الآية ١٢ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ١٢ من سورة يس

إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( إنا نحن نحيي الموتى ) أي : يوم القيامة ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة ، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق ، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب : ( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) [ الحديد : 17 ] .

وقوله : ( ونكتب ما قدموا ) أي : من الأعمال .

وفي قوله : ( وآثارهم ) قولان : أحدهما : نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التي أثروها من بعدهم ، فنجزيهم على ذلك أيضا ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " من سن في الإسلام سنة حسنة ، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " .

رواه مسلم ، من رواية شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن المنذر بن جرير ، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي ، رضي الله عنه ، وفيه قصة مجتابى النمار المضريين .

ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن يحيى بن سليمان الجعفي ، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جرير بن عبد الله ، فذكر الحديث بطوله ، ثم تلا هذه الآية : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) .

وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن المنذر بن جرير ، عن أبيه ، فذكره .

وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم ، انقطع عمله إلا من ثلاث : من علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده " .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي سعيد قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) قال : ما أورثوا من الضلالة .

وقال ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) يعني : ما أثروا .

يقول : ما سنوا من سنة ، فعمل بها قوم من بعد موتهم ، فإن كان خيرا فله مثل أجورهم ، لا ينقص من أجر من عمله شيئا ، وإن كانت شرا فعليه مثل أوزارهم ، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئا .

ذكرهما ابن أبي حاتم .

وهذا القول هو اختيار البغوي .

والقول الثاني : أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية .

قال ابن أبي نجيح وغيره ، عن مجاهد : ( ما قدموا ) : أعمالهم .

( وآثارهم ) قال : خطاهم بأرجلهم .

وكذا قال الحسن وقتادة : ( وآثارهم ) يعني : خطاهم .

قال قتادة : لو كان الله تعالى مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم ، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار ، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله ، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته ، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله ، فليفعل .

وقد وردت في هذا المعنى أحاديث : الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن عبد الله قال : خلت البقاع حول المسجد ، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم : " إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد " .

قالوا : نعم ، يا رسول الله ، قد أردنا ذلك .

فقال : " يا بني سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم " .

وهكذا رواه مسلم ، من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن ، كلاهما عن أبي نضرة - واسمه : المنذر بن مالك بن قطعة العبدي - عن جابر .

الحديث الثاني : قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الوزير الواسطي ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان الثوري ، عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد ، فنزلت : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إن آثاركم تكتب " .

فلم ينتقلوا .

انفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة ، عن محمد بن الوزير ، به .

ثم قال : " حسن غريب من حديث الثوري " .

ورواه ابن جرير ، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي ، عن ابن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن طريف - وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي - عن أبي نضرة ، به .

وقد روي من غير طريق الثوري ، فقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عباد بن زياد الساجي ، حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد ، فنزلت : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) ، فأقاموا في مكانهم .

وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية ، والسورة بكمالها مكية ، فالله أعلم .

الحديث الثالث : قال ابن جرير : حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد ، فنزلت : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) فقالوا : نثبت مكاننا .

هكذا رواه وليس فيه شيء مرفوع .

ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد ، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد ، فنزلت : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) فثبتوا في منازلهم .

الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : توفي رجل بالمدينة ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " يا ليته مات في غير مولده " .

فقال رجل من الناس ولم يا رسول الله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل إذا توفي في غير مولده ، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة " .

ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى ، وابن ماجه عن حرملة ، كلاهما عن ابن وهب ، عن حيي بن عبد الله ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا أبو تميلة ، حدثنا الحسين ، عن ثابت قال : مشيت مع أنس فأسرعت المشي ، فأخذ بيدي فمشينا رويدا ، فلما قضينا الصلاة قال أنس : مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي ، فقال : يا أنس ، أما شعرت أن الآثار تكتب ؟

أما شعرت أن الآثار تكتب ؟

.

وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول ، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى ، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب ، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى ، والله أعلم .

وقوله : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) أي : جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب .

قاله مجاهد ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وكذا في قوله تعالى : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) [ الإسراء : 71 ] أي : بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر ، كما قال تعالى : ( ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ) [ الزمر : 69 ] ، وقال تعالى : ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يقول تعالى ذكره ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ) من خلقنا( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ) في الدنيا من خير وشر، وصالح الأعمال وسيئها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ) من عمل .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ) قال: ما عملوا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( مَا قَدَّمُوا ) قال: أعمالهم.

وقوله ( وَآثَارَهُمْ ) يعني: وآثار خطاهم بأرجلهم، وذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ليقرب عليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنـزلت ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) فقالوا: نثبت في مكاننا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا، قال: فنـزلت ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) فثبتوا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سَلِمة قرب المسجد، قال: فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ إنَّها تُكْتَبُ آثَارُكُمْ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت كهمسا يحدث، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، فبلغ ذلك النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فقال: " يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ إنَّها تُكْتَبُ آثَارُكُمْ " قال: فأقاموا وقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا .

حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن طريف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: شكت بنو سَلِمة بُعد منازلهم إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فنـزلت ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) فقال: " عَلَيكُمْ مَنَازِلَكُم تُكْتَبُ آثارُكم " .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو نُمَيلة، قال: ثنا الحسين، عن ثابت، قال: مشيت مع أنس، فأسرعت المشي، فأخذ بيدي، فمشينا رُويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب ؟

.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن أن بني سَلِمة كانت دورهم قاصية عن المسجد، فهموا أن يتحولوا قرب المسجد، فيشهدون الصلاة مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فقال لهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " ألا تَحْتَسِبون آثارَكم يا بني سَلِمة؟" فمكثوا في ديارهم .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم ابن أبي بَزَّة، عن مجاهد، في قوله ( مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) قال: خطاهم بأرجلهم .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَآثَارَهُمْ ) قال: خطاهم .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَآثَارَهُمْ ) قال: قال الحسن: وآثارهم قال: خطاهم.

وقال قتادة: لو كان مُغْفِلا شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار .

وقوله ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) يقول تعالى ذكره: وكل شيء كان أو هو كائن أحصيناه، فأثبتناه في أم الكتاب، وهو الإمام المبين.

وقيل ( مُبِينٌ ) لأنه يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) قال: في أم الكتاب .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) كل شيء محصًى عند الله في كتاب .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) قال: أم الكتاب التي عند الله فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : إنا نحن نحيي الموتى أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردا على الكفرة .

وقال الضحاك والحسن : أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل .

والأول أظهر ، أي : نحييهم بالبعث للجزاء .

ثم توعدهم بذكره كتب الآثار ، وهي :الثانية : وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان .

قال قتادة : معناه من عمل .

وقاله مجاهد وابن زيد .

ونظيره قوله : علمت نفس ما قدمت وأخرت ، وقوله : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ، وقال : اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها ، من أثر حسن ، كعلم علموه ، أو كتاب صنفوه ، أو حبيس احتبسوه ، أو بناء بنوه من مسجد ، أو رباط ، أو قنطرة ، أو نحو ذلك .

أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين ، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم ، أو شيء أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه ، وكذلك كل سنة حسنة ، أو سيئة يستن بها .

وقيل : هي آثار المشائين إلى المساجد .

وعلى هذا المعنى تأول الآية عمر وابن عباس وسعيد بن جبير .

وعن ابن عباس أيضا أن معنى " وآثارهم " : خطاهم إلى المساجد .

قال النحاس : وهذا أولى ما قيل فيه ، لأنه قال : إن الآية نزلت في ذلك ; لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد .

وفي الحديث مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يكتب له برجل حسنة ، وتحط عنه برجل سيئة ذاهبا وراجعا ، إذا خرج إلى المسجد .[ ص: 14 ] قلت : وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : كانت بنو سلمة في ناحية المدينة ، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ، فنزلت هذه الآية : إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا .

قال : هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري .

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، قال : والبقاع خالية ، قال : فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا بني سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم فقالوا : ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا .

وقال ثابت البناني : مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت ، فحبسني ، فلما انقضت الصلاة قال : مشيت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسرعت ، فحبسني ، فلما انقضت الصلاة قال : " أما علمت أن الآثار تكتب " فهذا احتجاج بالآية .

وقال قتادة ومجاهد أيضا والحسن : الآثار في هذه الآية الخطى .

وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال : الآثار هي الخطى إلى الجمعة .

وواحد الآثار أثر ، ويقال أثر .الثالثة : في هذه الأحاديث المفسرة لمعنى الآية دليل على أن البعد من المسجد أفضل ، فلو كان بجوار مسجد ، فهل له أن يجاوزه إلى الأبعد ؟

اختلف فيه ، فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدث إلى القديم .

وروي عن غيره : الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا .

وكره الحسن وغيره هذا ، وقال : لا يدع مسجدا قربه ويأتي غيره .

وهذا مذهب مالك .

وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان .

وخرج ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة " .[ ص: 15 ] الرابعة : ( دياركم ) منصوب على الإغراء ، أي : الزموا ، و ( تكتب ) جزم على جواب ذلك الأمر .

وكل نصب بفعل مضمر يدل عليه أحصيناه ، كأنه قال : وأحصينا كل شيء أحصيناه .

ويجوز رفعه بالابتداء ، إلا أن نصبه أولى ، ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل .

وهو قول الخليل وسيبويه .

والإمام : الكتاب المقتدى به الذي هو حجة .

وقال مجاهد وقتادة وابن زيد : أراد اللوح المحفوظ .

وقالت فرقة : أراد صحائف الأعمال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، { وَآثَارَهُمْ } وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.ولهذا: { من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة } وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.{ وَكُلَّ شَيْءٍ } من الأعمال والنيات وغيرها { أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا نحن نحيي الموتى ) : عند البعث ، ( ونكتب ما قدموا ) من الأعمال من خير وشر ، ) ( وآثارهم ) أي : ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " .

وقال قوم : قوله : " ونكتب ما قدموا وآثارهم " أي : خطاهم إلى المسجد .

روي عن أبي سعيد الخدري قال : شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى : " ونكتب ما قدموا وآثارهم " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري ، حدثنا مروان الفزاري ، حدثنا حميد ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : " أرادت بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة ، فقال : يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم ؟

فأقاموا " .

وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام " .

قوله تعالى ( وكل شيء أحصيناه ) حفظناه وعددناه وبيناه ، ( في إمام مبين ) وهو اللوح المحفوظ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا نحن نحي الموتى» للبعث «ونكتب» في اللوح المحفوظ «ما قدَّموا» في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليه «وآثارهم» ما استنَّ به بعدهم «وكل شيء» نصبه بفعل يفسره «أحصيناه» ضبطناه «في إمام مبين» كتاب بيّن، هو اللوح المحفوظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة، ونكتب ما عملوا من الخير والشر، وآثارهم التي كانوا سببًا فيها في حياتهم وبعد مماتهم من خير، كالولد الصالح، والعلم النافع، والصدقة الجارية، ومن شر، كالشرك والعصيان، وكلَّ شيء أحصيناه في كتاب واضح هو أمُّ الكتب، وإليه مرجعها، وهو اللوح المحفوظ.

فعلى العاقل محاسبة نفسه؛ ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - أن البعث حق ، وأن الجزاء حق ، لكى لا يغفل عنهما الناس ، ولكى يستعدوا لهما بالإِيمان والعمل الصالح فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى .

.

.

) .أى : إنا نحن بقدرتنا وحدها نحيى الموتى بعد موتهم ، ونعيدهم إلى الحياة مرة أخرى لكى نحاسبهم على أعمالهم .( وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ) أى : وإنا نحن الذين نسجل عليهم أعمالهم التى عملوها فى الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صاحلة أم غير صالحة .ونسجل لهم - أيضا - آثارهم التى تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة كعلم نافع ، أو صدقة جارية ..

.

أم غير صالحة كدار للهو واللعب ، وكرأى من الآراء الباطلة التى اتبعها من جاء بعددهم ، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون من ثواب أو عقاب ( وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ ) أى : وكل شئ أثبتناه وبيناه فى أصل عظيم ، وفى كتاب واضح عندنا .

ألا وهو اللوح المحفوظ ، أو علمنا الذى لا يعزب عنه شئ .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وفى قوله : ( آثارهم ) قولان :أحدهما : ونكتب أعمالهم التى باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التى أثروها - أى تركوها - من بعدهم ، فنجزيهم على ذلك - أيضا - ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشر .

كقوله صلى الله عليه وسلم " من سن فى الإِسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شئ ، ومن سن فى الإِسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ .

.

" .والثانى : أن المراد ( وآثارهم ) أى : آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية .

فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : " خلت البقاع حول المسجد ، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " إنه بلغنى أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى المسجد؟

قالوا : نعم يا رسول الله ، قد أردنا ذلك ، فقال : يا بنى سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم " " .هذا ، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما قيل - ، لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لبنى سلمة ، " دياركم تكتب آثاركم " أى : ألزموا دياركم تكتب آثاركم .

.

دون إشارة إلى سبب النزول .قال الآلوسى ما ملخصه : والأحاديث التى فيها أن الله - تعالى - أنزل هذه الآية ، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم .

معارضة بما فى الصحيحين من أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ، ولم يذكر أنها نزلت فيهم ، وقراءته صلى الله عليه وسلم لا تنافى تقدم النزول .

أى : أن الآية مكية كبقية السورة .وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أثبتت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وبينت الحكمة من رسالته ، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الترتيب وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر.

وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: ﴿ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ  ﴾ ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين.

وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبراً كقول القائل: أنا أبو النجم وشعري شعري *** ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت؟

فيقول: أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهوراً إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال: إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما: أن يكون الخبر ﴿ نُحْىِ ﴾ كأنه قال إنا نحيي الموتى، و ﴿ نَحْنُ ﴾ يكون تأكيداً والأول أولى.

المسألة الثانية: ﴿ إنا نحن ﴾ فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيداً إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال أنا زيد لم يحصل التعريف التام، لأن للسامع أن يقول: أيما زيد؟

فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو، فلما قال الله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ ﴾ أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز، وحينئذٍ تصير الأصول الثلاثة مذكورة؛ الرسالة والتوحيد والحشر.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ ﴾ فيه وجوه: أحدها: المراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر  ﴾ والمراد والبرد أيضاً.

وثانيها: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  ﴾ أي بما قدمت في الوجود على غيره وأوجدته.

وثالثها: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه.

المسألة الرابعة: وآثارهم فيه وجوه: الأول: آثارهم أقدامهم فإن جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم».

والثاني: هي السنن الحسنة، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والحبائس الدارة، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها».

فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها والثالث: ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل العمل.

المسألة الخامسة: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: نحيي ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ ﴾ وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله: ﴿ وَكُلَّ شيْء أحصيناه فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون ذلك بياناً لكون ما قدموا وآثارهم أمراً مكتوباً عليهم لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال: ﴿ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ ﴾ بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه.

وثانيها: أن يكون ذلك مؤكداً لمعنى قوله: ﴿ وَنَكْتُبُ ﴾ لأن من يكتب شيئاً في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهذا كقوله تعالى: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كتاب لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى  ﴾ .

وثالثها: أن يكون ذلك تعميماً بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ  وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ  ﴾ يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء فعلوه مكتوب، وقوله: ﴿ أحصيناه ﴾ أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده فقال: هو محصي فيه وسمي الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ، وإمام جاء جمعاً في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم  ﴾ أي بأئمتهم وحينئذٍ فإمام إذا كان فرداً فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعاً فهو كجبال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهراً للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نُحْىِ الموتى ﴾ نبعثهم بعد مماتهم.

وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان ﴿ وَنَكْتُبُ مَا ﴾ أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس حبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك.

أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صدّ عن ذكر الله: من ألحان وملاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُنَبَّؤُاْ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13] أي: قدّم من أعماله، وأخّر من آثاره.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

وعن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا وقال: «يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد» ، فقلنا: نعم، بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية، فقال: «عليكم دياركم.

فإنما تكتب آثاركم» قال: فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح.

والإمام: اللوح.

وقرئ: ﴿ ويُكتَبُ ما قدّموا وآثارهم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وكل شيء ﴾ بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ﴾ الأمْواتَ بِالبَعْثِ أوِ الجُهّالَ بِالهِدايَةِ.

﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ﴾ ما أسْلَفُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ.

﴿ وَآثارَهُمْ ﴾ الحَسَنَةَ كَعِلْمٍ عَلَّمُوهُ وحَبِيسٍ وقَفُوهُ، والسَّيِّئَةَ كَإشاعَةِ باطِلٍ وتَأْسِيسِ ظُلْمٍ.

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنا نحن نحيي الموتى} لبعثهم بعد مماتهم أو نخرجهم من الشرك إلى الإيمان {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها

{وآثارهم} ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علّموه أو كتاب صنّفوه أو حبيس حبّسوه أو رباط أو مسجد صنعوه أو سيىء كوظيفة وظفها بعض الظلمة وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ونحوه قوله تعالى يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ قدم من أعماله وأخر من آثاره وقيل هي خطاهم إلى الجمعة أو إلى الجماعة {وَكُلَّ شىْءٍ أحصيناه} عددناه وبيناه {فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ﴾ إلخ تَذْيِيلٌ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ المُصَمِّمَيْنِ عَلى الكُفْرِ والمُشَفَّعَيْنِ بِالإنْذارِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا ووَعِيدًا ووَعْدًا، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أوْ لِلتَّقْوِيَةِ، وما ألْطَفَ هَذا الضَّمِيرُ الَّذِي عَكْسُهُ كَطَرْدِهِ هاهُنا، وضَمِيرُ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى جَلالَةِ الفِعْلِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الخَبَرِ أوْ لِرَدِّ الإنْكارِ فَإنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ  ﴾ أيْ إنّا نَحْنُ نُحْيِي الأمْواتَ جَمِيعًا بِبَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ﴾ ما أسْلَفُوهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ ﴿ وآثارَهُمْ ﴾ الَّتِي أبْقَوْها بَعْدَهم مِنَ الحَسَناتِ كَعِلْمٍ عَلَّمُوهُ أوْ كِتابٍ ألَّفُوهُ أوْ حَبِيسٍ وقَفُوهُ أوْ بِناءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَنُوهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ ومِنَ السَّيِّئاتِ كَتَأْسِيسِ قَوانِينِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ الَّتِي أحْدَثُوها وسَنُّوها بَعْدَهم لِلْمُفْسِدِينَ.

أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن بَعْدِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا ثُمَّ تَلا ﴿ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ »،» وعَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا في الخَطْوِ يَوْمَ الجُمْعَةِ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآثارَ بِالخَطَأِ إلى المَساجِدِ مُطْلَقًا لِما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ «كانَ بَنُو سَلَمَةَ في ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّهُ يَكْتُبُ آثارَكم ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمُ الآيَةَ، فَتَرَكُوا».

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ كانَتِ الأنْصارُ مَنازِلُهم بَعِيدَةٌ مِنَ المَسْجِدِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ ﴿ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ فَقالُوا بَلْ: نَمْكُثُ مَكانَنا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيما ذُكِرَ عَلى أنَّ الآثارَ هي الخُطا لا غَيْرَ وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها مِنَ الآثارِ فَلْتُحْمَلِ الآثارُ عَلى ما يَعُمُّها وغَيْرِها.

واسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الخَبِرَيْنِ ونَحْوِهِما عَلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَ ذَلِكَ زَعْمًا صَحِيحًا وشَنَّعَ عَلَيْهِ بِما ورَدَ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وانْتَصَرَ لَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ مَعارَضٌ بِما في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ  قَرَأ لَهم هَذِهِ الآيَةَ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تُنافِي تَقَدُّمَ النُّزُولِ، ومُرادُ أبِي حَيّانَ هَذا لا أنَّهُ أنْكَرَ أصْلَ الحَدِيثِ، ولا يَخْفى أنَّ الحَدِيثَيْنِ السّابِقَيْنِ ظاهِرانِ في أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ ولَيْسَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ما يُعارِضُ ذَلِكَ، والعَجَبُ مِنَ الخَفاجِيِّ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذا.

وقِيلَ ما قَدَّمُوا مِنَ النِّيّاتِ وآثارَهم مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابَةِ الكِتابَةُ في صُحُفِ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ ولِكَوْنِها بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأُخِّرَتْ في الذِّكْرِ عَنِ الأحْياءِ مَعَ أنَّها مُقْدَّمَةٌ عَلَيْهِ لِأنَّ أثَرَها إنَّما يَظْهَرُ بَعْدَهُ، وعَلى هَذا يَضْعُفُ تَفْسِيرُ ما قَدَّمُوا بِالنِّيّاتِ بِناءً عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ مِن أنَّ النِّيّاتِ لا تَطَّلِعُ عَلَيْها المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يُؤْمَرُونَ بِكِتابَتِها.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَةَ بِالحِفْظِ أيْ نَحْفَظُ ذَلِكَ ونُثْبِتُهُ في عِلْمِنا لا نَنْساهُ ولا نُهْمِلُهُ كَما يَثْبُتُ المَكْتُوبُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ أنَّ كِتابَةَ ما قَدَّمُوا وآثارَهم كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وحِينَئِذٍ فَوَجْهُ ذِكْرِها بَعْدَ الإحْياءِ ظاهِرٌ.

وعَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ أنَّ إحْياءَ اللَّهِ تَعالى المَوْتى أنْ يُخْرِجَهم مِنَ الشِّرْكِ إلى الإيمانِ وجَعَلا المَوْتَ مَجازًا عَنِ الجَهْلِ، وتَعْرِيفُ «اَلْمَوْتى» لِلْعَهْدِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَوْكِيدُ المَوْعِدِ المُبَشَّرِ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ في هَؤُلاءِ لِأنّا نُحَيِّيهِمْ ونَكْتُبُ صالِحَ أعْمالِهِمْ وآثارِهِمْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، وقَرَأ زَرٌّ ومَسْرُوقٌ «ويُكْتَبُ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «وآثارُهُمْ» بِالرَّفْعِ.

﴿ وكُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، والنَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ أيْ وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ ﴿ أحْصَيْناهُ ﴾ أيْ بَيَّنّاهُ وحَفِظْناهُ، وأصْلُ الإحْصاءِ العَدُّ ثُمَّ تُجُّوِزَ بِهِ عَمّا ذَكَرَ لِأنَّ العَدَّ لِأجْلِهِ.

﴿ فِي إمامٍ ﴾ أيْ أصْلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يُؤْتَمُ ويُقْتَدى بِهِ ويُتَّبَعُ ولا يُخالَفُ ﴿ مُبِينٍ ﴾ مُظْهِرٌ لِما كانَ وسَيَكُونُ، وهو - عَلى ما في البَحْرِ حِكايَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ - اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وبَيانُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ إذا حُمِلَ العُمُومُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ حَوادِثَ الجَنَّةِ وما يَتَجَدَّدُ لِأهْلِها مِن دُونِ اِنْقِطاعٍ عَلى ما نَحْوَ ما يُحْكى مِن بَيانِ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ في الجَفْرِ الجامِعِ لَكِنَّهُ عَلى طُرُزِ أعَلا وأشْرَفَ، ونَحْوَ هَذا ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اِشْتِمالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَتّى أسْماءِ المُلُوكِ ومُدَدِ مُلْكِهِمْ، أوْ يُقالُ إنَّ بَيانَ ذَلِكَ فِيهِ لَيْسَ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ دُفُعاتٍ بِأنْ يُبَيَّنَ فِيهِ جُمْلَةٌ مِنَ الأشْياءِ كَحَوادِثِ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ تُمْحى عِنْدَ تَمامِ الألْفِ ويُبَيَّنُ فِيهِ جُمْلَةٌ أُخْرى كَحَوادِثِ ألْفٍ أُخْرى وهَكَذا، والدّاعِي لِما ذُكِرَ أنَّ اللَّوْحَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ جِسْمٌ وكُلُّ جِسْمٍ مُتَناهِي الأبْعادِ كَما تَشْهَدُ بِهِ الأدِلَّةُ وبَيانُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ لَنا دُفْعَةً مُقْتَضٍ لِكَوْنِ المُتَناهِي ظَرْفًا لِغَيْرِ المُتَناهِي وهو مُحالٌ بِالبَدِيهَةِ.

وإذا أُرِيدَ بِكُلِّ شَيْءِ الأشْياءُ الَّتِي في هَذِهِ النَّشْأةِ وأفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم فِيها فَلا إشْكالَ في البَيانِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ دُفْعَةً.

واَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ ما كُتِبَ في اللَّوْحِ ما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو مُتَناهٍ وبَعْضُ الآثارِ تَشْهَدُ بِذَلِكَ والمُطْلَقُ مِنها مَحْمُولٌ عَلى المُقَيَّدِ، وحَقِيقَةُ اللَّوْحِ لَمْ يَرِدْ فِيها ما يُفِيدُ القَطْعُ ولِذا نُمْسِكُ عَنْ تَعْيِينِها، وكَوْنُ أحَدِ وجْهَيْهِ ياقُوتَةً حَمْراءَ والثّانِي زُمُرُّدَةً خَضْراءَ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ولا جَزْمَ لَنا بِصِحَّتِهِ، وكَوْنُهُ أحَدَ المُجَرَّداتِ وما مِن شَيْءٍ إلّا وهو يَعْلَمُهُ بِالفِعْلِ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما هو مِن تَخَيُّلاتِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإمامَ المُبِينَ بِعِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ كَما فَسَّرَ أُمَّ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ  ﴾ بِهِ، وهو أصْلٌ لا يَكُونُ في صُفُوفِ صُنُوفِ المُمْكِناتِ ما يُخالِفُهُ كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُ الشّافِعِيِّ: خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ ووَصْفُهُ بِمُبِينٍ لِأنَّهُ مُظْهَرٌ فَقَدْ قالُوا: العِلْمُ صِفَةٌ يَتَجَلّى بِها المَذْكُورُ لِمَن قامَتْ بِهِ أوْ لِأنَّ إظْهارَ الأشْياءِ مِن خَزائِنِ العَدَمِ يَكُونُ بَعْدَ تَعَلُّقِهِ فَإنَّ القُدْرَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ العِلْمِ، فالشَّيْءُ يُعْلَمُ أوَّلًا ثُمَّ يُرادُ ثُمَّ تَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِإيجادِهِ فَيُوجِدُ، ولا يَخْفى ما في هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ اِرْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وعَلَيْهِ فَلا كَلامَ في العُمُومِ، نَعَمْ في كَيْفِيَّةِ وُجُودِ الأشْياءِ في عِلْمِهِ تَعالى كَلامٌ طَوِيلٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الكَلامِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ صُحُفُ الأعْمالِ ولَيْسَ بِذاكَ، وحُكِيَ لِي عَنْ بَعْضِ غُلاةِ الشِّيعَةِ أنَّ المُرادَ بِالإمامِ المُبِينِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإحْصاءُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ مِن بابِ: لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرِ ∗∗∗ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى جَعْلِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خِزانَةً لِلْمَعْلُوماتِ عَلى نَحْوِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الجَهْلِ بِالكِتابِ الجَلِيلِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادَهُ المُتَصَوِّفَةُ في إطْلاقِهِمُ الكِتابَ المُبِينَ عَلى الإنْسانِ الكامِلِ اِصْطِلاحًا مِنهم عَلى ذَلِكَ فَيَهُونُ أمْرُ الجَهْلِ، وكَمالُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا ناقِصُ العَقْلِ عَدِيمُ الدِّينِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «وكَّلِ» بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ يعني تخوف بالقرآن من اتبع الذكر، يعني من قبل الموعظة وسمع القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ يعني: أطاعه في الغيب فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ في الدنيا وَأَجْرٍ كَرِيمٍ في الآخرة.

ثم قال عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى يعني: نبعثهم في الآخرة وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُوا يعني: نحفظ ما أسلفوا، وما عملوا من أعمالهم.

ويقال: وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُوا يعني: تكتب أعمالهم الكرام الكاتبون، وما عملوا من خير أو شر وَآثارَهُمْ يعني: ما استنوا من سنة خير أو شر عملوه، واقتدى بهم من بعدهم، فلهم مثل أجورهم، أو عليهم مثل أوزارهم من غير أن ينقص منه شيئاً، وهذا كقوله عز وجل: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: 14] وهذا كما قال النبي  «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ» إلى آخره وقال مجاهد: وَآثارَهُمْ يعني: ؟؟؟

هم وروى مسروق أنه قال: مَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَةً إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ أوْ سَيّئَةٌ.

وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن بني سلمة ذكروا للنبي  بعد منازلهم من المسجد.

فقال النبيّ  : «يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» .

ثم قال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ أي: حفظناه وبيَّناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ يعني: في اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال قتادة: المقمح: الرافعُ رأسه «١» ، ويحتملُ- وهو قول الطبري «٢» - أنْ تَعُودَ (هي) على الأيْدِي وذلك أن الغُلَّ إنما يكونُ في العُنُقِ مَعَ اليَدَيْنِ، ورُوِي أن في مصحف ابن مسعودٍ «٣» وأُبيِّ «إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ» وفي بعضها «في أَيْدِيهِمْ» ، وأرَى الناسَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ الإقْمَاحَ فَجَعَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ لَحْيَيْهِ وأَلْصَقَهُمَا وَرَفَعَ رَأْسَهُ «٤» ، وقرأ الجمهورُ: «سُدَّا» - بِضَمِّ السينِ في الموضعين-، وقرأ حمزةُ والكسائي وغيرُهما «٥» (سَدَّا) - بفتح السين-، فقيل: هما بمعنًى، أي: حائلاً يَسُدُّ طَريقَهم، وقال عكرمةُ: مَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُه البَشرُ فهو بالضَّمِّ، وما كان خِلْقَةً فهو بالفَتْحِ «٦» ، ومعنى الآية: أن طريقَ الهدى سدّ دونهم.

وقوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ...

الآية، «إنما» ليست للحَصر هنا بل هيَ على جِهة تخصيصِ مَنْ ينفعُه الإنذارُ، «واتباعُ الذكر» هو العملُ بما في كتابِ اللَّه والاقتداءُ به.

قال قتادة: الذكر: القرآن «٧» .

وقوله: بِالْغَيْبِ، أي: بالخَلَواتِ عِنْد مَغِيبِ الإنسانِ عَنْ أعينِ البشَرِ.

ثم أخبر- تعالى- بإحيائهِ المَوْتَى ردًّا على الكَفَرةِ، ثم توعَّدَهم بذِكْرِ كُتُبِ الآثار وإحصاءِ كلِّ شَيْءٍ، وكُلِّ مَا يَصْنعهُ الإنسانُ فَيَدْخُلُ فِيما قَدَّمَ، ويَدْخَلُ فِي آثاره، لكنه سبحانه ذكرَ الأمْرَ من الجهتَينِ وليُنَبِّهَ على الآثارِ التي تَبْقَى، وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنسانِ من خير وشر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وجَبَ العَذابُ.

والثّانِي: سَبَقَ القَوْلُ بِكُفْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أكْثَرِهِمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى السّابِقَةِ لِكُفْرِهِمْ ﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِما سَبَقَ مِنَ القَدَرِ بِذَلِكَ.

﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مَثَلٌ، ولَيْسَ هُناكَ غِلٌّ حَقِيقَةً، قالَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ لَهم فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّها مَثَلٌ لِمَنعِهِمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: لِحَبْسِهِمْ عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَوانِعَ كالأغْلالِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: لِمَنعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَوانِعٌ حِسِّيَّةٌ مَنَعَتْ كَما يَمْنَعُ الغِلُّ؛ قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: «حَلَفَ أبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأى النَّبِيَّ  يُصَلِّي لِيَدْمَغْنَّهُ، فَجاءَهُ وهو يُصَلِّي، فَرَفَعَ حَجَرًا فَيَبِسَتْ يَدُهُ والتَصَقَ الحَجَرُ بِيَدِهِ، فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَأُخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقامَ رَجُلٌ مِنهم فَأخَذَ الحَجْرَ، فَلَمّا دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ  طَمَسَ اللَّهُ عَلى بَصَرِهِ فَلَمْ يَرَهُ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَلَمْ يُبْصِرْهم حَتّى نادَوْهُ، فَنَزَلَ في أبِي جَهْلٍ: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا.

.

.

﴾ الآَيَةُ، ونَزَلَ في الآَخَرِ: ﴿ وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ﴾ » .

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ وصْفٌ لِما سَيُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ في النّارِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ إلى الأذْقانِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ "فَهِيَ" كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ، ولَمْ تُذْكَرْ، لِأنَّ الغِلَّ لا يَكُونُ إلّا في اليَمِينِ والعُنُقِ جامِعًا لَهُما، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ صاحِبِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: "هِيَ" كِنايَةٌ عَنِ الأيْدِي، ولَمْ يُذْكَرْ إيجازًا، لِأنَّ الغِلَّ يَتَضَمَّنُ اليَدَ والعُنُقَ، وأنْشَدَ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي وَإنَّما قالَ: أيُّهُما، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ مُعَرَّضانِ لِلْإنْسانِ.

قالَ الفَرّاءُ: والذَّقْنُ أسْفَلَ اللَّحْيَيْنِ، والمُقْمَحُ: الغاضُّ بَصَرَهُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ رافِعٍ رَأْسَهُ فَهو مُقامِحٌ وقامِحٌ، والجَمْعُ: قِماحٌ، فَإنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِإنْسانٍ فَهو مُقْمِحٌ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَعِيرٌ قامِحٌ، وإبِلٌ قِماحٌ: إذا رُوِيَتْ مِنَ الماءِ فَقَمَحَتْ، قالَ الشّاعِرُ -وَذَكَرَ سَفِينَةُ-: ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ ∗∗∗ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ وَقالَ الأزْهَرِيُّ: المُرادُ أنَّ أيْدِيَهم لَمّا غُلَّتْ عِنْدَ أعْناقِهِمْ؛ رَفَعَتِ الأغْلالُ أذْقانَهم ورُؤُوسَهُمْ، فَهم مَرْفُوعُو الرُّؤُوسِ بِرَفْعِ الأغْلالِ إيّاها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ: بِضَمِّها وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى الفَرْقِ [بَيْنَهُما] في [الكَهْفِ: ٩٤] .

وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَنَعْناهم عَنِ الإيمانِ بِمَوانِعَ، فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ عَنِ الكُفْرِ.

والثّانِي: حَجَبْناهم عَنْ أذى رَسُولِ اللَّهِ  بِالظُّلْمَةِ لَمّا قَصَدُوهُ بِالأذى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأغْشَيْناهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أغَشِيَنا عُيُونَهم وأعْمَيْناهم عَنِ الهُدى.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "فَأعْشَيْناهُمْ" بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الإنْذارَ لا يَنْفَعُهم لِإضْلالِهِ إيّاهم بِالآَيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَمَّنْ يَنْفَعُهُ الإنْذارُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ ﴾ أيْ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ ﴿ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ﴾ وهو القُرْآَنُ، فَعَمِلَ بِهِ ﴿ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الأنْبِياءِ: ٤٩]، والأجْرُ الكَرِيمُ: الحَسَنُ، وهو الجَنَّةُ.

﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ في دُنْياهم.

وقَرَأ النَّخْعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: "وَيَكْتُبُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ التّاءِ "وَآَثارَهُمْ" بِرَفْعِ الرّاءِ.

وَفِي آَثارِهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خُطاهم بِأرْجُلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «شَكَتْ بَنُو سَلَمَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  بُعْدَ مَنازِلِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ  : "عَلَيْكم مَنازِلَكُمْ، فَإنَّما تُكْتَبُ آَثارُكُمْ"،» وقالَ قَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَوْ كانَ اللَّهُ مُغْفِلًا شَيْئًا، لَأغْفَلَ ما تُعْفِي الرِّياحُ مِن أثَرِ قَدِمِ ابْنِ آَدَمَ.

والثّانِي: أنَّها الخُطا إلى الجُمُعَةِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: ما أثَرُوا مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكُلُّ" بِرَفْعِ اللّامِ، أيْ: مِنَ الأعْمالِ ﴿ أحْصَيْناهُ ﴾ أيْ: حَفِظْناهُ ﴿ فِي إمامٍ مُبِينٍ ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكْرَ وخَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُضَمِّنُها تَسْلِيَةٌ عنهُمْ، أيْ: أنَّهم قَدْ حُتِّمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَسَواءٌ إنْذارُكَ وتَرْكُهُ، والألِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أأنْذَرْتَهُمْ" ﴾ ألِفُ التَسْوِيَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِاسْتِفْهامٍ، بَلِ المُتَفَهِّمُ والمُسْتَفْهَمُ مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُهْرِيُّ: "أنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، و"سَواءٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا ﴾ جُمْلَةٌ مِن فِعْلَيْنِ مُتَعادِلَيْنِ يُقَدَّرانِ تَقْدِيرَ فِعْلٍ واحِدٍ هو خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: وسَواءٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ فِعْلِكَ، فَفَسَّرَ هَذا الجَمِيعَ بـِ"أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ"، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَواءٌ عِنْدِي قُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، هَكَذا ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في تَحْقِيقِ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو الِابْتِداءُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَصْرِ بِإنَّما، بَلْ عَلى جِهَةِ تَخْصِيصِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ.

و"اتِّباعُ الذِكْرِ" هو العَمَلُ بِما في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والِاقْتِداءُ بِهِ، قالَ قَتادَةُ: الذِكْرُ القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ" ﴾ أيْ: بِالخَلَواتِ عِنْدَ مَغِيبِ الإنْسانِ عن عُيُونِ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ "فَبَشِّرْهُ" ﴾ فَوَحَّدَ الضَمِيرَ مُراعاةً لِلَفْظِ "مِن".

و"الأجْرُ الكَرِيمُ" هو كُلُّ ما يَأْخُذُهُ الأجِيرُ مُقْتَرِنًا بِحَمَدٍ عَلى الإحْسانِ وتَكْرِمَةٍ، وكَذَلِكَ هي الجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحْيائِهِ المَوْتى رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِذِكْرِهِ كَتْبَ الآثارَ وإحْصاءَ كُلِّ شَيْءٍ.

وكُلُّ ما يَصْنَعُهُ الإنْسانُ، فَداخِلٌ فِيما قَدَّمَ ويَدْخُلُ في آثارِهِ، لَكِنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَكَرَ الأمْرَ مِنَ الجِهَتَيْنِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى الآثارِ الَّتِي تَبْقى وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ، وإلّا فَذَلِكَ كُلُّهُ داخِلٌ فِيما قَدَّمَ ابْنُ آدَمَ.

وقالَ قَتادَةُ: "ما قَدَّمُوا" مَعْناهُ: مِن عَمَلٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ.

وقَدْ يَبْقى لِلْمَرْءِ أنْ يُسْتَنَّ بِهِ بَعْدَهُ فَيُؤْجَرَ أو يَأْثَمَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ  ﴾ .، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَآثارَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مَسْرُوقٌ بِالرَفْعِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ حِينَ أرادُوا النَقْلَةَ إلى جانِبِ المَسْجِدِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أوَّلِ السُورَةِ.

«وَقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: مَشَيْتُ مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ لِي: مَشَيْتُ مَعَ النَبِيِّ  إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ الآثارَ تُكْتَبُ؟"» فَهَذا احْتِجاجٌ بِالآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الآثارُ في هَذِهِ الآيَةِ الخُطا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: الخُطا إلى الجُمُعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "وَكُلَّ" ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "أحْصَيْناهُ"، ﴾ كَأنَّهُ قالَ: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ، و"الإمامُ": الكِتابُ المُقْتَدى بِهِ الَّذِي هو حُجَّةٌ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أرادَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ صُحُفَ الأعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما اقتضى القصر في قوله: ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ﴾ [يس: 11] نفى أن يتعلق الإِنذار بالذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا الرحمان، وكان في ذلك كناية تعريضية بأن الذين لم ينتفعوا بالإِنذار بمنزلة الأموات لعدم انتفاعهم بما ينفع كل عاقل، كما قال تعالى: ﴿ لتنذر من كان حياً ﴾ [يس: 70] وكما قال: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ [النمل: 80] استطرد عقب ذلك بالتخلّص إلى إثبات البعث فإن التوفيق الذي حفّ بمن اتبع الذكر وخشي الرحمان هو كإحياء الميت لأن حالة الشرك حالة ضلال يشبه الموت، والإِخراج منه كإحياء الميت؛ فهذه الآية اشتملت بصريحها على علم بتحقيق البعث واشتملت بتعريضها على رمز واستعارتيْن ضمنيتين: استعارة الموتى للمشركين، واستعارة الإحياء للإِنقاذ من الشرك، والقرينة هي الانتقال من كلام إلى كلام لما يومئ إليه الانتقال من سبق الحضور في المخيلة فيشمل المتكلم مما كان يتكلم في شأنه إلى الكلام فيما خطر له.

وهذه الدلالة من مستتبعات المقام وليست من لوازم معنى التركيب.

وهذا من أدق التخلص بحرف (إنَّ) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطْنة، وهذا مقام خطاب الذكِيّ المذكور في مقدمة علم المعاني.

فيكون موقع جملة «إنا نحيي الموتى» استئنافاً ابتدائياً لِقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر، ولم يخشوا الرحمان، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر.

ويجوز أن يكون الإِحياء مستعاراً للإنقاذ من الشرك، والموتى: استعارة لأهل الشكر، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإِيمان كما قال تعالى: ﴿ أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ﴾ [الأنعام: 122] الآية.

فتكون الجملة امتناناً على المؤمنين بتيسير الإِيمان لهم، قال تعالى: ﴿ فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ [الأنعام: 125]، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله: ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ [يس: 11].

والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم.

وهذا الاعتبار يناسبه الاستئناف الابتدائي ليكون الانتقال بابتداء كلاممٍ منبهاً السامعَ إلى ما اعتبره المتكلم في مطاوي كلامه.

والتأكيد بحرف (إنّ) منظور فيه إلى معنى الصريح كما هو الشأن، و ﴿ نحن ﴾ ضمير فصل للتقوية وهو زيادة تأكيد.

والمعنى: نحييهم للجزاء، فلذلك عطف ﴿ ونكتب ما قدموا ﴾ ، أي نُحْصي لهم أعمالهم من خير وشر قدموها في الدنيا لنجازيهم.

وعطفُ ذلك إدماج للإِنذار والتهديدِ بأنهم محاسبون على أعمالهم ومجازَون عليها.

والكناية: كناية عن الإِحصاء وعدم إفلات شيء من أعمالهم أو إغفاله.

وهي ما يعبر عنه بصحائف الأعمال التي يسجلها الكِرام الكاتبون.

فالمراد ب ﴿ ما قدموا ﴾ ما عملوا من الأعمال قبل الموت؛ شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة كما يقدم المسافر ثَقله وأحماله.

وأما الآثار فهي آثار الأعمال وليست عينَ الأعمال بقرينة مقابلته ب ﴿ ما قدموا ﴾ مثل ما يتركون من خير أو يثير بين الناس وفي النفوس.

والمقصود بذلك ما عملوه موافقاً للتكاليف الشرعية أو مخالفاً لها وآثارهم كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سَنَّ سُنة حسنة فله أجْرُها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ومَن سَنّ سنة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة لا يَنقص ذلك من أعمالهم شيئاً».

فالآثار مسببات أسباب عملوا بها.

وليس المراد كتابة كل ما عملوه لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء.

فهذا وعد ووعيد كلٌّ يأخذ بحظه منه.

وقد ورد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحوّلوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قُرب المسجد وقالوا: البقاع خالية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتبْ آثاركم» مرتين رواه مسلم.

ويعني آثار أرجلهم في المشي إلى صلاة الجماعة.

وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنَّه قرأ عليهم: ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ فجعل الآثار عامّاً للحسية والمعنوية، وهذا يلاقي الوجه الثاني في موقع جملة ﴿ إنا نحن نحيى الموتى ﴾ .

وهو جار على ما أسسناه في المقدمة التاسعة.

وتوهَّم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه.

والإِحصاء: حقيقته العدّ والحساب وهو هنا كناية عن الإِحاطة والضبط وعدم تخلف شيء عن الذكر والتعيين لأن الإِحصاء والحساب يستلزم أن لا يفوت واحد من المحسوبات.

والإِمام: ما يُؤتم به في الاقتداء ويُعمَل على حسب ما يَدلّ عليه، قال النابغة: بنوا مجد الحياة على إمام *** أطلق الإِمام على الكتاب لأن الكتاب يتّبع ما فيه من الأخبار والشروط، قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ين *** قض ما في المهارق الأهواء والمراد ب ﴿ كل شيء ﴾ بحسب الظاهر هو كل شيء من أعمال الناس كما دل عليه السياق، فذكر ﴿ كل شيء ﴾ لإِفادة الإِحاطة والعموم لما قدموا وآثارهم من كبيرة وصَغيرة.

فكلمة ﴿ كلّ ﴾ نص على العموم من اسم الموصول ومن الجمع المعرّف بالإِضافة، فتكون جملة ﴿ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ ، ومبينة لمُجملها، ويكون عطفها دون فصلها مراعىً فيه ما اشتملت عليه من زيادة الفائدة.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ كل شيء ﴾ كل ما يوجد من الذوات والأعمال، ويكون الإحصَاء إحصاء علم، أي تعلق العلم بالمعلومات عند حدوثها، ويكون الإِمام المبين علم الله تعالى.

والظرفية ظرفية إحاطة، أي عدم تفلت شيء عن علمه كما لا ينفلت المظروف عن الظرف.

وجعل علم الله إماماً لأنه تجري على وفقه تعلقات الإِرادة الربانية والقدرةِ فتكون جملة ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ على هذا تذييلاً مفيداً أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها بل تعمّ جميع الكائنات.

وإذ قد كان الشيء يرادف الموجود جاز أن يراد ب ﴿ كل شيء ﴾ الموجود بالفعل أو ما يقبل الإِيجاد وهو الممكن، فيكون إحصاؤه هو العلم بأنه يكون أو لا يكون ومقادير كونه وأحواله، كقوله تعالى: ﴿ وأحصى كلّ شيء عدداً ﴾ [الجن: 28].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم في امْتِناعِهِمْ مِنَ الهُدى كامْتِناعِ المَغْلُولِ مِنَ التَّصَرُّفِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: ما حَكاهُ السُّدِّيُّ أنَّ ناسًا مِن قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ  فَجاءُوا يُرِيدُونَ ذَلِكَ فَجُعِلَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَبْسُطُوا إلَيْهِ يَدًا.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في النّارِ مِنَ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ ويَكُونُ الجَعْلُ هاهُنا مَأْخُوذًا مِنَ الجُعالَةِ الَّتِي هي الأُجْرَةُ كَأنَّ جُعالَتَهم في النّارِ الأغْلالُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فِي أعْناقِهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في أيْدِيهِمْ، فَكَنّى بِالأعْناقِ عَنِ الأيْدِي؛ لِأنَّ الغُلَّ يَكُونُ في الأيْدِي، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وحَكى قُطْرُبٌ أنَّها في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: (إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ أغْلالًا) الثّانِي: أنَّها في الأعْناقِ حَقِيقَةٌ، لِأنَّ الأيْدِي تُجْمَعُ في الغُلِّ إلى الأعْناقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فَهِيَ إلى الأذْقانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى الوُجُوهِ فَكَنّى عَنْها بِالأذْقانِ لِأنَّها مِنها، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ قَدْ غُلَّتْ يَدُهُ عِنْدَ وجْهِهِ.

الثّانِي: أنَّها الأذْقانُ المُنْحَدِرَةُ عَنِ الشَّفَةِ في أسْفَلِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ أيْدِيَهم تَماسُّها إذا عَلَتْ.

﴿ فَهم مُقْمَحُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَفْعُ رُؤُوسِهِمْ ووَضْعُ أيْدِيهِمْ عَلى أفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هو الطّامِحُ بِبَصَرِهِ إلى مَوْطِئِ قَدَمِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: هو غَضُّ الطَّرْفِ ورَفْعُ الرَّأْسِ، مَأْخُوذٌ مِنَ البَعِيرِ المُقْمَحِ؛ وهو أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ويُطْبِقَ أجْفانَهُ في الشِّتاءِ إذا ورَدَ ماءً كَرِيهًا، حُكُاهِ النَّقّاشُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ الرّابِعُ: هو أنْ يَجْذِبَ ذَقْنَهُ إلى صَدْرِهِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ القَمْحِ وهو رَفْعُ الشَّيْءِ إلى الفَمِ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي ضَلالًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: سَدًّا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: ظُلْمَةٌ سَدَّتْ قُرَيْشًا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ  حِينَ ائْتَمَرُوا لِقَتْلِهِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى فَهو السُّدُّ بِالضَّمِّ، وما صَنَعَ الإنْسانُ فَهو السَّدُّ بِالفَتْحِ.

﴿ فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَأغْشَيْناهم بِظُلْمَةِ الكُفْرِ فَهم لا يُبْصِرُونَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ومَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: فَأغْشَيْناهم بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَهم لا يُبْصِرُونَ مُحَمَّدًا  حِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَغِيبُ بِهِ عَنِ النّاسِ مِن شَرِّ عَمَلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما غابَ مِن عَذابِ اللَّهِ ونارِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ ﴾ لِذَنْبِهِ.

﴿ وَأجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ لِطاعَتِهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَثِيرُ.

الثّانِي: الَّذِي تُنالُ مَعَهُ الكَرامَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُحْيِيهِمْ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: "ما قَدَّمُوا" هو ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، "وَآثارَهُمْ" ما أثَرُوا مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ما قَدَّمُوا: أعْمالُهم، وآثارُهُمْ: خُطاهم إلى المَساجِدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

رَوى سُفْيانُ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَتْ بَنُو سَلَمَةَ في ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأرادُوا أنْ يَنْتَقِلُوا إلى قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ﴾ وقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ  : (إنَّ آثارَكم تُكْتَبْ فَلَمْ يَنْتَقِلُوا).» وَيَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ هَذا السَّبَبِ تَأْوِيلًا ثالِثًا أنَّ آثارَهم هو أنْ يَصْلُحَ مَن صاحَبَهم بِصَلاحِهِمْ، أوْ يَفْسُدَ بِفَسادِهِمْ.

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلِمْناهُ.

الثّانِي: حَفِظْناهُ.

﴿ فِي إمامٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أُمُّ الكِتابِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سعيد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله: ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه يكتب آثاركم، ثم قرأ عليهم الآية، فتركوا» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ قال: الخطا.

وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزلت ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ فقالوا: بل نمكث مكاننا.

وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم، ويتحولوا قريباً من المسجد، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن أنس قال: أراد بنو سلمة أن يبيعوا دورهم، ويتحوّلوا قريب المسجد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكره أن تعرى المدينة فقال: «يا بني سلمة أما تحبون أن تكتب آثاركم إلى المسجد؟قالوا: بلى.

فأقاموا» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ قال: هذا في الخطو يوم الجمعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال: كان رجل ما يعلم من أهل المدينة ممن يصلي القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد، فكان يشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء والظلمات، فقال والله ما يسرني أن منزلي بلصق المسجد، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله كيما يكتب أثري، وخطاي، ورجوعي إلى أهلي، وإقبالي، وإدباري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطاك الله ذلك كله، وأعطاك ما احتسبت أجمع» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حين يخرج أحدكم من منزله إلى منزل رجل يكتب له حسنة، ويحط عنه سيئة» .

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال: ما خطا رجل خطوة إلا كتب الله له حسنة أو سيئة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ونكتب ما قدموا ﴾ قال: أعمالهم ﴿ وآثارهم ﴾ قال: خطاهم بأرجلهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: لو كان مغفلاً شيئاً من أثر ابن آدم لأغفل هذا الأثر التي تعفها الرياح، ولكن أحصر على ابن آدم أثره، وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو في طاعة الله أو معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ قال: ما سنوا من سنة، فعملوا بها من بعد موتهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نكتب ما قدموا ﴾ قال: ما قدموا من خير ﴿ وآثارهم ﴾ قال: ما أورثوا من الضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء.

ثم تلا هذه الآية ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾ قال: أم الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾ قال: كل شيء من امام عند الله محفوظ، يعني في كتاب.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ﴾ قال: كتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ قال ابن عباس: يريد البعث (١) ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ﴾ قال مقاتل: من خيرٍ أو شر فاقتدى بها (٢) (٣) وهو قول سعيد بن جبير، قال: ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ : ما سنوا (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما آثروا من أثر خير أو شر (٥) ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  ﴾ .

وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سلمة، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب مسجد النبي -  - وكانت منازلهم بعيدة، فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا (٦) وهو قول الحسن (٧) (٨) (٩) وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الله تاركًا لابن آدم شيئًا لترك ما عبث (١٠) (١١) وقال مسروق: ما خطأ رجل خطوة إلا كتب حسنة أو سيئة (١٢) وروي عن مجاهد قال: ما قدموا من خير، وآثارهم: وما أورثوا من الضلالة (١٣) وقوله: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ قال الفراء: القراء يجمعون على نصب كل لما وقع من الفعل على راجع (١٤) ﴿ أَحْصَيْنَاهُ ﴾ والاختيار أن يقول: (١٥) ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ﴾ .

ويجوز الرفع على الاستئناف (١٦) وقال مقاتل: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ ﴾ من الأعمال ما (١٧) ﴿ أَحْصَيْنَاهُ ﴾ بيناه.

قال ابن عباس: حفظناه (١٨) ومعنى الإحصاء في اللغة: العد، والعد يكون للبيان ويكون للحفظ (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: في اللوح المحفوظ (٢٠) وقال مجاهد: يعني أم الكتاب (٢١) قال أهل المعاني (٢٢) (١) لم أقف عليه.

(٢) هنا نلحظ أن المؤلف اختصر في نقله عن مقاتل، وهذا الاختصار قد يكون موهمًا، ففي "تفسير مقاتل".

﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ﴾ من خير وشر ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ ما استنوه من سنة خيرًا وشرًّا، فاقُتدي به من بحد موتهم ا.

هـ.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 373، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 281.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 48، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 369.

(٦) هذا الحديث ورد بعدة طرق، منها: ما ورد عن أنس وقد أخرج ابن ماجه في "سننه" أبواب المساجد، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (768)، وأخرجه ابن شيبة في "المصنف" 2/ 207، ومنها ما ورد عن ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" أبواب المساجد، باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (769).

وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 46، وقال: أخرج الفرياني وأحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وإبن ماجه، وابن == جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس.

وهناك رواية أخرى للحديث، أخرجها الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة"، باب فضل كثرة الخطأ إلى المساجد 1/ 462 رقم (665) عن جابر بن عبد الله -  - (٧) انظر: "الطبري" 22/ 154، "القرطبي" 15/ 12، "ابن كثير" 3/ 565.

(٨) "تفسير مجاهد" ص 533، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9.

(٩) انظر: "الطبري" 22/ 155، "القرطبي" 15/ 21، "ابن كثير" 3/ 565.

(١٠) هكذا في النسخ، والصواب: عفت.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 140، "زاد المسير" 7/ 8 وأخرج هذا الأثر الطبري 22/ 155 عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 47 ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.

(١٢) انظر: "الدر المنثور" 7/ 47، وقد نسبه لعبد بن حميد.

(١٣) انظر "فتح القدير" 4/ 462، وقد أورد هذا القول بعض المفسرين لكنه منسوب لغير مجاهد فأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه لسعيد بن جبير، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 9 ونسبه لابن عباس وسعيد بن جبير، قال: وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج.

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 273.

(١٥) في (ب): (تقول).

(١٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 386، "الدر المصون" 5/ 477.

(١٧) (ما) زائدة هنا وليست هي في "تفسير مقاتل".

وانظر: "تفسير مقاتل" 105 ب.

(١٨) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وقد أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 7 ولم ينسبه.

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 164 (حصا)، "اللسان" 14/ 184 (حصى).

(٢٠) "تفسير ابن عباس" هامش المصحف ص 369، "تفسير مقاتل" 105 ب، وأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه للسدي، والقرطبي 15/ 13، ونسبه لمجاهد وقتادة وابن زيد.

(٢١) انظر: "الطبري" 22/ 155، "الماوردي" 5/ 9.

(٢٢) لم أقف على هذا القول عند أحد من أهل المعاني، قوله وهم من المؤلف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ الآية: فيها ثلاثة أقوال: الأول أنها عبارة عن تماديهم على الكفر، ومنع الله لهم من الإيمان، فشبههم بمن جعل في عنقه غل يمنعه من الالتفات، وغطى على بصره فصار لا يرى، والثاني أنها عبارة عن كفهم عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر، فرجع عنه فزعاً مرعوباً، والثالث: أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم، والأول أظهر وأرجح لقوله قبلها ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ وقوله بعدها ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ ﴿ فَهِىَ إِلَى الأذقان ﴾ الذقن هي طرف الوجه حيث تنبت اللحية، والضمير للأغلال، وذلك أن الغل حلقة في العنق، فإذا كان واسعاً عريضاً وصل إلى الدقن فكان أشدّ على المغلول، وقيل: الضمير للأيدي على أنها لم يتقدم لها ذكر، ولكنها تفهم من سياق الكلام، لأن المغلول تضم يداه في الغل إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان ﴾ .

وهذه القراءة تدل على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ يقال قمح البعير إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره إذا فعل به ذلك، والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع، وقيل: معنى ﴿ مُّقْمَحُونَ ﴾ ممنوعون من كل خير.

﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ﴾ الآية: السّد الحائل بين الشيئين، وذلك عبارة عن منعم من الإيمان ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ أي غطينا على أبصارهم وذلك أيضاً مجاز يراد به إضلالهم ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية: ذكرنا معناها وإعرابها في [البقرة: 6] ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر ﴾ المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر وهو القرآن ﴿ وَخشِيَ الرحمن بالغيب ﴾ معناه كقولك: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وقد ذكرناه في [فاطر: 18] ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى ﴾ أي نبعثهم يوم القيامة، وقيل: أحياؤهم إخراجهم من الشرك إلى الإيمان، والأول أظهر ﴿ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ أي ما قدموا من أعمالهم، وما تركوه بعدهم، كعلم علموه أو تحبيس جبسوه، وقيل: الأثر هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث ﴿ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ أو صحائف الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: يا إنسان، يعنى: يا محمد أقسم به: يا محمد، إن هذا القرآن من عند الله نزل، وهو بلسان الحبشة.

وقال بعضهم: وهو بلسان طيئ.

وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.

وقال بعضهم: هو من فواتح السورة.

وقال بعضهم: فواتح يفتتح بها كلامه.

وقال بعضهم: اسم من أسماء الرب.

وعن معاذ بن جبل وكعب -  ما - قالا: ﴿ يسۤ ﴾ قسم أقسم الله به يا محمد، ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دل أن الخطاب به على أثر قوله: ﴿ يسۤ ﴾ على أنه هو المراد بقوله: ﴿ يسۤ ﴾ ؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه.

وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء.

وقال بعضهم: هو من حروف الهجاء التي أقسم الله بها، بما يتلو تلك الحروف من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل قدره.

فإن قيل: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند الله؟!

قيل إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن إتيان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] ونحوه.

والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، فكأنه على سؤال خرج على هذا أنه ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وأن يكون القسم به وبغيره من الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلهها؛ هذا على قول من يقول بأن القسم بالله حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

أي: المُحْكَم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف.

وقال بعضهم: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه اختلاف.

وقال بعضهم: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيماً.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

ولم يقل: إنك لرسول الله، وكلاهما سواء، غير أن قوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم [ففيه] زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك لرسول)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسبل.

وقال بعضهم: المستقيم: المستوي، أي: مستوٍ؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي: الله - وبلغه إلى دار السلام.

وقال بعضهم: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيع فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.

ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها.

ويحتمل وصف الدين، وذلك عامة قول أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

أي: ذلك القرآن الذي أقسم به ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، أي: من عنده نزل وأحكم، سمّى نفسه: عزيزاً رحيماً عظيماً لطيفاً ظاهراً باطناً أولا آخراً، وفي الشاهد من وصف بالعزّ لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الربّ - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، [فدل] أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق،  الله علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ أميون.

وقال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ ، أي: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل؛ وكذلك قال: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ؛ وهو كقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ  ﴾ ، أي: لم نرسل إليهم قبلك نذيراً، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في آبائهم، بل هم غافلون.

ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

قيل: هو قوله لإبليس حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ، أي: حق ذلك القول ووجب.

ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفراً هموا برسول الله قتله وأذاه، فأهلكهم الله يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.

ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

ثم في قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عز وجل - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؟

فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك وحش من القول سرف.

وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول الله  ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ  ﴾ نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفاً لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.

وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه الله - حلف لئن رأى محمداً ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع به النبي  فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس الله بصره، فلم ير النبي  ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي ٱلْحَمِيمِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.

ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول الله ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدّاً من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبداً، وذلك في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ .

إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا ﴾ ، وفي بعض الحروف: ﴿ في أيديهم أغلالا ﴾ .

وقوله: ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها.

وقال بعضهم: الإقماح: هو غض البصر.

وقال أبو عوسجة والقتبي: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاضّ طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعاً: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على العنت؛ كقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.

وقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ .

بالغين والعين جميعاً: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ وهو من الإعراض.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ وجهان من الاستدلال على المعتزلة لقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن يستدل بخلق أفعالهم منهم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ : ومن لم يتبع، ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ ﴾ : ومن لم يخش.

أو إنما ينتفع بالذكر من اتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ولم يخش الرحمن فلا ينتفع.

أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، والله أعلم.

والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ ﴾ .

بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ .

يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا يخالفوا ربهم في فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيراً ومخالفة الرب بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته.

﴿ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريماً؛ لما يكرم كل من نال ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

كأنه - والله أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا.

وقوله: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم و[ما] أسلفوا في حياتهم وعملوه، ونكتب أيضاً آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقْتُدي بهم من بعد موتهم، على ما ذكر في الخبر: "إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يقوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ؛ وهو كقوله أيضاً: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر.

وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئاً من شأنك يابن آدم، أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري -  ما - قالا: "إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد [فأرادوا] أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ ، فقال النبي  : إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخطا.

وقوله: ﴿ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى محفوظ ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في الكتاب الذي تكتب [فيه] أعمالهم في الدنيا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...

﴾ الآية [الحاقة: 19].

ويحتمل ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا نحن نحيي الموتى ببعثهم للحساب يوم القيامة، ونكتب ما قدموه في حياتهم الدنيا من الأعمال الصالحة والسيئة، ونكتب ما كان لهم من أثر باق بعد مماتهم صالحًا كان كالصدقة الجارية أو سيئًا كالكفر، وقد أحصينا كل شيء في كتاب واضح؛ وهو اللوح المحفوظ.

من فوائد الآيات العناد مانع من الهداية إلى الحق.

العمل بالقرآن وخشية الله من أسباب دخول الجنة.

فضل الولد الصالح والصدقة الجارية وما شابههما على العبد المؤمن.

<div class="verse-tafsir" id="91.BbN7n"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله