الآية ١ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١ من سورة سبأ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهي مكية يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة; لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة ، المالك لجميع ذلك ، الحاكم في جميع ذلك ، كما قال : ( وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) [ القصص : 70 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) أي : الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه ، كما قال : ( وإن لنا للآخرة والأولى ) [ الليل : 13 ] .

ثم قال : ( وله الحمد في الآخرة ) ، فهو المعبود أبدا ، المحمود على طول المدى .

وقال : ( وهو الحكيم ) أي : في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ، ( الخبير ) الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عنه شيء .

وقال مالك عن الزهري : خبير بخلقه ، حكيم بأمره; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل والحمد التام كله للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع دون كل ما يعبدونه، ودون كل شيء سواه لا مالك لشيء من ذلك غيره، فالمعنى الذي هو مالك جميعه (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) يقول: وله الشكر الكامل في الآخرة كالذي هو له ذلك في الدنيا العاجلة؛ لأن منه النعم كلها على كل من في السماوات والأرض في الدنيا، ومنه يكون ذلك في الآخرة فالحمد لله خالصا دون ما سواه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة لأن النعم كلها من قبله لا يشركه فيها أحد من دونه وهو الحكيم في تدبيره خلقه وصرفه إياهم في تقديره، خبير بهم وبما يصلحهم، وبما عملوا وما هم عاملون، محيط بجميع ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) حكيم في أمره، خبير بخلقه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمسورة سبأمكية في قول الجميع ، إلا آية واحدة اختلف فيها ، وهي قوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الآية .

فقالت فرقة : هي مكية ، والمراد المؤمنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عباس .

وقالت فرقة : هي مدنية ، والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة ; كعبد الله بن سلام وغيره ; قاله مقاتل .

وقال قتادة : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنون به كائنا من كان .

وهي أربع وخمسون آية .قوله تعالى : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير .قوله تعالى : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الذي في موضع خفض على النعت أو البدل .

ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني .

وحكى سيبويه ( الحمد لله أهل الحمد ) بالرفع والنصب والخفض .

والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله ; إذ النعم كلها منه .

وقد مضى الكلام فيه في أول الفاتحة .

وله الحمد في الآخرة قيل : هو قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده .

وقيل : هو قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا ، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى .

وهو الحكيم في فعله .

الخبير بأمر خلقه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحمد: الثناء بالصفات الحميدة, والأفعال الحسنة, فللّه تعالى الحمد, لأن جميع صفاته, يحمد عليها, لكونها صفات كمال, وأفعاله, يحمد عليها, لأنها دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر, والعدل الذي يحمد عليه ويعترف بحكمته فيه.وحمد نفسه هنا, على أن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ملكا وعبيدا, يتصرف فيهم بحمده.

{ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ } لأن في الآخرة, يظهر من حمده, والثناء عليه, ما لا يكون في الدنيا، فإذا قضى اللّه تعالى بين الخلائق كلهم, ورأى الناس والخلق كلهم, ما حكم به, وكمال عدله وقسطه, وحكمته فيه, حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار, إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده, وأن هذا من جراء أعمالهم, وأنه عادل في حكمه بعقابهم.وأما ظهور حمده في دار النعيم والثواب, فذلك شيء قد تواردت به الأخبار, وتوافق عليه الدليل السمعي والعقلي، فإنهم في الجنة, يرون من توالي نعم اللّه, وإدرار خيره, وكثرة بركاته, وسعة عطاياه, التي لم يبق في قلوب أهل الجنة أمنية, ولا إرادة, إلا وقد أعطي فوق ما تمنى وأراد، بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم, ولم يخطر بقلوبهم.فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال, مع أن في الجنة تضمحل العوارض والقواطع, التي تقطع عن معرفة اللّه ومحبته والثناء عليه, ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم, وألذ عليهم من كل لذة، ولهذا إذا رأوا اللّه تعالى, وسمعوا كلامه عند خطابه لهم, أذهلهم ذلك عن كل نعيم, ويكون الذكر لهم في الجنة, كالنَّفس, متواصلا في جميع الأوقات، هذا إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة في الجنة كل وقت من عظمة ربهم, وجلاله, وجماله, وسعة كماله, ما يوجب لهم كمال الحمد, والثناء عليه.{ وَهُوَ الْحَكِيمُ } في ملكه وتدبيره, الحكيم في أمره ونهيه.

{ الْخَبِيرُ } المطلع على سرائر الأمور وخفاياها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا وخلقا ( وله الحمد في الآخرة ) كما هو له في الدنيا ، لأن النعم في الدارين كلها منه .

وقيل : الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى : " وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " ( فاطر - 34 ) ، و " الحمد لله الذي صدقنا وعده " ( الزمر - 74 ) .

( وهو الحكيم الخبير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الحمد لله» حمد تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد وهو الوصف بالجميل لله تعالى «الذي له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا «وله الحمد في الآخرة» كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة «وهو الحكيم» في فعله «الخبير» في خلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي له ملك ما في السموات وما في الأرض، وله الثناء التام في الآخرة، وهو الحكيم في فعله، الخبير بشؤون خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة ( سبأ ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ، هو الله رب العالمين .والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها .و ( أل ) فى الحمد للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجيمع المحامد ، ولكافة ألوان الثناء ، هو الله - تعالى - .وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه - ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء ، فهو صادر عنه ، ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شئ ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سحبانه - هو الذى وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه .وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد ، دون المدح أو الشكر ، لأنه وسط بينهما ، إذ المدح أعم من الحمد ، لأن المدح يكون للعاقبل وغيره ، فقد يمدح الإِنسان لعقله ، وتمدح اللؤلؤة لجماها ، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان .والحمد أخص من الشكر ، لأن الشكر من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك .وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى - : ( الحمد للَّهِ .

.

) وهى سورة الفاتحة ، والأنعام ، وسبأ وفاطر .ولكن لكل سورة من هذه السور ، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده .وقد أحسن القرطبى - رحمه الله - عندما قال : فإن قيل : قد افتتح غيرها أى : سورة الأنعام - بالحمد لله ، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟

فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه ، لا يؤدى عن غيره ، من أجل عقده بالنعم المختلفة ، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون .والمعنى : الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده ، لأنه هو ، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض ، خلقا وملكا وتصرفا ، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته .وقوله : وله الحمد فى الآخرة ، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا ، بل يشمل الدنيا والآخرة .فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان ، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض ، ويقولون : ( الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ) قال صاحب الكشاف : ولما قال - سبحانه - : الحمد لله ، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية ، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا ، تقول : احمد أخاك الذى كساك وحملك ، تريد : احمده على كسوته وحملانه .ولما قال : ( وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ) علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب .وقال الآلوسى : والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل ، أن الأول على نهج العبادة ، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس .وقال الجمل : فإن قلت : الحمد مدح للنفس ، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق ، فما وجه ذلك؟فالجواب : ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله ، على افعال العباد .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَهُوَ الحكيم الخبير ) أى : وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين ، ودبرها بحكمته ، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم ، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

السور المفتتحة بالحمد خمس سور سورتان منها في النصف الأول وهما الأنعام والكهف وسورتان في الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة والخامسة وهي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولاً برحمته وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم فلنا حالتان الابتداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى علينا نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ويدل عليه قوله تعالى فيه: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ  ﴾ إشارة إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية وهي الكهف ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا  قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا  ﴾ إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ولو وقعت المنازعات في المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفاني، ثم قال في هذه السورة ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي الأخرة ﴾ وقال في الملائكة: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلى يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين كما قال تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملئكة  ﴾ وقال تعالى عنهم: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين  ﴾ وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ إشارة إلى النعمة العاجلة وقوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ إشارة إلى النعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام، ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: الحمد شكر والشكر على النعمة والله تعالى جعل ما في السموات وما في الأرض لنفسه بقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يبين أنه لنا حتى يجب الشكر نقول جواباً عنه الحمد يفارق الشكر في معنى وهو أن الحمد أعم فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلاً، فإن الإنسان يحسن منه أن يقول في حق عالم لم يجتمع به أصلاً أنه عالم عامل بارع كامل فيقال له إنه يحمد فلاناً ولا يقال إنه يشكره إلا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه فالله تعالى محمود في الأزل لاتصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال ومشكور ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النعم فلا يلزم ذكر النعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة وفي كونه مالك ما في السموات وما في الأرض عظمة كاملة فله الحمد على أنا نقول قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يوجب شكراً أتم مما يوجبه قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض  ﴾ وذلك لأن ما في السموات والأرض إذا كان لله ونحن المنتفعون به لا هو، يوجب ذلك شكراً لا يوجبه كون ذلك لنا.

المسألة الثانية: قد ذكرتم أن الحمد هاهنا إشارة إلى النعمة التي في الآخرة، فلم ذكر الله السموات والأرض؟

فنقول نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض، ثم قال: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ﴾ ليقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها وفناء العاجلة ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ الحكيم الخبير ﴾ إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير، والحكمة صفة ثابتة لله لا يمكن زوالها فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرة أخرى في الآخرة.

المسألة الثالثة: الحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولم يأت بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، فالفاعل الذي فعله على وفق العلم هو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها فقوله: (حَكِيمٌ) أي في الابتداء يخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ماذا يصدر من المخلوق وما لا يصدر إلى ماذا يكون مصير كل أحد فهو حكيم في الابتداء خبير في الانتهاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ما في السموات والأرض كله نعمة من الله، وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجله، ولما قال: ﴿ الحمد لِلَّهِ ﴾ ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول: أحمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد: أحمده على كسوته وحملانه.

ولما قال: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي الأخرة ﴾ علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.

فإن قلت: ما الفرق بين الحمدين؟

قلت: أمّا الحمد في الدنيا فواجب، لأنه على نعمة متفضل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب.

وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب، لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها، وإنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم: يلتذون به كما يلتذ من به العطاش بالماء البارد ﴿ وَهُوَ الحكيم ﴾ الذي أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته ﴿ الخبير ﴾ بكل كائن يكون.

ثم ذكرها مما يحيط به علماً ﴿ مَا يَلِجُ فِي الأرض ﴾ من الغيث كقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ [الزمر: 21] ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات ﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ من الشجر والنبات، وماء العيون، والغلة والدواب، وغير ذلك ﴿ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء ﴾ من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى: ﴿ وَفِى السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22] ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ من الملائكة وأعمال العباد ﴿ وَهُوَ ﴾ مع كثرة نعمه وسبوغ فضله ﴿ الرحيم الغفور ﴾ للمفرطين في أداء مواجب شكرها.

وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تنزل، بالنون والتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ الآيَةَ، وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ونِعْمَةً، فَلَهُ الحَمْدُ في الدُّنْيا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعَلى تَمامِ نِعْمَتِهِ.

﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ لِأنَّ ما في الآخِرَةِ أيْضًا كَذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مِن عَطْفِ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ فَإنَّ الوَصْفَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَيَّدَ الحَمْدَ بِها، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نَعِمُ الآخِرَةِ.

﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدّارَيْنِ.

﴿ الخَبِيرُ ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ.

﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ ﴾ كالغَيْثِ يَنْفُذُ في مَوْضِعٍ ويَنْبُعُ في آخَرَ، وكالكُنُوزِ والدَّفائِنِ والأمْواتِ.

﴿ وَما يَخْرُجُ مِنها ﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ والفِلِزّاتِ وماءِ العُيُونِ.

﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ والأرْزاقِ والأنْداءِ والصَّواعِقِ.

﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ كالمَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ والأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ.

﴿ وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في شُكْرِ نِعْمَتِهِ مَعَ كَثْرَتِها، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِن سَوابِقِ هَذِهِ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَعْلَمْ} مستأنف {مَا يَلْجُ} ما يدخل {فِى الأرض} من الأموات والدفائن {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النيات وجواهر المعادن {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء} من الأمطار وأنواع البركات {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يصعد إليها من

الملائكة والدعوات {وَهُوَ الرحيم} بإنزال ما يحتاجون إليه {الغفور} لما يجترءون عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وفي التَّحْرِيرِ هي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ  ﴾ ورَوى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكَةَ المُرادِيِّ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ  فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي،» الحَدِيثَ، وفِيهِ وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ؟

الحَدِيثَ، قالَ اِبْنُ الحَصّارِ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ مُهاجَرَةَ فَرْوَةَ بَعْدَ إسْلامِ ثَقِيفٍ سَنَةَ تِسْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُنْزِلَ حِكايَةً عَمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ فَلا يَأْبى كَوْنَها مَكِّيَّةً.

وآياتُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ وأرْبَعٌ وخَمْسُونَ في الباقِينَ، وما قِيلَ خَمْسٌ وأرْبَعُونَ سَهْوٌ مِن قَلَمِ النّاسِخِ، ووَجْهُ اِتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اللَّهِ تَعالى في مُفْتَتَحِها مِمّا يُناسِبُ الحِكَمَ الَّتِي في مُخْتَتَمِ ما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ  ﴾ الخ.

وأيْضًا قَدْ أُشِيرَ فِيما تَقَدَّمَ إلى سُؤالِ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ وهاهُنا قَدْ حُكِيَ عَنْهم إنْكارُها صَرِيحًا والطَّعْنُ بِمَن يَقُولُ بِالمَعادِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وذُكِرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ما لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ، وفي البَحْرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا سَمِعُوا ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ كَأنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ ويَتَخَوَّفُنا بِالبَعْثِ، واَللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا ولا نُبْعَثُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ، ومِن هَذا ظَهَرَتِ المُناسِبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ واَلَّتِي قَبْلَها، اِنْتَهى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا بِالإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ جَمِيعَ ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ هَذا العالَمُ بِالأسْرِ، ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الحَقِيقَةِ عِنْدَ أرْبابِ التَّحْقِيقِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ اِخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ المَخْلُوقاتِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ بِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى واسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَوْنُ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى لَيْسَ لَها في حَدِّ ذاتِها اِسْتِحْقاقُ الوُجُودِ فَضْلًا عَمّا عَداهُ مِن صِفاتِها بَلْ كُلُّ ذَلِكَ نِعَمٌ فائِضَةٌ عَلَيْها مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَما هَذا شَأْنُهُ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ اِسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الَّذِي مَدارُهُ الجَمِيلُ الصّادِرُ عَنِ القادِرِ بِالِاخْتِيارِ فَظَهَرَ اِخْتِصاصُ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى، وفي الوَصْفِ بِما ذُكِرَ أيْضًا إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا حَيْثُ عَقَّبَ الحَمْدَ بِما تَضَمَّنَ جَمِيعَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَيَكُونُ الكَلامُ نَظِيرَ قَوْلِكَ: اِحْمَدْ أخاكَ الَّذِي حَمَلَكَ وكَساكَ، فَإنَّكَ تُرِيدُ بِهِ اِحْمَدْهُ عَلى حُمْلانِهِ وكُسْوَتِهِ.

وفِي عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ عَلى الصِّلَةِ كَما هو الظّاهِرُ إيذانٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ لِيَتَلاءَمَ الكَلامُ، وفي تَقْيِيدِ الحَمْدُ فِيهِ بِأنَّ مَحَلَّهُ الآخِرَةُ إيذانٌ بِأنَّ مَحَلَّ الحَمْدِ الأوَّلِ الدُّنْيا لِذَلِكَ أيْضًا فَتُفِيدُ الجُمْلَتانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فِيها، وأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ وأصْلُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ إلخ في الدُّنْيا ولَهُ ما في الآخِرَةِ والحَمْدُ فِيها، فَأُثْبِتَ في كُلٍّ مِنهُما ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ الأُخْرَوِيِّ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ( في الآخِرَةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَهُ) مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وإطْلاقُهُ عَنْ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالمَحْمُودِ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ عَنِ التَّعْيِينِ كَما اِكْتَفى فِيما سَبَقَ بِذِكْرِ كَوْنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا عَنْ ذِكْرِ كَوْنِ الحَمْدِ فِيها أيْضًا بَلْ لِيَعُمَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ  ﴾ وما يَكُونُ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ أيْ لِما جَزاؤُهُ هَذا النَّعِيمُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ إلى الذِّهْنِ هو ما قُرِّرَ أوَّلًا، والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ مَعَ كَوْنِ نِعَمِ الدُّنْيا ونِعَمِ الآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ أنَّ الأوَّلَ عَلى نَهْجِ العِبادَةِ والثّانِي عَلى وجْهِ التَّلَذُّذِ والِاغْتِباطِ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ الأوَّلَ واجِبٌ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِها، والثّانِي لَيْسَ بِواجِبٍ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الإيصالِ إلى مُسْتَحِقِّها - مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الإيصالِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهم لِأنَّ ما يُعْطِي اللَّهُ تَعالى العِبادَ في الآخِرَةِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى الجَزاءِ عِنْدَهم بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ وبَعْضُهُ أجْرٌ.

وتَقْدِيمُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِتَأْكِيدِ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ عَلى ما هو الشّائِعُ اِعْتِناءً بِشَأْنِ نِعَمِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نِعَمُ الآخِرَةِ، وكَأنَّهُ أرادَ لِتَأْكِيدِ الِاخْتِصاصِ أوْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّ الِاخْتِصاصَ المُسْتَفادَ مِنَ اللّامِ بِمَعْنى المُلابَسَةِ التّامَّةِ لا الحَصْرِ كَما فَصَّلَهُ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ، وأمّا أنَّهُ أرادَ لِاخْتِصاصِ الِاخْتِصاصِ فَكَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: ولا كَذَلِكَ نِعَمُ الآخِرَةِ ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا  ﴾ فَتَأمَّلْ.

﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ ودَبَّرَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ العالِمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ ومَكْنُوناتِها، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى بِغَيْرِها، وعَمَّمَ بَعْضُهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ مِن أنَّ الخِبْرَةَ تَخْتَصُّ بِالبَواطِنِ لِأنَّها مِن خَبَرَ الأرْضَ إذا شَقَّها، وفي هَذِهِ الفاصِلَةِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى كَما يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنْعِمٌ يَسْتَحِقُّهُ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَنعُوتٌ بِالكَمالِ الِاخْتِيارِيِّ، وتَكْمِيلُ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى مُنْعِمًا أيْضًا بِأنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ وعَنْ عِلْمٍ بِمَوْضِعِ الِاسْتِحْقاقِ والِاسْتِيجابِ لا كَمَن يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُنْعِمٌ مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمسون وأربع آية مكية قول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ يعني: يحمده أهل الجنة.

ويقال: يحمدونه في ستة مواضع.

أحدهما حين نودي وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) [يس: 59] فإذا تميز المؤمنون من الكافرين يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] كما قَالَ نوح-  - حين أنجاه الله عز وجل من قومه.

والثاني حين جازوا الصراط قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] .

والثالث لما دنوا إلى باب الجنة، واغتسلوا بماء الحيوان، ونظروا إلى الجنة، وَقَالُواْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: 43] .

والرابع لما دخلوا الجنة استقبلتهم الملائكة- عليهم السلام- بالتحية فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [الزمر: 74] الآية.

والخامس حين استقروا في منازلهم وَقَالُواْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: 34، 35] .

والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) [الفاتحة: 1] .

وقال بعضهم: إنها الذي استوجب الحمد في الآخرة كما استوجب الحمد في الدنيا.

ثم قال: وَهُوَ الْحَكِيمُ حين حكم بالبعث الْخَبِيرُ يعني: العليم بهم.

ثم قال عز وجل: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يعني: ما يدخل في الأرض من المطر والأموات والكنوز وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات والكنوز والأموات وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من مطر أو وحي أو رزق أو مصيبة وَما يَعْرُجُ فِيها يعني: يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال بني آدم وَهُوَ الرَّحِيمُ بخلقه الْغَفُورُ بستر الذنوب وتأخير العذاب عنهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ سَبَإٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ يَحْمَدُهُ أوْلِياؤُهُ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ  ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ  ﴾ .

﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ ﴾ مِن بَذْرٍ أوْ مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَما يَخْرُجُ مِنها ﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن مَطَرٍ أوْ رِزْقٍ أوْ مَلَكٍ ﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ مِن مَلَكٍ أوْ عَمَلٍ أوْ دُعاءٍ.

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿ لا تَأْتِينا السّاعَةُ ﴾ أيْ: لا نُبْعَثُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: " عالَمِ الغَيْبِ " بِكَسْرِ المِيمِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِرَفْعِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " عَلّامِ الغَيْبِ " بِالكَسْرِ ولامٍ قَبْلَ الألِفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ، فَعَلى مَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عالَمِ الغَيْبِ؛ ومَن رَفَعَ، جازَ أنْ يَكُونَ ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عالَمُ الغَيْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، خَبَرُهُ ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ ؛ و " عَلّامٌ " أبْلَغُ مِن " عالِمٍ " .

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: " لا يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ؛ وهُما لُغَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ " بِالنَّصْبِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمُ المُجازاةُ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أثْبَتَ مِثْقالَ الذَّرَّةِ وأصْغَرَ مِنهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولِيُرِيَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، [والمُفَضَّلُ]: " مِن رِجْزٍ ألِيمٌ " رَفْعًا؛ والباقُونَ بِالخَفْضِ فِيهِما.

وَفِي ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ هُوَ الحَقَّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " هو " عِمادٌ، فَلِذَلِكَ انْتَصَبَ الحَقُّ.

وما أخْلَلْنا بِهِ فَقَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ [الحَجِّ: ٥١، ٥٢، البَقَرَةِ: ١٣٠، ٢٦٧] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَإٍ هِيَ مَكِّيَّةٌ، واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ  ﴾ الآيَةَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، والمُرادُ المُؤْمِنُونَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، والمُرادُ مَن أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَحِيمُ الغَفُورُ ﴾ الألِفُ واللامُ في ﴿ "الحَمْدُ" ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، أيِ: الحَمْدُ عَلى تَنَوُّعِهِ هو لِلَّهِ تَعالى مِن جَمِيعِ جِهاتِ الفِكْرَةِ، ثُمَّ جاءَ بِالصِفاتِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ المَحامِدَ، وهِيَ: مِلْكُهُ جَمِيعَ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، وعِلْمُهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وخِبْرَتُهُ بِالأشْياءِ، إذْ وُجُودُها إنَّما هو بِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، ورَحْمَتُهُ بِأنْواعِ خَلْقِهِ، وغُفْرانُهُ لِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن مُؤْمِنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، وتَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا أنَّ الحَمْدَ في الآخِرَةِ هو لَهُ وحْدَهُ لِإنْعامِهِ وإفْضالِهِ وتَغَمُّدِهِ وظُهُورِ قُدْرَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الألِفُ واللاَّمُ فِيهِ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ، أو إلى قَوْلِهِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ  ﴾ .

وَ"يَلِجُ" مَعْناهُ: يَدْخُلُ، ومِنهُ قَوْلُ شاعِرٍ: رَأيْتُ القَوافِي يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عنها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ و"يَعْرُجُ" مَعْناهُ: يَصْعَدُ.

وهَذِهِ الرُتَبُ حَصَرَتْ كُلَّما يَصِحُّ عِلْمُهُ مِن شَخْصٍ أو قَوْلٍ أو مَعْنى، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَما يُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتحت السورة ب ﴿ الحمد لله ﴾ للتنبيه على أن السورة تتضمن من دلائل تفرده بالإِلهية واتصافه بصفات العظمة ما يقتضي إنشاء الحمد له والإِخبار باختصاصه به.

فجملة ﴿ الحمد لله ﴾ هنا يجوز كونها إخباراً بأن جنس الحمد مستحَق لله تعالى فتكون الّلام في قوله: ﴿ لله ﴾ لام الملك.

ويجوز أن تكون إنشاء ثناء على الله على وَجه تعليم الناس أن يخصوه بالحمد فتكون اللام للتبيين لأن معنى الكلام: أحمد الله.

وقد تقدم الكلام على ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة الفاتحة (2)، وتقدم الكلام على تعقيبه باسم الموصول في أول سورة الأنعام وأول سورة الكهف.

وهذه إحدى سور خمس مفتتحة ب ﴿ الحمد لله ﴾ وهنّ كلها مكية وقد وضعت في ترتيب القرآن في أوله ووسطه، والربع الأخير، فكانت أرباع القرآن مفتتحة بالحمد لله كان ذلك بتوفيق من الله أو توقيف.

واقتضاء صلة الموصول أن ما في السماوات والأرض ملك لله تعالى يجعل هذه الصلة صالحة لتكون علة لإِنشاء الثناء عليه لأن مِلكه لما في السماوات وما في الأرض ملك حقيقي لأن سببه إيجادُ تلك المملوكات وذلك الإِيجادُ عمل جميل يستحق صاحبه الحمد، وأيضاً هو يتضمن نعماً جمة.

وهي أيضاً تقتضي حمد المنعِم، لأن الحمد يكون للفضائل وللفواضِل؛ فما في السموات فإن منه مهابط أنوار حقيقية ومعنوية، فيها هدى حسِّي ونفساني، وإليه معارجَ للنفوس في مراتب الكمالات التي بها استقامة السِيَر، وإزالةُ الغِيَر، ونزول الغيوث بالمطر.

وما في الأرض منه مسارح أنظار المتفكرين، ومنابت أرزاق المرتزقين، وميادين نفوس السائرين.

وفي هذه الصلة تعريض بكفران المشركين الذين حمدوا أشياء ليس لها في هذه العوالم أدنى تأثير ولا لَها بما تحتوي عليه أدنى شعور، ونَسُوا حمد مالكها وسائر ما في السماوات والأرض.

وجملة ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ عطف على الصلة، أي والذي له الحمد في الآخرة، وهذا إنباء بأنه مالكُ الأمر كله في الآخرة.

وفي هذا التحميد براعة استهلال الغرض من السورة.

وتقديم المجرور لإِفادة الحصر، أي لا حمد في الآخرة إلا له، فلا تتوجه النفوس إلى حمد غيره لأن الناس يومئذٍ في عالم الحق فلا تلتبس عليهم الصور.

واعلم أن جملة: ﴿ الحمد لله ﴾ وإن اقتضت قصر الحمد عليه تعالى قصراً مجازياً للمبالغة كما تقدم في سورة الفاتحة بناء على أن حمد غير الله للاعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه، فلما شاع ذلك في جملة ﴿ الحمد لله ﴾ وأريد إفادة أن الحمد لله مقصور عليه تعالى في الآخرة حقيقة غيرت صيغة الحمد المألوفة إلى صيغة ﴿ له الحمد ﴾ لهذا الاعتبار، وهذا نظير معنى قوله تعالى: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ [غافر: 16]، فالمعنى: أن قصر الحمد عليه في الآخرة أحق لأن التصرفات يومئذٍ مقصورة عليه لا يلتبس فيها تصرفُ غيرهِ بتصرفه.

ولما نيط حمده في الدنيا والآخرة بما اقتضى مرجعَ التصرفات إليه في الدارين أعقب ذلك بصفتي ﴿ الحكيم الخبير ﴾ ، لأن الذي أوجد أحوال النشأتين هو العظيم الحكمة الخبير بدقائق الأشياء وأسرارها.

فالحكمة: إتقان التصرف بالإِيجاد وضده، والخبرة تقتضي العلم بأوائل الأمور وعواقبها.

والقرن بين الصفتين هنا لأن كل واحدة تدلّ على معنى أصلي ومعنى لزومي، وهما مختلفان، فالمعنى الأصلي للحكيم أنه متقن التصرف والصنع لأن الحكيم مشتق من الإِحكام وهو الإِتقان، وهو يستلزم العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والخبير هو العليم بدقائق الأشياء وظواهرها بالأولى بحيث لا يفوته شيء منها، وهو يستلزم التمكن من تصريفها، ففي التتميم بهذين الوصفين إيماء إلى أن المقصود من الجملة قبله استحماق الذين أقبلوا في شؤونهم على آلهة باطلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ سَبَإٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً مِنها في قَوْلِ الضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ  ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي خَلَقَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

الثّانِي: الَّذِي يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو حَمْدُ أهْلِ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَسُرُورُهم بِحَمْدِهِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّ لَهُ الحَمْدَ في السَّماواتِ وفي الأرْضِينَ لِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِينَ فَصارَتْ هي الأُولى، والأرْضُونَ هي الآخِرَةُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: لَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ لِأنَّهُ عَدْلٌ مِنهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ يَعْنِي الحَكِيمَ في أمْرِهِ، الخَبِيرُ بِخَلْقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما يَلِجُ في الأرْضِ المَطَرُ، وما يَخْرُجُ مِنها النَّباتُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ما يَلِجُ فِيها الأمْواتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وما يَخْرُجُ مِنها كُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَعادِنِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: ما يَلِجُ فِيها: البُذُورُ، وما يَخْرُجُ مِنها: الزُّرُوعُ.

﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المَلائِكَةُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَعْرُجُ فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: القَضاءُ، وما يَعْرُجُ فِيها: العَمَلُ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّالِثُ: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: المَطَرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وما يَعْرُجُ فِيها: الدُّعاءُ.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ قال: ﴿ حكيم ﴾ في أمره ﴿ خبير ﴾ بخلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ قال: من المطر ﴿ وما يخرج منها ﴾ قال: من النبات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ قال: الملائكة ﴿ وما يعرج فيها ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب ﴾ قال: يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ قال: مغفرة لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ في الجنة ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: أي لا يعجزون وفي قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب من رجز أليم ﴾ قال: الرجز هو العذاب الأليم الموجع.

وفي قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾ قال: أصحاب محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ قال: الذين أوتوا الحكمة ﴿ من قبل ﴾ قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم ﴾ قال: قال ذلك مشركو قريش ﴿ إذا مزقتم كل ممزق ﴾ يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً.

وتقطعتكم السباع والطير ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ إنكم ستحيون وتبعثون قالوا: ذلك تكذيباً به ﴿ أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، واما أن يكون مجنوناً ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ كما خسفنا بمن كان قبلهم ﴿ أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أي قطعاً من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وان يشأ يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند قال قتادة رضي الله عنه: وكان الحسن رضي الله عنه يقول: إن الزبد لمن جنود الله ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ قال قتادة: تائب مقبل على الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: له كل ذلك خلقًا وملكًا.

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد حيث لا يحمد أحد (١) (٢) ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ قال ابن عباس: حكيم في خلقه أن يميتهم ثم يحييهم، الخبير لمن أطاعه ومن عصاه (٣) وقال قتادة: حكيم في أمره خبير بخلقه (٤) (١) في (أ): (أحدًا)، وهو خطأ؛ لأنه نائب فاعل.

ولم أقف على القول منسوبًا لابن عباس.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.

(٣) لم أقف عليه.

وهكذا جاء في النسخ!

ولعل الصواب: الخبير لمن أطاعه؛ لأنه يتعدى بالباء.

(٤) ذكره الماوردي 4/ 432 غيرمنسوب لأحد، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 486.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ﴾ يحتمل أن يكون الحمد الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، وعلى هذا حمله الزمخشري، ويحتمل عندي أن يكون الحمد الأول للعموم والاستغراق، فجمع الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جرد منه الحمد في الآخرة كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68] ثم أن الحمد في الآخرة يحتمل أن يريد به الجنس أو يريد به قوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ [يونس: 10] أو ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ [الزمر: 74].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: حمد نفسه بما صنع إلى خلقه.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على التعليم لخلقه: الحمد له، والثناء عليه؛ لآلائه وإحسانه إلى خلقه: ما لولا تعليمه إياهم الحمد له والثناء عليه لم يعرفوا ذلك.

والثاني: حمد نفسه؛ لما لم ير في وسع الخلق القيام بغاية الحمد له والثناء عليه على آلائه وأياديه، فتولى ذلك بنفسه، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ ؛ فقالوا: قد عرفنا السلام عليك؛ فكيف الصلاة عليك؟

فقال: "أن تقولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد..." آلى آخره؛ فهذا تفويض الصلاة إلى الله والدعاء له أن يصلي هو عليه دونهم؛ فهو - والله أعلم - كأنه لم ير فيهم وسع القيام بحقيقة الصلاة عليه، ولا بغاية الثناء؛ فأمرهم أن يفوضوا ذلك إليه؛ ليكون هو القاضي لذلك عنهم؛ فعلى ذلك الحمد لله.

وأصل الحمد له: هو الثناء عليه بجميع محامده وإحسانه بأسمائه الحسنى، والشكر له على جميع نعمائه وآلائه.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه قال - والله أعلم -: الحمد لله له ملك السماوات والأرض، وهو المستحق لذلك، لا الأصنام التي عبدتموها وسميتموها: آلهة.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: يحمد أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؛ كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ  ﴾ ، ونحوه، يحمده أولياؤه في الآخرة؛ ويحمده أولياؤه في الأولى؛ كقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: له الحمد في إنشاء الآخرة؛ لأن إنشاء الدنيا وما فيها إنما كان حكمة بإنشاء الآخرة، ولو لم يكن إنشاء الآخرة لكان خلق ذلك كله عبثاً باطلا؛ فأنشأ الآخرة حتى صار إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق حكمة؛ فأخبر أن له الحمد على إنشاء ما صار له إنشاء الدنيا حكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

قد تقدم معنى الحكيم والخبير في غير موضع، وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو الواضع كل شيء موضعه.

والفلاسفة يقولون: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً، وهو ما ذكرنا.

أو الحكيم؛ لما أحكم كل شيء وأتقنه، حتى شهد على وحدانيته، ودلّ على إلهيته.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ .

يخبر أن الأرض مع كثافتها وغلظها لا تحجب عنه ما يدخل فيها وما يخرج منها، وكذلك السماء مع صلابتها وشدّتها لا تحجب عنه شيئا كما يحجب عن الخلائق.

أو يخبر أن كثرة ما يدخل في الأرض ويخرج منها وازدحامه، وكثرة ما ينزل من السماء من الأمطار وما يعرج إليه من الدعوات والملائكة - لا يشغله عن العلم بالآخر، كما يشغل الخلائق؛ لأنه عالم بذاته لا بسبب، والخلق عالمون بأسباب؛ فعلمهم بسبب يشغلهم عن الأسباب الأخر؛ فأما الله -  - يتعالى عن أن يشغله شيء، أو يحجب عنه شيء، ﴿ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الحمد لله الذي له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وله سبحانه الثناء في الآخرة، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير بأحوال عباد، لا يخفى عليه منها شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.j1OW9"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله