الآية ٢٩ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٢٩ من سورة يس

إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) قال : فأهلك الله ذلك الملك ، وأهلك أهل أنطاكية ، فبادوا عن وجه الأرض ، فلم يبق منهم باقية .

وقيل : ( وما كنا منزلين ) أي : وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم ، بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم .

وقيل : المعنى في قوله : ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء ) أي : من رسالة أخرى إليهم .

قاله مجاهد وقتادة .

قال قتادة : فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله ، ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) .

قال ابن جرير : والأول أصح ; لأن الرسالة لا تسمى جندا .

قال المفسرون : بعث الله إليهم جبريل ، عليه السلام ، فأخذ بعضادتي باب بلدهم ، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم ، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد .

وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية ، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح ، عليه السلام ، كما نص عليه قتادة وغيره ، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره ، وفي ذلك نظر من وجوه : أحدها : أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، عز وجل ، لا من جهة المسيح ، كما قال تعالى : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ) إلى أن قالوا : ( ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين ) [ يس : 14 - 17 ] .

ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ، عليه السلام ، والله أعلم .

ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم : ( ما أنتم إلا بشر مثلنا ) [ يس : 15 ] .

الثاني : أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ; ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة ، وهن القدس لأنها بلد المسيح ، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها ، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين .

ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطده .

ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها ، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين ، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت ، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله ، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم ، فالله أعلم .

الثالث : أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف : أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ، ذكروه عند قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ) [ القصص : 43 ] .

فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن [ العظيم ] قرية أخرى غير أنطاكية ، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا .

أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة ، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني ، حدثنا حسين الأشقر ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السبق ثلاثة : فالسابق إلى موسى يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب يس ، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " ، فإنه حديث منكر ، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر ، وهو شيعي متروك ، [ والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) يقول: ما كانت هَلَكتهم إلا صيحة واحدة أنـزلها الله من السماء عليهم.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً ) نصبا على التأويل الذي ذكرت، وأنّ في كانت مضمرًا وذُكر عن أبي جعفر المدني أنه قرأه (إلا صيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) رفعًا على أنها مرفوعة بكان، ولا مضمر في كان.

والصواب من القراءة في ذلك عندي النصب لإجماع الحجة على ذلك، وعلى أن في كانت مضمرًا.

وقوله ( فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) يقول: فإذا هم هالكون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن كانت إلا صيحة واحدة قراءة العامة ( واحدة ) بالنصب على تقدير : ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة .وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج : " صيحة " بالرفع هنا ، وفي قوله : إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث ، فكأنه قال : ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة .

وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث ، فهو ضعيف ، كما تكون : ما قامت إلا هند ، ضعيفا ، من حيث كان المعنى : ما قام أحد إلا هند .

قال أبو حاتم : فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال : إن كان إلا صيحة .

قال النحاس : لا يمتنع شيء من هذا ، يقال : ما جاءتني إلا جاريتك ، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية إلا جاريتك .

والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق ، قال : المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة ، وقدره غيره : ما وقع عليهم إلا صيحة واحدة .

وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب .

وقرأ عبد الرحمن بن الأسود - ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك - " إن كانت إلا زقية واحدة " .

وهذا مخالف للمصحف .

وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح ، ومنه المثل : أثقل من الزواقي ، فكان يجب على هذا أن يكون زقوة .

ذكره النحاس .قلت : وقال الجوهري : الزقو والزقي مصدر ، وقد زقا الصدى يزقو زقاء : أي : صاح ، وكل صائح زاق ، والزقية الصيحة .قلت : وعلى هذا يقال : زقوة وزقية لغتان ، فالقراءة صحيحة لا اعتراض عليها .

والله أعلم .

فإذا هم خامدون : أي ميتون هامدون ، تشبيها بالرماد الخامد .

وقال قتادة : هلكى .

والمعنى واحد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ كَانَتْ } أي: كانت عقوبتهم { إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة اللّه، { فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم بين عقوبتهم فقال تعالى : ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) ، وقرأ أبو جعفر : صيحة واحدة بالرفع ، جعل الكون بمعنى الوقوع .

قال المفسرون : أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ، ثم صاح بهم صيحة واحدة ( فإذا هم خامدون ) ميتون

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن» ما «كانت» عقوبتهم «إلا صيحة واحدة» صاح بهم جبريل «فإذا هم خامدون» ساكنون ميتون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما كان هلاكهم إلا بصيحة واحدة، فإذا هم ميتون لم تَبْقَ منهم باقية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ) أى : ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا .( فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) أى : هامدون ميتون ، شأنهم فى ذلك كشأن النار التى أصابها الخمود والانطفاء ، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة ، يقال .خمدت النار تخمد خمودا .

إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها ، وخمد الرجل - كقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسه .وهذكا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين ، وقتلوا المصلحين ، فقد نزلت بهم عقوبة الله - تعالى - فجعلتهم فى ديارهم جاثمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم بين الله تعالى ما كان بقوله: ﴿ إِن كَانَتْ ﴾ الواقعة ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً ﴾ وقال الزمخشري أصله إن كان شيء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر، لكنه تعالى أنث لما بعده من المفسر وهو الصيحة.

وقوله تعالى: ﴿ واحدة ﴾ تأكيد لكون الأمر هيناً عند الله.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هُمْ خامدون ﴾ فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان من الصيحة وفي وقتها لم يتأخر، ووصفهم بالخمود في غاية الحسن وذلك لأن الحي فيه الحرارة الغريزية وكلما كانت الحرارة أوفر كانت القوة الغضبية والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك، أما الغضب فإنهم قتلوا مؤمناً كان ينصحهم، وأما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب الدائم بسبب استيفاء اللذات الحالية فإذن كانوا كالنار الموقدة، ولأنهم كانوا جبارين مستكبرين كالنار ومن خلق منها فقال: ﴿ فَإِذَا هُمْ خامدون ﴾ وفيه وجه آخر: وهو أن العناصر الأربعة يخرج بعضها عن طبيعته التي خلقه الله عليها ويصير العنصر الآخر بإرادة الله فالأحجار تصير مياهاً، والمياه تصير أحجاراً وكذلك الماء يصير هواء عند الغليان والسخونة والهواء يصير ماء للبرد ولكن ذلك في العادة بزمان، وأما الهواء فيصير ناراً والنار تصير هواء بالاشتعال والخمود في أسرع زمان، فقال خامدين بسببها فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ ؟

قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ومِنْهُمْ وَمِنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ﴾ [العنكبوت: 40] .

فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟

قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ [الأحزاب: 9] ، ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9] ، ﴿ بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ [آل عمران: 124] ، ﴿ بِخَمْسَةِ ءالاف مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125] ؟

قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه، ولكن الله فضَّل محمداً صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فضلاً عن حبيب النجار، وأولاهُ من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحداً؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنوداً من السماء وكأنه أشار بقوله: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا ﴾ ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلاّ مثلك، وما كنا نفعله بغيرك ﴿ إن كانت إلاّ صيحة واحدة ﴾ إن كانت الأخذة أو العقوبة إلاّ صيحة واحدة.

وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامة، أي: ما وقعت إلاّ صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل؛ لأنّ المعنى: ما وقع شيء إلاّ صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: ﴿ فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم ﴾ وبيت ذي الرمّة: وَمَا بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وقرأ ابن مسعود ﴿ إلا زقية واحدة ﴾ من زقا الطائر يزقو ويزقي، إذا صاح.

ومنه المثل: أثقل من الزواقي ﴿ خامدون ﴾ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رماداً، كما قال لبيد: وَمَا الْمَرْءُ إلاَّ كَالشَّهَابِ وَضَوْئِهِ ** يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ كانَتْ ﴾ ما كانَتِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ.

﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ صاحَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ.

﴿ فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ مَيِّتُونَ، شُبِّهُوا بِالنّارِ رَمْزًا إلى أنَّ الحَيَّ كالنّارِ السّاطِعَةِ والمَيِّتَ كَرَمادِها كَما قالَ لَبِيَدٌ: وما المَرْءُ إلا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ.

.

.

يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعٌ ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ﴾ تَعالِي فَهَذِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مِن حَقِّها أنَّ تَحْضُرِي فِيها، وهي ما دَلَّ عَلَيْها: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ فَإنَّ المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاصِحِينَ المُخْلِصِينَ المَنُوطِ بِنُصْحِهِمْ خَيْرَ الدّارَيْنِ أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا ويُتَحَسَّرَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ تَلَهَّفَ عَلى حالِهِمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحَسُّرًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ( يا حَسْرَتا ) ونَصَبَها لِطُولِها بِالجارِّ المُتَعَلِّقِ بِها، وقِيلَ بِإضْمارِ فِعْلِها والمُنادى مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ «يا حَسْرَةَ العِبادِ» بِالإضافَةِ إلى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، و «يا حَسْرَةً» بِالهاءِ عَلى العِبادِ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن كَانَتْ} الأخذة أو العقوبة {إِلاَّ صَيْحَةً واحدة} صاح جبريل عليه السلام صيحة واحدة {فَإِذَا هُمْ خامدون} ميتون كما تخمد النار

والمعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ ﴾ أيْ قَوْمِ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَيًّا ﴿ مِن جُنْدٍ ﴾ أيْ جُنْدًا، فَـ (مِن) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

والجُنْدُ العَسْكَرُ لِما فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ؛ كَأنَّهُ مِنَ الجَنَدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الجُنْدِ جُنْدُ المَلائِكَةِ؛ أيْ ما أنْزَلْنا لِإهْلاكِهِمْ مَلائِكَةً ﴿ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ الجُنْدَ لِإهْلاكِهِمْ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا؛ حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ لَكَ مِن قَوْمِكَ، وكَفَيْنا أمْرَ هَؤُلاءِ بِصَيْحَةِ مَلَكٍ صاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ ، وفي ذَلِكَ اسْتِحْقارٌ لَهم ولِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ  ، وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الجُنْدَ بِما يَعُمُّ المَلائِكَةَ، فَقالَ: كالحِجارَةِ والرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والمُتَبادِرُ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الجُنْدُ مَلائِكَةُ الوَحْيِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْ قَطَعْنا عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ولَمْ نَعْبَأْ بِهِمْ وأهْلَكْناهُمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ قالا: قَطَعَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ الرِّسالَةَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ، وهَذا التَّفْسِيرُ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَتْلُ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ مَحْكِيٌّ في البَحْرِ بِـ (قِيلَ)، وهو ظاهِرُ هَذا المَرْوِيِّ لَكِنِ المَعْرُوفُ أنَّهم لَمْ يُقْتَلُوا وإنَّما قُتِلَ حَبِيبٌ فَقَطْ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ وما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى (جُنْدٍ) والمُرادُ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ وما أنْزَلْنا الَّذِي كُنّا مُنْزِلِيهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ (مِن) في المَعْرِفَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى جَعْلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُدْفَعُ بُعْدُهُ، ومِن أبْعَدِ ما يَكُونُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ زائِدَةً أيْ وقَدْ كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى غَيْرِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ، بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، و”إنْ“ نافِيَةٌ، وكانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها مُضْمَرٌ، و(صَيْحَةً) خَبَرُها، أيْ ما كانَتْ هي - أيِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ - إلّا صَيْحَةً واحِدَةً.

رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَماتُوا جَمِيعًا، وإذا فُجائِيَّةٌ وفِيها إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ هَلاكِهِمْ بِحَيْثُ كانَ مَعَ الصَّيْحَةِ، وقَدْ شُبِّهُوا بِالنّارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، والخُمُودُ تَخْيِيلٌ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الحَيَّ كَشُعْلَةِ النّارِ والمَيِّتَ كالرَّمادِ كَما قالَ لَبِيدٌ: وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الخُمُودِ بِمَعْنى البُرُودَةِ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ الرُّوحَ لِفَزَعِها عِنْدَ الصَّيْحَةِ تَنْدَفِعُ إلى الباطِنِ دَفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ تَنْحَصِرُ فَتَنْطَفِئُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ لِانْحِصارِها، ولَعَلَّ في العُدُولِ عَنْ ”هامِدُونَ“ إلى (خامِدُونَ) رَمْزًا خَفِيًّا إلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى حَبِيبٍ وأنَّهم هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ آمَنَ المَلِكُ وآمَنَ قَوْمٌ مِن حَواشِيهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن هَلَكَ بِالصَّيْحَةِ، وهَذا بَعِيدٌ.

فَإنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُظاهِرَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ الرُّسُلَ كَما فَعَلَ حَبِيبٌ، ولَكانَ لَهم في القُرْآنِ الجَلِيلِ ذِكْرٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم آمَنُوا خُفْيَةً وكانَ لَهم ما يُعْذَرُونَ بِهِ عَنِ المُظاهَرَةِ، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو - بَعْدُ - عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ القارِئُ ”صَيْحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ أيْ ما حَدَثَتْ ووَقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ.

ويَنْبَغِي أنْ لا تَلْحَقَ الفِعْلَ تاءُ التَّأْنِيثِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَلا يُقالُ: ما قامَتْ إلّا هِنْدُ، بَلْ ما قامَ إلّا هِنْدُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدُ، والفاعِلُ فِيهِ مُذَكَّرٌ، ولَمْ يُجَوِّزْ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ الإلْحاقَ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: طَوى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ وقَوْلِ الآخَرِ: ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمِّ ∗∗∗ في حَرْبِنا إلّا بَناتُ العَمِّ ومِن هُنا أنْكَرَ الكَثِيرُ - كَما قالَ أبُو حاتِمٍ - هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قِلَّةٍ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي بَحْرِيَّةَ ”لا تُرى إلّا مَساكِنُهُمْ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُهُ مُراعاةُ الفاعِلِ المَذْكُورِ، وكَأنِّي بِكَ تَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”إلّا زَقْيَةً“ مِن زَقى الطّائِرُ يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزُقاءً إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ ”أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي“ وهي الدِّيَكَةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمُرُونَ إلى أنْ تَزْقُوَ فَإذا صاحَتْ تَفَرَّقُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يعني: من وسط المدينة، وهو حبيب بن إسرائيل النجار رَجُلٌ يَسْعى يعني: يسعى في مشيه.

وقال بعضهم: هو الذي عاش ابنه بعد الموت، بدعاء الرسل، فجاء وأسلم.

وقال بعضهم: كان ابنه مريضا، فبرئ بدعوة الرسل، فصدق بهم، فلما بلغه أن القوم أرادوا قتل الرسل، جاء ليمنع الناس عن قتلهم.

وقال قتادة: كان في غار يدعو ربه فلما بلغه مجيء الرسل أتاهم قالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ يعني: دين المرسلين ثم قال للرسل هل تسألون على هذا أجراً؟

فقالوا: لا.

فقال: للقوم اتَّبِعُوا مَنْ لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً يعني: على الإيمان وَهُمْ مُهْتَدُونَ يدعوكم إلى التوحيد.

فقال له قومه: تبرأت عن ديننا، واتبعت دين غيرنا.

فقال: وَما لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي يعني: خلقني.

قرأ حمزة وابن عامر في إحدى الروايتين: وَما لِيَ بسكون الياء.

وقرأ الباقون: بالفتح.

وهما لغتان وكلاهما جائز.

ثم قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: تصيرون إليه بعد الموت، وهذا كقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران: 180] فقالوا له: ارجع إلى ديننا.

فقال حبيب: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعني: أعبد من دونه أصناماً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ يعني: ببلاء وشدة إذا فعلت ذلك لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني: لا تقدر الآلهة أن يشفعوا لي وَلا يُنْقِذُونِ يعني: لا يدفعون عني الضرر إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: إني إذا فعلت ذلك لفي خسران بيّن إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يعني: فاشهدوني، وأعينوني بقول لا إله إلا الله.

وقال ابن عباس: أُلقي في البئر وهو الرس كما قال وَأَصْحابَ الرَّسِّ [ق: 12] وقال قتادة: قتلوه بالحجارة.

وهو يقول: رب اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يعلمون.

وقال مقاتل: أخذوه ووطئوه، تحت أقدامهم، حتى خرجت أمعاؤه، ثم ألقي في البئر، وقتلوا الرسل الثلاثة.

فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة ف قِيلَ له ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وذلك حين دخلها، وعاين ما فيها من النعيم، تمنى أن يسلم قومه فقال: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي بالذي غفر لي ربي.

ويقال: بمغفرتي.

ويقال: بماذا غفر لي ربي؟

فلو علموا، لآمنوا بالرسل.

ثم قال: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ أي: الموحدين في الجنة.

نصح لهم في حياته، وبعد وفاته.

يقول الله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ يعني: من بعد حبيب النجار مِنْ جُنْدٍ من السماء، يعني: الملائكة وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ يعني: لم نبعث إليهم أحداً إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني: ما كانت إلا صيحة جبريل-  - فَإِذا هُمْ خامِدُونَ يعني: ميتون لا يتحركون يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يعني: يا ندامة على العباد في الآخرة.

يعني: يقولون: يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء- عليهم السلام- مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ في الدنيا إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.

ثم خوّف المشركين بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا فقال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا يعني: ألم يعلموا؟

ويقال: ألم يخبروكم أهلكنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يعني: كم عاقبنا من القرون الماضية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الدنيا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ قرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر، بتشديد الميم.

وقرأ الباقون: بالتخفيف.

فمن قرأ بالتشديد فمعناه: وما كل إلا جميع.

ومن قرأ بالتخفيف فما زائدة ومؤكدة.

والمعنى وإن كل لجميع لدينا محضرون.

يعني: يوم القيامة محضرون عندنا، ثم وعظهم كي يعتبروا من صنعه، فيعرفوا توحيده: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ ...

الآية، مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيها توعُّدٌ لقرَيْشٍ وتَحْذِيرُ أنْ يَنْزلَ بهمْ مِنَ العَذَابِ مَا نَزَلَ بقَومِ حَبِيبٍ النَّجَّار.

قال مجاهد: لَم يُنْزِلِ اللَّهُ عَليهم من جُنْدٍ أرادَ أنه لم يُرْسِل إليهم رَسُولاً ولاَ اسْتَعْتَبَهُمْ «١» ، قال قتادة: وَاللَّهِ، ما عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدِ قَتْلِه حَتَّى أهْلَكَهُمْ «٢» .

وقال ابن مسعود: أراد: لَمْ يَحْتَجْ فِي تَعْذِيبهِمْ إلى جُنْدٍ، بلْ كَانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ لأنهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ من ذلك «٣» ، واخْتُلِفَ في قوله تعالى: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ فقالتْ فرقة: «ما» نافيةٌ، وقالت فرقة: «ما» عَطْفٌ عَلَى جندٍ، أي: من جند ومن الذي كنَّا منزلينَ على الأممِ مثلهم قبلَ ذلكَ، و «خامدون» أي: ساكنون موتى.

وقوله تعالى: يا حَسْرَةً الحسرةُ التَلَهُّفُ: وذلك أن طِباعَ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عَنْدَ سَمَاعِ حَالِهِمْ وعَذَابِهم على الكُفْرِ وَتَضْييِعِهم أمْرَ اللَّهَ، أن يُشْفِقَ وَيَتَحَسَّرَ على العِبَاد، وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال الضَّحَّاك: إنها حسرةُ الملائِكَة على العباد في تكذيبِهمُ الرسلُ، وقال ابن عباس: حلُّوا مَحَلَّ مَنْ يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِ، انتهى.

وقرأ الأعرج «٤» وأبو الزنَاد ومسلم بن جندب: (يا حَسْرَهْ) بالوقفِ على الهاء وهو أبلغ في معنى التَحَسُّرِ والتَّشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ.

وقوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ...

الآية، تمثّل لفعل قريش وإيّاهم عنى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ﴾ واسْمُهُ حَبِيبُ النَّجّارِ، وكانَ مَجْذُومًا، وكانَ قَدْ آَمَنَ بِالرُّسُلِ لَمّا ورَدُوا القَرْيَةَ، وكانَ مَنزِلُهُ عِنْدَ أقْصى بابٍ مِن أبْوابِ القَرْيَةِ، فَلَمّا بَلَغَهُ أنَّ قَوْمَهُ قَدْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، جاءَ يَسْعى، فَقالَ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم مُهْتَدُونَ ﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ، فَأخَذُوهُ ورَفَعُوهُ إلى المَلِكَ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أفَأنْتَ تَتْبَعُهُمْ؟

فَقالَ: ﴿ وَما لِيَ ﴾ أسْكَنَ هَذِهِ الياءَ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ ﴿ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ لِي إذا لَمْ أعْبُدْ خالِقِي ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ عِنْدَ البَعْثِ، فَيَجْزِيَكم بِكُفْرِكُمْ؟!

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أضافَ الفِطْرَةَ إلى نَفْسِهِ والبَعْثَ إلَيْهِمْ وهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ قَدْ فَطَرَهم جَمِيعًا كَما يَبْعَثُهم جَمِيعًا؟

فالجَوابُ: أنَّ إيجادَ اللَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ يُوجِبُ الشُّكْرَ، والبَعْثُ في القِيامَةِ وعِيدٌ يُوجِبُ الزَّجْرَ، فَكانَتْ إضافَةُ النِّعْمَةِ إلى نَفْسِهِ أظْهَرَ في الشُّكْرِ، وإضافَةُ البَعْثِ إلى الكافِرِ أبْلَغُ في الزَّجْرِ.

ثُمَّ أنْكَرَ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا شَفاعَةَ لَهم فَتُغْنِي، ﴿ وَلا يُنْقِذُونِ ﴾ أثْبَتَ ها هُنا الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، ووِرَشٌ، والمَعْنى: لا يُخَلِّصُونِي مِن ذَلِكَ المَكْرُوهِ.

﴿ إنِّي إذًا ﴾ فَتْحَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ فَتْحَ هَذِهِ الياءَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو.

وَفِيمَن خاطَبَهم بِإيمانِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خاطَبَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خاطَبَ الرُّسُلَ.

وَمَعْنى ﴿ فاسْمَعُونِ ﴾ اشْهَدُوا لِي بِذَلِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: فاسْمَعُوا مِنِّي.

وأثْبَتَ ياءَ "فاسْمَعُونِي" في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا خاطَبَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، وطِئُوهُ بِأرْجُلِهِمْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: رَمَوْهُ بِالحِجارَةِ، وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ ﴾ لَمّا قَتَلُوهُ فَلَقِيَ اللَّهَ، قِيلَ لَهُ: "ادْخُلِ الجَنَّةَ"، فَلَمّا دَخَلَها ﴿ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ﴾ ، وفي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَعَ "غَفَرَ" في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ؛ والمَعْنى: بِغُفْرانِ اللَّهِ لِي.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "الَّذِي"، فالمَعْنى: لَيْتَهم يَعْلَمُونَ بِالَّذِي غَفَرَ لِي [بِهِ] رَبِّي فَيُؤْمِنُونَ، فَنَصَحَهم حَيًّا ومَيِّتًا.

فَلَمّا قَتَلُوهُ عَجَّلَ اللَّهُ لَهُمُ العَذابَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ ﴾ يَعْنِي قَوْمَ حَبِيبٍ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قَتْلِهِ ﴿ مِن جُنْدٍ مِن السَّماءِ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، أيْ: لَمْ يَنْتَصِرْ مِنهم بِجُنْدٍ مِنَ السَّماءِ ﴿ وَما كُنّا ﴾ نُنْزِلُهم عَلى الأُمَمِ إذا أهْلَكْناهم.

وقِيلَ: المَعْنى: ما بَعَثْنا إلَيْهِمْ بَعْدَهُ نَبِيًّا، ولا أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ رِسالَةً.

﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً، فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ، كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ أيْ: ساكِنُونَ كَهَيْأةِ الرَّمادِ الخامِدِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِن السَماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ  فِيها تَوَعُّدٌ لِقُرَيْشٍ، إذْ هَذا هو المُرَوِّعُ لَهم مِنَ المِثالِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللهِ ما نَزَلَ بِقَوْمِ حَبِيبٍ النَجّارِ، فَنَفى عَزَّ وجَلَّ، أيْ أنَّهُ ما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ هَذا الرَجُلِ جُنْدًا مِنَ السَماءِ، قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا ولا اسْتَعْتَبَهُمْ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرادَ لَمْ يَحْتَجْ في تَعْذِيبِهِمْ إلى جُنْدٍ مِن جُنْدِ اللهِ كالحِجارَةِ والغَرَقِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ كانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: واللهِ ما عاتَبَ اللهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ حَتّى أهْلَكَهم.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" نافِيَةٌ، وهَذا يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" عَطْفٌ عَلى "جُنْدٍ"، أيْ: "مِن جُنْدٍ ومِنَ الَّذِي كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى الأُمَمِ مِثْلِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ".

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا صَيْحَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ (كانَ)، أيْ: ما كانَ عَذابُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ: "إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، والوَجْهُ فِيها أنَّها لَيْسَتْ (كانَ) الَّتِي تَطْلُبُ الِاسْمَ والخَبَرَ، وإنَّما التَقْدِيرُ: ما وقَعَتْ أو حَدَثَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: "إلّا زَقْيَةً واحِدَةً" وهي الصَيْحَةُ مِنَ الدِيكِ ونَحْوِهِ مِنَ الطَيْرِ.

وَ"خامِدُونَ": ساكِتُونَ مَوْتى لاطُّونَ بِالأرْضِ، شُبِّهُوا بِالرَمادِ الَّذِي خَمَدَتْ نارُهُ وطُفِئَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يا حَسْرَةً" ﴾ نِداءٌ لَها عَلى مَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكِ وظُهُورِكِ، هَذا تَقْدِيرُ نِداءِ مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى قَوِيمٌ في نَفْسِهِ، وهو مُنادى مَنكُورٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّها في بَعْضِ القِراءاتِ كَذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: يا ويْلًا لِلْعِبادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٌ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يا حَسْرَةَ العِبادِ"، بِالإضافَةِ.

وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ حَسَنٌ مَعَ قِراءَتِهِ، وتَأْوِيلُ الطَبَرِيِّ في ذَلِكَ القِراءَةَ الأولى لَيْسَ بِالبَيِّنِ، وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَلَهُّفًا عَلى العِبادِ كانَ الحالُ يَقْتَضِيهِ، وطِباعُ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عِنْدَ سَماعِهِ حالَهم وعَذابَهَمْ عَلى الكُفْرِ وتَضْيِيعَهم أمْرَ اللهِ تَعالى أنْ يُشْفِقَ ويَتَحَسَّرَ عَلى العِبادِ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: المُرادُ ب العِبادِ الرُسُلُ الثَلاثَةُ، فَكَأنَّ هَذا التَحَسُّرَ هو مِنَ الكُفّارِ، حِينَ رَأوا عَذابَ اللهِ تَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، يَدْفَعُ هَذا التَأْوِيلَ.

والحَسْرَةُ: التَلَهُّفاتُ الَّتِي تَتْرُكُ صاحِبَها حَسِيرًا، وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وأبُو الزِنادِ: "يا حَسْرَهْ" بِالوَقْفِ عَلى الهاءِ، وذَلِكَ لِلْحِرْصِ عَلى بَيانِ مَعْنى التَحَسُّرِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْسِ، والنُطْقُ بِالهاءِ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ في التَشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ، كَقَوْلِهِمْ: أوِّهِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ قُرَيْشٍ.

ثُمَّ عَناهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا ﴾ ، و"كَمْ" هُنا خَبَرِيَّةٌ، و"أنَّهُمْ" بَدَلٌ مِنها، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ البَصَرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أولَمَ يَرَوْا مَن أهْلَكَنا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وكَسَرَها الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وذَلِكَ عَلى زِيادَةِ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى، "لِجَمِيعِ"، وشَدَّدَها الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعاصِمٌ، قالُوا: هي مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ (إلّا)، وقِيلَ: المُرادُ: (لَمِمّا) حُذِفَتْ إحْداهُما، وفِيهِ ضَعْفٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: [وَإنْ مِنهم إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ]، قالَ قَتادَةُ: مَحْشُورُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

رجوع إلى قصة أصحاب القرية بعد أن انقطع الحديث عنهم بذكر الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ناصحاً لهم وكان هذا الرجوع بمناسبة أن القوم قومُ ذلك الرجل.

فجملة ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ الخ عطف على جملة ﴿ قيل ادخُل الجَنَّة ﴾ [يس: 26] فهي مستأنفة أيضاً استئنافاً بيانياً لأن السامع يتشوف إلى معرفة ما كان من هذا الرجل ومِن أمر قومه الذين نصحهم فلم ينتصحوا فلما بيّن للسامع ما كان من أمره عطف عليه بيان ما كان من أمر القوم بعدَه.

وافتتاح قصة عقابهم في الدنيا بنفي صورة من صُور الانتقام تمهيد للمقصود من أنهم ما حلّ بهم إلا مثل ما حلّ بأمثالهم من عذاب الاستئصال، أي لم ننزل جنوداً من السماء مخلوقة لقتال قومه، أو لم ننزل جنوداً من الملائكة من السماء لإِهلاكهم، وما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة من مَلَك واحد أهلكتهم جميعاً.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مزيدة في الظرف لتأكيد اتصال المظروف بالظرف وأصلها ﴿ مِن ﴾ الابتدائية، وإضافة ﴿ بعد ﴾ إلى ضمير الرجل على تقدير مضاف شائع الحذف، أي بعدَ موته كقوله تعالى: ﴿ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ﴾ [البقرة: 133].

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن جُندٍ ﴾ مؤكدة لعموم ﴿ جُنْدٍ ﴾ في سياق النفي، و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ ابتدائية وفي الإِتيان بحرف ﴿ مِن ﴾ ثلاثَ مرات مع اختلاف المعنى مُحسّن الجناس.

وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ أو تأتَي بالله والملائكة قبيلاً ﴾ [الإسراء: 92] أي تأتي بالله الذي تدّعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك.

فجملة ﴿ وما كُنَّا مُنزِلينَ ﴾ معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبَت، لقصد الرد على المشركين بأن سنة الله تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين وشأن العاصين أَدْوَنُ من هذا الاهتمام.

والصيحة: المرة من الصياح، بوزن فعلَة، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس، و ﴿ صَيْحَةً ﴾ منصوب على أنه خبر ﴿ كَانَتْ ﴾ بعد الاستثناء المفرّغ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب ﴿ صَيْحَةً ﴾ مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها ﴿ صيحة واحِدةً، ﴾ أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلا صيحةً من صفتها أنها واحدة إلى آخره.

وقرأ أبو جعفر برفع ﴿ صَيْحَةٌ ﴾ على أن «كان» تامة، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة.

ومجيء «إذا» الفجائية في الجملة المفرعة على ﴿ إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحدة ﴾ لإِفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة.

وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ [الحجر: 73].

والخمود: انطفاء النار، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأُولى، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يَحور رماداً بعد إذ هو ساطع وتقدم قوله تعالى: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ في سورة الأنبياء } (15)، فكان هذا الإِيجاز في الآية بديعاً لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات.

وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداءِ أتباع عيسى عليه السلام، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميعَ أهل القرية فلعلهم كانوا كفاراً كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية.

ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية، فيجوز أن يهمل التاريخ بعض الحوادث وخاصة في أزمنة الاضطراب والفتنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْنى جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أيْ: رِسالَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَطَعَ عَنْهُمُ الرُّسُلَ حِينَ قَتَلُوا رُسُلَهُ.

الثّانِي: أنَّ الجُنْدَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ الوَحْيَ عَلى الأنْبِياءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ ﴾ أيْ: فاعِلِينَ.

﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّيْحَةَ هي العَذابُ.

الثّانِي: أنَّها صَيْحَةٌ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَها مَثْنَوِيَّةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَإذا هم خامِدُونَ ﴾ أيْ: مَيِّتُونَ تَشْبِيهًا بِالرَّمادِ الخامِدِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفِسِها، قالَ قَتادَةُ، وحَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ في بَعْضِ القِراءاتِ مَتْلُوًّا.

الثّانِي: أنَّها حَسْرَتُهم عَلى الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى العِبادِ في تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم حَلُّوا مَحِلَّ مَن يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.

﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ الِاسْتِهْزاءُ مِنهم قَبْلَ العَذابِ.

وَفِي الحَسْرَةِ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.

الثّانِي: في القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ ﴾ يَعْنِي الماضِينَ والباقِينَ.

﴿ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُعَذَّبُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَبْعُثُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وما أنزلنا على قومه...

﴾ قال: ما استعنت عليهم جنداً من السماء ولا من الأرض.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ إن كانت إلا رتقة واحدة ﴾ وفي قراءتنا ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإذا هم خامدون ﴾ قال: ميتون.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس.

والسابق إلى محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب» .

وأخرج ابن عساكر من طريق صدقة القرشي عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر الصديق خير أهل الأرض إلا أن يكون نبي، وإلا مؤمن آل ياسين، وإلا مؤمن آل فرعون» .

وأخرج ابن عدي وابن عساكر: ثلاثة ما كفروا بالله قط: مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون.

وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب آل ياسين، وعلي بن أبي طالب» .

وأخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، الذي قال: ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين ﴾ وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ﴾ [ غافر: 28] وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم» .

وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن عروة قال: قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن ليرجع إلى قومه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم قاتلوك؟

قال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فرجع إليهم، فدعاهم إلى الإِسلام، فعصوه وأسمعوه من الأذى، فلما طلع الفجر قام على غرفة، فأذن بالصلاة.

وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتله: مثل عروة.

مثل صاحب يس.

دعا قومه إلى الله فقتلوه» .

وأخرج ابن مردويه من حديث ابن شعبة موصولاً، نحوه.

وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن مقسم عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عروة بن مسعود إلى الطائف إلى قومه ثقيف، فدعاهم إلى الإِسلام، فرماه رجل بسهم فقتله، فقال: «ما أشبهه بصاحب (يس)» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال: شبه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أمته قال: «دحية الكلبي يشبه جبريل، وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى ابن مريم، وعبد العزى يشبه الدجال» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: كانت صيحة من جبريل، أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم صوت، مثل النار إذا أطفأت (١) قال ابن مسعود: أهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض ولم يبق منهم باقية (٢) (٣) قال الزجاج: (ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة فإذا خامدون: أي ساكتون، قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد) (٤) (١) ذكر هذا القول البغوي 4/ 11، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 14، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 569، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 367، ونسبوه لأكثر المفسرين.

(٢) انظر: "ابن كثير" 3/ 569.

(٣) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 452، "ابن كثير" 3/ 569.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء ﴾ المعنى أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل، ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء، لأنهم أهون من ذلك، وقيل المعنى ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلاً كما قالت قريش: ﴿ لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ [الفرقان: 7] ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ ما كنا لننزل جنداً من السماء علىأحد ﴿ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ أي ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذا الرجل يسمّى: حبيب النجار، وهو من بني إسرائيل، كان في غار يعبد الله، فلما سمع بالرسل، نزل وجاء، فقال ذلك ما قال: لكن لا ندري من كان؟

وليس لنا إلى [معرفة] اسمه حاجة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ ﴾ رغبة في الرسل وفي دينهم فدعاهم إلى اتباع الرسل.

أو أن يكون كان مؤمناً مسلماً مختفياً، فلما بلغه خبر إهلاك الرسل، جاء يسعى؛ إشفاقاً عليهم؛ لئلا يهلكوا - أعني: الرسل - فقال: ﴿ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ أي: اتبعوا الهدى، والهدى مما يجب أن يتبع، ولا يسألكم على اتباع الهدى أجراً؛ فيمنعكم الأجر عن اتباع الهدى.

أو أن يقول: اتبعوا المرسلين، واعلموا أنهم مهتدون حيث لا يسألونكم أجراً وهم مهتدون في الدنيا ولا العز؛ إذ كل من لا يسأل هذا فهو مهتد، وكل مهتد متبع، وهذا يدل أن طلب الأجر في ذلك مما يجعل صاحبه معذوراً في ترك الاتباع؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ، أي: لا يسألكم أجراً حتى يمنعكم ثقل الأجر عن إجابته واتباعه، وهذا ينقض ويبطل قول من يبيح أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه إذا كان له ألا يعلم إلا بالأجر كان له ألا يعلم بكل أجر، ففي ذلك إبطال الدّين وجعل الرخصة لهم في ترك ذلك، وذلك سمج قبيح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم بعد سؤال كان من أولئك له في الرجوع إلى عبادة من يعبدونه دون الله وترك عبادة الله، فقال: إنكم تعبدون هذه الأصنام رجاء أن يقربكم ذلك إلى الله زلفى، وما لي [لا] أعبد الذي ترجون أنتم الزلفى والقربة منه؟!

والثاني: على التذكير والتنبيه لهم: أنتم تعلمون أن الذي فطرنا وخلقنا هو المستحق للعبادة لا من لم يفطر ولم يخلق، ثم تعلمون أن الله هو فطرنا وخلقنا [لا] الأصنام التي تعبدونها، وما لي لا أعبد الذي فطرنا وأترك الذي لم يفطرنا؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ ﴾ .

يقول: أأتخذ من دون الله معبودا لو أراد الله بي ضرّاً لم يملك ذلك المعبود دفع ذلك عني، ولو نزل بي شدة أو بلاء منه، لم يقدر استنقاذي منه، ولو طلبت منه جرّ نفع لم يقدر على جلبه إلىّ، وأترك عبادة من أعلم أن ذلك كله منه، وهو المالك لذلك كله: من جرّ نفع، ودفع ضر وبلاء، وفي الحكمة: العبادة لمن يملك ذلك كله لا لمن لا يملك، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين، فذكر أنه لما قال لهم ذلك أمر بقتله، فعند ذلك قال: ﴿ إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ أي: أجيبوني في قولي: ﴿ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ ، أي: اشهدوا لي.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱسْمَعُونِ ﴾ حقيقة السماع، أي: اسمعوا قولي وإيماني، لا يمنعني عنه ما تخوفونني، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قال بعضهم: أي: أوجبت له الجنة [و] ما ذكر للشهداء وأُري الثواب؛ فقال عند ذلك: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي...

﴾ الآية.

ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ ﴾ الآية [آل عمران: 169-170].

أو أن يكون قوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ﴾ أن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى بن مريم: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي  ﴾ ، وإنما هو أن يقال له يومئذ؛ فعلى ذلك يحتمل الأول.

وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ .

قيل: إنه نصحهم حيّاً وميتاً، ولم يترك نصحهم لمكان ما عملوا وفعلوا به من السوء وأنواع التعذيب، ولكن تمنى أن ليت قومي أن يكونوا يعلمون ما أعطي هو بالإيمان بربه والتصديق برسله؛ ليعطوا مثل ما أعطي هو، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يترك النصيحة لجملة المؤمنين، وإنْ لحقه منهم أذى أو سوء.

وقال قتادة: ولا يلقى المؤمن إلا ناصحاً، ولا يلقى غاشّاً؛ لما عاين ما عاين من كرامة الله، قال: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ تمنّي والله أن يعلم قومه ذلك؛ ليعلموا أن أهل الإيمان ليسوا بأهل غش ولا نذالة لعباده.

وقال: قيل لروحه: ادخل الجنة، فتمنى روحه أن يعلموا إلى ما صار هو، ليؤمنوا بالرسل ولا يكذبوهم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: من بعد قتل ذلك الرجل ﴿ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ : من الملائكة، أي: لم ننزل على قومه في هلاكهم بعد صنيعهم بمكانه وإهلاكهم إياه - جندا من السماء، ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي: لم نفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا قتل رسلهم وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود في اسئصال من فعل ذلك بهم، ولكن أهلكهم بصيحة واحدة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: قدر صيحة واحدة، أي: أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها.

ويحتمل الإهلاك بالصيحة، أي: أهلكوا بالصيحة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ .

قيل: موتى مثل النار إذا خمدت وطفئت، لا يسمع لها صوت.

وقوله: ﴿ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ﴾ .

في تركهم الإيمان بالله وتكذيبهم الرسل واستهزائهم بهم، والحسرة: قال بعض أهل الأدب: هي الغاية من الندامة، إذا انتهت الندامة غايتها يقال: حسرة.

وقال بعضهم: الحسرة: الحزن والتحزن والتندم؛ وهو واحد.

ثم قال بعضهم في قوله: ﴿ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ﴾ : أي: يا حسرة الرسل على ذلك المؤمن المقتول على الإيمان بهم.

وقال بعضهم: يا حسرة أولئك الكفرة على أنفسهم إذا عاينوا العذاب على ما كان منهم من الاستهزاء على الرسل؛ كقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

فإن قيل: كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم وهم كانوا ينكرون البعث والرجوع بعد الموت؟!

فهو يخرج على وجوه: أحدها: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ أي: قد رأى أهل مكة هلاكهم في الدنيا وأنهم إليهم لا يرجعون أحياء، فيخبرونهم أنهم بم أهلكوا في هذه الدنيا؟

وبماذا عذبوا فيها؟

فهلا يعتبرون وينظرون أنهم إنما أهلكوا بتكذيب الرسل فيرتدعوا عن ذلك.

و ﴿ وَإِن كُلٌّ ﴾ يعني الأمم كلها، يقول - والله أعلم -: وما كل إلا جميع لدينا محضرون في الآخرة.

أو يقول: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ﴾ بالتكذيب للرسل من القرون أنهم إليهم لا يرجعون أبداً حتى يوم القيامة، وهما واحد.

أو أن يكون ذلك يخرج على إبطال قول أهل التناسخ حيث قالوا: إن الأرواح إذا خرجت من أبدان قوم دخلت في أخرى، فيقول - والله أعلم - ردّاً عليهم: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ ؛ إذ لم ير روحاً، أخبر أنه خرج من جسد هذا ودخل في آخر.

أو أن يكون ذلك يخرج على نقض قول قوم وهو ما ذكر عن ابن عباس -  - أنه سئل فقيل: إن ناساً يقولون: إن عليّا مبعوث قبل يوم القيامة، ثم قال: "بئس القوم نحن إذا كنا نكحنا نساءهم وقسمنا ميراثهم، ثم تلا: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ ".

أو أن يكون على إيجاب البعث أن من كذب الرسل ومن صدقهم ومن عمل ما يحمد عليه وما يذم، قد استووا جميعاً في هذه الدنيا، فلا بد من دار أخرى يميز بينهما، بين المصدّق وبين المكذب، وبين المحمود والمذموم، يؤيد ذلك قوله: ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَّدَيْنَا ﴾ و ﴿ عِندَنَا ﴾ ونحوه من الظروف خصها بذلك الاسم وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا أن المقصود من إنشاء هذه تلك ومن هذا العالم الفاني ذلك العالم الباقي؛ إذ لو لم يكن تلك ولا ذلك العالم الباقي، لم يكن إنشاء هذه حكمة؛ لأنه يحصل الإنشاء والخلق على الإفناء خاصة وإحداث الشيء للإفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما كانت قصة إهلاك قومه إلا صيحة واحدة <div class="verse-tafsir" id="91.v3W9Q"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر