيطُ بِسِعَتِهِ مِدادًا مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ المِدادِ يَمُدُّهُ لِأنَّهُ مِن مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها، ورَفَعَهُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنَّ ومَعْمُولَيْها و ( يَمُدُّهُ ) حالٌ أوْ لِلِابْتِداءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ أوِ الواوُ لِلْحالِ، ونَصَبَهُ البَصْرِيّانِ بِالعَطْفِ عَلى اسْمٍ ( أنَّ ) أوْ إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَمُدُّهُ )، وقُرِئَ «تَمُدُّهُ» «وَيَمُدُّهُ» بِالياءِ والتّاءِ.

﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ بِكَتْبِها بِتِلْكَ الأقْلامِ بِذَلِكَ المِدادِ وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أمْرٌ، والآيَةُ جَوابٌ لِلْيَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أوْ أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ وقَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قال المشركون إن هذا أي الوحي كلام سينفد فأعلم الله أن كلامه

لقمان (٢٩ - ٢٧)

لا ينفد بقوله {وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله} والبحر بالنصب أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم أن وهو ما والرفع على محل أن ومعمولها أي ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر أو على الابتداء والواو للحال على معنى ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً وقرىء يُمِدّهُ وكان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد لكن أعنى عن ذكر المداد قوله يمده لأنه من قولك مد الدواة وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الابحر السبعة مملوأة مدادا فهى نصب فيه مدادها أبدا صبالا ينقطع والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدودا بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الاقلام والمداد كقوله قل لوكان البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى فان قلت رعمت أن قوله والبحر يمده حال في أحد وجهي الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي

الحال قلت هو كقولك جئت والجيش مصطف وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف وإنما ذكر شجرة على التوحيد لأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً وأوثر الكلمات وهي جمع قلة على الكلم وهي جمع كثيرة لأن معناه ان كلماته لا تفى بكتبتها البحار فكيف بكلمه {أَنَّ الله عَزِيزٌ} لا يعجزه شيء {حَكِيمٌ} لا يخرج من علمه وحكمته شيء فلا تنفد كلماته وحكمه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا - فَإنَّ - وما بَعْدَها فاعِلُ ثَبَتَ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ كَوْنِ ( أنَّ ) دالَّةً عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ الخَبَرِ لِذِكْرِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: بَعْدَهُ و( ما في الأرْضِ ) اسْمُ أنَّ ( ومِن شَجَرَةٍ ) بَيانٌ - لِما - أوْ لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها في الظَّرْفِ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أوْ مِنهُ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ أنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ كائِنًا مِن شَجَرَةٍ، ( وأقْلامٌ ) خَبَرُ أنَّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ دَلِيلُ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ، وبَعْضِ العَجَمِ مِمَّنْ يَنْصُرُ قَوْلَهُ: إنَّ خَبَرَ أنَّ الجائِيَةَ بَعْدَ - لَوْ- لا يَكُونُ اسْمًا جامِدًا، ولا اسْمًا مُشْتَقًّا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا، وهو باطِلٌ، ولِسانُ العَرَبِ طافِحٌ بِخِلافِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَوْ أنَّها عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتُها مُسَوَّمَةً تَدْعُو عَبِيدًا وأزْنَما وقالَ آخَرُ: ما أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أنَّ الفَتى حَجَرٌ ∗∗∗ تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وهو مَلْمُومُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِ خَبَرِها فِعْلًا إنَّما هو إذا كانَ مُشْتَقًّا، فَلا يَرُدُّ ﴿ أقْلامٌ ﴾ هُنا، ولا ما ذُكِرَ في البَيْتَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّهم بادُونَ  ﴾ ، فَلَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي، والكَلامُ في خَبَرِ أنَّ الواقِعَةِ بَعْدَ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ.

والمُرادُ بِشَجَرَةٍ كُلُّ شَجَرَةٍ، والنَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ، إذا اقْتَضى المَقامُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ  ﴾ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِبَعْضِ أهْلِ الشّامِ، وقَدْ سَألَهُ عَنِ المُحْرِمِ إذا قَتَلَ جَرادَةً أيَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ فِدْيَةً لَها؟

(تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ)، عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، ولا نُسَلِّمُ المُنافاةَ بَيْنَ هَذا العُمُومِ، وهَذِهِ التّاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ أنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامٌ إلَخْ، وكَوْنُ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، أوِ الأغْصانِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لَوْ أنَّ أجْزاءَ أوْ أغْصانَ كُلِّ شَجَرَةٍ في الأرْضِ أقْلامًا إلَخْ، ويُحَسِّنُ إرادَةُ العُمُومِ في نَحْوِ ما نَحْنُ فِيهِ كَوْنُ الكَلامِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ شَرْطًا بِلَوْ، ولِلشَّرْطِ مُطْلَقًا قُرْبُ ما مِنَ النَّفْيِ، فَما ظَنُّكَ بِهِ، إذا كانَ شَرْطًا بِها، وإنْ كانَتْ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْناها المَشْهُورِ مِنَ انْتِفاءِ الجَوابِ لِانْتِفاءِ الشَّرْطِ، أوِ العَكْسِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى ثُبُوتِ الجَوابِ، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ في المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فُصِّلَ في المُغْنِي، واخْتِيارُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى أشْجارٍ، أوْ شَجَرٍ، لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أبْعَدُ عَنِ اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ، بِأنْ تَكُونَ كُلُّ شَجَرَةٍ مِنَ الأشْجارِ، أوِ الشَّجَرِ قَلَمًا، المُخِلُّ بِمُقْتَضى المَقامِ مِنَ المُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ كَلِماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ.

وفي البَحْرِ: أنَّ هَذا مِمّا وقَعَ فِيهِ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةُ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ  ﴾ ، ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ  ﴾ ، ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ  ﴾ ، وقَوْلُ العَرَبِ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، وهَذا أفْضَلُ عالِمٍ، يُرادُ مِنَ الآياتِ، ومِنَ الرَّحَماتِ، ومِنَ الدَّوابِّ، وأوَّلُ الفُرْسانِ وأفْضَلُ العُلَماءِ، ذُكِرَ المُفْرَدُ النَّكِرَةُ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، وهو مَهْيَعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ هُنا مِنَ الشَّجَراتِ، أوْ مِنَ الأشْجارِ اهـ فَلا تَغْفُلْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ ( شَجَرَةٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ دُونَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي هو شَجَرٌ، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَفْصِيلُ الشَّجَرِ شَجَرَةً شَجَرَةً، حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ ولا واحِدَةٌ، إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفادَةَ المُفْرَدِ التَّفْصِيلَ بِدُونِ تَكْرارٍ غَيْرُ مَعْهُودٍ، والمَعْهُودُ إفادَتُهُ ذَلِكَ بِالتَّكْرِيرِ نَحْوَ: جاؤُونِي رَجُلًا رَجُلًا، فَتَأمَّلْ، واخْتِيارُ جَمْعِ القِلَّةِ في ( أقْلامٌ ) مَعَ أنَّ الأنْسَبَ لِلْمَقامِ جَمْعُ الكَثْرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ لِلْقَلَمِ جَمْعٌ سِواهُ، وقِلامٌ غَيْرُ مُتَداوَلٍ فَلا يَحْسُنُ اسْتِعْمالُهُ، ﴿ والبَحْرُ ﴾ أيِ المُحِيطُ فَألْ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ المُتَبادِرُ، ولِأنَّهُ الفَرْدُ لِلْكامِلِ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى شُعَبِهِ وعَلى الأنْهارِ العِظامِ كَدِجْلَةَ، والفُراتِ، وجُوِّزَ إرادَةُ الجِنْسِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْلَغُ ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نَفادِهِ، وقِيلَ مِن ورائِهِ ﴿ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ مَفْرُوضَةٌ، كُلٌّ مِنها مِثْلُهُ في السَّعَةِ والإحاطَةِ، وكَثْرَةِ الماءِ، والمُرادُ بِالسَّبْعَةِ الكَثْرَةُ بِحَيْثُ تَشْمَلُ المِائَةَ والألْفَ مَثَلًا لا خُصُوصَ العَدَدِ المَعْرُوفِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ»» واخْتِيرَتْ لَها لِأنَّها عَدَدٌ تامٌّ كَما عَرَفْتَ عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ وكَثِيرٌ مِنَ المَعْدُوداتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ كالسَّماواتِ والكَواكِبِ السَّيّارَةِ، والأقالِيمِ الحَقِيقِيَّةِ، وأيّامِ الأُسْبُوعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعٍ، فَلَعَلَّ في ذِكْرِها هُنا دُونَ سَبْعِينَ المُتَجَوَّزِ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ أيْضًا رَمْزًا إلى شَأْنِ كَوْنِ تِلْكَ الأبْحُرِ عَظِيمَةً ذاتَ شَأْنٍ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً في الأصْلِ لِذَلِكَ بَلْ لِلْعَدَدِ المَعْرُوفِ القَلِيلِ جاءَ تَمْيِيزُها (أبْحُرٍ) بِلَفْظِ القِلَّةِ دُونَ بُحُورٍ، وإنْ كانَ لا يُرادُ بِهِ إلّا الكَثْرَةُ لِيُناسِبَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَكَما تَجُوزُ في السَّبْعَةِ واسْتُعْمِلَتْ لِلتَّكْثِيرِ تَجُوزُ في أبْحُرٍ، واسْتُعْمِلَ فِيهِ أيْضًا، وكانَ الظّاهِرُ بَعْدَ جَعْلِ ما في الأرْضِ مِن شَجَرٍ أقْلامًا أنْ يُقالَ: والبَحْرُ مِدادٌ، لَكِنْ جِيءَ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، لِأنَّ يَمُدُّهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المِدادِ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ: مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها أيْ جَعَلَها ذاتَ مِدادٍ، وزادَ في مِدادِها، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلى المِدادِ مَعَ ما يَزِيدُ في المُبالَغَةِ، وهو تَصْوِيرُ الإمْدادِ المُسْتَمِرِّ حالًا بَعْدَ حالٍ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَأفادَ النَّظْمُ الجَلِيلُ جَعْلَ البَحْرِ المُحِيطِ بِمَنزِلَةِ الدَّواةِ، وجَعْلَ أبْحُرٍ سَبْعَةً مِثْلَهُ مَمْلُوءَةً مِدادًا، فَهي تَصُبُّ فِيهِ مِدادَها أبَدًا صَبًّا، لا يَنْقَطِعُ، ورَفْعُ ( البَحْرُ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ فِيهِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (يَمُدُّهُ) خَبَرُهُ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ الضَّمِيرِ الَّذِي في صِلَتِهِ، أيْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، ولا يَضُرُّ خُلُوُّ الجُمْلَةِ عَنْ ضَمِيرِ ذِي الحالِ، فَإنَّ الواوَ يَحْصُلُ بِها مِنَ الرَّبْطِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنِ الضَّمِيرِ لِدِلالَتِها عَلى المُقارَنَةِ، وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وما أشْبَهَها كَقَوْلِهِ: وقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ في وكَناتِها ∗∗∗ بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ وجِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ، مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حُكْمُها حُكْمُ الظُّرُوفِ، لِأنَّها في مَعْناها، إذْ مَعْنى: جِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ مَثَلًا، ومَعْنى: جِئْتُ وقْتَ اصْطِفافِ الجَيْشِ، واحِدٌ، وحَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ يَرْبِطُهُ بِما قَبْلَهُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ، وهو إذا وقَعَ حالًا اسْتَقَرَّ فِيهِ الضَّمِيرُ فَما يُشْبِهُهُ، كَأنَّهُ فِيهِ ضَمِيرٌ مُسْتَقِرٌّ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ اعْتِراضُ أبِي حَيّانَ بِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ حالًا فَفي العامِلِ فِيهِ الضَّمِيرُ يَنْتَقِلُ إلى الظَّرْفِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا كانَتْ حالًا بِالواوِ فَلَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ مُنْتَقِلٌ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّها في حُكْمِ الظَّرْفِ.

نَعَمِ الحَقُّ أنَّ الرَّبْطَ بِالواوِ كافٍ عَنِ الضَّمِيرِ، ولا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ هَذِهِ المَئُونَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الأرْضِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والرّابِطُ ما سَمِعْتَ، أوْ ألِ الَّتِي في ( البَحْرُ ) بِناءً عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ كَوْنِ ألْ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ  ﴾ أيْ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا حالَ كَوْنِ بَحْرِها مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ قالَ في الكَشْفِ: ولا بُدَّ أنْ يُجْعَلَ ( مِن شَجَرَةٍ ) بَيانًا لِلضَّمِيرِ العائِدِ إلى ما لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ بِالأجْنَبِيِّ.

( والبَحْرُ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ (ألْ) فِيهِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ العائِدِ إلى الأرْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْهُودُ، وأنْ يُرادَ بِهِ غَيْرُهُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ البَحْرَ عَلى ذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الأبْحُرِ لِقَرِينَةِ الإضافَةِ، ويُفِيدُ أنَّ السَّبْعَةَ خارِجَةٌ عَنْ بَحْرِ الأرْضِ، وعَلى ما سِواهُ يَحْتَمِلُ الحِصَّةَ المَعْهُودَةَ المَعْلُومَةَ عِنْدَ المُخاطَبِ.

ورُدَّ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما بَلْ كَوْنُ بَحْرِها لِلْعَهْدِ أظْهَرُ، لِأنَّ العَهْدَ أصْلُ الإضافَةِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ الأرْضِ شامِلَةً لِجَمِيعِ الأقْطارِ، لِأنَّ المَعْهُودَ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو مُحِيطٌ بِها كُلِّها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ رَفْعِهِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنْ ومَعْمُولِها، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامًا، وثَبَتَ البَحْرُ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّالَّ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ هو أنْ وخَبَرُهُ عَلى ما قُرِّرَ في بابِهِ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ إفْضاءٌ إلى المَعْطُوفِ دُونَ مُلاحَظَةِ دالٍّ، وفي هَذا العَطْفِ إخْراجٌ عَنِ المُلاحَظَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ في التّابِعِ ما لا يُحْتَمَلُ في المَتْبُوعِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ العَطْفَ عَلى هَذا مِن عَطْفِ المُفْرَدِ لا المُفْرَدِ عَلى الجُمْلَةِ كَما قِيلَ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّما هو المَصْدَرُ الواقِعُ فاعِلًا لِثَبَتَ، وهو مُفْرَدٌ لا جُمْلَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ الواقِعُ مُبْتَدَأً إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوِ البَحْرُ، عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقَ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، كَما في نَحْوِ: رُبَّ رَجُلٍ وأخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى العَطْفِ السّابِقِ أنْ يَلِيَ لَوِ الِاسْمُ الصَّرِيحُ، وهو أيْضًا مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ، وأجابَ بِما أُجِيبَ وفِيهِ عِنْدِي تَأمُّلٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) خَبَرُ المُبْتَدَإ، والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَإ وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مَعَهُ، بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جُمْلَةً كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عَلى ذَلِكَ لِلِاسْتِئْنافِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما المِدادُ حِينَئِذٍ؟

فَقِيلَ: والبَحْرُ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ اقْتِرانَ الجَوابِ بِالواوِ، وإنْ كانَتِ اسْتِئْنافِيَّةً غَيْرُ مَعْهُودٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَقْتَرِنُ بِها إذا كانَ جَوابًا لِلسُّؤالِ عَلى وجْهِ المُناقَشَةِ لا لِلِاسْتِعْلامِ مِمّا لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قِيلَ: الظّاهِرُ عَلى إرادَةِ الِاسْتِئْنافِ أنْ يَكُونَ نَحْوِيًّا، وجُوِّزَ في هَذا التَّرْكِيبِ غَيْرُ ما ذُكِرَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ أيْضًا.

وقَرَأ البَصْرِيّانِ «والبَحْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ أنَّ، ( ويَمُدُّهُ ) خَبَرٌ لَهُ، أيْ: ولَوْ أنَّ البَحْرَ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ.

قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ حالًا لِأنَّهُ يُؤَدِّي أيْضًا إلى تَقْيِيدِ المُبْتَدَإ الجامِدِ بِالحالِ، ولا يَجُوزُ لِأنَّها لِبَيانِ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، والمُبْتَدَأُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُؤَدِّي إلى كَوْنِ المُبْتَدَإ لا خَبَرَ لَهُ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿ أقْلامٌ ﴾ خَبَرًا لَهُ، لِأنَّهُ خَبَرُ الأوَّلِ اهـ، ولَمْ يُذْكَرِ احْتِمالُ تَقْدِيرِ الخَبَرِ لِظُهُورِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ أعْنِي: ثَبَتَ، ودُخُولُ لَوْ عَلى المُضارِعِ جائِزَةٌ، وجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) إلَخْ، حِينَئِذٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وبَحْرٌ» بِالتَّنْكِيرِ، والرَّفْعِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ هُناكَ بَحْرٌ يَمُدُّهُ إلَخْ، والواوُ واوُ الحالِ لا مَحالَةَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ( أقْلامٌ )، لِأنَّ البَحْرَ وما فِيهِ لَيْسَ مِن حَدِيثِ الشَّجَرِ والأقْلامِ، وإنَّما هو مِن حَدِيثِ المِدادِ.

وفي البَحْرِ: إنَّ الواوَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ، أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإذا كانَتْ لِلْحالِ كانَ ( البَحْرُ ) مُبْتَدَأً، وسَوَّغَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً تَقَدُّمُ تِلْكَ الواوِ فَقَدْ عُدَّ مِن مُسَوِّغاتِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا ∗∗∗ مُحَيّاكَ أخْفى ضَوْءَهُ كُلُّ شارِقِ اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى فاعِلٍ ثَبَتَ، فَجُمْلَةُ ( يَمُدُّهُ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، لا حالٌ مِنهُ، وجَوَّزَ ذَلِكَ مَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً جَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ خَبَرِهِ مَحْذُوفًا كَما فَعَلَ ابْنُ جِنِّي.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ «تَمُدُّهُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ مِن مَدَّ، كالَّذِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ هُرْمُزَ «يَمُدُّهُ» بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ مِنَ الإمْدادِ، وقالَ ابْنُ الشَّيْخِ: يَمُدُّ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، ويُمِدُّ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لُغَتانِ بِمَعْنًى، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «والبَحْرُ مِدادُهُ» أيْ ما يُكْتَبُ بِهِ مِنَ الحِبْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مَصْدَرٌ، ﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ جَوابُ ( لَوْ )، وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ يُسَمّى حَذْفَ إيجازٍ، ويَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ، وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى ما نَفِدَتْ لِعَدَمِ تَناهِيها، ونَفِدَ تِلْكَ الأقْلامُ والمِدادُ لِتَناهِيها، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الِاشْتِمالِ عَلى إيجازِ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ  ﴾ ، أيْ فَحَلَقَ رَأْسَهُ لِدَفْعِ ما بِهِ مِنَ الأذى فَفِدْيَةٌ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى كَلِماتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «سَألَ أهْلُ الكِتابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ، فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ ، فَقالُوا: تَزْعُمُ أنّا لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَنَزَلَتْ: ( ولَوْ أنَ ) إلَخْ».

وظاهِرُ هَذا أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُشافَهَةً، وهو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّهم أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وهَذا القائِلُ يَقُولُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، وحاصِلُ الجَوابِ: إنَّهُ وإنْ كانَ ما أُوتِيتُمُوهُ خَيْرًا كَثِيرًا لِكَوْنِهِ حِكْمَةً إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى ( ويَسْألُونَكَ ) إلَخْ، فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتاهُ أحْبارُ اليَهُودِ فَقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كَلّا عَنَيْتُ» فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ: (إنّا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ)، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّحِيَّةُ: «وهِيَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكم ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ نَجَوْتُمْ»، «قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَزْعُمُ هَذا وأنْتَ تَقُولُ: ﴿ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَذا عِلْمٌ قَلِيلٌ وخَيْرٌ كَثِيرٌ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وهَذا نَصٌّ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِها مَقْدُوراتُهُ جَلَّ وعَلا وعَجائِبُهُ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي إذا أرادَ سُبْحانَهُ شَيْئًا مِنها قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ( كُنْ فَيَكُونُ ) [البَقَرَةُ: 117 وغَيْرُها]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في عِيسى: ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ  ﴾ ، وإطْلاقُ الكَلِماتِ عَلى ما ذُكِرَ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وعَلى هَذا وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أظْهَرُ عَلى ما قِيلَ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ( لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ) وكانَ مُوهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ جَلَّ جَلالُهُ أرْدَفَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما هو ظاهِرٌ بِعَدَمِ التَّناهِي، وهَذا ما اخْتارَهُ الإمامُ في المُرادِ بِكَلِماتِهِ تَعالى إلّا أنَّ في انْطِباقِهِ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ خَفاءٌ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: المُرادُ بِها ما وعَدَ سُبْحانَهُ بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما أوْعَدَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ مِنَ العِقابِ، وكَأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ بَيانٌ لِأكْثَرِيَّةِ ما لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ مِن مُلْكِهِ تَعالى بَعْدَ بَيانِ كَثْرَةِ ما ظَهَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما هو المُتَبادِرُ مِنها بِناءً عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما هَذا كَلامٌ يُوشِكُ أنْ يَنْفَدَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ الآيَةَ، وفي وجْهِ رَبْطِ الآيَةِ عَلَيْهِ بِما قَبْلَها، وكَذا بِما بَعْدَها خَفاءٌ جِدًّا إلّا أنَّهُ لا يَقْتَضِي كَوْنَها مَدَنِيَّةً، وإيثارُ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ كَجَمْعِ المُذَكَّرِ جَمْعُ قِلَّةٍ لِإشْعارِهِ وإنِ اقْتَرَنَ بِما قَدْ يُفِيدُ مَعَهُ الِاسْتِغْراقَ والعُمُومَ مِن ألْ، أوِ الإضافَةِ نَظَرًا لِأصْلِ وضْعِهِ، وهو القِلَّةُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ، فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ «ما نَفِدَ» بِغَيْرِ تاءٍ، «كَلامُ اللَّهِ» بَدَلَ كَلِماتِ اللَّهِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يُعْجِزُهُ جَلَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ نَفادِ كَلِماتِهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه الْحَمِيدُ في فعاله.

ويقال: حميد أي: محمود.

يعني: يحمد ويشكر.

قوله عز وجل: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية.

قال قتادة: ذلك أن المشركين قالوا: هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع.

فنزل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ الآية.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن اليهود أعداء الله.

سألوا رسول الله  عن الروح فنزل قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] قالوا: كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً.

فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟

فنزل وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ يقول: لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تكون كلها مداداً، يكتب بها علم الله عز وجل، لانكسرت الأقلام، ولنفد المداد، ولم ينفد علم الله تعالى.

فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم.

قرأ أبو عمرو: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بنصب الراء.

وقرأ الباقون: بالضم.

فمن قرأ بالنصب نصبه.

لأنّ معناه: ولو أن ما فى الارض وأن البحر يمده.

ومن قرأ بالضم: فهو على الاستئناف وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ يعني: أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يعني: علمه وعجائبه.

ويقال: معاني كلمات الله.

لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى.

ويقال: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة على الكافر، حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية، وأن العلم للخلق غاية.

ثم قال عز وجل: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا: إن الله عز وجل خلقنا أطواراً، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم يقول: إنه بعث في ساعة واحدة، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أيها الناس جميعاً.

يقال: هاهنا مضمر.

فكأنه يقول: إلا كخلق نفس واحدة، وكبعث نفس واحدة.

ويقال: معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة.

ويقال: كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلق آدم  .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ بهم.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: انتقاص كل واحد منها بصاحبه.

ويقال: يدخل الليل في النهار، والنهار في الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذللهما لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: يجريان في السماء إلى يوم القيامة، وهو الأجل المسمى.

ويقال: يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب، حتى ينتهى إلى وقت نهايته وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

روي عن أبي عمرو في إحدى الروايتين أنه قرأ يعلمون بالياء بلفظ المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: هذا الذي ذكر من صنع الله عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ يعني: ليعلموا أن الله هو الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ يعني: من الآلهة لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من ذلك يعني: لا تنفعهم عبادتها.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وإنما يَدْعُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لهم.

ثم عظّم نفسه فقال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير.

يعني: العظيم، وهو الذي يعظم ويحمد.

ثم بيّن قدرته فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ يعني: السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: برحمة الله لمنفعة الخلق لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته.

ويقال: من عجائبه.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إن الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني: لعبارات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على أمر الله عز وجل عند البلاء.

ويقال: الذي يصبر في الأحوال كلها، شكورا لله عز وجل في نعمه.

ويقال: لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: لكل مؤمن موحد.

وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن، لأن أفضل خصال المؤمن: الصبر والشكر.

والصبار هو للمبالغة في الصبر.

والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر.

وروي عن قتادة أنه قال: إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

فأعلم الله عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السموات والأرض هو الصبار والشكور.

قوله عز وجل: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعني: أتاهم موج، كما يقال: من غشي سدد السلطان يجلس ويقم.

ويقال: علاهم.

ويقال: غطاهم موج كالظلل يعني: كالسحاب.

ويقال: كالجبال، وهو جمع ظلة.

يعني: يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: أخلصوا له بالدعوة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني: فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر ولا يؤمن.

ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني: لا يترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يعني: غدار بالعهد.

كفور لله عز وجل في نعمه.

وقال القتبي: الختر أقبح الغدر.

كَفُورٍ على ميزان فعول.

وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال: ظلوم.

وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله: صَبَّارٍ شَكُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .

وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.

وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.

وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.

و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.

قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .

وكَفُورٍ: بناء مبالغة.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...

الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح

الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.

وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.

دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.

وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.

والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.

وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...

إلى آخرها» «٥» .

قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: " ومَن يُسَلِّمْ " بِفَتْحِ السِّينِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ عَنِ الحُزْنِ، وذَلِكَ لا يُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ألْفاظِهِ في مَواضِعَ [هُودٍ: ٤٨، العَنْكَبُوتِ:٦١، البَقَرَةِ:٢٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ ، إيّانا يُرِيدُ، أمْ قَوْمَكَ؟

فَقالَ: " كَلّا " فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ؟

فَقالَ: " إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا في القُرْآنِ: إنَّما هو كَلامٌ [يُوشِكُ أنْ] يَنْفَدَ ويَنْقَطِعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ كانَتْ شَجَرُ الأرْضِ أقْلامًا، وكانَ البَحْرُ ومَعَهُ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مِدادًا- وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَكُتِبَ بِهَذِهِ الأقْلامِ وهَذِهِ البُحُورِ كَلِماتُ اللَّهِ- لَتَكَسَّرَتِ الأقْلامُ ونَفَذَتِ البُحُورُ، ولَمْ تَنْفُذْ كَلِماتُ اللَّهِ، أيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ والبَحْرُ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ، ونَصَبَهُ أبُو عَمْرٍو.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ، فَهو عَطْفٌ عَلى " ما "؛ المَعْنى: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ، ولَوْ أنَّ البَحْرَ؛ والرَّفْعُ حَسَنٌ عَلى مَعْنى: والبَحْرُ هَذِهِ حالُهُ.

قالَ اليَزِيدِيُّ: ومَعْنى ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ : يَزِيدُ فِيهِ؛ يُقالُ: مُدَّ قِدْرَكَ، أيْ: زِدْ في مائِها، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يَمُدُّهُ " مِنَ المِدادِ، لا مِنَ الإمْدادِ، يُقالُ: مَدَدْتُ دَواتِي بِالمِدادِ، وأمْدَدْتُهُ بِالمالِ والرِّجالِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إنَّ اللهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ عَنَيْنا بِهَذا القَوْلِ ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ ونَحْنُ قَدْ أُوتِينا التَوْراةَ فِيها كَلامُ اللهِ وأحْكامُهُ، وعِنْدَكَ أنَّها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ؟

فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : "التَوْراةُ قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: سَيَتِمُّ هَذا الكَلامُ لِمُحَمَّدٍ ويَنْحَسِرُ، فَنَزَلَتْ.

وقالَ السُدَيِّ: قُرَيْشٌ: ما أكْثَرَ كَلامِ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنها الإعْلامُ بِكَثْرَةِ كَلِماتِ اللهِ تَعالى، وهي في نَفْسِها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وإنَّما قَرُبَ الأمْرُ عَلى أفْهامِ البَشَرِ بِما يَتَناهى؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما يَعْهَدُهُ البَشَرُ مِنَ الكَثْرَةِ، وأيْضًا فَإنَّ الآيَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ أنَّ كَلِماتِ اللهِ تَعالى لَمْ تَكُنْ لِتَنْفَدَ، ولَيْسَ تَقْتَضِي الآيَةُ أنَّها تَنْفَدُ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الأقْلامِ والبُحُورِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ - واللهُ أعْلَمُ - ما في المَقْدُورِ دُونَ ما أخْرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ (الكَلِماتِ) هُنا إشارَةٌ إلى المَعْلُوماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يَنْحُو إلى الِاعْتِزالِ مِن حَيْثُ يَرَوْنَ في الكَلامِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ، نَوَّرَ اللهُ تَعالى قُلُوبَنا بِهُداهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى: "والبَحْرَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "ما" الَّتِي هي اسْمُ "أنَّ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والبَحْرُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَذِهِ حالُهُ"، كَذا، قَدَّرَها سِيبَوَيْهِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو عَطْفٌ عَلى "أنْ"؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَمُدُّهُ"، ﴾ مَن "مَدَّ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَمُدُّهُ" مِن "أمَدَّ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَّ الشَيْءُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وأمَدَّ الشَيْءُ ما لَيْسَ مِنهُ، فَكَأنَّ الأبْحُرَ السَبْعَةَ المُتَوَهِّمَةَ لَيْسَتْ مِنَ البَحْرِ المَوْجُودِ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "والبَحْرُ مِدادُهُ"، وهو مَصْدَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَبَحْرٌ يَمُدُّهُ"، وقَرَأ الحَسَنُ: "ما نَفِدَ كَلامُ اللهِ".

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أمْرَ الخَلْقِ والبَعْثِ أنَّهُ في الجَمِيعِ وفي شَخْصٍ واحِدٍ بِالسَواءِ؛ لِأنَّهُ كُلَّهُ "بِكُنْ فَيَكُونُ" قالَهُ مُجاهِدٌ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وأبِي الأسْوَدِ وبَنِيهِ، ومُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وذَلِكَ «أنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا نَرى الطِفْلَ يُخْلَقُ بِتَدْرِيجٍ وأنْتَ تَقُولُ: اللهُ يُعِيدُنا دُفْعَةً واحِدَةً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً فقال فيما حكى من وصية لقمان: ﴿ إنها إن تكُ مثقالُ حبة من خردل ﴾ إلى قوله ﴿ لطيف خبير ﴾ [لقمان: 16]، وقال بعد ذلك ﴿ فنُنبئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور ﴾ [لقمان: 23] فعقب ذلك بإثبات أن لعلم الله تعالى مظاهرَ يبلّغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مِما تقتضي الحكمة إبلاغه، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه، وأنه لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول.

وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل؛ وقد كان ما قُصَّ من أخبار الماضين موطئاً لهذا فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في سورة الكهف (109) فعقبتا بقوله في آخر السورة: ﴿ قل لو كان البحر مِدَاداً لكلمات ربي لَنَفِد البحر قبل أن تَنْفَد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مَدَداً ﴾ وهي مشابهة للآية التي في سورة لقمان.

فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات المتفرقة.

ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموْقع.

فقيل: سبب نزولها ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن يسار بروايات متقاربة: أن اليهود سألوا رسول الله أو أغَروا قريشاً بسؤاله لمَّا سمعوا قول الله تعالى في شأنهم: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [الإسراء: 85] فقالوا: كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سألوه: هي في علم الله قليل، ثم أنزل الله ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ الآيتين أو الآيات الثلاثَ.

وعن السدّي قالت قريش: ما أكثر كلامَ محمدٍ فنزلت: ﴿ ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ .

وعن قتادة قالت قريش: سيتِمّ هذا الكلام لمحمد وينحسِر أي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقول بعده كلاماً.

وفي رواية: سينفَدُ هذا الكلام.

وهذه يرجع بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفاً، وبعضها يرجع إلى أنها مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات التي نزلت قبلها.

و ﴿ كلمات ﴾ جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100] أي: الكلام المنبئ عن مراد الله من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرَهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها: كن فتكون، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم أي لو فُرض إرادة الله أن يكتب كلامَه كله صُحفاً ففُرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاماً، وفرض أن يكون البحر مداداً فكُتب بتلك الأقلام وذلك المدادِ لنفِد البحر ونفِدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر.

وأما قوله تعالى: ﴿ وتَمَّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً ﴾ [الأنعام: 115] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ، وتقدم قوله تعالى: ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ في سورة الأنفال (7).

وقد نُظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتُدئت بحرف ﴿ لو ﴾ فعلم أن مضمونها أمر مفروض، وأن ل ﴿ لو ﴾ استعمالات كما حققه في «مغنى اللبيب» عن عبارة سيبويه.

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ ولو أسمعهم لتولَّوا وهم معرضون ﴾ في سورة الأنفال (23).

﴿ ومن شجرة ﴾ بيان ل ﴿ ما ﴾ الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد، ولذلك لم يقل: من أشجار.

والأقلام: جمع قلَم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به، أي: لو تصير كل شجرة أقلاماً بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك.

والأقلام هو الجمع الشائع لقلَم فيرَد للكثرة والقلة.

و ﴿ يَمّده ﴾ بفتح الياء التحتية وضم الميم، أي: يزيده مِداداً.

والمداد بكسر الميم الحِبر الذي يُكتب به.

يقال: مَد الدَّوَاةَ يمدُها.

فكان قوله ﴿ يمده ﴾ متضمناً فرض أن يكون البحر مداداً ثم يُزاد فيه إذا نشف مدادُه سبعةُ أبحر، ولو قيل: يُمده، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز.

والسبعة: تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيراً كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والكافر يأكل في سبعة أمعاء " فليس لهذا العدد مفهوم، أي والبحر يمده أبحر كثيرة.

ومعنى ﴿ ما نفدت كلمات الله ﴾ ما انتهت، أي: فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن، فيكون المَثل على هذا الوجه الآخر وارداً مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين، فتكون ﴿ كلمات الله ﴾ هي القرآن، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها.

وجملة ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ تذييل، فهو لعزته لا يَغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها.

وقرأ الجمهور برفع ﴿ والبحرُ ﴾ على أن الجملة الاسمية في موضع الحال والواو واو الحال وهي حال مِن ﴿ ما في الأرض من شجرة، ﴾ أي: تلك الأشجار كائنة في حال كون البحر مداداً لها، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن الضمير لدلالتها على المقارنة.

وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ والبحرَ ﴾ بالنصب عطفاً على اسم (إنّ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ الآيَةَ.

وَفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا إنَّما هو كَلامٌ يَعْنِي القُرْآنَ يُوشِكُ أنْ يَنْفَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ يَعْنِي أنَّهُ لَوْ كانَ شَجَرُ البُرِّ أقْلامًا ومَعَ البَحْرِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مِدادًا لَتَكَسَّرَتِ الأقْلامُ ونَفِدُ ماءُ البُحُورِ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ عَجائِبُ رَبِّي وحِكْمَتُهُ وعِلْمُهُ.

الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ قالَتْ لَهُ أحْبارُ اليَهُودِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ؟

قالَ: (كُلٌّ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا أنْتُمْ وهُمْ) قالُوا: فَإنَّكَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» وَمَعْنى: ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ أيْ يَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيُقالُ في الزِّيادَةِ مَدَدْتُهُ وفي المَعُونَةِ أمْدَدْتُهُ.

﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ ونَفادُ الشَّيْءِ هو فَناءُ آخِرِهِ بَعْدَ نَفادِ أوَّلِهِ فَلا يُقالُ لِما فَنِيَ جُمْلَةً: نَفِدَ.

وَفِي ﴿ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ عَلى أهْلِ طاعَتِهِ في الجَنَّةِ.

الثّانِي: عَلى أصْنافِ خَلْقِهِ.

الثّالِثُ: جَمِيعُ ما قَضاهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن أُمُورِ خَلْقِهِ.

الرّابِعُ: أنَّها عِلْمُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يُقالُ إنَّها «نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وأبِي الأشَدَّيْنِ ومُنَبِّهٍ ونَبِيهٍ ابْنَيِ الحَجّاجِ بْنِ السَّبّاقِ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ثُمَّ تَقُولُ إنّا نَبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا جَمِيعًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛» لِأنَّ اللَّهَ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ ما يَصْعُبُ عَلى العِبادِ وخَلْقِهِ لِجَمِيعِ العالَمِ كَخَلْقِهِ لِنَفْسٍ واحِدَةٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ايانا تريد أم قومك؟

فقال: كلا...

فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟

فقال: إنها في علم الله قليل.

فأنزل الله في ذلك ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام...

﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اجتمعت اليهود في بيت فارسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ائتنا.

فجاء فدخل عليهم فسألوه عن الرجم فقال: أخبروني بأعلمكم.

فأشاروا إلى ابن صوريا الأعور قال: أنت أعلمهم قال: إنهم يزعمون ذاك قال: فنشدتك بالمواثيق التي أخذت عليكم، وبالتوراة التي أنزلت على موسى.

ما تجدون في التوراة؟

قال: لولا أنك نشدتني بما نشدتني به ما أخبرتك، أجد فيها الرجم قال: فقضى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صدقت يا محمد عندنا التوراة فيها حكم الله، فكانوا قبل ذلك لا يظفرون من النبي صلى الله عليه وسلم بشيء قال: فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [ الإسراء: 85] .

فاجتمعوا في ذلك البيت فقال رئيسهم: يا معشر اليهود لقد ظفرتم بمحمد فأرسلوا إليه.

فجاء فدخل عليهم فقالوا: يا محمد ألست أنت أخبرتنا أنه أنزل عليك ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ﴾ ثم تخبرنا أنه أنزل عليك ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فهذا مختلف.

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم قليلاً ولا كثيراً قال: ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ وجميع خلق الله كتاب، وهذا البحر يمد فيه سبعة أبحر مثله، فمات هؤلاء الكتاب كلهم، وكسرت هذه الأقلام كلها، ويبست هذه البحور الثمانية، وكلام الله كما هو لا ينقص، ولكنكم أوتيتم التوراة فيها شيء من حكم الله، وذلك في حكم الله قليل.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فقرأ عليهم هذه الآية قال: فرجعوا مخصومين بشر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول.

فقال رجل: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة، وأوتيت القرآن، وأوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ وفيه يقول: علم الله أكثر من ذلك ﴿ وما أوتيتم من العلم ﴾ فهو كثير لكم لقولكم قليل عندي» .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح.

فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة: وهي الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ فنزلت ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو نصر السجزي في الابانة عن قتادة رضي الله عنه قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً، ومع البحر سبعة أبحر مداد لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحور، قبل أن تنفد عجائب ربي، وحكمته وعلمه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: قال حيي بن أخطب: يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ وتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، فكيف يجتمع هاتان؟

فنزلت هذه الآية ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ونزلت التي في الكهف ﴿ قل لو كان البحر مداداًَ لكلمات ربي...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ يقول: لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً، والبحار مداداً، لنفد الماء، وتكسرت الأقلام، قبل أن تنفد كلمات ربي.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿ والبحر يمده ﴾ رفع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ ﴾ قرئ رفعًا ونصبًا، فمن نصبه عطفه على ما، ومن رفع استأنف كأنه قال: والبحر هذه حاله (١) ﴿ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ أي: ينصب فيه ويزيده سبعة أبحر.

﴿ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ ولا نفد علمه.

قال السدي: لو كان ما في الأرض من شجر فبريت أقلامًا، وكان البحر مدادًّا ومعه سبعة أبحر مدادًا مثله، فكتب بتلك الأقلام، نفد ذلك المداد قبل أن ينفد علم الله (٢) وقال الحسن: لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، لأملى الله من كلامه حتى ينفد المجر وتتكسر الأقلام (٣) (٤) فالمفسرون قالوا في كلمات الله: إنها علم الله، والمعنى: الكلمات التي هي عبارات عن معلوم الله، ولما كان معلومه لا يتناهى له، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى (٥) قال أبو علي: والمراد بذلك -والله أعلم- ما في المقدور دون بما خرج منه إلى الوجود (٦) قال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت هذه الآية.

يقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر، إذا لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه وخلقه وعلمه (٧) قال أبو عبيدة: هذا مختصر، تقديره: فكتب هذه الأقلام والبحور ما نفد كلام الله (٨) والمعنى (٩) ﴿ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ  ﴾ ، ثم قالت: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي  ﴾ ، والمعنى: فذهب، فألقى الكتاب، فقرأته، وقالت: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ﴾ .

ونظير هذه الآية قوله: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ \[الكهف 109\] الآية.

(١) انظر: "الحجة" 5/ 457 - 459، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 527.

(٢) لم أقف عليه منسوبًا للسدي، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 504، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 326، غير منسوب لأحد، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 528 وعزاه لعبد الرزاق وأبي نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي الجوزاء.

(٣) انظر: "الحجة" 5/ 458.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 83 أ.

(٥) هذا تفسير الأشاعرة، وفيه خلط بين صفتي العلم والكلام، وأهل السنة والجماعة يقررون صفة العلم ويثبتونها، وكذلك صفة الكلام، حيث أن علم الله متعلق بالأشياء قبل كونها، وأنه غير متجدد.

أما الكلام فصفة غير صفة العلم، فالله جل وعلا متكلم بمشيئته وقدرته كيف شاء متى شاء بما شاء، وهي صفة قديمة النوع حادثة الآحاد.

انظر: "رد الإمام الدارمي على بشر المريسي" ص 106، ورده على الجهمية ص 68، "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 175.

(٦) انظر: "الحجة" 5/ 458.

(٧) انظر: عبد الرزاق 2/ 106، "تفسير الطبري" 21/ 81، "تفسير الماوردي" 4/ 344.

وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 528،.

عزاه لعبد الرزاق وابن جرير == وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" وأبي نصر السجزي في "الإنابة" عن قتادة.

(٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 128، وعبارة أبي عبيدة جاءت هكذا: ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير، سبيله: فكتب كتاب الله بهذه الأقلام وبهذه البحور، ما نفد كتاب الله.

(٩) في (ب): زيادة (ما نفد)، وهو خطأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ الآية إخبار بكثرة كلمات الله، والمراد اتساع علمه ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت أقلاماً، والبحر لو كان مداداً يصب فيه سبعة أبحر صَبّاً دائماً وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية، فإن قيل: لم لم يقل والبحر مداداً كما قال في الكهف قل لو كان البحر مدداً؟

فالجواب: أنه أغنى من ذلك قوله: ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ لأنه من قولك مدّ الدواة وأمدّها، فإن قيل لم قال: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟

فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن قيل: لم قال ﴿ كَلِمَاتُ الله ﴾ ولم يقل كلم الله بجمع الكثرة؟

فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنه جمع قلة، فكيف ينفد الجميع الكثير.

وروي أن سبب الآية أن اليهود قالوا: قد أوتينا التورات وفيها العلم كله فنزلت الآية؛ لتدل أن ما عندهم قليل من كثير، والآية على هذا مدنية، وقيل: أن سببها إن قريشاً قالوا إن القرآن سينفد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم.

ثم يخرج قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين: أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك.

أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة.

على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم.

ويكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ مقطوعاً مفصولا من قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أولئك، وذلك لا يصلح.

ثم قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم.

والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظر والتفكر في أسباب العلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

كأنه يخبرهم ويذكر[هم]: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة.

أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ : الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته.

وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؟

وما قصته؟

وما أمره؟

حتى أنزل هذا، لكن ابن عباس -  - يقول: إن اليهود - أعداء الله - سألوا رسول الله  عن الروح وما هو؟

فنزل: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ﴾ أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ، أي: يسيراً في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟!

قال: فنزل ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ ، يقول: تبرى الشجرة أقلاماً، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مداداً يكتب بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم.

ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك.

أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟!

فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاماً والبحار مداداً، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفذ ذلك كله ولم ينفذ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم بذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفراً من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحماً، ثم تزعم أنا نبعث خلقاً جديداً في ساعة واحدة؟!

فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ ﴾ أيها الناس جميعاً على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ ، لقولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ ، بأمر الخلق والبعث.

وجائز أن يكون قال: هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم [من] الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ  ﴾ ، وكقولهم: - حيث قالوا -: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً...

﴾ الآية [النساء: 153]، وكقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعاً إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك.

أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.

أو أن يذكر [هذا]؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير [و]ما كان وما يكون تحت قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ : كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لذلك؛ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ عالم لذلك.

أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ .

يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ وفيه دلالة البعث.

أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء؛ وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة.

ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره.

ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث.

وقوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، ظاهراً وباطناً هذا وعيد؛ ليكونوا أبداً خائفين حذرين متيقظين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسيمة الألوهية والعبادة.

﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة.

أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : لا ينفعكم عبادتكم إياها.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن ما في الأرض من شجر قُطِع وبُرِي أقلامًا، وجُعِل البحر حبرًا لها ولو مده سبعة أبحر، ما فنيت كلمات الله لعدم تناهيها، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.oYWn4"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر