الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٥٢ من سورة يس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٢ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ؟
يعنون : [ من ] قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها ، فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم ( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ، وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم ; لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد .
وقال أبي بن كعب ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة : ينامون نومة قبل البعث .
قال قتادة : وذلك بين النفختين .
فلذلك يقولون : ( من بعثنا من مرقدنا ) ، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون - قاله غير واحد من السلف - : ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) .
وقال الحسن : إنما يجيبهم بذلك الملائكة .
ولا منافاة إذ الجمع ممكن ، والله أعلم .
وقال عبد الرحمن بن زيد : الجميع من قول الكفار : ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) .
نقله ابن جرير ، واختار الأول ، وهو أصح ، وذلك كقوله تعالى في الصافات : ( وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ) [ الصافات : 20 ، 21 ] ، وقال [ الله ] تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) [ الروم : 55 ، 56 ] .
وقوله ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون لما نفخ في الصور نفخة البعث لموقف القيامة فردت أرواحهم إلى أجسامهم، وذلك بعد نومة ناموها( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) وقد قيل: إن ذلك نومة بين النفختين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، في قوله ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) قال: ناموا نومة قبل البعث .
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن رجل يقال له خيثمة في قوله ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) قال: ينامون نومة قبل البعث .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) هذا قول أهل الضلالة.
والرَّقدة: ما بين النفختين.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا ) قال: الكافرون يقولونه .
ويعني بقوله ( مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا ) من أيقظنا من منامنا، وهو من قولهم: بعث فلان ناقته فانبعثت، إذا أثارها فثارت.
وقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: (مِنْ أّهَبَّنَاِ مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) ..
وفي قوله (هَذَا) وجهان: أحدهما: أن تكون إشارة إلى " ما "، ويكون ذلك كلاما مبتدأ بعد تناهي الخبر الأول بقوله ( مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) فتكون " ما " حينئذ مرفوعة بهذا، ويكون معنى الكلام: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلون.
والوجه الآخر: أن تكون من صفة المرقد، وتكون خفضا وردا على المرقد، وعند تمام الخبر عن الأول، فيكون معنى الكلام: من بعثنا من مرقدنا هذا، ثم يبتدىء الكلام فيقال: ما وعد الرحمن، بمعنى: بعثكم وعد الرحمن، فتكون " ما " حينئذ رفعا على هذا المعنى.
وقد اختلف أهل التأويل في الذي يقول حينئذ: هذا ما وعد الرحمن، فقال بعضهم: يقول ذلك أهل الإيمان بالله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ ) مما سر المؤمنون يقولون هذا حين البعث .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) قال: قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرَّحْمَنُ وصدق المرسلون .
وقال آخرون: بل كلا القولين، أعني ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) : من قول الكفار.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ثم قال بعضهم لبعض ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت، ونُحاسب ونُجازَى .
والقول الأول أشبه بظاهر التنـزيل، وهو أن يكون من كلام المؤمنين، لأن الكفار في قيلهم ( مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مَرْقَدهم جُهَّالا ولذلك من جهلهم استثبتوا، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا من غيرهم، ممن خالفت صفته صفتهم في ذلك.
قوله تعالى : " قالوا يا ويلنا " قال ابن الأنباري : " يا ويلنا " وقف حسن ، ثم تبتدئ " من بعثنا " وروي عن بعض القراء " يا ويلنا من بعثنا " بكسر من والثاء من البعث .
روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - ، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله : " يا ويلنا " حتى يقول : " من مرقدنا " .
وفي قراءة أبي بن كعب " من هبنا " بالوصل " من مرقدنا " فهذا دليل على صحة مذهب العامة .
قال المهدوي : قرأ ابن أبي ليلى : " قالوا يا ويلتنا " بزيادة تاء وهو تأنيث الويل ، ومثله : يا ويلتى أألد وأنا عجوز وقرأ علي - رضي الله عنه - : " يا ويلتا من بعثنا " ف " من " متعلقة بالويل ، أو حال من " ويلتا " فتتعلق بمحذوف ; كأنه قال : يا ويلتا كائنا من بعثنا ; وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه .
و " من " من قوله : " من مرقدنا " متعلقة بنفس البعث .
ثم قيل : كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم ؟فالجواب أن أبي بن كعب قال : ينامون نومة .
وفي رواية فيقولون : يا ويلتا من أهبنا من مرقدنا .
قال أبو بكر الأنباري : لا يحمل هذا الحديث على أن " أهبنا " من لفظ القرآن كما قاله من طعن في القرآن ، ولكنه تفسير " بعثنا " أو معبر عن بعض معانيه .
قال أبو بكر : وكذا حفظته " من هبنا " بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون " من " .
والصواب فيه على طريق اللغة " من اهبنا " بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون " من " وأسقطت الهمزة ; كما قالت العرب : من اخبرك من اعلمك ؟
وهم يريدون من أخبرك .
ويقال : أهببت النائم فهب النائم .
أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي :وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يعتمرني قبل ذاك عذولوقال أبو صالح : إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى [ ص: 40 ] النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة ، فذلك قولهم : من بعثنا من مرقدنا وقاله ابن عباس وقتادة .
وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم .
قال مجاهد : فقال لهم المؤمنون : هذا ما وعد الرحمن .
قال قتادة : فقال لهم من هدى الله : هذا ما وعد الرحمن .
وقال الفراء : فقالت لهم الملائكة : هذا ما وعد الرحمن .
النحاس : وهذه الأقوال متفقة ، لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل .
وعلى هذا يتأول قول الله - عز وجل - : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية وكذا الحديث : المؤمن عند الله خير من كل ما خلق .
ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم : هذا ما وعد الرحمن .
وقيل : إن الكفار لما قال بعضهم لبعض : من بعثنا من مرقدنا صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به ، ثم قالوا : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فكذبنا به ، أقروا حين لم ينفعهم الإقرار .
وكان حفص يقف على من مرقدنا ثم يبتدئ فيقول : هذا .
قال أبو بكر بن الأنباري : من بعثنا من مرقدنا وقف حسن ، ثم تبتدئ : " هذا ما وعد الرحمن " ويجوز أن تقف على " مرقدنا هذا " فتخفض هذا على الإتباع للمرقد ، وتبتدئ : " ما وعد الرحمن " على معنى : بعثكم ما وعد الرحمن ، أي : بعثكم وعد الرحمن .
النحاس : التمام على " من مرقدنا " و " هذا " في موضع رفع بالابتداء وخبره " ما وعد الرحمن " .
ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت ل " مرقدنا " فيكون التمام " من مرقدنا هذا " .
" ما وعد الرحمن " في موضع رفع من ثلاث جهات .
ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال : يكون بإضمار " هذا " ، والجهة الثانية : أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم ، والجهة الثالثة : أن يكون بمعنى : بعثكم ما وعد الرحمن .
ويقولون: { يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا } أي: من رقدتنا في القبور، لأنه ورد في بعض الأحاديث، أن لأهل القبور رقدة قبيل النفخ في الصور، فيجابون، فيقال لهم: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } أي: هذا الذي وعدكم اللّه به، ووعدتكم به الرسل، فظهر صدقهم رَأْيَ عين.ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون، كقوله: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } { وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن، في هذا.
( قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ) قال أبي بن كعب ، وابن عباس ، وقتادة : إنما يقولون هذا ؛ لأن الله - تعالى - يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل .
وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم ، فقالوا : يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ؟
ثم قالوا : ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) أقروا حين لم ينفعهم الإقرار .
وقيل : قالت الملائكة لهم : " هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " .
قال مجاهد : يقول الكفار : " من بعثنا من مرقدنا " ؟
فيقول المؤمنون : " هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " .
)
«قالوا» أي الكفار منهم «يا» للتنبيه «ويلنا» هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه «من بعثنا من مرقدنا» لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا «هذا» أي البعث «ما» أي الذي «وعد» به «الرحمن وصدق» فيه «المرسلون» أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقيل: يقال لهم ذلك.
قال المكذبون بالبعث نادمين: يا هلاكنا مَن أخرجنا مِن قبورنا؟
فيجابون ويقال لهم: هذا ما وعد به الرحمن، وأخبر عنه المرسلون الصادقون.
( قَالُواْ ) بعد خروجهم من قبورهم بسرعة وفزع ( ياويلنا ) أى : يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك .ثم يقولون بفزع أشد : ( مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) أى من أثارَنا من رقادنا ، وكأنهم لهول ما شاهدوا قد اختلطت عقولهم ، وأصيبت بالهول ، فتوهموا أنهم كانوا نياما .قال ابن كثير - رحمه الله - ( قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) يعنون قبورهم التى كانوا يعتقدون فى الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها ، فلما عاينوا ما كذبوه فى محشرهم قالوا : يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، وهذا لاينفى عذابهم فى قبورهم ، لأنه بالنسبة إلى ما بعده فى الشدة كالرقاد .وقوله : ( هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ) رد من الملائكة أو من المؤمنين عليهم ، أو هو حكاية لكلام الكفرة فى رد بعضهم على بعض على سبيل الحسرة واليأس .و " ما " موصولة والعائد محذوف ، أى : هذا الذى وعده الرحمن والذى صدّقه المرسلون .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : إذا جعلت " ما " مصدرية ، كان المعنى : هذا وعد الرحمن ، وصدق المرسلين ، على تسمية الموعود والمصدق فيه بالوعد والصدق ، فما وجه قوله : ( وَصَدَقَ المرسلون ) ؟
إذا جعلتها موصولة؟قلت : تقديره : هذا الذى وعده الرحمن ، والذى صدقه المرسلون ، بمعنى : والذى صدق فيه المرسلون ، من قولهم : صدقوهم الحديث والقتال .
.
.
يعني لما بعثوا قالوا ذلك، لأن قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور ﴾ يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل: المسألة الأولى: لو قال قائل: لو قال الله تعالى فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون: يا ويلنا كان أليق، نقول معاذ الله، وذلك لأن قوله: ﴿ فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها، بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ، مع أن ذلك لابد له من الجمع والتأليف، فلو قال يقولون، لكان ذلك مثل الحال لينسلون، أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا، وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفوائد.
المسألة الثانية: لو قال قائل: قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ويا حسرتا ويا ويلنا، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال: ﴿ ياحسرة عَلَى العباد ﴾ من غير إضافة، وقالوا: يا حسرتا ويا حسرتنا ويا ويلنا؟
نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحالة أو بحال من قرب منه، فكان كل واحد مشغولاً بنفسه، فكان كل واحد يقول: يا حسرتنا ويا ويلنا، فقوله: ﴿ قَالُواْ ياويلنا ﴾ أي كل واحد قال يا ويلي، وأما حيث قال الله قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم.
المسألة الثالثة: ما وجه تعلق: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ بقولهم: ﴿ يا ويلنا ﴾ نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل، فقالوا: يا ولينا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا؟
وهذا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: هذا ذلك أم لا؟
ويدل على ذكرنا قولهم: ﴿ مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياماً فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين، فقالوا: ﴿ مَن بَعَثَنَا ﴾ إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به، وقالوا: ﴿ مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه.
المسألة الرابعة: ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ماذا؟
نقول فيه وجهان: أحدهما: أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا: من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما: ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى البعث، أي هذا البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون.
المسألة الخامسة: إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى: ﴿ مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ ؟
نقول يكون ما وعد به الرحمن، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق، والمرسلون صدقوا، أو يقال ما وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون حق، والأول أظهر لقلة الإضمار، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيهاً من النوم، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به.
المسألة السادسة: إن قلنا: ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى المرقد أو إلى البعث، فجواب الاستفهام بقولهم: ﴿ مَن بَعَثَنَا ﴾ أن يكون؟
نقول: لما كان غرضهم من قولهم: ﴿ مَن بَعَثَنَا ﴾ حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول أيقتلني فلان؟
فله أن يقول لا تخف ويسكت، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ الصور ﴾ بسكون الواو وهو القرن، أو جمع صورة، وحرّكها بعضهم، و ﴿ الأجداث ﴾ القبور.
وقرئ: بالفاء ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ يعدون بكسر السين وضمها، وهي النفخة الثانية.
وقرئ: ﴿ يا ويلتنا ﴾ عن ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ من أهبنا ﴾ من هب من نومه إذا انتبه، وأهبه غيره وقرئ: ﴿ من هبنا ﴾ بمعنى أهبنا: وعن بعضهم: أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل: وقرئ: ﴿ من بعثنا ﴾ ومن هبنا، على من الجارة والمصدر، و ﴿ هَذَا ﴾ مبتدأ، و ﴿ مَا وَعَدَ ﴾ خبره، وما مصدرية أو موصولة.
ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد، وما وعد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا وعد الرحمن، أي: مبتدأ محذوف الخبر، أي ما وعد ﴿ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ حق.
وعن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا، وأما ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن ﴾ فكلام الملائكة.
عن ابن عباس.
وعن الحسن: كلام المتقين.
وقيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً.
فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية: كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: ﴿ وَصَدَقَ المرسلون ﴾ إذا جعلتها موصولة؟
قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدّقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث في القتال.
ومنه صدقني سن بكره.
فإن قلت: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ؟
سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جواباً؟
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل؛ إلا أنه جيء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزّلة على ألسنة رسله الصادقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ أيْ مَرَّةً ثانِيَةً وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «المُؤْمِنِينَ» .
﴿ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ ﴾ مِنَ القُبُورِ جَمْعُ جَدَثٍ وقُرِئَ بِالفاءِ.
﴿ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ يُسْرِعُونَ وقُرِئَ بِالضَّمِّ.
﴿ قالُوا يا ويْلَنا ﴾ وقُرِئَ «يا ويْلَتَنا» ﴿ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا ﴾ وقُرِئَ «مَن أهَبَّنا» مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ ومَن هَبَّنا بِمَعْنى أهَبَّنا، وفِيهِ تَرْشِيحٌ ورَمْزٌ وإشْعارٌ بِأنَّهم لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهم كانُوا نِيامًا، و ( مَن بَعَثَنا ) و «مَن هَبَّنا» عَلى مِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرِ، وسَكَتَ حَفْصٌ وحْدَهُ عَلَيْها سَكْتَةً لَطِيفَةً والوَقْفُ عَلَيْها في سائِرِ القِراءاتِ حَسَنٌ.
﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و ( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ الرّاجِعِ، أوْ ( هَذا ) صِفَةٌ لِـ ( مَرْقَدِنا ) و ( ما وعَدَ ) خَبَرُ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ، أوْ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ حَقٌّ وهو مِن كَلامِهِمْ، وقِيلَ جَوابٌ لِلْمَلائِكَةِ أوِ المُؤْمِنِينَ عَنْ سُؤالِهِمْ، مَعْدُولٌ عَنْ سُنَنِهِ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ وتَنْبِيهًا بِأنَّ الَّذِي يُهِمُّهم هو السُّؤالُ عَنِ البَعْثِ دُونَ الباعِثِ كَأنَّهم قالُوا: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكُمُ البَعْثَ وأرْسَلَ إلَيْكُمُ الرُّسُلَ فَصَدَقُوكم ولَيْسَ الأمْرُ كَما تَظُنُّونَ، فَإنَّهُ لَيْسَ يُبْعَثُ النّائِمُ فَيُهِمُّكُمُ السُّؤالُ عَنِ الباعِثِ وإنَّما هو البَعْثُ الأكْبَرُ ذُو الأهْوالِ.
<div class="verse-tafsir"
{قالوا} أى الكفار {يا ويلنا مَن بَعَثَنَا} من أنشرنا {مِن مَّرْقَدِنَا} أي مضجعنا وقف لازم عن حفص وعن مجاهد للكفار مضجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون} كلام الملائكة أو المتقين أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضا وما مصدرية ومعناه هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والصدوق فيه بالوعد والصدق أو موصولة وتقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي والذي صدق فيه المرسلون
﴿ قالُوا ﴾ أيْ في ابْتِداءِ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ ﴿ يا ويْلَنا ﴾ أيْ: هَلاكَنا احْضُرْ فَهَذا أوانُكَ، وقِيلَ أيْ يا قَوْمَنا انْظُرُوا ويْلَنا وتَعَجَّبُوا مِنهُ، وعَلى حَذْفِ المُنادِي قِيلَ (ويْ) كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، و(لَنا) بَيانٌ، ونُسِبَ لِلْكُوفِيِّينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى ”يا ويْلَتَنا“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وعَنْهُ أيْضًا ”يا ويْلَتى“ بِتاءٍ بَعْدَها ألِفٌ بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والمُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ يا ويْلَتى ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ أيْ رُقادِنا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوْ مَحَلِّ رُقادِنا عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ ويُرادُ بِالمُفْرِدِ الجَمْعُ أيْ مَراقِدِنا، وفِيهِ تَشْبِيهُ المَوْتِ بِالرُّقادِ مِن حَيْثُ عَدَمُ ظُهُورِ الفِعْلِ والِاسْتِراحَةُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرْقَدُ عَلى حَقِيقَتِهِ والقَوْمُ لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ ظَنُّوا أنَّهم كانُوا نِيامًا ولَمْ يَكُنْ لَهم إدْراكٌ لِعَذابِ القَبْرِ لِذَلِكَ فاسْتَفْهَمُوا عَنْ مُوقِظِهِمْ، وقِيلَ سَمَّوْا ذَلِكَ مَرْقَدًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِما كانُوا يُقاسُونَ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِعِظَمِ ما شاهَدُوهُ فَكَأنَّ ذَلِكَ مَرْقَدٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ وما فِيها مِن ألْوانِ العَذابِ يَرَوْنَ ما كانُوا فِيهِ مِثْلَ النَّوْمِ في جَنْبِها فَيَقُولُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ ما عَدا ابْنَ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْكُفّارِ هَجْعَةٌ يَجِدُونَ فِيها طَعْمَ النَّوْمِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ فَإذا صِيحَ بِأهْلِ القُبُورِ يَقُولُونَ يا ﴿ ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ فَيَرْقُدُونَ فَإذا بُعِثُوا بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وشاهَدُوا الأهْوالَ قالُوا: ذَلِكَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ هَذا غَيْرُ صَحِيحِ الإسْنادِ واخْتارَ أنَّ المَرْقَدَ اسْتِعارَةٌ عَنْ مَضْجَعِ المَوْتِ.
وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو نَهِيكٍ ”مِن بَعْثِنا“ بِمِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرِ المَجْرُورِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِوَيْلٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، ونَحْوُهُ في الخَبَرِ: ويْلِي عَلَيْكَ ووَيْلِي مِنكَ يا رَجُلُ.
ومِنَ الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(بَعْثٍ).
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”مَن أهَبَّنا“ بِـ”مَنِ“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وأهَبَّ بِالهَمْزِ مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ وأهْبَبْتُهُ أنا أيْ أنْبَهْتُهُ.
وعَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ ”هَبَّنا“ بِلا هَمْزٍ قالَ ابْنُ جِنِّي: وقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أقْيَسُ فَهَبَّنِي بِمَعْنى أيْقَظَنِي لَمْ أرَ لَها أصْلًا ولا مَرَّ بِنا في اللُّغَةِ مَهْبُوبٌ بِمَعْنى مُوقَظٍ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ حَرْفُ الجَرِّ مَحْذُوفًا أيْ هَبَّ بِنا أيْ أيْقَظْنا ثُمَّ حُذِفَ وأُوصِلَ الفِعْلُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى مَن هَبَّ فَهَبَبْنا مَعَهُ وإنَّما مَعْناهُ مَن أيْقَظْنا.
وقالَ البَيْضاوِيُّ: هَبَّنا بِدُونِ الهَمْزِ بِمَعْنى أهَبَّنا بِالهَمْزِ، وقُرِئَ ”مِن هَبِّنا“ بِمِنِ الجارَّةِ والمَصْدَرُ مِن هَبَّ يَهُبُّ.
﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ ﴿ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما في حَيِّزِ ما، وعَطْفُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوْ جَعْلُهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ بِدُونِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وما مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ العائِدِ أيْ هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ والَّذِي صَدَقَهُ المُرْسَلُونَ أيْ صَدَقَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ أيْ صَدَقْتَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ”صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ“ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ هَذا وعْدُ الرَّحْمَنِ وصِدْقُ المُرْسَلِينَ عَلى تَسْمِيَةِ المَوْعُودِ والمَصْدُوقِ فِيهِ بِالوَعْدِ والصِّدْقِ، وهو عَلى ما قِيلَ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى ما قالَ الفَرّاءُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ، وعَلى ما قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ مِن قِبَلِ المُؤْمِنِينَ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُجابُوا بِالفاعِلِ لِأنَّهُ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ بِأنْ يُقالَ: الرَّحْمَنُ أوِ اللَّهُ بَعَثَكُمْ، لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذُكِرَ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ الإشارَةَ إلى الفاعِلِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ عَلى أنَّ المَعْنى: لا تَسْألُوا عَنِ الباعِثِ، فَإنَّ هَذا البَعْثَ لَيْسَ كَبَعْثِ النّائِمِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُهِمُّكُمُ الآنَ، وإنَّما الَّذِي يُهِمُّكم أنْ تَسْألُوا ما هَذا البَعْثُ ذُو الأهْوالِ والأفْزاعِ، وفِيهِ مِن تَقْرِيعِهِمْ ما فِيهِ.
وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذِكْرَ الفاعِلِ لَيْسَ بِكافٍ في الجَوابِ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِمْ ”متى هذا الوعد إن كنتم صادقين“ فَلا بُدَّ في الجَوابِ مِن قَوْلٍ مُضَمَّنٍ مَعْنَيَيْنِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكُمُ البَعْثَ وأنْبَأكم بِهِ الرُّسُلُ، لَكِنْ عَدَلَ إلى ما يُشْعِرُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِيَكُونَ أهْوَلَ وفي التَّقْرِيعِ أدْخَلَ، وهو وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ.
وفي دَعْوى عَدَمِ كِفايَةِ ذِكْرِ الفاعِلِ في الجَوابِ نَظَرٌ، وفي إيثارِهِمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ قِيلَ إشارَةٌ إلى زِيادَةِ التَّقْرِيعِ مِن حَيْثُ إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ وهم لَمْ يُلْقُوا لَهُ بالًا ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وكَذَّبُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لِما يَقْتَضِيهِ، وقِيلَ آثَرَهُ المُجِيبُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمّا أنَّ الرَّحْمَةَ قَدْ غَمَرَتْهم فَهي نُصْبُ أعْيُنِهِمْ، واخْتِصاصُ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا ورَحْمَةِ الرَّحِيمِ بِما يَكُونُ في الأُخْرى مَمْنُوعٌ، فَقَدْ ورَدَ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا الجَوابُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ عَلى أنَّهم أجابُوا أنْفُسَهم حَيْثُ تَذَكَّرُوا ما سَمِعُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ أجابَ بَعْضُهم بَعْضًا، وآثَرُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ طَمَعًا في أنْ يَرْحَمَهم وهَيْهاتَ لَيْسَ لِكافِرٍ نَصِيبٌ يَوْمَئِذٍ مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَ ”هَذا“ صِفَةً لِـ”مَرْقَدِنا“ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ فَيَصِحُّ الوَقْفُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ حَفْصٍ أنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ وسَكَتَ سَكْتَةً خَفِيفَةً فَحِكايَةُ إجْماعِ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ﴿ مَرْقَدِنا ﴾ غَيْرُ تامَّةٍ، وما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: حَقٌّ، أوْ خَبَرٌ مُبْتَدَأُهُ مَحْذُوفٌ أيْ هو أوْ هَذا ما وعَدَ، وفِيهِ مِنَ البَدِيعِ صَنْعَةُ التَّجاذُبِ وهو أنْ تَكُونَ كَلِمَةٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ تَكُونَ مِنَ السّابِقِ وأنْ تَكُونَ مِنَ اللّاحِقِ، ومِثْلُهُ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في التَّرْجَمَةِ عَنِ القُرْآنِ ومِن خَطِّهِ الشَّرِيفِ نَقَلْتُ”الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه“ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ وقَوْلُهُ - تَعالى -: ”فيه هدى“ بَعْدَ”لا ريب“ فَلْيُحْفَظْ!
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ يعني: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من أمر الآخرة فاعملوا لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا فلا تغتروا بها.
وقال مقاتل: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية وَما خَلْفَكُمْ يعني: واتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي: من عذاب الآخرة.
والأول قول الكلبي.
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي ترحموا فلا تعذبوا وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني: مكذبين.
وهذا جواب لقوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ الآية.
ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يعني: تصدقوا من المال الذي أعطاكم الله عز وجل: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ على وجه الاستهزاء منهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.
قَالَ بعضهم: هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة.
وقال بعضهم: هذا قول الله تعالى.
يعني: قل لهم يا محمد: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وروي عن ابن عباس مثل هذا.
ثم قال عز وجل: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: متى هذا الوعد الذي تعدونا به يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنا نبعث بعد الموت، فيقول الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ بالعذاب إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني: لا حظر لإهلاكهم، فليس إلا صيحة واحدة تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَخِصِّمُونَ بكسر الياء والخاء.
وقرأ نافع يَخِصّمُونَ بنصب الياء، وسكون الخاء.
وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى الروايتين: بنصب الياء، وكسر الخاء.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بنصب الياء والخاء.
وقراءة حمزة يَخِصِّمُونَ بنصب الياء، وجزم الخاء بغير تشديد.
ومعناه: تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً.
ومن قرأ بالتشديد.
فالأصل فيه يختصمون فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.
ومن قرأ: بنصب الخاء طرح فتحة التاء على الخاء.
ومن قرأ بكسر الخاء، فلسكونها، وسكون الصاد.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: لينفخن في الصور، والناس في طرقهم، وأسواقهم، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله واحد منهما، حتى ينفخ في الصور، فيصعق به، وهي التي قال الله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ أنه قال: «تقوم الساعة والرَّجُلانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب، فَلا يَطْوِيَانِهِ، وَلا يَتَبايَعَانِهِ.
وَتَقُومُ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ النَّاقَةَ، فَلا يَصِلُ الإنَاءُ إلَى فِيه.
وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلُوطُ الْحَوْضَ، فَلا يَسْقِيَ فِيهِ» .
ثم قال تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يعني: يموتون من ساعتهم بغير وصية، فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يعني: ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق فأخبر الله تعالى بما يلقون في النفخة الأولى ثم أخبر بما يلقون في النفخة الثانية.
يعني: إذا بعثوا من قبورهم بعد الموت فذلك قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ من القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يعني: يخرجون من قبورهم أحياء.
وكان بين النفختين أربعين عاماً في رواية ابن عباس.
وقيل: أكثر من ذلك.
ورفع العذاب عن الكفار بين النفختين.
فكأنهم رقدوا.
فلما بعثوا قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا يعني: من أيقظنا من منامنا.
قال: فيقول لهم الحفظة من الملائكة هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ على ألسنة الرسل وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ بأن البعث حق.
ويقال: إن المؤمنين هم الذين يقولون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ بأن البعث كائن.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ هذه نَفْخَةُ البعث، والأجداث: القبور، ويَنْسِلُونَ أي يَمْشُونَ مُسْرِعِين.
وفي قراءة ابن مسعود «١» : «مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» ، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وغيرهِ: أن جميعَ البَشَرِ يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحشرِ «٢» .
قال ع «٣» : وهذا غيرُ صحيحِ الإسْنَاد، وإنما الوجهُ في قولهم: مِنْ مَرْقَدِنا:
أنها اسْتَعَارَةٌ كَمَا تَقُولُ في قتيلٍ: هذا مرقَدُه إلى يومِ القيامةِ.
وقوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ جوَّزَ الزَّجَّاجُ أنْ يكونَ «هذا» إشارةً إلى المَرْقَدِ، ثم اسْتَأنَفَ مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ ويُضْمِرُ الخبرَ «حق» أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداءُ الكلامِ:
هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ واخْتُلِفَ في هذه المقَالَةِ مَنْ قالَها؟
فقال ابن زيد: هيَ مِنْ قَوْلِ الكفرةِ «٤» ، وقال قتادة ومجاهد: هي من قولِ المؤمنينَ للكفارِ «٥» .
وقال الفراء: هي مِنْ قَوْلِ الملائكةِ «٦» ، وقالت فرقة: هي مِنْ قَوْلِ اللَّهِ- تعالى- على جهة التّوبيخ، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.
أحَدُها: في اليَهُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: في الزَّنادِقَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينَ النَّصِيبَ الَّذِي زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، فَقالُوا: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ .
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ العاصِ بْنِ وائِلٍ إذا سَألَهُ مِسْكِينٌ، قالَ: اذْهَبْ إلى رَبِّكَ فَهو أوْلى بِكَ مِنِّي، ويَقُولُ: قَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ، أُطْعِمُهُ أنا؟!
ومَعْنى الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَرْزُقَهم لَرَزَقَهُمْ، فَنَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ فَلا نُطْعِمُهُمْ؛ وهَذا خَطَأٌ مِنهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى بَعْضَ الخَلْقِ وأفْقَرَ بَعْضًا، لِيَبْلُوَ الغَنِيَّ بِالفَقِيرِ فِيما فَرَضَ لَهُ في مالِهِ مِنَ الزَّكاةِ، والمُؤْمِنُ لا يَعْتَرِضُ عَلى المَشِيئَةِ، وإنَّما يُوافِقُ الأمْرَ.
وقِيلَ: إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنُونَ: إنَّكم في خَطَإٍ مِنَ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفّارِ لَمّا رَدُّوهُ مِن جَوانِبِ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ ؟
يَعْنُونَ القِيامَةَ؛ والمَعْنى: مَتى إنْجازُ هَذا الوَعْدِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ؟
يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ.
﴿ ما يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ وهي النَّفْخَةُ الأُولى.
و ﴿ يَخِصِّمُونَ ﴾ بِمَعْنى يَخْتَصُّونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَخْصِمُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو اخْتِلاسُ حَرَكَةِ الخاءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَخِصِّمُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ.
وعَنْ عاصِمٍ كَسَرَ الياءَ والخاءَ.
وقَرَأ نافِعٌ بِسُكُونِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَخْتَصِمُونَ" بِزِيادَةِ تاءٍ؛ والمَعْنى أنَّ السّاعَةَ تَأْتِيهِمْ أغْفَلَ ما كانُوا عَنْها وهم مُتَشاغِلُونَ في مُتَصَرَّفاتِهِمْ وبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ، ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أعْجَلُوا عَنِ الوَصِيَّةِ فَماتُوا، ﴿ وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ: لا يَعُودُونَ مِنَ الأسْواقِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ فَهَذا وصْفُ ما يُلْقُونَ في النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُلْقُونَ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ ﴾ يَعْنِي القُبُورَ، ﴿ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٩٦] .
﴿ قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "مِن بَعْثِنا" بِكَسْرِ المِيمِ والثّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالُوا هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَفْعَ عَنْهُمُ العَذابَ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.
قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ البَعْثِ، فَإذا بُعِثُوا قالُوا هَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ ﴾ في قائِلِي هَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى.
قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ الآَيَةِ لِلْكافِرِينَ، وآَخِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الكافِرِينَ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ المُرْسَلُونَ أنَّنا نُبْعَثُ ونُجازى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: "مِن مَرْقَدِنا" هو وقْفُ التَّمامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هَذا" مِن نَعْتِ "مَرْقَدِنا" عَلى مَعْنى: مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا الَّذِي كُنّا راقِدِينَ فِيهِ؟
ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "ما وعَدَ الرَّحْمَنُ" أحَدُ إضْمارَيْنِ، إمّا "هَذا"، وإمّا "حَقٌّ"، فَيَكُونُ المَعْنى: حَقٌّ ما وعَدَ الرَّحْمَنَ.
ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ ﴾ يَعْنِي في الآَخِرَةِ ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "فِي شُغْلٍ" بَإسْكانِ الغَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فِي شُغُلٍ" بِضَمِّ الشِّينِ والغَيْنِ.
وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "فِي شَغَلٍ" بِفَتْحِ الشِّينِ والغَيْنِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةَ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والنَّخْعِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فِي شَغْلٍ" بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ شَغْلَهُمُ افْتِضاضُ العَذارى، رَواهُ شَقِيقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودَ، ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: ضَرَبُ الأوْتارِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ، ولا يَثْبُتُ هَذا القَوْلُ.
والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: شُغُلُهُمْ: نَعِيمُهم عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكِهُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وقَتادَةُ، وأبُو الجَوْزاءِ، والنَّخْعِيُّ، وأبُو جَعْفَرَ: "فَكِهُونَ" .
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا.
فَأمًّا "فاكِهُونَ" فَفِيهِ أرْبَعُةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَرِحُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُعْجَبُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: ناعِمُونَ، قالَهُ أبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: ذَوُو فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ لِابْنِ تامِرٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَأمّا "فَكِهُونَ" فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفَكِهَ: الَّذِي يَتَفَكَّهُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ يَتَفَكَّهُ بِالطَّعامِ أوْ بِالفاكِهَةِ أوْ بِأعْراضِ النّاسِ: إنَّ فُلانًا لَفَكِهٌ بِكَذا، ومِنهُ يُقالُ لِلْمُزاحِ: فُكاهَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: أنَّ فَكِهِينَ بِمَعْنى فَرِحِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فاكِهِينَ وفَكِهِينَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: حاذِرٌ وحَذِرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فاكِهُونَ وفَكِهُونَ بِمَعْنى فَرِحِينَ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: الفَكِهُ: الطَّيِّبُ النَّفْسَ الضَّحُوكُ، يُقالُ: رَجُلٌ فاكِهٌ وفَكِهٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم وأزْواجُهُمْ ﴾ يَعْنِي حَلائِلَهم ﴿ فِي ظِلالٍ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "فِي ظُلَلٍ" .
قالَ الفَرّاءُ: الظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ، والظُّلَلُ جَمَعُ ظُلَّةٍ، وقَدْ تَكُونُ الظِّلالُ جَمْعَ ظُلَّةٍ أيْضًا، كَما يُقالُ: خُلَّةُ وخُلَلٌ؛ فَإذا كَثُرَتْ فَهي الخِلالُ والخَلالُ والقِلالُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والظِّلالُ: أكْنانُ القُصُورِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والمَعْنى أنَّهم لا يُضَحُّونَ.
فَأمّا الأرائِكَ، فَقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ [الكَهْفِ: ٣١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما يَتَمَنَّوْنَ، ومِنهُ يَقُولُ النّاسُ: هو في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ: ما تَمَنّى، والعَرَبُ تَقُولُ: ادْعُ ما شِئْتَ، أيْ: تَمَنَّ ما شِئْتَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ؛ والمَعْنى: كُلُّ ما يَدْعُو بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"؛ المَعْنى: لَهم ما يَتَمَنَّوْنَ سَلامٌ، أيْ: هَذا مُنى أهْلِ الجَنَّةِ أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
و ﴿ قَوْلا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: سَلامٌ يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلًا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سَلامٌ" رُفِعَ عَلى "لَهُمْ"؛ فالمَعْنى: لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم فِيها سَلامٌ، وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الكَلامِ: لَهم ما يَدَّعُونَ مُسْلَّمٌ خالِصٌ، ونَصَبَ القَوْلَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: قالَهُ قَوْلًا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَصْبًا مِن قَوْلِهِ: ولَهم ما يَدَّعُونَ قَوْلًا، كَقَوْلِكَ: عِدَّةٌ مِنَ اللَّهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَحْدَرِيُّ: "سَلامًا قَوْلًا" بِنَصْبِهِما جَمِيعًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ، و"الصُورُ": القَرْنُ في قَوْلِ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وبِذَلِكَ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ، خَرَجَ مُخْرَجَ بُسْرٍ وبُسْرَةٍ، وكَذَلِكَ قالَ سُورَةُ البِناءِ جَمْعُها سُوَرٌ، والمَعْنى عِنْدَهُ وعِنْدَ مَن قالَ بِقَوْلِهِ: نُفِخَ في صُوَرِ بَنِي آدَمَ فَعادُوا أحْياءً.
و"الأجْداثُ" القُبُورُ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ، جَمْعُ صُورَةٍ.
و"يَنْسِلُونَ": يَمْشُونَ مِشْيَةَ الذِئْبِ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَسَلانَ الذِئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَنْسِلُونَ": يَخْرُجُونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ السِينِ، وضَمَّها ابْنُ أبِي إسْحَقَ، وأبُو عَمْرٍو.
وَنِداؤُهُمُ الوَيْلَ هو بِمَعْنى: هَذا وقْتُكَ وأوانُ حُضُورِكَ، وهو مُنادى مُضافٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ والمُنادى مَحْذُوفٌ، كَأنَّهم قالُوا: "يا قَوْمَنا ويْلَنا"، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى: "يا ويْلَتَنا" بِتاءِ التَأْنِيثِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَن بَعَثَنا" ﴾ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُما قَرَآ: "مِن بَعْثِنا" بِكَسْرِ المِيمِ مِن "مِن" وبِسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ الثاءِ فِي" بَعْثِنا" نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَن أهَبَّنا مِن مَرْقَدِنا" وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: "مَن هَبَّنا".
قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَمْ أرَ لَها في اللُغَةِ أصْلًا، ولا مَرَّ بِنا "مَهْبُوبٌ"، ونَسَبَها أبُو حاتِمٍ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ "مِن مَرْقَدِنا" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُونَ مِن مَوْضِعِ الرُقادِ حَقِيقَةً، ويُرْوى عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أنَّ جَمِيعَ البَشَرِ يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحَشْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ صَحِيحِ الإسْنادِ، وإنَّما الوَجْهُ في قَوْلِهِمْ "مِن مَرْقَدِنا" أنَّها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ، كَما تَقُولُ في قَتِيلٍ: هَذا مَرْقَدُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي الثَعْلَبِيِّ أنَّهم قالُوا: "مِن مَرْقَدِنا" لِأنَّ عَذابَ القَبْرِ كانَ كالرُقادِ في جَنْبِ ما صارُوا إلَيْهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هَذا" إشارَةً إلى المَرْقَدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما وعَدَ الرَحْمَنُ ﴾ ويُضْمِرُ الخَبَرَ: "حَقٌّ" أو نَحْوَهُ، وقالَ الجُمْهُورُ: ابْتِداءُ الكَلامِ: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَحْمَنُ ﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ المَقالَةِ، مَن قالَها؟
فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ لَمّا رَأوُا البَعْثَ والنُشُورَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هو مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْكُفّارِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أمْرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ ما هو إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا الجَمِيعُ حاضِرٌ مَحْشُورٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا صَيْحَةً" بِالنَصْبِ، وفِرْقَةٌ بِالرَفْعِ، وقَدْ تُقَدَّمُ إعْرابُ نَظِيرِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ "فاليَوْمَ" ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، ويُرِيدُ يَوْمَ الحَشْرِ المَذْكُورِ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِجَمِيعِ العالَمِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني لأن وصف هذه الحال بعد حكاية إنكارهم البعث وإحالتهم إياه يثير سؤال من يسأل عن مقالهم حينما يرون حقية البعث.
و ﴿ يا وَيْلَنَا ﴾ كلمة يقولها الواقع في مصيبة أو المُتحسِّر.
والويل: سوء الحال، وإنما قالوا ذلك لأنهم رأوا ما أُعدّ لهم من العذاب عندما بعثوا.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ في سورة البقرة (79).
وحكي قولهم بصيغة الماضي اتباعاً لحكاية ما قبله بصيغة المضيّ لتحقيق الوقوع.
وحرف النداء الداخل على ﴿ ويلنا ﴾ للتنبيه وتنزيل الويل منزلة من يسمع فيُنادَى ليحضر، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالت يا ويلتى ﴾ في سورة هود (72).
و ﴿ مَن ﴾ استفهام عن فاعل البعث مستعمل في التعجّب والتحسّر من حصول البعث.
ولما كان البعث عندهم محالاً كنّوا عن التعجب من حصوله بالتعجب من فاعله لأن الأفعال الغريبة تتوجه العقول إلى معرفة فاعلها لأنهم لما بُعثوا وأزْجي بهم إلى العذاب علموا أنه بعثٌ فعَله من أراد تعذيبهم.
والمَرْقَد: مكان الرقاد.
وحقيقة الرقاد: النوم.
وأطلقوا الرقاد على الموت والاضطجاععِ في القبور تشبيهاً بحالة الراقد.
ثم لم يلبثوا أن استحضرت نفوسهم ما كانوا يُنذرون به في الدنيا فاستأنفوا عن تعجبهم قولهم: ﴿ هذا ما وَعَدَ الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ .
وهذا الكلام خبر مستعمل في لازم الفائدة وهو أنهم علموا سبب ما تعجبوا منه فبطل العجب، فيجوز أن يكونوا يقولون ذلك كما يتكلم المتحسّر بينه وبين نفسه، وأن يقوله بعضهم لبعض كل يظن أن صاحبه لم يتفطن للسبب فيريد أن يعلمه به.
وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمان إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارناً للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان ﴾ [الفرقان: 60].
والإِشارة بقوله: ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الحالة المرْئية لِجميعهم وهي حالة خروجهم من الأرض.
وجملة ﴿ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ عطف على جملة ﴿ هذا ما وعَدَ الرحمن ﴾ وهو مستعمل في التحسّر على أن كذبوا الرسل.
وجَمع المرسلين مع أن المحكي كلامُ المشركين الذين يقولون ﴿ متى هذا الوعد ﴾ [يس: 48] إمّا لأنهم استحضروا أن تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم كان باعثَه إحالتُهم أن يكون الله يرسل بَشراً رسولاً، فكان ذلك لأنهم لا يصدقون أحداً يأتي برسالة من الله كما حكى عنهم قوله تعالى: ﴿ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91] فلما تحسروا على خطئهم ذكَروه بما يشمله ويشمل سبَبَه كقوله تعالى: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ من سورة الشعراء (105)، وقوله في سورة الفرقان (37) ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ ، وإما لأن ذلك القول صدر عن جميع الكفار المبعوثين من جميع الأمم فعلِمت كل أمة خطأها في تكذيب رسولها وخطأ غيرها في تكذيب رسلهم فنطقوا جميعاً بما يفصح عن الخطأيْن، وقد مضى أن ضمير ﴿ فَإذَا هُم جَمِيعٌ ﴾ [يس: 53] يجوز أن يعود على جميع الناس.
ومن المفسرين من جعل قوله: ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ من كلام الملائكة يجيبون به قول الكفار ﴿ مَنْ بعَثَنا مِن مَرْقَدِنا ﴾ فهذا جواب يتضمن بيان مَن بعثهم مع تنديمهم على تكذيبهم به في الحياة الدنيا حين أبلغهم الرسل ذلك عن الله تعالى.
واسم ﴿ الرحمن ﴾ حينئذٍ من كلام الملائكة لزيادة توبيخ الكفار على تجاهلهم به في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلنَّشْأةِ وقِيلَ إنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً.
رَوى المُبارَكُ بْنُ فُضالَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ « (بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ: الأُولى يُمِيتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها كُلَّ حَيٍّ، والآخِرَةُ يُحْيِي اللَّهُ بِها كُلَّ مَيِّتٍ)» والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الآخِرَةِ.
وَفي الأُولى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الدُّنْيا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ والأجْداثُ القُبُورُ، واحِدُها جَدَثٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَخْرُجُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ: فَسُلِّي ثِياِبِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِي الثّانِي: يُسْرِعُونَ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: عَسَلانُ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ الثّالِثُ: يَتَخَلَّصُونَ مِنَ السُّلُوِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي النَّوْمَةُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ لا يَفْتُرُ عَنْهم عَذابُ القَبْرِ إلّا فِيها.
وَفي تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُجِيبُونَ أنْفُسَهم فَيَقُولُونَ: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ الكُفّارِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ .
وَفِي قائِلِ ذَلِكَ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ لَهم عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ الأجْداثِ مَعَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَرْقَدِ تَمامًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ﴾ وعَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ.
الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ ﴾ فَيَكُونُ إشارَةً إلى الوَعْدِ ويَكُونُ الوَقْفُ قَبْلَهُ والِابْتِداءُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ﴾ قال: النفخة الأخيرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فإذا هم من الأجداث ﴾ يعني من القبور ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ قال: يخرجون.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ من الأجداث ﴾ قال: القبور قال: هل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول عبد الله بن رواحة: حيناً يقولون اذ مروا على جدثي ** أرشده يا رب من غاز وقد رشدا قال أخبرني عن قوله: ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ قال: النسل المشي الخبب قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت نابغة بن جعدة وهو يقول: عملان الذنب أمشي فاريا ** يرد الليل عليه فنسل وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن علي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: ينامون نومة قبل البعث، فيجدون لذلك راحة فيقولون ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ من بعثنا من مرقدنا ﴾ قال: ينامون قبل البعث نومة.
وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن مجاهد قال: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم قبل يوم القيامة، فإذا صيح بأهل القبور يقول الكافر ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ فيقول المؤمن إلى جنبه ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: يقول المشركون ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ فيقول المؤمن ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ قال: أولها للكفار، وآخرها للمسلمين.
قال الكفار ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ وقال المسلمون ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه في الآية قال: كانوا يرون أن العذاب يخفف عنهم ما بين النفختين، فلما كانت النفخة الثانية، قالوا: ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم رضي الله عنه في الآية قال: ينامون قبل البعث نومة، فإذا بعثوا قال الكفار ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ قال: فتجيبهم الملائكة ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا هم جميع لدينا محضرون ﴾ قال: عند الحساب.
<div class="verse-tafsir"
قال مقاتل: فلما رأوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق (١) ﴿ يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا ﴾ .
قال المفسرون: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون.
قال مقاتل: إن أرواح الكفار كانت تعرض على منازلها من النار طرفي النهار (٢) (٣) ﴿ وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾ .
قال أبي بن كعب: ينامون قبل البعث نومة (٤) قال أبو هريرة: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر عليهم ماء من تحت العرش، فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا تكاملت أجسادهم نفخ فيها الروح، ثم تلقى عليهم نومة، فبينما هم في قبورهم إذ نفخ في الصور، فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: (٥) ﴿ يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾ .
وأكثر القراء وأهل المعاني على أن الوقف تام عند قوله (٦) ﴿ مَرْقَدِنَا ﴾ ، ثم يبتدئ فيقول: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ ﴾ .
قال ابن عباس: تقول الملائكة: هذا ما وعد الرحمن على ألسنة الرسل أن يبعث بعد الموت، ﴿ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾ بأن البعث حق (٧) وذهب آخرون إلى أن هذا من قول المؤمنين.
روي عن أبي بن كعب أنه قال: فيقول المؤمن: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾ (٨) وقال قتادة: أولها للكافرين وآخرها للمؤمنين قال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، ونحو هذا قال مجاهد (٩) (١٠) (١١) وذهب قوم إلى أن الوقف على قوله هذا، على أن يكون هذا من نعت مرقدنا، ثم تبتدئ: ما وعد الرحمن، حكى ذلك النحاس (١٢) (١٣) (١٤) (١) "تفسير مقاتل" 107 ب.
(٢) (الواو) هنا زائدة، وليست في "تفسير مقاتل".
(٣) "تفسير مقاتل" 107 ب.
(٤) انظر: "الطبري" 23/ 16، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 505، "زاد المسير" 7/ 25.
وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 63 وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 380، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280،"القطع والائتناف" ص 91،"منار الهدى" ص 320، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 473.
(٧) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372.
وأكثر المفسرين ذكروا هذا القول، ولمن لم أقف على من نسبه لابن عباس.
انظر: "الماوردي" 5/ 24، "المحرر الوجيز" 4/ 458، "زاد المسير" 7/ 26، "ابن كثير" 3/ 574.
(٨) لم أقف على هذا القول عن أبي، وقد ذكر المفسرون هذا القول عن قتادة ومجاهد.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 145، "الطبري" 23/ 16 - 17، "الماوردي" 5/ 24، "معانى القرآن" للنحاس 5/ 505.
(٩) انظر: "المصادر السابقة".
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 291.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 380.
(١٢) "القطع والائتناف" ص 91.
(١٣) "معاني القرآن" 2/ 380.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 291.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ ياويلنا ﴾ الويل منادى أو مصدر ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن ﴾ المرقد يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان، قال أبيّ بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومة قبل الحشر، قال ابن عطية هذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: ﴿ مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ : أنها استعارة وتشبيه به يعني أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الرقاد، وإن لم يكن رقاد في الحقيقة ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ هذا مبتدأ وما بعده خبر وقيل: إن هذا صفة لمرقدنا وما وعد الرحمن مبتدأ محذوف الخبر وهذا ضعيف، ويحتمل أن يكون هذا الكلام من بقية كلامهم، أو من كلام الله أو الملائكة أو المؤمنين يقولونها للكفار على وجه التقريع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.
الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.
وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.
﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.
﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.
﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.
الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.
ابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.
والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.
الآخرون: بالتخفيف من النكس.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.
الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.
وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.
أو ما بين أيديكم من أمر محمد فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.
أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .
﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.
وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.
ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟
وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.
فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.
وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.
وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.
وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.
وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.
وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.
ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.
وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.
وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.
ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.
وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.
ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.
وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟
نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.
ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.
وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.
وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.
ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.
وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.
ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.
عن مجاهد: للكفار.
هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.
والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.
ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.
وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.
وقد مر نظيره.
ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.
أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.
أي لا يترك شيئاً.
ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.
ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.
وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.
وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.
وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.
وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.
وقيل: التزاور.
وقيل: ضيافة الله.
وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.
والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.
والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.
وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.
وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.
وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.
قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.
أي اتخذ لنفسه شواء.
أو هو بمعنى التداعي.
وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.
وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.
وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.
وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.
و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.
وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.
أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.
وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.
أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.
وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.
ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.
ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.
قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.
وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.
ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.
عن علي أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.
ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.
وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.
روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.
قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.
ثم إنه أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.
وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.
وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.
وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.
هذا وقد ذكرنا مراراً أنه كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.
وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.
فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.
والطمس محو أثر شق العين.
قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.
والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.
أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.
عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.
وقيل: حجارة.
عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.
والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.
وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.
وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.
ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.
وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.
وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.
وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.
قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.
قال: وما روي أنه .
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.
وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.
أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.
فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.
ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.
ويروى أنه حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.
ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.
وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.
وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟
ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.
ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.
أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.
ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.
وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.
ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.
يلزمه التكرار.
ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.
وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.
وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.
وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.
ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.
ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.
وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.
وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.
وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
فقال : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله على إحياء الموتى قصة عجيبة.
وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.
والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.
ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.
وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.
واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.
ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟
أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟
أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.
فأجاب الله عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.
وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.
ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.
قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.
وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.
قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.
ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.
ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.
ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.
وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.
ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.
فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.
وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.
عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.
روي أنه قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.
وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.
وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.
فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.
الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.
وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.
قال الله ﴿ فإذا فرغت ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب ﴾ لطلب الوصال.
ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.
ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.
ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.
أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.
فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.
وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله وبتعليمه وإلهامه.
﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.
وإنما قال النبي "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.
أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ .
قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع، واختلافهم في ذلك: قال قائلون: الصور: هو شبه القرن ينفخ فيه، وعلى ذلك روي عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه" ، فإن ثبت فقد كفينا مؤنة الاشتغال بغيره.
وقال قائلون: هو على التمثيل لا على التحقيق، لكنه ذكر النفخ؛ لسرعة أمرها وقيامها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذاً ولا أخف من النفخ، فهو عبارة عن سرعتها ونفاذها؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ ، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل: ينفخ في الصور ثلاثاً بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة، يقولون: في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق الله؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم ينفخ ثانياً فيحيون بها ويخرجون من قبورهم، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ ، وينفخ ثالثاً، فيجتمعون عند ربهم، وهو قوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ ، والله أعلم بذلك.
والنسل: هو سرعة الخروج، أي: يسرعون، قال أبو عوسجة: النسل: هو المشي ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يمشون، لكنه مشي مع سرعة، وهما واحد.
وقوله: ﴿ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .
من الناس من ينكر عذاب القبر بهذه الآية يقول: المرقد: موضع الراحة، والراقد هو الذي يكون في راحة، فلو كان لهم عذاب، أو كانوا في عذاب، لم يكونوا في رقدة ولا راحة، دل أنه لا يكون.
ومنهم من يقول: يكون في القبر عذاب، إلا أنهم لما عاينوا عذاب الآخرة، صار عذاب القبر لهم كالرقاد عند عذاب الآخرة.
ومنهم من يقول: ينامون نومة قبل البعث، ثم يبعثون، ومثل هذا.
وجائز أن يكون النفس التي تخرج عند النوم تلك النفس في حال الموت، فتجد تلك ألم ذلك كما تجد النفس التي تخرج من النائم ألم عذاب يصيبه، وتجد لذة أيضاً إذا كانت لذة، وترى في النوم أهوالا وأفزاعاً وذلك معروف؛ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة يعذبون بما ذكرنا، فإذا بعثوا قالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والمرقد: هو الموضع الذي ينام فيه.
أو أن يكونوا في عذاب - أعني: في القبور - لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها، هان ذلك العذاب الذي كان لهم في القبر وسهل عند عذاب الآخرة؛ فصار ذلك كالرقاد لهم عند عذاب الآخرة فقالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هذا قول الملائكة لهم عن قولهم: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .
وقال بعضهم: قول المؤمنين لهم عند قولهم الذي قالوا.
وجائز أن يكون ذلك أيضاً قول أولئك الكفرة، يقرون بالبعث عند معاينتهم البعث، يقولون: هذا الذي وعد لنا المرسلون، وقد صدقوا في ذلك، ونحن كذبناهم فيه، لكن لا ينفعهم تصديقهم إياهم بذلك في ذلك الوقت، وهو كإيمانهم عند معاينتهم بأس الله، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ ؛ فعلى ذلك هؤلاء، لكن لا ينفعهم.
وقوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل الله الصيحة علماً للإحياء والبعث لا أن تكون الصيحة سبباً للإحياء والبعث.
ويتحمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي: البعث - لكنه ذكر الصيحة؛ لأن الصيحة أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ذكر هذا؛ لأنه أخف شيء على الخلق، وأهونه عليهم؛ فيعبر به عنه ويكني بما ذكر، ليعلموا خفة ذلك على الله، وسهولته وهوانه، وأنه ليس يثقل عليه شيء.
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ .
ذكر أن قوله - -: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ في البعث، فإذا كان ذلك في البعث فعند ذلك إحضارهم عند الله، وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت.
وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ .
الظلم في اللغة: هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - والله أعلم -: اليوم لا توضع نفس في غير موضعها، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا.
أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول - والله أعلم -: فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى؛ كقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص منه.
أو يقول: فاليوم لا يُحمل على نفس ذنب غيرها، ولا يوضع وزر غيرها، بل يَجْزي [الله] كل نفس جزاء عملها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ .
يخبر - والله أعلم -: عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في النعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء، وكذلك جميع الخلائق أنهم إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا، فأما الله - - فيتعالى عن أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء.
ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما لا يضرهم ولا يؤذي؛ حيث قال: ﴿ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ ، قيل: ناعمون بما هم فيه، وقيل: معجبون في ذلك.
وقال القتبي: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : يتفكهون، ويقال للمزاح: فكاهة، وفاكهون: أراد ذوي فكاهة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : من المفاكهة، وفكهون من السرور، والمفاكهة: الممازحة.
ثم قال بعضهم: شغلهم في افتضاض العذارى، وقيل: شغلهم في كل نعيم وفي كل كرامة على ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ ﴾ .
يخبر أن أهل الجنة وإن كانوا لا يحجبون عن شيء، ولا يمنعون شيئاً، فإنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يقع عليهم بصر غيرهم فينتقض ذلك، وهو كما ذكر: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ يخبر أنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يطلع عليهم غيرهم، والله أعلم.
و ﴿ ظِلاَلٍ ﴾ جمع ظلة.
وقوله: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ .
الاتكاء على الأرائك إنما هو للراحة، فيخبر - والله أعلم - عن غاية راحتهم ونهاية كرامتهم، وإلا ليس في الاتكاء على الأرائك فضل كرامة ومنزلة، ولكن يذكر عن راحتهم وتنعمهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ .
وقال القتبي: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، واحدها: أريكة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسائد.
وعن الحسن قال: الأريكة: الحجلة، وهي بلغة أهل اليمن يسمون الحجلة: أريكة.
﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .
قيل: الفاكهة هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة، يخبر - والله أعلم - أن أهل الجنة إنما يأكلون ما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .
قيل: ما يتمنون، وقيل: ما يسألون.
وجائز أن يكون ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ من الدعوى، أي: يعطون جميع ما يدعون لأنفسهم ليس كالدنيا.
وقال أبو معاذ: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي: ما يشتهون ويتمنون في الجنة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يردون إليهم - أعني: الملائكة - سلام الله بحق التبليغ إليهم سلام الله نحو ما يبلغ بعضهم بعضاً سلام بعض: أقرئ فلاناً مني السلام؛ فعلى ذلك يقولون: إن الله قد أقرأ عليكم السلام.
والثاني: أن يسلم عليهم الملائكة بأمر ربهم، يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم.
والثالث: أن يكون القول من الله وعدا بالسلامة لهم فيها من كل آفة وبلاء يكون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ ، ونحوه.
وفي حرف أبيّ وابن مسعود: ﴿ سلاماً قولا ﴾ بالنصب، فهو - والله أعلم - كأنهما يجعلان تمام الكلام في قوله: ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ ثم يقطع ﴿ سلاماً قولا ﴾ منه، وأمّا قراءة هؤلاء برفع السلام، فمعناها - والله أعلم -: ولهم ما يدعون سلاماً، ثم الكلام قطع ﴿ قَوْلاً ﴾ منه.
<div class="verse-tafsir"
قال هؤلاء الكافرون المكذبون بالبعث نادمين: يا خسارتنا، مَن الذي بعثنا من قبورنا؟!
فيجابون عن سؤالهم: هذا ما وعد الله به فإنه لا بد واقع، وصدق المرسلون فيما بلغوه عن ربهم من ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.wBVwj"