الآية ١٧ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ١٧ من سورة يس

وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وما علينا إلا البلاغ المبين ) يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم ، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة ، وإن لم تجيبوا فستعلمون غب ذلك ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) يقول: وما علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله التي أرسلنا بها إليكم بلاغًا يبين لكم أنَّا أبلغناكموها، فإن قبلتموها فحظ أنفسكم تصيبون، وإن لم تقبلوها فقد أدينا ما علينا، والله ولي الحكم فيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما علينا إلا البلاغ المبين في أن الله واحد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وما علينا إلا البلاغ المبين ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما علينا إلا البلاغ المبين» التبليغ المبين الظاهر بالأدلة الواضحة وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الميت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال المرسلون مؤكدين: ربُّنا الذي أرسلنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا تبليغ الرسالة بوضوح، ولا نملك هدايتكم، فالهداية بيد الله وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين ) تحديد للوظيفة التى أرسلهم الله - تعالى - من أجلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تسلية لأنفسهم، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثاً لهم على النظر، فإنهم لما قالوا: ﴿ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ ﴾ كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجراً ولا قصدوا رياسة، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و ﴿ المبين ﴾ يحتمل أموراً أحدها: البلاغ المبين للحق عن الباطل، أي الفارق بالمعجزة والبرهان.

وثانيها: البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين.

وثالثها: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقوله: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قولهم: شهد الله، وعلم الله.

وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم: ﴿ وَمَا عَلَيْنآ إِلاَّ البلاغ المبين (17) ﴾ أي الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته؛ وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ لا مَزِيَّةَ لَكم عَلَيْنا تَقْتَضِي اخْتِصاصَكم بِما تَدَّعُونَ، ورَفَعَ ( بَشَرٌ ) لِانْتِقاضِ النَّفْيِ المُقْتَضِي إعْمالَ ما بِإلّا.

﴿ وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ ﴾ وحْيٍ ورِسالَةٍ.

﴿ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ ﴾ في دَعْوى الرِّسالَةِ.

﴿ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِ اللَّهِ وهو يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ، وزادُوا اللّامَ المُؤَكِّدَةَ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ إنْكارِهِمْ.

﴿ وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ الظّاهِرُ البَيِّنُ بِالآياتِ الشّاهِدَةِ لِصِحَّتِهِ، وهو المُحْسِنُ لِلِاسْتِشْهادِ فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ إلّا بِبَيِّنَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين} أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ إلّا بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ تَعالى تَبْلِيغًا ظاهِرًا بَيِّنًا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى سامِعِهِ ولا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ والحَمْلَ عَلى خِلافِ المُرادِ أصْلًا وقَدْ خَرَجْنا مَن عُهْدَتِهِ فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا كَذا قِيلَ، والأوْلى أنْ يُفَسَّرَ التَّبْلِيغُ المُبِينُ بِما قُرِنَ بِالآياتِ الشّاهِدَةِ عَلى الصِّحَّةِ، وهم قَدْ بَلَغُوا كَذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهم أبْرَؤُوا الأكْمَهَ وأحْيَوُا المَيِّتَ أوْ أنَّهم فَعَلُوا خارِقًا غَيْرَ ما ذُكِرَ، ولَمْ يُنْقَلْ لَنا ولَمْ يُلْتَزَمْ في الكِتابِ الجَلِيلِ ولا في الآثارِ ذِكْرُ خارِقِ كُلِّ رَسُولٍ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ إمّا مُعْجِزَةٌ لَهم عَلى القَوْلِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ واسِطَةٍ، أوْ كَرامَةٌ لَهم مُعْجِزَةٌ لِمُرْسِلِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم رُسُلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى ما عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا إلّا التَّبْلِيغُ البَيِّنُ بِالآياتِ وقَدْ فَعَلْنا فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْنا، أوْ ما عَلَيْنا شَيْءٌ نُطالِبُ بِهِ مِن جِهَتِكم إلّا تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقَدْ بَلَّغَنا كَذَلِكَ، فَأيُّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ مِنّا حَتّى تُصَدِّقُونا بِدَعْوانا، ولِكَوْنِ تَبْلِيغِهِمْ كانَ بَيِّنًا بِهَذا المَعْنى حَسُنَ مِنهُمُ الِاسْتِشْهادُ بِالعِلْمِ فَلا تَغْفُلْ، وجاءَ كَلامُ الرُّسُلِ ثانِيًا في غايَةِ التَّأْكِيدِ لِمُبالَغَةِ الكَفَرَةِ في الإنْكارِ جِدًّا حَيْثُ أتَوْا بِثَلاثِ جُمَلٍ، وكُلٌّ مِنها دالٌّ عَلى شِدَّةِ الإنْكارِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.

قالَ السَّكّاكِيُّ: أكَّدُوا في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّ تَكْذِيبَ الِاثْنَيْنِ تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ لِاتِّحادِ المَقالَةِ، فَلَمّا بالَغُوا في تَكْذِيبِهِمْ زادُوا في التَّأْكِيدِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الكَلامَ الأوَّلَ اِبْتِداءُ إخْبارٍ، والثّانِي جَوابٌ عَنْ إنْكارٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ الأوَّلَ اِبْتِداءُ إخْبارٍ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ لَمْ يَسْبِقْ مِنهم إخْبارٌ فَلا تَكْذِيبَ لَهم في المَرَّةِ الأُولى فَيُحْمَلُ التَّأْكِيدُ فِيها عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ مِنهم بِشَأْنِ الخَبَرِ اِنْتَهى، وفِيهِ أنَّ الثَّلاثَةَ كانُوا عالِمِينَ بِإنْكارِهِمْ، والكَلامُ المُخْرَجِ مَعَ المُنْكَرِ لا يُقالُ لَهُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: أرادَ أنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِإخْبارٍ سابِقٍ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ كَلامٌ مَعَ خالِي الذِّهْنِ أوْ جُعِلَ الِابْتِداءُ بِاعْتِبارِ قَوْلِ الثّالِثِ أوِ المَجْمُوعِ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ اِبْتِداءِ إخْبارٍ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الثّانِي في عَدَمِ اِحْتِياجِهِ إلى مَثَلِ تِلْكَ المُؤَكِّداتِ، فَكانَ إنْكارُهُمِ الأوَّلُ لا يُعَدُّ إنْكارًا بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الثّانِي، لا أنَّهُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّما أُكِّدَ القَوْلُ الأوَّلُ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن أنْكَرَ إرْسالَ الثَّلاثَةِ، لِأنَّهُ قَدْ لاحَ ذَلِكَ مِن إنْكارِ الِاثْنَيْنِ فَعَلى هَذا يَكُونُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ بِالنَّظَرِ إلى إخْراجِ الكَلامِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإنْكارِيًّا بِالنَّظَرِ إلى إخْراجِ الكَلامِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، فَنَظَرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أدَقُّ مِن نَظَرِ السَّكّاكِيِّ، وإنْ قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِالعَكْسِ، ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ بِأدْنى نَظَرٍ.

وقالَ أجَلُّ المُتَأخِّرِينَ الفاضِلُ عَبْدُ الحَكِيمِ السّالِكُوتِيُّ: عِنْدِي أنَّ ما ذَكَرَهُ السَّكّاكِيُّ مَبْنِيٌّ عَلى عَطْفِ ﴿ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ ﴾ عَلى ﴿ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَكُونُ الكَلامُ صادِرًا عَنِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الِاثْنَيْنِ والتَّعْزِيزِ بِثالِثٍ، فَكانَ كَلامًا مَعَ المُنْكِرِينَ فَجاءَ مُؤَكِّدًا.

وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ وأنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْقِصَّةِ المَذْكُورَةِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ﴾ فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ﴾ فَيَكُونُ اِبْتِداءُ إخْبارٍ صَدَرَ مِنَ الِاثْنَيْنِ، قالُوا بِصِيغَةِ الجَمْعِ تَقْرِيرًا لِشَأْنِ الخَبَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ إلخ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُما ﴾ .

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ وما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ﴾ فَإنَّ البَلاغَ المُبِينَ هو إثْباتُهُمُ الرِّسالَةَ بِالمُعْجِزاتِ، وهو التَّعْزِيزُ والغَلَبَةُ ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى حُسْنُ هَذا التَّفْسِيرِ لِمُوافَقَتِهِ لِلْقِصَّةِ المَذْكُورَةِ في التَّفاسِيرِ ومُلاءَمَتِهِ لِسَوْقِ الآيَةِ، فَإنَّها ذُكِرَتْ أوَّلًا إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ ﴾ ثُمَّ فُصِّلَتْ بَعْضَ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ﴾ ثُمَّ فُصِّلَتْ تَفْصِيلًا تامًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خامِدُونَ ﴾ وعَدَمُ اِحْتِياجِهِ إلى جَعْلِ الفاءِ في ﴿ فَكَذَّبُوهُما ﴾ فَصِيحَةٌ بِخِلافِ تَفْسِيرِ السَّكّاكِيِّ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَدَعَوا إلى التَّوْحِيدِ اه.

ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ في غايَةِ البُعْدِ، والكَلامُ عَلَيْهِ واصِلٌ إلى رُتْبَةِ الألْغازِ، ومَعَ هَذا فِيهِ ما فِيهِ، وأنا أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ أرادَ بِكَلامِهِ أحَدَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في تَوْجِيهِهِ إلّا أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ أبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأسْلَمُ عَنِ القِيلِ والقالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يعني: آدمي مثلنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ يعني: لم يرسل الرسل من الآدميين إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ بأنكم رسل الله تعالى.

يعني: أرسلكم عيسى بأمر الله تعالى، فأنكروا ذلك قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ يعني: أن الرسل قالوا: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ يعني: أرسلنا عيسى-  - بأمر الله تعالى وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ يعني: قال أهل أنطاكية: إنا تشاءمنا بكم، وهذا الذي يصيبنا من شؤمكم، وهو قحط المطر لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ يعني: لنقتلنّكم وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ يعني: شؤمكم معكم، وبأعمالكم الخبيثة.

ويقال: إن الذي يصيبكم، كان مكتوباً في أعناقكم، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ يعني: إن وعظتم بالله.

قرأ نافع وأبو عمرو أَيْنَ بهمزة واحدة ممدودة.

وقرأ الباقون: بهمزتين.

وقرأ زر بن حبيش: إِنْ ذُكِّرْتُمْ بهمزة واحدة مع التخفيف والفتح.

يعني: لأنكم وعظتم؟

فلم تتعظوا.

ومن قرأ بالاستفهام فمعناه: إن وعظتم تطيرتم.

قالوا: هذا جواباً لقولهم: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ويقال: معناه أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ.

يعني: حين وعظتم بالله تشاءمتم بنا.

ثم قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ يعني: مشركون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال جابر بن عبد اللَّه وأبُو سعيد: إن هذه الآيةَ نَزَلت في بني سَلَمَةَ «١» على ما تقدم، وقول النبي ع لَهُمْ: «دِيارُكُم تكْتبُ آثاركم» ، والإمامُ المبينُ: قال قتادة وابن زيد: هو اللَّوحُ المحْفُوظُ «٢» ، وقالت فرقة: أراد صحف الأعمال.

وقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ...

الآية، رُوِي عَنْ ابن عباس والزهري وعكرمة: أن القريةَ هنا هي أنطاكيَّة «٣» ، واخْتُلِفَ في هؤلاء المُرْسَلِينَ فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريِّينَ الذين بعثهم عيسى حِين رُفِعَ، وصُلِبَ الذي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَتَفَرَّقَ الحواريُّونَ في الآفاق، فَقَصَّ اللَّه- تعالى- هنا قصَّةَ الذين نَهَضُوا إلى أنْطَاكيَّة «٤» .

وقالت فرقة: بل هؤلاء أنبياء من قبل الله عزّ وجلّ.

قال ع «١» : وهذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةَ مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فإنها محاورةٌ إنما تقال لمن ادَّعى الرِّسَالَةَ من اللَّه تعالى، والآخرُ مُحْتَمَلٌ، وذَكِرَ المفسرون في قَصَص الآيةِ أشياء يَطُولُ ذِكْرُها والصِّحَّةُ فيها غَيْر مُتَيَقَّنَةٍ، فَاخْتَصَرْتُه واللاَّزِمُ مِنَ الآيةِ أنَّ اللَّه تعالى بَعَثَ إلَيْهَا رَسُولَيْنِ، فَدَعَيَا أهلَ القَرْيَةِ إلى عبادةِ اللَّهِ وتوحيدِه، فَكَذَّبُوهُما فَشَدَّدَ اللَّهُ أمرهما بثالثٍ، وقامت الحجةُ على أهلِ القريةِ، وآمن منهم الرجلُ الذي جاءَ يسعى، وقتلوه في آخر أمره وكفروا، وأصابتْهم صيحةٌ مِن السَّمَاء فَخَمَدُوا، وقرأ الجمهُور «٢» : «فَعَزَّزْنا» بِشَدِّ الزاي، على معنى: قَوَّيْنَا، وشَدَّدْنَا وبهذا فسّره مجاهد وغيره «٣» ، وهذه الأمة أنكرت النبوَّاتِ بقولِها: وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ قال بعضُ المتأولين: لما كَذَّبَ أهْلُ القرية المرسلينَ أسرع فيهم الجُذَامُ.

وقال مقاتل: احْتَبَسَ عنهم المطر فلذلك قالوا: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ «٤» ، أي: تَشاءَمْنَا بكم، والأظهر أن تَطَيُّرَ هؤلاءِ إنَّما كَانَ بِسَبَبٍ ما دخَلَ قَرْيَتَهُمْ من اخْتِلافِ كَلِمَتِهِمْ وافْتِتَان النَّاسِ.

وقوله: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ جوابُه محذوف، أي: تَطَيَّرْتُم، قاله أبو حيان «٥» وغيره، انتهى، وقولهُم- عليهم السلام-: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، معناه: حظُّكُمْ وَمَا صَارَ لَكُمْ من خير وشرٍّ مَعَكُمْ أي: من أَفْعَالِكم وَمِنْ تَكَسُّبَاتِكُمْ، ليس هو من أجْلنا، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: «أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين «٦» الثانيةُ مكسورةٌ.

وقَرأ نافعٌ وغيرُه بتسهيل الثانية، وردِّها ياءً: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ» .

وأخبر تعالى عن حالِ رجلٍ جَاء من أقصى المدينةِ يَسْعَى سَمِعَ المرسلينَ وفَهِمَ عَن اللَّهِ تعالى، فَدَعَا عَنْد ذلكَ قومَه إلى اتّباعِهم والإيمان بِهِم، إذ هو

الحقُّ.

فَرُوِيَ عن ابن عباس وغيره، أن اسْمَ هذا الرجلِ حبيبٌ، وكان نَجَّاراً «١» وكانَ فِيما قَال وهب بنُ مُنَبِّهٍ: قد تَجَذّم «٢» .

وقيل: كَان فِي غارٍ يَعْبُدُ ربَّهُ فقال: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ...

الآية، وذكر الناسُ في أسماءِ الرسلِ: صَادِق، وصَدُوقٌ، وشَلُوم، وغير هذا، واللَّه أعلم بصحَّتِه، واخْتَلَفَ المفسِّرونَ في قوله فَاسْمَعُونِ فَقَال ابن عباس وغيره: خاطب بها قوْمُه»

، أي: على جهة المبَالَغَةِ والتَّنْبِيهِ.

وقيل: خَاطَبَ بها الرُّسُلَ على جهة الاسْتِشْهَادِ بهم والاستحْفاظِ للأمْر عندهم.

قال ع «٤» : وهنا محذوفٌ تَواتَرَتْ به الأحادِيثُ والرِّوَاياتُ وهم أنهم قَتَلُوهُ فَقِيلَ له عند موته: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَلَما أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بما رأَى من الكرَامَةِ قَالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ...

الآية، قيل: / أراد بذلك الإشْفَاقَ والنصحَ لَهُمْ أي: لَو علِمُوا ذلك، لآمنوا باللَّه تعالى، وقيل: أراد أن يَعْلَمُوا ذلك فَيَنْدمُوا على فِعْلِهم به، وبخزيهم ذلك، وهذا موجود في جِبِلَّةِ البشر إذا نَال الشخصُ عزًّا وخَيْراً في أرض غُرْبةٍ وَدَّ أنْ يَعْلَم ذلك جِيرَانهُ وأتْرَابهُ الذينَ نَشَأَ فيهمْ، كما قيل: [السريع]

الْعِزُّ مَطْلُوبٌ وَمُلْتَمَس وَأَحَبُّهُ مَا نِيلَ في الوَطَنِ «٥»

قال ع «٦» : والتأويلُ الأولُ أشبهُ بهذا العبدِ الصالح وفي ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:

«نَصَحَ قَوْمَه حَيًّا وَمَيِّتاً» وقالَ قَتَادةُ: نصَحَهُم على حالة الغضب والرضاء وَكَذِلكَ لاَ تجِدُ المؤمِنَ إلا ناصحاً للناس «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا ﴾ المَعْنى: صِفْ لِأهْلِ مَكَّةَ مَثَلًا؛ أيْ: شَبَهًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مِثِّلْ لَهم مَثَلًا ﴿ أصْحابَ القَرْيَةِ ﴾ وهو بَدَلٌ مِن مَثَلٍ، كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرْ لَهم أصْحابَ القَرْيَةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَّةُ.

﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ﴾ وفي اسْمَيْهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صادِقٌ وصَدُوقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبٌ.

والثّانِي: يُوحَنّا وبُولُسُ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: تُومانُ وبُولُسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَزَّزْنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "فَعَزَّزْنا" بِتَشْدِيدِ الزّايِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، يُقالُ: تَعَزَّزَ لَحْمُ النّاقَةِ: إذا صُلِبَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "فَعَزَزْنا" خَفِيفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ: فَغَلَبْنا.

قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ هَذا الثّالِثِ شَمْعُونُ، وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ، وهو وصِيُّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ وهْبٌ: وأوْحى اللَّهُ إلى شَمْعُونَ يُخْبِرُهُ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ ويَأْمُرُهُ بِنُصْرَتِهِما، فانْطَلَقَ يَؤُمُّهُما.

وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ هَذا الثّالِثَ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَهُما؛ قالَ: ونَراهُ في التَّنْزِيلِ كَأنَّهُ بَعْدَهُما، وإنَّما المَعْنى: فَعَزَّزْنا بِالثّالِثِ الَّذِي قَبْلَهُما، والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ إنَّما أُرْسِلَ لِنُصْرَتِهِما، ثُمَّ إنَّ الثّالِثَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ ثانٍ، فَأمّا إذا سَبَقَ الِاثْنَيْنِ فَهو أوَّلٌ؛ وإنِّي لَأتَعَجَّبُ مِن قَوْلِ الفَرّاءِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أرْسَلَ هَؤُلاءِ الرُّسُلَ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهُمْ، وهو ظاهِرُ القُرْآَنِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَعْبٍ، ووَهْبٍ.

والثّانِي: أنَّ عِيسى أرْسَلَهُمْ، وجازَ أنْ يُضافَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم رُسُلُ رَسُولِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ أيْ: مالُكم عَلَيْنا فُضِّلَ في شَيْءٍ ﴿ وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا ولَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا.

وَما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّ المَطَرَ حُبِسَ عَنْهُمْ، فَقالُوا: إنَّما أصابَنا هَذا مِن قَبْلِكم ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا ﴾ أيْ: تَسْكُتُوا عَنّا ﴿ لَنَرْجُمَنَّكُمْ ﴾ أيْ: لَنَقْتُلَنَّكم.

﴿ قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ ﴾ أيْ: شُؤْمُكم مَعَكم بِكُفْرِكُمْ، لا بِنا ﴿ أإنْ ذُكِّرْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أيْنَ ذَكَرْتُمْ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها ياءٌ؛ وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو، إلّا أنَّهُ كانَ يَمُدُّ.

قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ: حَيْثُ ذَكَرْتُمْ، أيْ: وعَظْتُمْ وخَوَّفْتُمْ، وهَذا اسْتِفْهامٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أئِنْ ذَكَرْتُمْ تَطَيَّرْتُمْ بِنا؟!

وقِيلَ أئِنْ ذَكَرْتُمْ قُلْتُمْ هَذا القَوْلَ؟

والمُسْرِفُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ أيِ المُشْبِهُ في النَوْعِ، كَما تَقُولُ: هَذا ضَرَبَ هَذا، واخْتُلِفَ، هَلْ يَتَعَدّى فِعْلُ ضَرْبِ المَثَلِ إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى واحِدٍ، فَمَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ "مَثَلًا" و"أصْحابَ" مَفْعُولَيْنِ لِقَوْلِهِ: "اضْرِبْ"، ومَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ جَعَلَهُ "مَثَلًا"، وجَعَلَ "أصْحابَ" بَدَلًا مِنهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ "أصْحابَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ "مَثَلًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ، أيْ: في حالِ تَمْثِيلٍ مِنكَ.

و"القَرْيَةِ" - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والزُهْرِيِّ أنْطاكِيَةُ.

واخْتُلِفَ في المُرْسَلِينَ، فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: كانُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ رُفِعَ وصُلِبَ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فافْتَرَقَ الحَوارِيُّونَ في الآفاقِ، فَقَصَّ اللهُ هُنا قِصَّةَ الَّذِينَ نَهَضُوا إلى أنْطاكِيَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَؤُلاءِ أنْبِياءُ مِن قِبَلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وهَذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةِ: ﴿ ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ ، فَإنَّها مُحاوَرَةٌ إنَّما تُقالُ لِمَنِ أدّى الرِسالَةَ مِنَ اللهِ، والآخَرُ مُحْتَمَلٌ.

وذَكَرَ النِقّاشُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا يَطُولُ، وصِحَّتُهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ فاخْتَصَرَتْهُ.

واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ بَعَثَ إلَيْها رَسُولَيْنِ فَدَعَوا أهْلَ القَرْيَةِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ وإلى الهُدى والإيمانِ فَكَذَّبُوهُما، فَشَدَّدَ اللهُ تَعالى أمْرَهُما بِثالِثٍ، وقامَتِ الحُجَّةُ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ، وآمَنُ مِنهُمُ الرَجُلُ الَّذِي جاءَ يَسْعى، وقَتَلُوهُ في آخِرِ أمْرِهِ وكَفَرُوا، فَأصابَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَماءِ فَخَمَدُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "فَعَزَّزْنا" ﴾ بِشَدِّ الزايِ الأُولى، عَلى مَعْنى: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عن أبِي بَكْرٍ - بِالتَخْفِيفِ لِلزّايِ، عَلى مَعْنى: غَلَبْناهم أمْرَهم وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِالثالِثِ" بِألِفٍ ولامٍ.

وَهَذِهِ الأُمَّةُ أنْكَرَتِ النُبُوءَةَ بِقَوْلِها: ﴿ وَما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وراجَعَتْهُمُ الرُسُلُ بِأنْ رَدُّوا العِلْمَ إلى اللهِ وقَنِعُوا بِعِلْمِهِ، وأعْلَمُوهم أنَّهم إنَّما عَلَيْهِمُ البَلاغُ فَقَطْ، وما عَلَيْهِمْ مِن هُداهم وضَلالِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حكيت هذه المحاورة على سنن حكاية المحاورات بحكاية أقوال المتحاورين دون عطف.

و ﴿ ربنا يعلم ﴾ قَسَم لأنه استشهاد بالله على صدق مقالتهم، وهو يمين قديمة انتقلها العرب في الجاهلية فقال الحارث بن عَبَّاد: لم أكن من جُناتِها عَلِم الل *** ه وإنِي لِحرّها اليومَ صالي ويظهر أنه كان مغلّظاً عندهم لقلة وروده في كلامهم ولا يَكاد يقع إلا في مقام مهم.

وهو عند علماء المسلمين يمين كسائر الأيمان فيها كفارة عند الحِنث.

وقال بعض علماء الحنفية: إن لهم قولاً بأن الحالف به كاذباً تلزمه الردّة لأنه نسب إلى علم الله ما هو مخالف للواقع، فآل إلى جعل علم الله جهلاً.

وهذا يرمي إلى التغليظ والتحذير وإلا فكيف يكفر أحد بلوازم بعيدة.

واضطرهم إلى شدّة التوكيد بالقسم ما رأوا من تصميم كثير من أهل القرية على تكذيبهم.

ويسمى هذا المقدار من التأكيد ضرباً إنكاريّاً.

وأما قولهم: ﴿ وما علينا إلا البالغ المبين ﴾ فذلك وعظ وعظوا به القوم ليعلموا أنهم لا منفعة تنجرّ لهم من إيمان القوم وإعلان لهم بالتبرُّؤ من عهدة بقاء القوم على الشرك وذلك من شأنه أن يثير النظر الفكري في نفوس القوم.

و ﴿ البلاغ ﴾ اسم مصدر من أبلغ إذا أوصل خبراً، قال تعالى: ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ [الشورى: 48] وقال: ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ [إبراهيم: 52].

ولا يستعمل البلاغ في إيصال الذوات.

والفقهاء يقولون في كراء السفن والرواحل: إن منه ما هو على البلاغ.

يريدون على الوصول إلى مكان معيَّن بين المكري والمكتري.

و ﴿ المبين ﴾ وصف للبلاغ، أي البلاغ الواضح دلالة وهو الذي لا إيهام فيه ولا مواربة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ ﴾ هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَّةُ مِن قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.

﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ﴾ اخْتُلِفَ في اسْمَيْهِما عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُما شَمْعُونُ ويُوحَنّا، قالَهُ شُعَيْبٌ.

الثّانِي: صادِقٌ وصَدُوقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبُ الأحْبارِ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّالِثُ: سَمْعانُ ويَحْيى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَشَدَّدْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَزِدْنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: قَوَّيْنا مَأْخُوذٌ مِنَ العِزَّةِ وهي القُوَّةُ المَنِيعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مَن عَزَّ وبَزَّ.

واخْتُلِفَ في اسْمِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يُونُسُ قالَهُ شُعَيْبٌ.

الثّانِي: شُلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ ووَهْبٌ.

وَكانَ مَلِكُ أنْطاكِيَّةِ أحَدَ الفَراعِنَةِ يَعْبُدُ الأصْنامَ مَعَ أهْلَها، وكانَتْ لَهم ثَلاثَةُ أصْنامٍ يَعْبُدُونَها، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّ أسْماءَها رُومسَ وقِيلَ وارْطَمِيسَ.

واخْتُلِفَ في اسْمِ المَلِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اسْمَهُ أنْطِيخُسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ ووَهْبٌ.

الثّانِي: انْطَرا، قالَهُ شُعَيْبٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ وهَذا القَوْلُ مِنهم إنْكارٌ لِرِسالَتِهِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّكم مِثْلُنا غَيْرُ رُسُلٍ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ البَشَرُ رُسُلًا.

الثّانِي: إنَّ مِثْلَكم مِنَ البَشَرِ لا يَجُوزُ أنْ يَكوُنوُا رُسُلًا.

﴿ وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم إنْكارًا لِلرَّحْمَنِ أنْ يَكُونَ إلَهًا مُرْسِلًا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إنْكارًا أنْ يَكُونُوا لِلرَّحْمَنِ رُسُلًا.

﴿ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَكْذِبُونَ في أنَّ لَنا إلَهًا.

الثّانِي: تَكْذِبُونَ في أنْ تَكُونُوا رُسُلًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ ﴾ فَإنْ قِيلَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا تَكُونُ حُجَّةٌ عِنْدَ الكُفّارِ لَهم.

قِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهم ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ بِما يُظْهِرُهُ لَنا مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهم أحْيَوْا مَيْتًا وأبْرَؤُوا زَمِنًا.

الثّانِي: أنَّ تَمْكِينَ رَبِّنا لَنا إنَّما هو لِعِلْمِهِ بِصِدْقِنا.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا رُسُلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا رُسُلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جُمْلَةِ الحَوارِيِّينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ فَجازَ، لِأنَّهم رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، أنْ يَكُونُوا رُسُلًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يَعْنِي بِالإعْجازِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ أنَّ الَّذِي عَلى الرُّسُلِ إبْلاغُ الرِّسالَةِ، ولَيْسَ عَلَيْهِمُ الإجابَةُ، وإنَّما الإجابَةُ عَلى المَدْعُوِينَ دُونَ الدّاعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ﴾ قال: هي انطاكية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة ﴿ أصحاب القرية ﴾ قال: انطاكية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ﴾ قال: انطاكية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ﴾ قال: ذكر لنا أنها قرية من قرى الروم، بعث عيسى ابن مريم إليها رجلين، فكذبوهما.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان موسى بن عمران عليه السلام بينه وبين عيسى ألف سنة، وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما، وانه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل، ثم من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء.

وهو قوله: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ﴾ والذي عزز به: شمعون.

وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي ليس فيها رسول أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ قال: بلغني أن عيسى بن مريم بعث إلى أهل القرية- وهي انطاكية- رجلين من الحواريين، واتبعهم بثالث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ﴾ قال: لكي تكون عليهم الحجة أشد، فأتوا أهل القرية، فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، فكذبوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: اسم الرسولين اللذين قالا ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ شمعون.

ويوحنا.

واسم (الثالث) بولص.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعززنا بثالث ﴾ مخففة.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين....

﴾ قال: اسم الثالث الذي عزز به: سمعون بن يوحنا.

والثالث بولص، فزعموا أن الثلاثة قتلوا جميعاً، وجاء حبيب وهو يكتم إيمانه ﴿ فقال يا قوم اتبعوا المرسلين ﴾ فلما رأوه أعلن بإيمانه فقال: ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾ وكان نجاراً ألقوه في بئر، وهي الرس، وهم أصحاب الرس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا إنا تطيرنا بكم ﴾ قال: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم ﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالحجارة ﴿ قالوا طائركم معكم ﴾ أي أعمالكم معكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يقول: ائن ذكرناكم بالله، تطيرتم بنا.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لنرجمنكم ﴾ قال: لنشتمنكم قال والرجم في القرآن كله الشتم وفي قوله: ﴿ طائركم معكم أئن ذكرتم ﴾ يقول: ما كتب عليكم واقع بكم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ طائركم معكم ﴾ قال: شؤمكم معكم.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيي بن وثاب أنه قرأها ﴿ أئن ذكرتم ﴾ بالخفض وقرأها زر بن حبيش ﴿ أن ذكرتم ﴾ بالنصب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾ قال: هو حبيب النجار.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، مثله.

وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال: كان اسم صاحب يس (حبيب بن مري).

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: اسم صاحب يس (حبيب) وكان الجذام قد أسرع فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾ قال: بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار، واسمه حبيب، فسمع بهؤلاء النفر الذين أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية، فجاءهم فقال: تسألون أجراً فقالوا: لا، فقال لقومه ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ﴾ حتى بلغ ﴿ فاسمعون ﴾ قال: فرجموه بالحجارة فجعل يقول: رب اهد قومي ﴿ فإنهم لا يعلمون بما غفر لي ربي ﴾ حتى بلغ ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة ﴾ قال: فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم ﴿ صيحة واحدة فإذا هم خامدون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الحكم في قوله: ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾ قال: بلغنا أنه كان قصاراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ كان حراثاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن كعب أن ابن عباس سأله عن أصحاب الرس فقال: إنكم معشر العرب تدعون البئر رساً وتدعون القبر رساً فخدوا خدوداً في الأرض، وأوقدوا فيها النيران للرسل الذين ذكر الله في ﴿ يس ﴾ ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ﴾ وكان الله تعالى إذا جمع لعبد النبوة والرسالة منعه من الناس، وكانت الأنبياء تقتل، فلما سمع بذلك رجل من أقصى المدينة، وما يراد بالرسل أقبل يسعى ليدركهم، فيشهدهم على إيمانه، فأقبل على قومه فقال: ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين ﴾ إلى قوله: ﴿ لفي ضلال مبين ﴾ ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾ ليشهدهم على إيمانه فأُخِذَ فَقُذِفَ في النار فقال الله تعالى ﴿ ادخل الجنة ﴾ قال: ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ .

وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: لما قال صاحب (يس) ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين ﴾ خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال: ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾ أي فاشهدوا لي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ قال: وجبت له الجنة ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ قال: هذا حين رأى الثواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ : وما علينا إلا أن نبلغ ونبين لكم بان الله الواحد [لا شريك] (١) (١) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واضرب لَهُمْ مَّثَلاً ﴾ الضمير لقريش، ومثلاً وأصحاب القرية مفعولان بأضرب على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين، وهو الصحيح والقرية أنطاكية ﴿ إِذْ جَآءَهَا المرسلون ﴾ هم من الحواريين الذين أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام، يدعون الناس إلى عبادة الله، وقيل: بل هم رسل أرسلهم الله، ويدل على هذا قول قومهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، فإن هذا إنما يقال: لمن ادعى أن الله أرسله ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ أي قوينا الاثنين برسول ثالث، قيل: اسمه شمعون ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ أنما أكدوا الخبر هنا باللام لأنه جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

يحتمل الأمر لرسوله بضرب مثل أصحاب القرية لقومه وجهين: أحدهما: أن الخبر قد كان بلغ هؤلاء، أعني: خبر أصحاب القرية التي بعث إليهم الرسل، وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل وسوء معاملتهم إياهم، إلا أنهم قد نسوا ذلك وغفلوا عنه، فأمرهم بالتذكير لهم والتبيين؛ ليحذورا عن مثل صنيعهم وسوء معاملتهم رسولهم.

والثاني: يحتمل أن لم يكن بلغهم خبر أولئك وما نزل بهم بسوء معاملتهم الرسول، فأمره أن يعلم قومه ذلك ويبين لهم، فيسألون عن ذلك أهل الكتاب، فيخبرونهم بما كان في كتبهم؛ فيعرفون صدق رسول الله فيما يخبرهم، فيكونون على حذر عن مثل صنيعهم ومعاملتهم الرسل؛ وعلى ذلك تخرج هذه الأنباء والقصص المذكورة في الكتاب على هذين الوجهين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ .

أي: قوينا بثالث، اختلف فيه: قال بعضهم: إن عيسى بن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا فأتاهم، فدعاهم إلى التوحيد، وأقام على ذلك حججاً وبراهين، فكذبوه وقالوا: ما نعرف ما تقول، ثم بعث من بعده رسولين فقال لهما ذلك الرسول: إنهم سيكذبونكما كما كذبوني قبلكما وسيقولون لكما إذا دعوتماهم إلى التوحيد: ماذا تحسنان؟

فإذا قلتما: نبرئ الأكمه والأبرص، قالوا: فينا من يحسن ذلك، فإن قلتما: نشفي المريض، قالوا: فينا من يحسن ذلك ونحوه، ولكن قولا أنتما: نحيي الموتى، وأنا أقول لهم: إني لا أحسن أنا؛ فهو قوله: ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ أي: قوّينا وشددنا بثالث، ففعلوا ذلك فقالوا عند ذلك: قد تواشيتم علينا بهذا الكلام، أو تواطأتم، أو كلام نحوه، فأخذوا وعذبوا وأهلكوا؛ وهو قول ابن عباس،  : ومنهم من يقول: بعث أوّلا رسولان فكذبوهما، فبعث ثالث بعد ذلك ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ ، أي: عززنا الرسولين بثالث، أي: قويناهما.

وقرأ بعضهم: ﴿ عَزَزْنا ﴾ بالتخفيف، أي: غلبنا.

لكن ذكر أنهم قتلوا جميعاً وأهلكوا - أعني: الرسل - فكيف يكون الغالب مقتولا مهلكاً؟!

ويجوز أن يكون المقتول مقوِّيا؛ دل أن قراءة من يقرأ بالتخفيف ضعيف والأول أقوى وأقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ ﴾ .

وكذلك قول أهل مكة لرسول الله: إنه ساحر وإنه مجنون وإنه مفتر مختلق، وقولهم: ﴿ وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ .

لما أيسوا من إيمانهم وتصديقهم إياهم، فزعوا إلى الله، وتضرعوا إليه.

أو أن يقولوا بأن الله أعلم بما أطلعكم بأنا إليكم لمرسلون بالحجج والآيات.

وقوله: ﴿ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس علينا من ترك إجابتكم لنا ورد الرسالة شيء، إنما ذلك عليكم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾ .

دل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب والشدة حتى تشاءموا بهم ذلك ولم يزل عادة الكفرة التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم؛ كقوله: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 131].

وقوله: ﴿ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: شؤمكم معكم حيثما كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه من العناد والتكذيب، ويذكر أهل التأويل: أن القرية كانت أنطاكية وأن الذي بعث هؤلاء الرسل إليهم عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين - ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تشاؤمكم معكم أين كنتم وحيثما كنتم، ما دمتم على ما أتنم عليه.

وقال بعضهم: طائركم معكم إذ ذكرتم فلم تقبلوا التذكير ونحوه.

ويحتمل وجهاً آخر: أن الذي أصابكم كان مكتوباً في أعناقكم، أئن وعظتم بالله تطيرتم بنا ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليس علينا إلا تبليغ ما أمرنا بتبليغه إليكم بوضوح، ولا نملك هدايتكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.EwVpd"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر