الآية ٦٩ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٦٩ من سورة يس

وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٩ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) : يقول تعالى مخبرا عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أنه ما علمه الشعر ، ( وما ينبغي له ) أي : وما هو في طبعه ، فلا يحسنه ولا يحبه ، ولا تقتضيه جبلته ; ولهذا ورد أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم ، بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه .

وقال أبو زرعة الرازي : حدثت عن إسماعيل بن مجالد ، عن أبيه ، عن الشعبي أنه قال : ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذكره ابن عساكر في ترجمة " عتبة بن أبي لهب " الذي أكله السبع بالزرقاء .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن الحسن - هو البصري - قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر : يا رسول الله : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال أبو بكر ، أو عمر : أشهد أنك رسول الله ، يقول الله : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) .

وهكذا روى البيهقي في الدلائل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : للعباس بن مرداس السلمي : " أنت القائل : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة " .

50 فقال : إنما هو : " بين عيينة والأقرع " فقال : " الكل سواء " .

يعني : في المعنى ، صلوات الله وسلامه عليه .

وقد ذكر السهيلي في " الروض الأنف " لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه ، عليه السلام ، في هذا البيت مناسبة أغرب فيها ، حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري ; لأنه ارتد أيام الصديق ، بخلاف ذاك ، والله أعلم .

وهكذا روى الأموي في مغازيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر ، وهو يقول : " نفلق هاما .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

" .

فيقول الصديق رضي الله عنه متمما للبيت : .

.

.

.

.

من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له ، وهي في الحماسة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا مغيرة ، عن الشعبي ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر ، تمثل فيه ببيت طرفة : ويأتيك بالأخبار من لم تزود وهكذا رواه النسائي في " اليوم والليلة " من طريق إبراهيم بن مهاجر ، عن الشعبي ، عنها .

ورواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث المقدام بن شريح بن هانئ ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، كذلك .

ثم قال الترمذي .

هذا حديث حسن صحيح .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا أسامة ، عن زائدة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار : ويأتيك بالأخبار من لم تزود ثم قال : رواه غير زائدة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن عائشة .

وهذا في شعر طرفة بن العبد ، في معلقته المشهورة ، وهذا المذكور [ هو عجز بيت ] منها ، أوله : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتا ولم تضرب له وقت موعد وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الحافظ ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم - وكيل المتقي ببغداد - حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير ، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط ، إلا بيتا واحدا .

تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحققا سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث ، فقال : هو منكر .

ولم يعرف شيخ الحاكم ، ولا الضرير .

وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : قيل لعائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟

قالت : كان أبغض الحديث إليه ، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس ، فيجعل أوله آخره ، وآخره أوله .

فقال أبو بكر ليس هكذا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي " .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وهذا لفظه .

وقال معمر عن قتادة : بلغني أن عائشة سئلت : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟

فقالت : لا إلا بيت طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول : " من لم تزود بالأخبار " .

فقال أبو بكر : ليس هذا هكذا .

فقال : " إني لست بشاعر ، ولا ينبغي لي " وثبت في الصحيحين أنه ، عليه الصلاة والسلام ، تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ، ولكن تبعا لقول أصحابه ، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون ، فيقولون : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صوته بقوله : " أبينا " ويمدها .

وقد روي هذا بزحاف في الصحيح أيضا .

وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة ، يقدم بها في نحور العدو : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لكن قالوا : هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر ، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه .

وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت أصبعه ، فقال : هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي عند قوله تعالى : ( إلا اللمم ) [ النجم : 32 ] إنشاد : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعرا ولا ينبغي له ; فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم الذي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] .

وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش ، ولا كهانة ، ولا مفتعل ، ولا سحر يؤثر ، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال .

وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا ، كما رواه أبو داود قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري ، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : [ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ] : ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا ، أو تعلقت تميمة ، أو قلت الشعر من قبل نفسي " .

تفرد به أبو داود .

وقال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل قال : سألت عائشة : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر ؟

فقالت : كان أبغض الحديث إليه .

وقال عن عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء ، ويدع ما بين ذلك .

وقال أبو داود : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ، خير له من أن يمتلئ شعرا " .

تفرد به من هذا الوجه ، وإسناده على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا بريد ، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي ، عن عاصم بن مخلد ، عن أبي الأشعث ، الصنعاني ( ح ) وحدثنا الأشيب فقال : عن ابن عاصم ، عن [ أبي ] الأشعث عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة ، لم تقبل له صلاة تلك الليلة " .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .

والمراد بذلك نظمه لا إنشاده ، والله أعلم .

على أن الشعر فيه ما هو مشروع ، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام ، كحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، وأمثالهم وأضرابهم ، رضي الله عنهم أجمعين .

ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب ، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية ، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " آمن شعره وكفر قلبه " .

وقد أنشد بعض الصحابة منه للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت ، يقول عقب كل بيت : " هيه " .

يعني يستطعمه ، فيزيده من ذلك .

وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب ، وبريدة بن الحصيب ، وعبد الله بن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من البيان سحرا ، وإن من الشعر حكما " .

ولهذا قال تعالى : ( وما علمناه الشعر ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ما علمه الله شعرا ، ( وما ينبغي له ) أي : وما يصلح له ، ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) أي : ما هذا الذي علمناه ، ( إلا ذكر وقرآن مبين ) أي : بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره .

ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) يقول تعالى ذكره: وما علَّمنا محمدا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) قال: قيل لعائشة: هل كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يتمثل بشيء من الشعر؟

قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثَّل ببيت أخي بني قيس، فيجعل آخره أوله، وأوله آخره، فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا، فقال نبي الله: " إني وَاللهِ ما أنا بِشاعِرٍ، وَلا يَنْبَغِي لي".

وقوله ( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ ) يقول تعالى ذكره: ما هو إلا ذكر، يعني بقوله) إنْ هُوَ) أي: محمد إلا ذكر لكم أيها الناس، ذكركم الله بإرساله إياه إليكم، ونبهكم به على حظكم ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) يقول: وهذا الذي جاءكم به محمد قرآن مبين، يقول: يَبِين لمن تدبَّره بعقل ولب، أنه تنـزيل من الله أنـزله إلى محمد، وأنه ليس بشعر ولا مع كاهن.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) قال: هذا القرآن .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرينقوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له فيه أربع مسائل :الأولى : أخبر تعالى عن حال نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ورد قول من قال من الكفار إنه شاعر ، وإن القرآن شعر ، بقوله : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وكذلك كان رسول الله صلى عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه ، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه ، وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم .

من ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة :[ ص: 49 ]ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده بالأخباروأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس ؟

فقال : الذي يقول :ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيباوأنشد يوما :أتجعل نهبي ونهب العبي د بين الأقرع وعيينةوقد كان - عليه السلام - ربما أنشد البيت المستقيم في النادر .

روي أنه أنشد بيت [ عبد الله بن رواحة ] :يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجعوقال الحسن بن أبي الحسن : أنشد النبي - عليه السلام - :كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيافقال أبو بكر - رضي الله عنه - : يا رسول الله إنما قال الشاعر :هريرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيافقال أبو بكر أو عمر : أشهد أنك رسول الله ، يقول الله - عز وجل - : وما علمناه الشعر وما ينبغي له .

وعن الخليل بن أحمد : كان الشعر أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كثير من الكلام ، ولكن لا يتأتى له .

الثانية : إصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر ، وكذلك ما يأتي أحيانا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ، كقوله يوم حنين وغيره :هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيتوقوله :أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب[ ص: 50 ] فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن ، وفي كل كلام ، وليس ذلك شعرا ولا في معناه ، كقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وقوله : نصر من الله وفتح قريب وقوله : وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الآيات .

وقد ذكر ابن العربي منها آيات وتكلم عليها وأخرجها عن الوزن ، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قول : " أنا النبي لا كذب " ليس بشعر .

وقال الخليل في كتاب العين : إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا .

وروي عنه أنه من منهوك الرجز .

وقد قيل : لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله : " لا كذب " ، ومن قوله : " عبد المطلب " .

ولم يعلم كيف قاله النبي صلى الله عليه وسلم .قال ابن العربي : والأظهر من حاله أنه قال : " لا كذب " الباء مرفوعة ، ويخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة .

وقال النحاس قال بعضهم : إنما الرواية بالإعراب ، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا ، لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمها أو نونها ، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر .

وقال بعضهم : ليس هذا الوزن من الشعر .

وهذا مكابرة العيان ، لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره .

وأما قوله : " هل أنت إلا إصبع دميت " فقيل إنه من بحر السريع ، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من ( دميت ) ، فإن سكن لا يكون شعرا بحال ، لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون ( فعول ) ، ولا مدخل لفعول في بحر السريع .

ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع .

والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر ، ويسقط الاعتراض ، ولا يلزم منه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - عالما بالشعر ولا شاعرا - أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره ، لا يوجب أن يكون قائلها عالما بالشعر ، ولا يسمى شاعرا باتفاق العلماء ، كما أن من خاط خيطا لا يكون خياطا .قال أبو إسحاق الزجاج : معنى : وما علمناه الشعر وما علمناه أن يشعر ، أي : ما جعلناه شاعرا ، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر .

قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في هذا .

وقد قيل : إنما خبر الله - عز وجل - أنه ما علمه الله الشعر ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا ، وهذا ظاهر الكلام .

وقيل : فيه قول بين ، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة ، وذلك أنهم قالوا : كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر ، وإنما وافق الشعر .

وهذا قول بين .

قالوا : وإنما الذي نفاه الله عن نبيه - عليه السلام - فهو العلم بالشعر وأصنافه ، وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق .

ألا ترى أن قريشا [ ص: 51 ] تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم ، فقال بعضهم : نقول إنه شاعر .

فقال أهل الفطنة منهم : والله لتكذبنكم العرب ، فإنهم يعرفون أصناف الشعر ، فوالله ما يشبه شيئا منها ، وما قوله بشعر .وقال أنيس أخو أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر .

أخرجه مسلم ، وكان أنيس من أشعر العرب ، وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه : والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ، على ما يأتي بيانه من خبره في سورة [ فصلت ] إن شاء الله تعالى .

وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء ، واللسن البلغاء .

ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا ، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه ، فقد يقول القائل : حدثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي ، ولا يعد هذا شعرا .

وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء : اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى .الثالثة : روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر فقال : لا تكثرن منه ، فمن عيبه أن الله يقول : وما علمناه الشعر وما ينبغي له قال : ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - - كتب إلى أبي موسى الأشعري : أن اجمع الشعراء قبلك ، وسلهم عن الشعر ، وهل بقي معهم معرفة ، وأحضر لبيدا ذلك ، قال : فجمعهم فسألهم فقالوا : إنا لنعرفه ونقوله .

وسأل لبيدا فقال : ما قلت شعرا منذ سمعت الله - عز وجل - يقول : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه .

قال ابن العربي : هذه الآية ليست من عيب الشعر ، كما لم يكن قوله : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك من عيب الكتابة ، فلما لم تكن الأمية من عيب الخط ، كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عيب الشعر .روي أن المأمون قال لأبي علي المنقري : بلغني أنك أمي ، وأنك لا تقيم الشعر ، وأنك تلحن .

فقال : يا أمير المؤمنين ، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء ، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكتب ولا يقيم الشعر .

فقال له : سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو الجهل ، يا جاهل!

إن ذلك كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضيلة ، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة ، وإنما منع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لنفي الظنة عنه ، لا لعيب في الشعر والكتابة .الرابعة : قوله تعالى : وما ينبغي له أي : وما ينبغي له أن يقوله .

وجعل الله - جل وعز - ذلك علما من أعلام نبيه - عليه السلام - لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه ، فيظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر .

ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من [ ص: 52 ] القرآن وكلام الرسول ، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر ، ولم يقصد به إلى الشعر ليس بشعر ، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا ، على ما تقدم بيانه .

وقال الزجاج : معنى وما ينبغي له أي : ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاء .

إن هو إلا ذكر وقرآن مبين أي : هذا الذي يتلوه عليكم إلا ذكر وقرآن مبين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينزه تعالى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم، عما رماه به المشركون، من أنه شاعر، وأن الذي جاء به شعر فقال: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } أن يكون شاعرا، أي: هذا من جنس المحال أن يكون شاعرا، لأنه رشيد مهتد، والشعراء غاوون، يتبعهم الغاوون، ولأن اللّه تعالى حسم جميع الشبه التي يتعلق بها الضالون على رسوله، فحسم أن يكون يكتب أو يقرأ، وأخبر أنه ما علمه الشعر وما ينبغي له، { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } أي: ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، جميع المطالب الدينية، فهو مشتمل عليها أتم اشتمال، وهو يذكر العقول، ما ركز اللّه في فطرها من الأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح.{ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ } أي: مبين لما يطلب بيانه.

ولهذا حذف المعمول، ليدل على أنه مبين لجميع الحق، بأدلته التفصيلية والإجمالية، والباطل وأدلة بطلانه، أنزله اللّه كذلك على رسوله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) قال الكلبي : إن كفار مكة قالوا : إن محمدا شاعر ، وما يقوله شعر ، فأنزل الله تكذيبا لهم : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) أي : ما يتسهل له ذلك ، وما كان يتزن له بيت من شعر ، حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد الثقفي ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمثل بهذا البيت : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر : يا رسول الله إنما قال الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا ، فقال أبو بكر وعمر : أشهد أنك رسول الله ، يقول الله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، حدثنا شريك ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه قال : قلت لعائشة : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل بشيء من الشعر ؟

قالت : كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة .

قالت : وربما قال : ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقال معمر عن قتادة : بلغني أن عائشة سئلت : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمثل بشيء من الشعر ؟

قالت : كان الشعر أبغض الحديث إليه ، قالت : ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول : " ويأتيك من لم تزود بالأخبار " فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : ليس هكذا يا رسول الله ، فقال : " إني لست بشاعر ولا ينبغي لي " .

) ( إن هو ) يعني : القرآن ) ( إلا ذكر ) موعظة ( وقرآن مبين ) فيه الفرائض والحدود والأحكام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما علمناه» أي النبي «الشعر» رد لقولهم إن ما أتى به من القرآن شعر «وما ينبغي» يسهل «له» الشعر «إن هو» ليس الذي أتى به «إلا ذكر» عظة «وقرآن مبين» مظهر للأحكام وغيرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما علَّمنا رسولنا محمدًا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرًا، ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، وقرآن بيِّن الدلالة على الحق والباطل، واضحة أحكامه وحِكَمه ومواعظه؛ لينذر مَن كان حيَّ القلب مستنير البصيرة، ويحق العذاب على الكافرين بالله؛ لأنهم قامت عليهم بالقرآن حجة الله البالغة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم رد - سبحانه - على الكافرين الذين وصفوا النبى صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ، كما قالوا عن القرآن أنه شعر ، فقال - تعالى - :( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا .

.

.

) .أى : وما عَلَّمْنا الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما الذى علمناه إياه هو القرآن الكريم ، المشتملع لى ما يسعد الناس فى دنياهم وفى آخرتهم .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن الذى علمه الله - تعالى - لنبيه هو القرآن وليس الشعر ، وما دام الأمر كذلك فالقرآن ليس شعراً .وقوله - تعالى - : ( وَمَا يَنبَغِي لَهُ ) أى : ما علمناه الشعر ، وإنما علمناه القرآن ، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نجعل الشعر فى طبعه صلى الله عليه وسلم ولا فى سليقته ، فحتى لو حاوله - على سبيل الفرض - فإنه لا يتأتى له ، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته صلى الله عليه وسلم .والضمير فى قوله - تعالى - : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) يعود إلى القرآن الكريم :أى : ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة ، والمواعظ الناجحة ، والتوجيهات الحكيمة ، وهو فى الوقت نفسه ( وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) أى : كتاب مقروء من الكتب السماوية الواضحة ، التى لا تختلط ولا تلتبس بكلام البشر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الترتيب وجهان، قد ذكرنا أن الله في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة، وهي الوحدانية والرسالة والحشر، ذكر الأصل الثالث منها، وهاهنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر، أما الوحدانية ففي قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَأَنِ اعبدوني هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  ﴾ وأما الحشر ففي قوله تعالى: ﴿ اصلوها اليوم  ﴾ وفي قوله: ﴿ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم  ﴾ إلى غير ذلك، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: ﴿ وَمَا علمناه الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد، وفي تفسير الآية مباحث: البحث الأول: خص الشعر بنفي التعليم، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جملتها السحر، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة، ولم يقل وما علمناه الكهانة، فنقول: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول.

وأما السحر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك.

وأما الشعر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلوا القرآن عليهم لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ  ﴾ إلى غير ذلك، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب، فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم.

البحث الثاني: ما معنى قوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ قلنا: قال قوم ما كان يتأتى له، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفاً يروى أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم: ويأتيك من لم تزود بالأخبار *** وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، فالشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى، والشاعر: يكون المعنى منه تبعاً للفظ، لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ، وعلى هذا نقول: الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصداً أولياً، وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً مقفى فلا يكون شاعراً، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  ﴾ ليس بشعر، والشاعر إذا صدر منه كلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطيعه بفاعلاتن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك والمعنى تبعه، والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ، وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بيت شعر وهو قوله: أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب أو بيتين لأنا نقول ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية، وعلى هذا لو صدر من النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير موزون مقفى لا يكون شعراً، لعدم قصده اللفظ قصداً أولياً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولاً، ثم قوله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴾ يحقق ذلك المعنى أي هو ذكر وموعظة للقصد إلى المعنى، والشعر لفظ مزخرف بالقافية والوزن وهاهنا لطيفة: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر لحكمة» يعني: قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقه معنى حكمي كما أن الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعراً والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيماً حيث سمي النبي صلى الله عليه وسلم شعره حكمة، ونفى الله كون النبي شاعراً، وذلك لأن اللفظ قالب المعنى والمعنى: قلب اللفظ وروحه فإذا وجد القلب لا نظر إلى القالب، وفيكون الحكيم الموزون كلامه حكيماً، ولا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه، والشاعر الموعظ كلامه حكيماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: شاعر، وروى أنّ القائل: عقبة بن أبي معيط، فقيل: ﴿ وَمَا علمناه الشعر ﴾ أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أنّ القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء.

وأين هو عن الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى، يدل على معنى، فأين الوزن؟

وأين التقفية؟

وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟

وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟

فإذاً لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربي، كما أنّ ذاك كذلك ﴿ وَمَا يَنبَغِى لَهُ ﴾ وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل، كما جعلناه أمّياً لا يتهدّى للخط ولا يحسنه، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض.

وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتى له.

فإن قلت: فقوله: «أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وقوله: «هَلْ أَنْتَ إلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة، من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزوناً، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعراً ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعراً، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿ إنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴾ يعني: ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ، كما قال: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ [التكوير: 27] وما هو إلا قرآن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟

﴿ لّيُنذِرَ ﴾ القرآن أو الرسول وقرئ: ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء.

ولينذر: من نذر به إذا علمه ﴿ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي عاقلاً متأملاً، لأن الغافل كالميت.

أو معلوماً منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان ﴿ وَيَحِقَّ القول ﴾ وتجب كلمة العذاب ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ الذي لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّ مُحَمَّدًا شاعِرٌ أيْ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا يُماثِلُهُ لَفْظًا ولا مَعْنًى لِأنَّهُ غَيْرُ مُقَفّى ولا مَوْزُونٍ، ولَيْسَ مَعْناهُ ما يَتَوَخّاهُ الشُّعَراءُ مِنَ التَّخَيُّلاتِ المُرَغِّبَةِ والمُنَفِّرَةِ ونَحْوِها.

﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ الشِّعْرُ ولا يَتَأتّى لَهُ إنْ أرادَ قَرْضَهُ عَلى ما خَبَرْتُمْ طَبْعَهُ نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وقَوْلُهُ: هَلْ أنَتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ اتِّفاقِيٌّ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وقَصْدٍ مِنهُ إلى ذَلِكَ، وقَدْ يَقَعُ مِثْلُهُ كَثِيرًا في تَضاعِيفِ المَنثُوراتِ عَلى أنَّ الخَلِيلَ ما عَدَّ المَشْطُورَ مِنَ الرَّجِزِ شِعْرًا، هَذا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَرَّكَ الباءَيْنِ وكَسَرَ التّاءَ الأُولى بِلا إشْباعٍ وسَكَّنَ الثّانِيَةَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْـ ( قُرْآنٌ ) أيْ وما يَصِحُّ لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا.

﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ ﴾ عِظَةٌ وإرْشادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ وكِتابٌ سَماوِيٌّ يُتْلى في المَعابِدِ، ظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ.

﴿ لِيُنْذِرَ ﴾ القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ  ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ.

﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ عاقِلًا فَهْمًا فَإنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ، أوْ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ بِالإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ لِأنَّهُ المُنْتَفَعُ بِهِ.

﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ ﴾ وتَجِبُ كَلِمَةُ العَذابِ.

﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وجَعَلَهم في مُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارًا بِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ وسُقُوطِ حُجَّتِهِمْ وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر فنزل {وَمَا علمناه الشعر} أي وما علمنا النبي عليه السلام قول الشعراء أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى فأين الوزن وأين التقفية فلا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققته {وما ينبغي له} ومايصح له ولا يليق بحاله ولا يتطلب لو طلبه

أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض وأما قوله ...

أنا النبي لا كذب ...

أنا ابن عبد المطلب ...

وقوله ...

هل أنت إلا أصبع دميت ...

وفي سبيل الله مالقيت ...

فما هو إلا من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف إلا أنه اتفق من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه أن جاء موزوناً كما يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة ولا يسميها أحد شعراً لأن صاحبه لم يقصد الوزن ولا بد منه على أنه عليه السلام قال لقيت بالسكون وفتح الباء في كذب وخفض الباء في المطلب ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال {إن هو} أي المعلم {إلا ذكر وقرآن مُّبِيْنٌ} أي ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما عَلَّمْناهُ ﴾ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذا البَيانِ والتَّلْخِيصِ في أمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ الشِّعْرَ ﴾ إذْ لا يَخْفى عَلى مَن بِهِ أدْنى مُسْكَةٍ أنَّ هَذا الكِتابَ الحَكِيمَ المُتَضَمِّنَ لِجَمِيعِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلى أُسْلُوبٍ أفْحَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ - يُبايِنُ الشِّعْرَ، ولا مِثْلٌ الثُّرَيّا لِلثَّرى، أمّا لَفْظًا فَلِعَدَمِ وزْنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الشِّعْرَ تَخَيُّلاتٌ مُرَغِّبَةٌ أوْ مُنَفِّرَةٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وهو مَقَرُّ الأكاذِيبِ، ولِذا قِيلَ أعْذَبُهُ أكْذَبُهُ، والقُرْآنُ حِكَمٌ وعَقائِدُ وشَرائِعُ.

والمُرادُ مِن نَفْيِ تَعْلِيمِهِ  بِتَعْلِيمِ الكِتابِ الشِّعْرَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ شِعْرًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ لِأنَّ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى هو القُرْآنُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المُعَلَّمُ شِعْرًا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ شِعْرًا البَتَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ بِشاعِرٍ إدْماجًا ولَيْسَ هُناكَ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ كَما قِيلَ، وهَذا رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ والنَّبِيَّ  شاعِرٌ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ أنَّ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القُرْآنِ افْتِراءٌ وتَخَيُّلٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِن ذَلِكَ.

﴿ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ ما أُدْمِجَ أيْ لا يَلِيقُ ولا يَصْلُحُ لَهُ  الشِّعْرُ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى تَغْيِيرِ المَعْنى لِمُراعاةِ اللَّفْظِ والوَزْنِ ولِأنَّ أحْسَنَهُ المُبالَغَةُ والمُجازَفَةُ والإغْراقُ في الوَصْفِ وأكْثَرُهُ تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ وتَقْبِيحُ ما لَيْسَ بِقَبِيحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الكَذِبَ أوْ يُحاكِيهِ الكَذِبُ وجَلَّ جَنابُ الشّارِعِ عَنْ ذَلِكَ كَذا قِيلَ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: أيْ لا يَسْتَقِيمُ عَقْلًا أنْ يَقُولَ  الشِّعْرَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقُولُهُ لَتَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن تِلْكَ القُوَّةِ الشِّعْرِيَّةِ ولِذا عَقَّبَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ لِأنَّهُ إذا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ لَمْ يَبْقِ إلّا المُعانَدَةُ فَيَحِقُّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإيجازَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ وإلّا فَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ في النَّثْرِ لَيْسَ بِأضْعَفَ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في كَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ بَلْ رُبَّما يُتَخَيَّلُ أنَّهُ أعْظَمُ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ عِلَّةُ مَنعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الشِّعْرِ ما ذُكِرَ لَزِمَ أنْ يُمْنَعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ البَلِيغِ سَدًّا لِبابِ الرِّيبَةِ ودَحْضًا لِلشُّبْهَةِ وإعْظامًا لِلْحُجَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِالإعْجازِ وأنَّ التُّهْمَةَ والرَّيْبَ مَعَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن عاقِلٍ ولِذا نُفِيَ الرَّيْبُ مَعَ أنَّهُ وقَعَ عِلْمٌ أنَّ العِلَّةَ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَنْبَغِي لَهُ الشِّعْرُ شَيْءٌ آخَرُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وجَعَلَ العِلَّةَ ما في قَوْلِ الشِّعْرِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتَ أوَّلًا، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ وهي ظاهِرَةٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يُعْطَ طَبِيعَةً شِعْرِيَّةً اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِقَدْرِهِ وتَبْعِيدًا لَهُ  مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ مَبْدَأٌ لِما يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ في الجُمْلَةِ.

وإنَّما لَمْ يُعْطَ  القُدْرَةَ عَلى الشِّعْرِ مَعَ حِفْظِهِ عَنْ إنْشائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ سَلَبَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ في الإبْعادِ عَمّا يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ  ، ونَظِيرُ ما ذَكَرْنا العِصْمَةُ والحِفْظُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ المَواهِبِ اللَّدُنْيَّةِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الشِّعْرِ إلّا أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُشْعِرَ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمِ القَوْلُ بِحُرْمَةِ إنْشاءِ الشَّعْرِ مَقْبُولٌ ومَعْناهُ - عَلى القَوْلِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ - حُرْمَةُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وحُرْمَةُ الشَّيْءِ تُجامِعُ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَلْ عَدَمُ الشِّعْرِ خاصٌّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ عامٌّ لِنَوْعِ الأنْبِياءِ؟

قالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ لا يَظْهَرُ لِلْخُصُوصِ نُكْتَةٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خاصًّا والنُّكْتَةُ زِيادَةُ التَّكْرِيمِ لِما أنَّ مَقامَهُ  فَوْقَ مَقامِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَكُونُ الثّابِتُ لَهُمُ الحِفْظَ عَنِ الإنْشاءِ مَعَ ثُبُوتِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وإنْ صَحَّ خَبَرُ إنْشاءِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ قُتِلَ ولَدُهُ: تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ووَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ الصَّبِيحْ اِتَّضَحَ أمْرُ الخُصُوصُ وعُلِمَ أنْ لا حِفْظَ مِنَ الإنْشاءِ أيْضًا، ولَعَلَّ الحِفْظَ حِينَئِذٍ مِمّا فِيهِ ما يَشِينَ ويُخِلُّ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، والنُّكْتَةُ في الخُصُوصِ ظاهِرَةٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ لِأنَّ أعْظَمَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ القُرْآنُ، فَرُبَّما تَحْصُلُ التُّهْمَةُ فِيهِ لَوْ قالَ  الشِّعْرُ وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ.

”وأيا“ ما كانَ لا يَرِدُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخُذٌ بِزِمامِها ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ النّاسِ إلّا قَلِيلٌ: - أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ-» لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ شِعْرٌ فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ الكَلامُ المُقَفّى المَوْزُونُ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ وهَذا مِمّا اتَّفَقَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِوَزْنِهِ، ومِثْلُهُ يَقَعُ كَثِيرًا في الكَلامِ المَنثُورِ ولا يُسَمّى شِعْرًا ولا قائِلُهُ شاعِرًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِنِ انْتِسابِهِ  فِيهِ إلى جِدِّهِ دُونَ أبِيهِ دَلِيلُ القَصْدِ لِأنَّ النِّسْبَةَ إلى الجِدِّ شائِعَةٌ ولِأنَّهُ هو الَّذِي قامَ بِتَرْبِيَتِهِ حَيْثُ تُوُفِّيَ أبُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو حَمْلٌ، فَحِينَ وُلِدَ قامَ بِأمْرِهِ فَوْقَ ما يَقُومُ الوالِدُ بِأمْرِ الوَلَدِ؛ ولِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا بَيْنَهم بِالصِّدْقِ والشَّرَفِ والعِزَّةِ؛ فَلِذا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلُ أوْ كَمانِعٍ آخَرَ مِنَ الِانْهِزامِ ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ كانُوا يَدْعُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

ومِنهُ حَدِيثُ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: ”أيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟“ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَعُدَّ الرَّجَزَ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ ما كانَ عَلى مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرّاتٍ شِعْرًا ولِذا يُسَمّى قائِلُهُ راجِزًا لا شاعِرًا، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ المَشْطُورَ مِنهُ وهو ما حُذِفَ نِصْفُهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَنهُوكَ وهو ما حُذِفَ ثُلْثاهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ مَرَّتَيْنِ لَيْسا بِشِعْرٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ المَجْزُوءَ وهو ما حُذِفَ مِن كُلِّ مِصْراعٍ مِنهُ جُزْءٌ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ أرْبَعَ مَرّاتٍ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ  أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ إنْ كانَ نِصْفَ بَيْتٍ فَهو مَجْزُوءٌ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وإنْ فُرِضَ أنَّ هُناكَ قَصْدًا وإنْ كانَ بَيْتًا تامًّا فَهو لَيْسَ بِشِعْرٍ أيْضًا عَلى الرِّوايَةِ الأوْلى، وكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى الرَّجَزَ مُطْلَقًا شِعْرًا ظاهِرٌ.

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَرَّكَ الباءَ مِن (كَذِبَ) و(المُطَّلِبِ) فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْزُونًا فَكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ أظْهَرُ وأظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ ضَمِيرَ (لَهُ) لِلْقُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ أيْ وما يَصِحُّ لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا فَيَجُوزَ صُدُورُ الشِّعْرِ عَنْهُ  ، ولا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ يَكْفِي في نَفْيِ الشِّعْرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ﴾ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوْلى التَّوْجِيهاتِ إخْراجُ ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ بِانْتِفاءِ القَصْدِ وبِذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في القُرْآنِ مِن نَظائِرِهِ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ فِيما مَرَّ كَثِيرًا مِنها، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ  لا يَنْبَغِي لَهُ التَّكَلُّمُ بِشِعْرٍ قالَهُ بَعْضُ الشُّعَراءِ والمُتَمَثَّلِ بِهِ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ مُتَّزِنًا نادِرًا كَما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ وإنْشادُهُ إيّاهُ كَذَلِكَ مَذْكُورٌ في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ  أصابَ أُصْبُعَهُ الشَّرِيفَةَ حَجَرٌ في بَعْضِ غَزَواتِهِ فَدَمِيَتْ فَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: عَلى ما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ أوِ ابْنُ رَواحَةَ عَلى ما صَحَّحَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ما أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتْ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيَتْ قِيلَ: هو لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ  أنا النَّبِيُّ إلَخْ، إلّا أنَّ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَشْطُورًا إذا كانَ كُلٌّ مِن شَطْرَيْهِ بَيْتًا وعَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ غَيْرَ مُتَّزِنٍ مَعَ إحْرازِ المَعْنى كَثِيرًا كَما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ: سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ هَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”إنِّي واللَّهِ ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“،» وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا اسْتَراثَ الخَبَرَ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ طَرَفَةَ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ.» وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ  كانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ: كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما عَلَّمَكَ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَكَ،» وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي الزِّنادِ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِلْعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَكَ: أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ما أنْتَ بِشاعِرٍ ولا راوِيَةٍ ولا يَنْبَغِي لَكَ إنَّما قالَ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن أشْعَرُ النّاسِ؟

فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبًا » وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ ما جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْتَ شِعْرٍ قَطُّ إلّا بَيْتًا واحِدًا: تَفاءَلْ بِما تَهْوى يَكُنْ فَلَقَلَّما يُقالُ لِشَيْءٍ كانَ إلّا تَحَقَّقْ قالَتْ عائِشَةُ: ولَمْ يُقَلْ تَحَقَّقا لِئَلّا يُعْرِبَهُ فَيَصِيرَ شِعْرًا، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ هَذا لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ الشِّعْرَ فَفي مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ أبْغَضُ الحَدِيثِ إلَيْهِ  الشِّعْرَ،» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» وهَذا ظاهِرٌ في ذَمِّ الإكْثارِ مِنهُ، وما رُوِيُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كانَ الشِّعْرُ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ  مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ - مُنافٍ لِما سَمِعْتَ عَنِ المُسْنَدِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ شِعْرٍ وشِعْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الشِّعْرِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَتَذْكَّرْ.

﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإرْشادٌ لِلثِّقْلَيْنِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ، ﴿ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ ظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ الَّذِي ألْقَمَ مَن تَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ الحَجَرَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ يعني: إن شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ولا يتقدمون، ولا يتأخرون.

وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا يعني: فما قدروا ذهاباً، ولا يرجعون.

قوله عز وجل: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ يعني: من أطلنا عمره في الدنيا نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ يعني: نرده إلى أرذل العمر، فلا يعقل فيه كعقله الأول.

قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر نُنَكِّسْهُ بضم النون الأولى، ونصب الثانية، وكسر الكاف مع التشديد.

وقرأ الباقون: نُنَكِّسْهُ بنصب النون الأولى، وجزم الثانية، وضم الكاف، والتخفيف، ومعناهما واحد.

يقال: نكسَه ونكسَّه وأنكسه بمعنى واحد.

ومعناه: من أطلنا عمره، نكسنا خلقه.

فصار بدل القوة ضعفاً.

وبدل الشباب هرماً.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر مكاناتهم وقرأ الباقون مَكانَتِهِمْ والمكانة والمكان واحد.

مثل المنزل والمنزلة والمكانات جمع المكانة.

ثم قال: أَفَلا يَعْقِلُونَ يعني: أفلا تفهمون أن الله هو الذي يفعل ذلك، فتوحدوه، وليس لمعبودهم قدرة على ذلك.

قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء، على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر.

وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة: وَأَنِ اعْبُدُونِي بالياء.

وقرأ الباقون: بغير ياء.

لأن الكسر يدل عليه.

ثم قال عز وجل: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ جواباً لقولهم إنه شاعر يعني: أرسلنا إليه القرآن، ولم نرسل إليه الشعر وَما يَنْبَغِي لَهُ يعني: لم يكن أهلاً لذلك.

وقال: ما يسهل له، وما يحضره الشعر إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يعني: ما هو إلا عظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يعني: يبين الحق من الضلالة.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال: سألت عائشة-  ا- هل كان رسول الله  يتمثل بشيء من الشعر؟

قالت كان أبغض الحديث إليه الشعر، ولم يتمثل بشيء من الشعر، إلا ببيت أخي بني قيس بن طرفة: سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلا ...

ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد فجعل النبيّ  يقول: «وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ، مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالأَخْبَارِ» .

فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله.

فقال: «لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلا يَنْبَغِي لِي أنْ أَتَكَلَّمَ بِالشِّعْر» .

فإن قيل: روي عنه أنه كان يتكلم بالشعر لأنه ذكر أنه قال: أنَا النَّبِيُّ لا كَذِب ...

أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وذكر أنه عثر يوماً فدميت أصبعه فقال: هَلْ أنْتِ إلاَّ إصْبَعٌ دَمِيت ...

وِفِي كِتَابِ الله مَا لَقِيت وذكر أنه قال يوم الخندق: بِسْمِ الإله وبه هدينا ...

وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شقِينَا قيل له: هذه كلمات تكلم بها فصارت موافقة للشعر، وليست بشعر.

ثم قال عز وجل: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا يعني: من كان مؤمناً، لأن المؤمن هو الذي يقبل الإنذار.

ويقال: مَنْ كانَ حَيًّا يعني: عاقلاً راغباً في الطاعة.

قرأ نافع وابن عامر: لتنذر بالتاء على معنى المخاطبة.

يقول: لتنذر يا محمد.

وقرأ الباقون: بالياء على معنى الخبر عنه.

يعني: لتنذر يا محمد.

ويقال: يعني: لتنذر بالقرآن من كان مهتدياً في علم الله تعالى الأزلي وَيَحِقَّ الْقَوْلُ يعني: وجب العذاب عَلَى الْكافِرِينَ يعني: قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: 18] ثم وعظهم ليعتبروا: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ الضميرُ في «أعْيُنِهِمْ» لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ.

قالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة «١» ، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ.

وقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شئنا لأعميناهم، فأحسب أو قدّر أنّهم يسبقون الصِّرَاطَ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْياً يَتَرَدَّدُونَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر «٢» والمَعْنَى:

لو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فلم يهتد منهم أحدا أبداً، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك.

ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ ع رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ- بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...

الآية.

وقوله تعالى: «لتنذر مَن كَانَ حَيّاً» أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتاً لكُفْرِهِ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: مَنْ كانَ حَيًّا معناه: عاقِلاً «٣» ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآَنَ شِعْرٌ وإنَّ مُحَمَّدًا شاعِرٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ أيْ: ما يَتَسَهَّلُ لَهُ ذَلِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ما كانَ يَتَّزِنُ لَهُ بَيْتُ شِعْرٍ، حَتّى إنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ تَمَثَّلَ يَوْمًا فَقالَ: « "كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا" فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرَ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ما عَلَّمَكَ اللَّهُ الشِّعْرَ، وما يَنْبَغِي لَكَ.» «وَدَعا يَوْمًا بِعَبّاسِ بْنِ مِرادِسَ فَقالَ: "أنْتَ القائِلُ: أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ـدِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ"؟

فَقالَ أبُو بَكْرٍ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، فَأنْشَدَهُ أبُو بَكْرٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ" فَقالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ ما أنْتَ بِشاعِرٍ" ولا يَنْبَغِي لَكَ الشِّعْرُ.» «وَتَمَثَّلَ يَوْمًا، فَقالَ: "وَيَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْهُ بِالأخْبارِ" فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: "إنِّي لَسْتُ بِشاعِرٍ، ولا يَنْبَغِي لِيَ" .» وإنَّما مُنِعَ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ، لِئَلّا تَدْخُلَ الشُّبْهَةُ عَلى قَوْمٍ فِيما أتى بِهِ مِنَ القُرْآَنِ فَيَقُولُونَ: قَوِيَ عَلى ذَلِكَ بِما في طَبْعِهِ مِنَ الفِطْنَةِ لِلشِّعْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ إلّا مَوْعِظَةً ﴿ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ الفَرائِضُ والسُّنَنُ [والأحْكامُ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ، يَعْنُونَ القُرْآَنَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ  ، أيْ: لِتُنْذِرَ يا مُحَمَّدُ بِما في القُرْآَنِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "لِيُنْذِرَ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الذّالِ والرّاءِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حَيَّ القَلْبِ حَيَّ البَصَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: مَن كانَ عاقِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن كانَ يَعْقِلُ ما يُخاطِبُ بِهِ، فَإنَّ الكافِرَ كالمَيِّتِ في تَرْكَ النَّذِيرِ.

والثّالِثُ: مُهْتَدِيًا، قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُقاتِلٌ: مَن كانَ مُهْتَدِيًا في عِلْمِ اللَّهِ.

والرّابِعُ: مَن كانَ مُؤْمِنًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ؛ وهَذا عَلى المَعْنى الَّذِي قَدْ سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارَكَ مَن كانَ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: يَجِبُ.

وفي المُرادِ بِالقَوْلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: الحُجَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "أعْيُنِهِمْ" مُرادٌ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَعْنى الآيَةِ يُبَيِّنُ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللهُ لَهُمْ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أرادَ الأعْيُنَ حَقِيقَةً، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، ويُؤَيِّدُ هَذا مُجانَسَةُ المَسْخِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ أعْيُنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَخَتَمْنا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلَمْ يَهْتَدِ مِنهم أحَدٌ.

و"الطَمْسُ" إذْهابُ الآثارِ مِنَ المَشْيِ والهَيْئاتِ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أيْ: جَعَلْنا جُلُودَ وُجُوهِهِمْ مُتَّصِلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِيها عَيْنٌ قَطُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ: فَإنَّهُ ولَوْ شِئْنا لَأعْمَيْناهم فاحْسُبْ أو قَدِّرْ أنَّهم يَسْتَبِقُونَ الصِراطَ، أيِ: الطَرِيقَ، فَأنّى لَهم بِالإبْصارِ وقَدْ أعْمَيْناهُمْ؟

و"أنّى" لَفْظَةُ اسْتِفْهامٍ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ، كَيْفَ؟

ومِن أيْنَ؟

و"مَسَخْناهُمْ" تَقْدِيرُهُ: تَبْدِيلُ خِلْقَتِهِمْ لِتَصِيرَ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ ونَحْوٍ مِمّا تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لَجَعَلْناهم مُقْعَدِينَ مَبْطُولِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَكانَتِهِمْ" ﴾ بِالإفْرادِ، بِمَعْنى المَكانِ، كَما يُقالُ دارٌ ودارَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ [مَكاناتِهِمْ] جَمْعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحَقَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُضِيًّا" بِضَمِّ المِيمِ، وفَتَحَها أبُو حَيْوَةَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلِيلًا في تَنْكِيسِهِ المُعَمِّرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُنَكِّسْهُ" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ الأولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وضَمِّ الكافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ عاصِمٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وحَمْزَةُ بِضَمِّ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وشَدِّ الكافِ المَكْسُورَةِ مُشَدَّدَةً عَلى المُبالَغَةِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرٍو عَلى الأعْمَشِ.

ومَعْنى الآيَةِ: نُحَوِّلُ خَلْقَهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الضَعْفِ، ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَبّاسٍ -: [تَعْقِلُونَ] بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ نَبِيِّهِ  ورَدَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شاعِرٌ، وإنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ ، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ  لا يَقُولُ الشِعْرَ ولا يَرْوِيهِ ولا يَزِنُهُ، وكانَ إذا حاوَلَ إنْشادَ بَيْتٍ قَدِيمٍ مُتَمَثِّلًا كَسَرَ وزْنَهُ، وإنَّما كانَ يُحْرِزُ المَعْنى فَقَطْ وأنْشَدَ يَوْمًا بَيْتَ طُرْفَةَ: سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ وَأنْشَدَ يَوْمًا - وقَدْ قِيلَ لَهُ: مَن أشْعَرُ الناسِ؟

- فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ: ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ ∗∗∗ وُجِدَتْ بِها وإنْ لَمْ تَطَيَّبْ طِيبًا وأنْشَدَ يَوْمًا: أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ المُسْتَقِيمَ في النادِرِ، ورُوِيَ «أنَّهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ » وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: «أنْشَدَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: كَفى بِالإسْلامِ والشَيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إنَّما قالَ الشاعِرُ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا » رَواهُ الثَعْلَبِيُّ: وإصابَتُهُ الوَزْنَ أحْيانًا لا يُوجِبُ أنَّهُ تَعَلَّمَ الشِعْرَ، ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى في نَثْرِ كَلامِهِ أحْيانًا ما يَدْخُلُ في وزْنٍ، كَقَوْلِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: أنا النَبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبِ » كَذَلِكَ يَأْتِي في آياتِ القُرْآنِ وفي كُلِّ كَلامٍ، ولَيْسَ كُلُّهُ بِشِعْرٍ ولا في مَعْناهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي - عِنْدِي - غَضاضَةً عَلى الشِعْرِ ولا بُدَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: كانَ الشِعْرُ أبْغَضَ الحَدِيثِ إلى رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أخِي قَيْسٍ طُرْفَةَ فَيَعْكِسُهُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَيْسَ هَكَذا، فَقالَ: "ما أنا بِشاعِرٍ وما يَنْبَغِي لِي"،» وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الشِعْرَ لا غَضَّ عَلَيْهِ، وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ التَحَلِّي بِهَذِهِ الحِلْيَةِ الرَفِيعَةِ لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قَبْلِهِ أغْرَبُ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: إنَّ هَذا مِن تِلْكَ القُوَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَثْرِ في الرُتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَبِينُ بِإعْجازِهِ، ويَبْرُزُ بِرَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللهِ مِن كُلِّ كَلامٍ، وإنَّما مَنَعَ اللهُ نَبِيَّهُ  مِنَ الشِعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَمّا في قَوْلِ الشُعَراءِ مِنَ التَخَيُّلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرُ الِحَقائِقِ والبَراهِينِ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَكَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، والشِعْرُ نازِلُ الرُتْبَةِ عن هَذا كُلِّهِ.

والضَمِيرُ في ﴿ "عَلَّمْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  قَوْلًا واحِدًا، والضَمِيرُ في "لَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أو يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ المُجاوَرَةِ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ .

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ  ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ، أو لِيُنْذِرَ مُحَمَّدٌ  ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ"مُبِينٌ"، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: [لِيُنْذَرَ] عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولَوْ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والذالِ أيْ: لِيَتَحَفَّظَ ويَأْخُذَ بِحَظِّهِ - لَكانَ جائِزًا، وحَكاها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدٍ اليَمانِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ أيْ: حَيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولَمْ يَكُنْ مَيِّتًا لِكُفْرِهِ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، قالَ الضَحّاكُ: ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ مَعْناهُ: عاقِلًا، ﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: يَتَحَتَّمُ العَذابُ ويَجِبُ الخُلُودُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية ترجع إلى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ [يس: 46] فقد بيّنا أن المراد بالآيات آيات القرآن، فإعراضهم عن القرآن له أحوالٌ شتى: بعضها بعدم الامتثال لما يأمرهم به من الخير مع الاستهزاء بالمسلمين وهو قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴾ [يس: 47] الآية، وبعضها بالتكذيب لما يُنذِرهم به من الجزاء، وهو قوله: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يس: 48].

ومن إعراضهم عنه طعنُهم في آيات القرآن بأقوال شتّى منها قولهم: هو قول شاعر، فلما تصدّى القرآن لإِبطال تكذيبهم بوعيد بالجزاء يوم الحشر بما تعاقب من الكلام على ذلك عاد هنا إلى طعنهم في ألفاظ القرآن من قولهم: ﴿ بل افتراه بل هو شاعر ﴾ [الأنبياء: 5]، فقولهم فالجملة معطوفة على جملة ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [الأنبياء: 38]، عطف القصة على القصة والغرضضِ على الغرضضِ.

ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ويكون الواو للاستئناف، ولذلك اقتصر هنا على تنزيه القرآن عن أن يكون شعراً والنبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً دون التعرض لتنزيهه عن أن يكون ساحراً، أو أن يكون مجنوناً لأن الغَرض الرد على إعراضهم عن القرآن، ألا ترى أنه لما قصد إبطال مقالات لهم في القرآن قال في الآية الأخرى: ﴿ وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون ﴾ [الحاقة: 41، 42].

وضمير ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ عائد إلى معلوم من مقام الردّ وليس عائداً إلى مذكور إذ لم يتقدم له معاد.

وبني الرد عليهم على طريقة الكناية بنفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الشعر لما في ذلك من إفادة أن القرآن معلَّم للنبيء صلى الله عليه وسلم من قِبَل الله تعالى وأنه ليس بشعر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر.

وانتصب ﴿ الشّعْرَ ﴾ على أن مفعول ثاننٍ لفعل ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ ، وهذا الفعل من أفعال العلم، ومُجرَّدُه يتعدّى إلى مفعول واحد غالباً نحو عَلِم المسألةَ.

ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا دخله التضعيف صار متعدياً إلى مفعولين فقط اعتداداً بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى: ﴿ وإذ علمتك الكتاب والحكمة ﴾ [المائدة: 110] في سورة العقود، وقوله: ﴿ وما علَّمناهُ الشعر ﴾ في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في «شرح الكافية» في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد.

فتقدير المعنى: نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى: أن القرآن ليس من الشعر في شيء، فكانت هاته الجملة ردّاً على قولهم: هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم.

ودل على أن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ وما علمناهُ الشعر ﴾ قوله عقبه ﴿ إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءانٌ مبين ﴾ ، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكراً وقرآناً وما هو بشعر.

والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى: ﴿ إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ﴾ [النجم: 4، 5] وقال: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ [النساء: 113].

وكيف يكون القرآن شعراً والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة، فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه.

ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال، فما قولهم ذلك إلا بهتان.

وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادئ القافية من المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعراً إلا تعجلاً في الإِبطال، أو تمويهاً على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر، وأن كلامه شعر.

وينبَني عن هذا الظن خبر أنيس بن جُنَادة الغفاري أخي أبي ذرّ، فقد روى البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عبد الله بن الصامت، يزيد أحدهما على الآخر قالا: «قال أبو ذر لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني، فانطلقَ الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر.

قال أبو ذر: فما يقول الناس؟

قال: يقولون شاعر كاهن، ساحر.

وكان أُنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» ثم اقتص الخبر عن إسلام أبي ذر، ويظهر أن ذلك كان في أول البعثة.

ومثله خبر الوليد بن المغيرة الذي رواه البيهقي وابن إسحاق «أنه جمع قريشاً عند حضور الموسم ليتشاوروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إن وفود العَرب ترد عليكم فأجمعوا فيه رأياً لا يُكذب بعضكم بعضاً، فقالوا: نقول كاهن؟

فقال: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته ولا بسجعه، قالوا: نقول مجنون؟

فقال: والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، فذكر ترددهم في وصفه إلى أن قالوا: نقول شاعر؟

قال: ما هو بشاعر، قد عرفت الشعر كله رجزَه وهزجَه وقريضه ومبسوطَه ومقبوضه وما هو بشاعر.

إلى آخر القصة فمعنى (وما علمناه الشعر): وما أوحينا إليه شعرا علمناه إياه وليس المراد أن الله لم يجعل في طبع النبي القدرة على نظم الشعر لأن تلك المقدرة لا تسمى تعليما حتى تنفى وإنما يستفاد هذا المعنى من قوله بعده (وما ينبغي له) وسنتكلم عليه قريبا وقد اقتضت الآية نفي أن يكون القرآن شعرا وهذا الاقتضاء قد أثار مطاعن للملحدين ومشاكل للمخلصين وإذ وجدت فقرات قرآنية استكملت ميزان بحور من البحور الشعرية بعضها يلتئم منه بيت كامل وبعضها يتقوم منه مصراع واحد ولا تجد أكثر من ذلك فهذا يلزم منه وقوع الشعر.

في آي القرآن صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام وقد أثار الملاحدة هذا المطعن فلذلك تعرض أبو بكر الباقلاني إلى دحضه في كتابه إعجاز القرآن وتبعه السكاكي وأبو بكر بن العربي فأما الباقلاني فانفرد برد قال فيه: إن البيت المفرد لا يسمى شعرا بله المصراع الذي لا يكمل به بيت.

وأرى هذا غير كاف هنا لأنه لا يستطاع نفي مسمى الشعر عن المصراع وأولى عن وقال السكاكي في آخر مبحث رد المطاعن عن القرآن من كتاب مفتاح العلوم «إنهم يقولون أنتم في دعواكم أن القرآن كلام الله وقد علمه محمدا صلى الله عليه وسلم على أحد أمرين: إما أن الله تعالى جاهل لا يعلم ما الشعر وإما أن الدعوى باطلة وذلك أن في قرآنكم (وما علمناه الشعر) وأنه يستدعي أن لا يكون فيما علمه شعر» ثم إن في القرآن من جميع البحور شعرا: فمن الطويل من صحيحه (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ومن مخرومه (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) ومن بحر المديد (واصنع الفلك بأعيننا) ومن بحر الوافر (ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) ومن بحر الكامل: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ومن بحر الهجز من مخرومه: (تالله لقد آثرك الله علينا) ومن بحر الرجز (دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا) ومن بحر الرمل (وجفان كالجواري وقدرو راسيات) ونظيره (ورفعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) ومن بحر المنسرح (إنا خلقنا الإنسان من نطفة) ومن بحر الخفيف (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم) ومنه (لا يكادون يفقهون حديثا) ونحوه (قال يا قوم هؤلاء بناتي) ومن بحر المضارع من مخرومه (يوم التناد يوم تولون مدبرين) ومن بحر المقتضب (في قلوبهم مرض) ومن بحر المتقارب (وأملي لهم إن كيدي متين) فيقال لهم من قبل النظر فيها أوردوه: هل حرفوا بزيادة أو نقصان حركة أو حرفا أم لا.

وقبل أن ننظر هل راعوا أحكام علم العروض في الأعاريض والضروب التي سبق ذكرها أم لا.

ومن قَبل أن ننظر هل عملوا بالمنصور من المذهبين في معنى الشعر على نحو ما سبق أم لا (يعني المذهبين مذهب الذين قالوا لا يكون الشعر شعراً إلا إذا قصد قائله أن يكون موزوناً، ومذهب الذين قالوا: إن تعمُّد الوزن ليس بواجب بل يكفي أن يلفى موزوناً ولو بدون قصد قائله للوزن وقد نصر المذهب الأول) يا سبحان الله قدروا جميع ذلك أشعاراً، أليس يصح بحكم التغليب أن لا يلتفت إلى ما أوردتموه لقلته، ويُجرى ذلك القرآن مُجرى الخالي عن الشعر فيقال بناء على مقتضى البلاغة: ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ ا ه.

كلامه، وقد نحا به نحو أمرين: أحدهما: أن ما وقع في القرآن من الكلام المتّزن ليس بمقصود منه الوزن، فلا يكون شعراً على رأي الأكثر من اشتراط القصد إلى الوزن لأن الله تعالى لم يعبأ باتزانه.

الثاني: إن سلمنا عدم اشتراط القصد فإن نفي كون القرآن شعراً جرى على الغالب.

فلا يعدّ قائله كاذباً ولا جاهلاً فلا ينافي اليقين بأن القرآن من عند الله علمه محمداً صلى الله عليه وسلم ومَال ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى أن ما تكلفوه من استخراج فقرات من القرآن على موازين شعرية لا يستقيم إلا بأحد أمور مثل بتر الكلام أو زيادة ساكن أو نقص حرف أو حرفين، وذكر أمثلة لذلك في بعضها ما لا يتم له فراجعْهُ.

ولا محيص من الاعتراف باشتمال القرآن على فقرات متزنة يلتئم منها بيت أو مصراع، فأما ما يقلّ عن بيت فهو كالعدم إذ لا يكون الشعر أقل من بيت، ولا فائدة في الاستكثار من جلب ما يلفى متزناً فإن وقوع ما يساوي بيتاً تاماً من بحر من بحور الشعر العربي ولو نادراً أو مُزَحَّفاً أو مُعَلاّ كاف في بقاء الإِشكال، فلا حاجة إلى ما سلك ابن العربي في رده ولا كفاية لما سلكه السكاكي في كتابه، لأن المردود عليهم في سعة من الأخذ بما يلائم نحلتهم من أضعف المذاهب في حقيقة الشعر وفي زحافِه وعلله.

وبعد ذلك فإن الباقلاني والسكاكي لم يغوصَا على اقتلاع ما يثيره الجواب الثاني في كلامِهما بعدم القصد إلى الوزن، من لزوم خفاء ذلك على علم الله تعالى فلماذا لا تُجعل في موضع تلك الفقرات المتزنة فقرات سليمة من الاتّزان.

ولم أر لأحد من المفسرين والخائضين في وجوه إعجاز القرآن التصدي لاقتلاع هذه الشبهة، وقد مضت عليها من الزمان برهة، وكنت غير مقتنع بتلك الردود ولا أرضاها، وأراها غير بالغة من غاية خيل الحلبة منتهاها.

فالذي بدا لي أن نقول: إن القرآن نزل بأفصح لغات البشر التي تواضعوا واصطلحوا عليها ولو أن كلاماً كان أفصح من كلام العرب أو أمة كانت أسلم طباعاً من الأمة العربية لاختارها الله لظهور أفضل الشرائع وأشرف الرسل وأعز الكتب الشرعية.

ومعلوم أن القرآن جاء معجزاً لبلغاء العرب فكانت تراكيبه ومعانيها بالغَيْن حدًّا يقصر عنه كل بليغ من بلغائهم على مبلغ ما تتسع له اللغة العربية فصاحةً وبلاغة فإذا كانت نهاية مقتضى الحال في مقام من مقامات الكلام تتطلب لإيفاء حقّ الفصاحة والبلاغة ألفاظاً وتركيباً ونظماً فاتفق أن كان لمجموع حركاتها وسكوناتها ما كان جارياً على ميزان الشعر العربي في أعاريضه وضروبه لم يكن ذَلك الكلام معدوداً من الشعر لوْ وقَعَ مثلُه في كلاممٍ عن غير قصد فوقوعه في كلام البشر قد لا يتفطن إليه قائله ولو تفطن له لم يعسر تغييره لأنه ليس غاية ما يقتضيه الحال، اللهم إلاّ أن يكون قصد به تفنناً في الإِتيان بكلام ظاهره نثر وتفكيكه نظم.

فأما وقوعه في كلام الله تعالى فخارج عن ذلك كله من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الله لا يخفى عليه وقوعه في كلام أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الثاني: أنه لا يجوز تبديل ذلك المجموع من الألفاظ بغيره لأن مجموعها هو جميع ما اقتضاه الحال وبلغ حد الإِعجاز.

الثالث: أن الله لا يريد أن يشتمل الكلام الموحَى به من عنده على محسِّن الجمع بين النثر والنظم لأنه أراد تنزيه كلامه عن شائبة الشعر.

واعلم أن الحكمة في أن لا يكون القرآن من الشعر مع أن المتحدَّيْن به بلغاء العرب وجلُّهم شعراء وبلاغتهم مُودَعة في أشعارهم هي الجمع بين الإِعجاز وبين سدّ باب الشبهة التي تعرض لهم لو جاء القرآن على موازين الشعر، وهي شبهة الغلط أو المغالطة بعدِّهم النبي صلى الله عليه وسلم في زمرة الشعراء فيحسب جمهور الناس الذين لا تغوص مدركاتهم على الحقائق أن ما جاء به الرسول ليس بالعجيب، وأن هذا الجائي به ليس بنبيء ولكنه شاعر، فكان القرآن معجزاً لبلغاء العرب بكونه من نوع كلامهم لا يستطيعون جحوداً لذلك، ولكنه ليس من الصنف المسمّى بالشعر بل هو فائق على شعرهم في محاسنه البلاغية وَليس هو في أسلوب الشعر بالأوزان التي ألفوها بل هو في أسلوب الكتب السماوية والذكر.

ولقد ظهرت حكمة علاّم الغيوب في ذلك فإن المشركين لمّا سمعوا القرآن ابتدروا إلى الطعن في كونه منزّلاً من عند الله بقولهم في الرسول: هو شاعر، أي أن كلامه شعر حتى أفاقهم من غفلتهم عقلاؤهم مثل الوليد بن المغيرة، وأُنيس بن جُنادة الغفاري، وحتى قرعهم القرآن بهذه الآية: {وما علمْناهُ الشعر وما ينبغي له إن هُوَ إلاَّ ذِكرٌ وقُرءَانٌ مبينٌ.

وبعد هذا فإن إقامة الشعر لا يَخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية، فإذا جاء القرآن شعراً قصَّر في بعض المواضع عن إيفاء جميع مقتضى الحال حقّه.

وسنذكر عند تفسير قوله تعالى: وما ينبغي له } وجوهاً ينطبق معظمها على ما أشار إليه قوله تعالى هنا: ﴿ وما علمناهُ الشِّعر ﴾ .

وقد قال ابن عطية: إن الضمير المجرور باللام في قوله: ﴿ وما ينبغي له ﴾ يجوز أن يعود على القرآن كما سيأتي.

وقوله: ﴿ وما ينبغي له ﴾ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبيء صلى الله عليه وسلم شعراً بنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه أي فطر الله النبي صلى الله عليه وسلم على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً وأن يكون قرآنه شعراً ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام وكثير ما هم بين العرب رجالهم وكثير من نسائهم غير زوج عبد الله بن رواحة ونظيراتها، والواو اعتراضية.

وضمير ﴿ ينبغي ﴾ عائد إلى الشعر، وضمير ﴿ لَهُ ﴾ يجوز أن يكون عائداً إلى ما عاد إليه ضمير الغائب في قوله: ﴿ علمناه ﴾ وهو الظاهر.

وجوّز ابن عطية أن يعود إلى القرآن الذي يتضمنه فعل ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ فجعل جملة ﴿ وما ينبغي له ﴾ بمنزلة التعليل لِجملة ﴿ وما علمْناهُ الشِّعر ﴾ .

ومعنى ﴿ وما ينبغي له ﴾ ما يتأتّى له الشعر، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً ﴾ [مريم: 92] تفصيل ذلك في سورة مريم، وتقدم قريباً عند قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ [يس: 40].

فأصل معنى ﴿ ينبغي ﴾ يستجيب للبغي، أي الطلب، وهو يُشعر بالطلب الملحّ.

ثم غلب في معنى يتأتّى ويستقيم فتنوسي منه معنى المطاوعة وصار ﴿ ينبغي ﴾ بمعنى يتأتّى يقال: لا ينبغي كذا، أي لا يتأتى.

قال الطيبي: روي عن الزمخشري أنه قال في «كتاب سيبويه» «كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال: كضرب وطلب وعَلِم، وما ليس فيه علاج: كعَدِم وفقَد لا يأتي في مطاوعه الانفعال البتة» ا ه.

ومعنى كون الشعر لا ينبغي له: أن قول الشعر لا ينبغي له لأن الشعر صنف من القول له موازين وقواففٍ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض وهو مع ذلك لا يقرض شعراً.

وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ألا ترى أنه لم يكن مطّرداً فربما أنشد البيت موزوناً.

هذا من جانب نظم الشعر وموازينه، وكذلك أيضاً جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالاً لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر.

وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرض الشعر ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لعدّ غضاضة في شعره وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أنفس قومه يستوي فيها العدوّ والصديق.

على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء ونحو ذلك.

وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حُجر الكِندي ابنه امرأ القيس وقد قال تعالى: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ [الشعراء: 224] الآية.

فلو جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر لحكمة» وقال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة.

قال أبو بكر بن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله تعالى: ﴿ وما كنت تتْلُو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ﴾ [العنكبوت: 48] من عيب الخط.

فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر.

ومن أجل ما للشعر من الفائدة والتأثير في شيوع دعوة الإِسلام أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حساناً وعبد الله بن رواحة بقوله، وأظهر استحسانه لكعب بن زهير حين أنشده القصيدة المشهورة: بانت سعادُ.

والقول في ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كلام موزون مثل قوله يوم أحد: أنا النبيُ لا كَذِبْ *** أنا ابنُ عبد المطلبْ كالقول فيما وقع في القرآن من شبيه ذلك مما بيناه آنفاً.

وجملة ﴿ إن هو إلا ذِكرٌ وقُرءَانٌ مُبينٌ ﴾ استئناف بياني لأن نفي الشعر عن القرآن يثير سؤال متطلب يقول: فما هو هذا الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان قوله: ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ جواباً لطلبته.

وضمير ﴿ هُوَ ﴾ للقرآن المفهوم من ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ ، أي ليس الذي عُلِّمه الرسول إلا ذكراً وقرآناً أو للشيء الذي علمناه، أي للشيء المعلّم الذي تضمنه ﴿ علمناهُ ﴾ ، أو عائد إلى ﴿ ذِكْرٌ ﴾ في قوله: ﴿ إلاَّ ذِكْرٌ ﴾ الذي هو ﴿ مُبِينٌ ﴾ .

وهذا من مواضع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة لأن البيان كالبدل.

وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ في سورة [المؤمنين: 37].

وجيء بصيغة القصر المفيدة قصر الوحي على الاتصاف بالكون ذكراً وقرآناً قصر قلب، أي ليس شعراً كما زعمتم.

فحصل بذلك استقصاء الرد عليهم وتأكيدُ قوله: ﴿ ومَا عَلَّمْناهُ الشِّعر ﴾ من كون القرآن شعراً.

والذكر: مصدر وصف به الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وصفاً للمبالغة، أي إن هو إلا مُذكّر للناس بما نسوه أو جهلوه.

وقد تقدم الكلام على الذكر عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا يأيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ في سورة [الحجر: 6].

والقرآن: مصدر قرأ، أطلق على اسم المفعول، أي الكلام المقروء، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ وما تتلو منه من قرآن ﴾ في سورة [يونس 61].

والمبين: هو الذي أبان المراد بفصاحة وبلاغة.

ويتعلق قوله: ﴿ لِتْنذِرَ ﴾ بقوله: ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ باعتبار ما اتصل به من نفي كونه شعراً ثم إثباتتِ كونه ذكراً وقرآناً، أي لأن جملة ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ بيان لما قبلها في قوة أن لو قيل: وما علمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً لينذر أو لتنذر.

وجعلهُ ابن عطية متعلقاً ب ﴿ مُبِينٌ ﴾ .

وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ﴿ لَتُنذِرَ ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات من ضمير الغيبة في قوله: ﴿ عَلَّمْناهُ ﴾ إلى ضمير الخطاب.

وقرأه الباقون بياء الغائب، أي لينذر النبي الذي علمناه.

والإِنذار: الإِعلام بأمر يجب التوقي منه.

والحيّ: مستعار لكامل العقل وصائب الإِدراك، وهذا تشبيه بليغ، أي مَن كان مثل الحي في الفهم.

والمقصود منه: التعريض بالمُعرِضين عن دلائل القرآن بأنهم كالأموات لا انتفاع لهم بعقولهم كقوله تعالى: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ﴾ [النمل: 80].

وعطف ﴿ ويَحِقَّ القولُ على الكافِرِينَ ﴾ على ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ عطفَ المجاز على الحقيقة لأن اللام النائب عنه واو العطف ليس لام تعليل ولكنه لام عاقبة كاللام في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].

ففي الواو استعارة تبعية، وهذا قريب من استعمال المشترك في معنييه.

وفي هذه العاقبة احتباك إذ التقدير: لتنذر من كان حيّاً فيزداد حياة بامتثال الذكر فيفوز ومن كان ميتاً فلا ينتفع بالإِنذار فيحق عليه القول، كما قال تعالى في أول السورة ﴿ إنَّما تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكر وخَشِيَ الرحمن بالغيببِ فبشرْهُ بمغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ [يس: 11]، فجمع له بين الإِنذار ابتداء والبشارة آخراً.

و ﴿ القول ﴾ : هو الكلام الذي جاء بوعيد من لم ينتفعوا بإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بالكافرين: المستمرون على كفرهم وإلا فإن الإِنذار ورد للناس أول ما ورد وكلهم من الكافرين.

وفي ذكر الإِنذار عوْد إلى ما ابتدئت به السورة من قوله: ﴿ لتنذر قوماً ما أُنذِرَ ءَاباؤُهم فهم غافِلُونَ ﴾ [يس: 6] فهو كرد العجز على الصدر، وبذلك تمّ مجال الاستدلال عليهم وإبطال شبههم وتخلص إلى الامتنان الآتي في قوله: ﴿ أوّلَمْ يَروا أنَّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعَاماً ﴾ [يس: 71] إلى قوله: ﴿ أفلا يشكرون ﴾ [يس: 73].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ نُعَمِّرْهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُلُوغُ ثَمانِينَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: هو الهَرِمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ نُنَكِّسْهُ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: نَرُدُّهُ في الضَّعْفِ إلى حالِ الضَّعْفِ فَلا يَعْلَمُ شَيْئًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: نُغَيِّرُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وقُوَّتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَ ﴿ فِي الخَلْقِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ الخَلْقِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ومَن عَمَّرْناهُ مِنَ الخَلْقِ نَكَّسْناهُ في الخَلْقِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَنى خَلْقَهُ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: مَن أطَلْنا عُمُرَهُ نَكَّسْنا خَلْقَهُ، فَصارَ مَكانَ القُوَّةِ الضَّعْفُ، ومَكانَ الشَّبابِ الهَرَمُ، ومَكانَ الزِّيادَةِ النُّقْصانُ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا بِكم قادِرٌ عَلى بَعْثِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ: لَيْسَ الَّذِي عَلَّمْناهُ مِنَ القُرْآنِ شِعْرًا.

الثّانِي: أيْ لَمْ نُعَلِّمْ رَسُولَنا أنْ يَقُولَ الشِّعْرَ.

﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ شِعْرًا.

الثّانِي: وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نُعَلِّمَهُ شِعْرًا.

﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ عَلَّمْناهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا مُبِينًا.

الثّانِي: إنْ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتُنْذِرَ يا مُحَمَّدُ مَن كانَ حَيًّا، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ.

الثّانِي: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ مَن كانَ حَيًّا، وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالياءِ.

وَفِي ﴿ مَن كانَ حَيًّا ﴾ هاهُنا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَن كانَ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مَن كانَ حَيَّ القَلْبِ حَيَّ البَصَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَن كانَ مُؤْمِنًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: مَن كانَ مُهْتَدِيًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: ويَجِبُ العَذابُ عَلى الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، عصمه الله من ذلك ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ لينذر من كان حياً ﴾ قال: حي القلب، حي البصر ﴿ ويحق القول على الكافرين ﴾ باعمالهم أعمال السوء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أنه قيل لعائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟

قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، يجعل أخره أوله، وأوله آخره، ويقول: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ليس هكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل ببيت طرفه: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والمرزباني في معجم الشعراء عن الحسن رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى الإِسلام والشيب للمرء ناهياً فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله، ما علمك الشعر وما ينبغي لك.

وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس: «أرأيت قولك: أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة» .

فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر، ولا راوية، ولا ينبغي لك.

إنما قال: بين عيينة والأقرع.

وأخرج البيهقي في سننه بسند فيه من يجهل حاله عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً: يقال بما نهوى يكن فلقا ** يقال لشيء كان إلا يحقق قالت عائشة رضي الله عنها: فقل تحققاً لئلا يعربه فيصير شعراً.

وأخرج أبو داود والطبراني والبيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي» .

وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لينذر من كان حياً ﴾ قال: عاقلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن نوفل بن عقرب قال: سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟

قالت: كان أبغض الحديث إليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ قال الكلبي (١) (٢) ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ما (٣) (٤) (٥) وأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر (٦)  - بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسراً، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة (٧) وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس (٨) كلي (٩) (١٠) وكان يتكلم ببيت طرفة فيقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار (١١) (١٢) ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ .

وما روي عنه من الأراجز كقوله: "هل أنت إلا أصبع دميت" (١٣) وقوله: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" (١٤) فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر (١٥) وقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي -  - لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) (١٦) ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه.

قوله: ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ قال مقاتل: القرآن (١٧) ﴿ إِلَّا ذِكْرٌ ﴾ قال ابن عباس: موعظة.

﴿ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام (١٨) (١) لم أقف عليه.

(٢) "تفسير مقاتل" 108 ب، "البغوي" 4/ 18، "زاد المسير" 7/ 34.

(٣) في (ب): (وما).

(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وانظر: "الطبري" 27/ 23، "بحر العلوم" 3/ 105.

البغوي 4/ 18، "مجمع البيان" 8/ 674.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 212 (بغي)، "اللسان" 14/ 76 (بغا).

(٧) البيت من المتقارب وصحته: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وهو في "ديوان العباس" 84، "لسان العرب" 1/ 774 (نهب)، "تاج العروس" 4/ 319 (نهب)، "خزانة الأدب" 1/ 153.

وذكر هذا الأثر القرطبي في "تفسيره" 15/ 52.

(٨) عبد بني الحسحاس، اسمه سحيم، وكان عبداً أسود نوبياً أعجميًا، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولا يعرف له صحبة قُتل في خلافة عثمان -  -، قتله بنو الحسحاس لأنه أحبَّ امرأة منهم وطفق يتغزل فيها، فقتلوه خشية العار.

انظر: "الخزانة" 2/ 102، "الأغاني" 22/ 305، "الشعر والشعراء" ص 241.

(٩) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: كفى.

(١٠) البيت من الطويل، وصحته: عميرة ودع إن تجهزت غازيًا ...

كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً وهو لسحيم في: "البيان والتبيين" 1/ 71، "الكامل" 1/ 285، "الخزانة" 1/ 267، 2/ 102، "الأغاني" 22/ 307، "سر صناعة الإعراب" 1/ 141.

وذكر هذا الأثر الإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خبر العباد" 9/ 352، وقال: أخرجه ابن سعد عن الحسن البصري، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 52.

(١١) البيت من الطويل، وصحته: == ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ...

ويأتيك بالأخبار من لم تزود وهو لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة في: "ديوانه" ص 41، "أشعار الشعراء الستة الجاهلين" 2/ 57،"لسان العرب" 2/ 8 (تبت)، "تاج العروس" 15/ 150.

(١٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 31، 146، والنسائي في "عمل اليوم واليلة" ص 549، والترمذي في "سننه" أبواب الآداب، ما جاء في إنشاد الشعر 4/ 218 رقم 3006.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 128: رواه الترمذي عن عائشة، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار، والطبراني، عن ابن عباس، ورجالهما رجال الصحيح.

(١٣) هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب من ينكب في سبيل الله 3/ 1031 رقم 2648، وفي "كتاب الأدب"، باب ما يجوز من الشعر 5/ 2276 رقم 5794 من حديث جندب بن سفيان.

والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -  - من أذى المشركين والمنافقين 3/ 1421 رقم 1796 من حديث جندب بن سفيان.

(١٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب التحريض على القتال 3/ 1043 رقم 2679، وفي باب البيعة في الحرب ألا يفروا 3/ 1081 رقم 2801 عن أنس، وفي "كتاب الرقاق"، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة 5/ 2357 رقم 6050 عن أنس، ورقم 6051 عن سهل بن سعد الساعدي.

وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد" باب غزوة الأحزاب 3/ 1431 رقم 1804 من حديث أنس.

(١٥) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" 8/ 38 في شرحه لقول النبي -  -: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".

قال: وقد أجيب عن مقالته -  - هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظمه غيره وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين.

ثانيها: أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود.

ثالتها: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قِطْعَة.

وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرًا.

رابعها: أنه خرج موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة.

وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" 15/ 52: وإصابته -  - الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ...

فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعراً ولا في معناه.

وانظر للاستزادة في الموضوع: "فتح الباري" 8/ 38 ، 10/ 660، "الجامع لأحكام القرآن" 15/ 51، "الشعر الإسلامي في صدر الإسلام" ص 24 وما بعدها.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.

(١٧) "تفسير مقاتل" 108 ب.

(١٨) "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373.

وانظر: "البغوي" 4/ 19، "زاد المسير" 7/ 33.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ردّ على الكفار في قولهم: إنه شاعر، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه، فإن قيل: قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: *** «أنا النبي لا كذب ** أنا ابن عبد المطلب» وروي أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم: *** «هل أنت إلا أصبع دميت ** وفي سبيل الله ما لقيت» وهذا الكلام على وزن الشعر فالجواب أنه ليس بشعر، وأنه لم يقصد به الشعر، وإنما جاء موزوناً بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل هذا يقال في مثل ما جاء في القرآن من الكلام الموزون، ويقتضي قوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر لما فيه من الأباطيل وإفراط التجاوز، حتى يقال: إن الشعر أطيبه أكذبه، وليس كل الشعر كذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة» وقد أكثر الناس في ذم الشعر ومدحه، وإنما الانصاف قول الشافعي الشعر كلام والكلام منه حسن ومنه قبيح ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ ﴾ الضمير للقرآن يعني أنه ذكر الله أو تذكير للناس أو شرفه لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.

الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.

وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.

﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.

﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.

الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.

ابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.

والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.

الآخرون: بالتخفيف من النكس.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.

الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.

وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض  ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.

وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.

أو ما بين أيديكم من أمر محمد  فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.

أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .

﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.

وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.

ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟

وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله  قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.

فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.

وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.

وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.

وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.

وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.

وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.

ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله  بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.

وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.

وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.

ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.

وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.

وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.

ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.

وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟

نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.

ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.

وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.

وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون  ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.

ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.

وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.

ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.

عن مجاهد: للكفار.

هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.

والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.

ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.

وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.

وقد مر نظيره.

ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.

أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.

وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.

أي لا يترك شيئاً.

ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.

ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.

وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.

وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.

وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.

وقيل: التزاور.

وقيل: ضيافة الله.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.

والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.

والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.

وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج  ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.

وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.

وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.

قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.

وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.

أي اتخذ لنفسه شواء.

أو هو بمعنى التداعي.

وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.

وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.

وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.

وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.

وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.

أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.

وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.

أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.

وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.

ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله  أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.

ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.

قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.

وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.

ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.

عن علي  أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.

ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.

وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.

روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله  إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.

قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.

وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.

ثم إنه  أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.

وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم  ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.

وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.

وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.

هذا وقد ذكرنا مراراً أنه  كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.

وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.

فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.

والطمس محو أثر شق العين.

قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.

والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.

فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.

عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.

والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.

وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.

وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.

ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.

وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله  ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.

وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.

وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.

قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.

وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله  من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.

قال: وما روي أنه  .

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.

وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.

وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.

أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.

فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه  كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.

ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.

ويروى أنه  حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.

ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.

وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله  "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله  في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.

وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟

ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.

ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.

أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.

ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.

وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.

ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.

يلزمه التكرار.

ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.

وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.

والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.

وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.

وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.

وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.

ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.

ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.

وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين  ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.

وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.

وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟

فقال  : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.

قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله  على إحياء الموتى قصة عجيبة.

وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.

والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.

ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.

وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.

واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.

ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟

أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟

أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.

فأجاب الله  عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.

وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.

ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.

قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.

وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.

قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى  فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.

ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.

ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.

ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.

وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.

ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.

فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.

وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.

عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.

روي أنه  قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي  أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.

وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.

وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.

فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.

الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.

وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.

قال الله  ﴿ فإذا فرغت  ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب  ﴾ لطلب الوصال.

ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي  فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.

ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.

أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق  : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.

فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.

﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.

وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله  وبتعليمه وإلهامه.

﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.

وإنما قال النبي  "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره  رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.

أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه  كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .

أي: من نعمره حتى يدركه الهرم والضعف، يقول: نرده في الخلق الأول لا يعقل فيه كعقله الأول؛ كقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ  ﴾ .

﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: من فعل هذا، أو قدر على هذا، لا يعجزه شيء ويتأدى به شكره.

قال القتبي: المطموس: هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ ﴾ أي: فتجوزوا.

[و]قال أبو عوسجة: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ أي: أعميناهم، والمسخ: هو تغيير الصور والأبدان.

وقوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .

أي: نصيره ضعيفاً بعد أن كان قويّاً.

وقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .

نزل هذا - والله أعلم - عند قولهم: إنه شاعر، وإنه كذاب؛ فأخبر أنه لم يعلمه الشعر، وما ينبغي له الشعر، تكذيباً لهم، وردّاً عليهم: أنه شاعر، وأن هذا القرآن شعر، جعل الله عجز رسوله عن القيام بإنشاد الشعر بعض آياته من آيات رسالته، كما جعل عجزه عن تلاوة الكتاب من قبل وكتابته وخطه بيمينه آية من آيات رسالته؛ ليعلم أولئك الذين قذفوه بالشعر والافتراء من نفسه والكذب على الله وبالسحر أنه إنما أخبر عن وحي عن الله، لا ما يقولون هم، وهم على يقين، وعلم: أنه ليس شاعراً ولا ساحراً ولا كذاباً؛ لما لم يروه اختلف إلى أحد منهم في تعلم ذلك، ولا كان عنده من كتبهم منها أخذ ذلك [ولا أخذ عليه] كذب قط، لكنهم نسبوه إلى ما نسبوه من الشعر والسحر والكذب؛ تعنتاً منهم وعناداً، يلبسون أمره بذلك على أتباعهم وسفلتهم؛ لئلا تذهب رياستهم ومنفعتهم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث أخبر أنه لم يعلمه الشعر، وقد أعطى له جميع أسباب الشعر، وقال في القرآن: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ أنه كان من الله لطف سوى السبب فيما أخبر أنه قد علمه؛ دل أن التعليم له فيما كان منه تعليم له بلطف منه سوى السبب لا بنفس السبب؛ إذ نفس السبب قد كان له في الأمرين جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .

أن يشتغل بشيء مما يتلهى به، والشعر في الأصل؛ إنما جعل للتلهي به والتلذذ؛ لذلك حيل بينه وبين طبعه إنشاد الشعر؛ ليكون أبداً مشتغلا بما هو حكمة وعلم، وفيما هو أمر الله، لا بما فيه التلهي واللهو، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾ .

﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر؛ لما نسوه من أمر الله ووعده ووعيده ومما لهم، ومما عليهم، يذكرهم ما نسوه وتركوه و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : يبين لهم ما لهم وما عليهم، أو يبين لهم ما يؤتى وما يتقى، أو يبين لهم أنه من الله جاء ومن عنده نزل لا من عند المخلوقين.

أو ﴿ ذِكْرٌ ﴾ لأهل الكتاب، يذكرهم بما نسوه مما كان في كتبهم من نعته وصفته وما عليهم القيام به وما ليس، و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ لمشركي العرب أنه رسول وأن هذا القرآن من عنده جاء به، وكل كتب الله ذكر ومبين ورحمة ونور وشفاء على ما أخبر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ .

قال بعضهم: من كان عاقلا، يقول: لينذر القرآن من له عقل حيّ فيؤمن، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ أي: السخطة على الكافرين في علم الله أنهم لا يؤمنون.

وقال بعضهم: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ ، أي: مؤمناً؛ لأن الله - تبارك وتعالى - سمى المؤمن: حيا في غير آية، والكافر ميتاً.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي: لتقع النذارة وتنفع من كان حيّا، أي: مؤمناً على ما ذكرنا، وإن كان ينذر الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ هو ينذر من اتبع الذكر، ومن لم يتبع الذكر، لكن النذارة إنما تقع وتنفع لمن اتبع الذكر وخشي الرحمن خاصة؛ وكقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، هو يذكر لهم جميعاً لكن المنفعة للمؤمنين فعلى ذلك الأول.

ويحتمل قوله: ﴿ مَن كَانَ ﴾ أي: من يطلب بحياته الفانية الحياة الدائمة، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ القول الذي قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ و ﴿ أَلَمْ تَرَ  ﴾ ، ونحوه أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من الله على الإيجاب والإلزام؛ ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر أن قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام وما ذكر.

والثاني: على الأمر على الرؤية والنظر فيما ذكر، أي: فليروا.

فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام، فهلا تفكروا واعتبروا فيما خلق لهم من الأنعام وغيرها: أنه لم يخلق لهم ذلك عبثاً باطلا ولكن لحكمة، ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثاً باطلا؟!

أو أن يقول: إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام وتركيب ما ركب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات، لا يحتمل أن يخفى عليه شيء أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة.

أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام وذللها لهم وجعل لهم فيها من المنافع ما ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يتأدى على ذلك شكر ما أنعم عليهم على جهة ما لو كان على الأمر بالرؤية فيما خلق والنظر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً ﴾ .

يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، نسب ذلك إلى نفسه.

ويحتمل ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ﴾ ، أي: قوتنا؛ كقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي: بقوة ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قادرون على الانتفاع بها والاستعمال لها، يقول الرجل فيما له فيه حقيقة الملك: أنا غير مالك عليه إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا مالك على استعماله.

وقيل: ﴿ مَالِكُونَ ﴾ ، أي: ضابطون قادرون على إمساكها، يقال: فلان غير ضابط على إبله ودابته وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ﴾ .

يخبر عن أنواع ما جعل لهم من الأنعام وأنعم عليهم؛ ليتأدى بذلك شكره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ .

يخبر عن سفههم وقلة بصرهم وفهمهم؛ لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها؛ رجاء النصر لهم، وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه، وجعله كل شيء لهم، ثم يكون رجاؤهم بذلك ما قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وذلك في الآخرة.

ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا في دفع ما ينزل بهم من البلايا والشدائد؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

ثم أخبر أن الأصنام التي يعبدونها وما رجوا منها لا يستطيعون نصرهم وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم، وأخبر أن ما عبدوا دونه يصير أعداء لهم.

قال: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ .

في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ؛ هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل يجعل الأصنام جنداً عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ ، أي: المشركون جند للآلهة التي يعبدونها، أي: هم يقيضون لها ويقومون في دفع من همّ بها فساداً وإهلاكاً - أعني: أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله: ﴿ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ  ﴾ .

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الآخرة.

وقال بعضهم: ذلك في الدنيا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

كان من أولئك الكفرة لرسول الله أقوال مختلفة: مرة كان منهم ما ذكر: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ومرة قالوا: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر.

ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ .

ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن عليه حتى قال له: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ، أي: لا تحزن على قولهم؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون؛ فنحفظ عليهم ذلك ونكافئهم على ذلك.

أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك.

أو أن يكون حزنه عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم والهلاك لعنادهم ومكابرتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما علَّمنا محمدًا  الشعر، وما ينبغى له ذلك؛ لأنه ليس من طبعه، ولا تقتضيه جبلَّته، حتى يصح لكم ادعاء أنه شاعر، ليس الذى علمناه إلا ذكرًا وقرآنًا واضحًا لمن تأمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.R7QXR"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله