الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٧٦ من سورة يس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٦ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فلا يحزنك قولهم ) أي : تكذيبهم لك وكفرهم بالله ، ( إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) أي : نحن نعلم جميع ما هم عليه ، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك ، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا ، ولا صغيرا ولا كبيرا ، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا .
وقوله تعالى ( فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : فلا يحْزُنْك يا محمد قول هؤلاء المشركين بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك.
وقوله ( إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) يقول تعالى ذكره: إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قيل ذلك الحسد، وهم يعلمون أن الذي جئتهم به ليس بشعر، ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب، فنعلم ما يسرون من معرفتهم بحقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانية.
فلا يحزنك قولهم هذه اللغة الفصيحة .
ومن العرب من يقول : يحزنك .
والمراد تسلية نبيه عليه السلام ، أي : لا يحزنك قولهم شاعر ساحر .
وتم الكلام .
إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون من القول والعمل وما يظهرون فنجازيهم بذلك .
أي: فلا يحزنك يا أيها الرسول، قول المكذبين، والمراد بالقول: ما دل عليه السياق، كل قول يقدحون فيه في الرسول، أو فيما جاء به.أي: فلا تشغل قلبك بالحزن عليهم { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فنجازيهم على حسب علمنا بهم، وإلا فقولهم لا يضرك شيئا.
( فلا يحزنك قولهم ) يعني : قول كفار مكة في تكذيبك ( إنا نعلم ما يسرون ) في ضمائرهم من التكذيب ( وما يعلنون ) من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى .
«فلا يحزنك قولهم» لك: لست مرسلا وغير ذلك «إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» من ذلك وغيره فنجازيهم عليه.
فلا يَحْزُنك -أيها الرسول- كفرهم بالله وتكذيبهم لك واستهزاؤهم بك؛ إنا نعلم ما يخفون، وما يظهرون، وسنجازيهم على ذلك.
والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ) للإِفصاح .
أى : إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم من الجهالة والغفلة ، فأعرض عنهم ، ولا تحزن عليهم ، ولا تبال بأقوالهم .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) تعليل للنهى عن الحزن بسبب أقوالهم .
أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوالهم الباطلة ، فإنا نعلم علماً تاماً ما يسرونه من حقد عليك ، وما يعلنونه من أعمال قبيحة ، وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذى يستحقونه .فالآية الكريمة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من هؤلاء المشركين .
وقوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون ذلك تهديداً للمنافقين والكافرين فقوله: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ من النفاق ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من الشرك والثاني: ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث: ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة.
ثم إنه تعالى لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما ﴾ ذكر دليلاً من الأنفس.
فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ ﴾ قيل إن المراد بالإنسان أبيّ بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظماً بالياً وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم ويدخلك جهنم»، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ نزلت في واحدة وأراد الكل في الحكم فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر فهذه الآية رد عليه إذا علمت عمومها فنقول فيها لطائف: اللطيفة الأولى: قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾ معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الإنسان ﴾ كلام أعم من قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ ﴾ لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم، فإن الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن (لا يغفل) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون.
فقال: إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إشارة إلى وجه الدلالة، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو، وكذلك الحال في كل عضو، ولما كان خلقه عن نطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ يسقى بِمَاء واحد ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه، وذلك لأن النطفة جسم، فهب أن جاهلاً يقول إنه استحال وتكون جسماً آخر، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة؟
فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله: ﴿ مُّبِينٌ ﴾ إشارة إلى قوة عقله، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله: ﴿ خصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاماً إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله: ﴿ ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ إشارة إلى ما أشار إليه بقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ أي ناطق عاقل.
ثم قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ إشارة إلى بيان الحشر وفي هذه الآيات إلى آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء الله تعالى، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة واكتفى بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم في كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال: ﴿ وَقَالُواْ أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلقٍ جديد ﴾ ﴿ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أَئنَّكَ لَمِنَ المصدقين ﴾ ﴿ إئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون ﴾ إلى غير ذلك فكذلك هاهنا قال: ﴿ قَالَ مَن يُحيِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ على طريق الاستبعاد فبدأ أولاً بإبطال استبعادهم بقوله: ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء، ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل الذي (ن) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلاً، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه، ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا: ﴿ مَن يُحيِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في المعيد من القدرة والعلم فقال: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: أحدهما: أنه بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود، وأجاب عن هذه الشبهة.
بقوله تعالى: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئاً مذكوراً.
وثانيها: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع؟
وأبعد من هذا هو أن إنساناً إذا أكل إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأكول، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء.
فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة: ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية، وفي المأكول كذلك، فإذا أكل إنسان إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع، المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة.
<div class="verse-tafsir"
اتخذوا الآلهة طمعاً في أن يتقوّوا بهم ويتعضدوا بمكانهم، والأمر على عكس ما قدّروا حيث هم جند لآلهتهم معدّون ﴿ مُحْضَرُونَ ﴾ يخدمونهم ويذبون عنهم، ويغضبون لهم؛ والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند معدّون لهم محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
وقرئ: ﴿ فلا يحزنك ﴾ بفتح الياء وضمها، من حزنه أحزنه.
والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وإنا مجاوزهم عليه، فحقّ مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهمّ ولا يرهقه الحزن.
فإن قلت: ما تقول فيمن يقول: إن قرأ قارئ: ﴿ أنا نعلم ﴾ بالفتح: انتقضت صلاته، وإن اعتقد ما يعطيه من المعنى: كفر؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون على حذف لام التعليل، وهو كثير في القرآن وفي الشعر، وفي كل كلام وقياس مطرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء.
وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الحمد والنعمة لك» ، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي، وكلاهما تعليل.
والثاني: أن يكون بدلاً من ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ كأنه قيل: فلا يحزنك، أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون.
وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر إن وفتحها، وأنما يدوران على تقديرك، فتفصل إن فتحت بأن تقدّر معنى التعليل ولا تقدّر البدل، كما أن تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدّر معنى المفعولية، ثم إن قدّرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل، فما فيه إلا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على كون الله عالماً بسرهم وعلانيتهم، وليس النهي عن ذلك مما يوجب شيئاً، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين ﴾ [القصص: 86] ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ [القصص: 87] ، ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [القصص: 88] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً ﴾ أشْرَكُوها بِهِ في العِبادَةِ بَعْدَ ما رَأوْا مِنهُ تِلْكَ القُدْرَةَ الباهِرَةَ والنِّعَمَ المُتَظاهِرَةَ، وعَلِمُوا أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِها.
﴿ لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ ﴾ رَجاءَ أنْ يَنْصُرُوهم فِيما حَزَبَهم مِنَ الأُمُورِ والأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّهم ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهُمْ ﴾ لِآلِهَتِهِمْ.
﴿ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ مُعَدُّونَ لِحِفْظِهِمْ والذَّبِّ عَنْهم، أوْ ( مُحْضِرُونَ ) أثَرَهم في النّارِ.
﴿ فَلا يَحْزُنْكَ ﴾ فَلا يَهُمُّكَ، وقُرِئَ بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ.
﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ في اللَّهِ بِالإلْحادِ والشِّرْكِ، أوْ فِيكَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّهْجِينِ.
﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ وكَفى ذَلِكَ أنْ تَتَسَلّى بِهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولِذَلِكَ لَوْ قُرِئَ ( أنّا ) بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ جازَ.
<div class="verse-tafsir"
{فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} وبضم الياء وكسر الزاي نافع من حزنه وأحزنه يعني فلا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاءهم {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} من عداوتهم {وَمَا يعلنون} وإنا مجازوهم عليه نحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن ومن زعم أن من قرأ إِنا نعلم بالفتح فسدت صلاته وإن اعتقد معناه كفر فقد أخطأ لأنه يمكن حمله على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر وفي كل كلام وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحمد
والنعمة لك كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي رحمة الله عليهما وكلاهما تعليل فإن قلت إن كان المفتوح بدلاً من قَوْلُهُمْ كأنه قيل فلا يحزنك أنا نعلم مايسرون وما يعلنون ففساده ظاهر قلت هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسران وفتحها وإنما يدوران على تقديرك فتفصل إن فتحت بأن تقدر معنى التعليل ولا تقدر معنى البدل كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدره معنى المفعولية ثم إن قدرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على علمه تعالى بسرهم وعلانيتهم والنهي عن حزنه ليس إثباتاً لحزنه بذلك كما في قوله فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخر ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظماً بالياً وجعل يفته بيده ويقول يا محمد أترى الله يحيى هذا بعد مارم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك جهنم
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ هَذا حالُهم مَعَ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ: هو شاعِرٌ، أوْ إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ما سَمِعْتَ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: إنَّ لَهُ شُرَكاءَ!
تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أوْ عَلَيْكَ هو شاعِرٌ أوْ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وشَأْنِكَ، والِاقْتِصارُ في بَيانِ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ بِأنَّهُ وحاشاهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِما تَقَدَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ ﴾ وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الأقْوالِ، وتَفْسِيرُ الشَّرْطِ الَّذِي أفْصَحَتْ عَنْهُ الفاءُ بِما ذَكَرْنا أوَّلًا هو المُناسِبُ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ وبِما ذَكَرْنا ثانِيًا هو المُناسِبُ لِما ذُكِرَ بَعْدُ في مَعْنى ذَلِكَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى الأوَّلِ إذا كانُوا في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ حَيْثُ اتَّخَذُوا رَجاءَ النَّصْرِ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، بَلْ هم يَذُبُّونَ عَنْ تِلْكَ الآلِهَةِ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ ما قالُوا، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وأيًّا ما كانَ فالنَّهْيُ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْلِهِمْ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ - مُتَوَجِّهٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، والمُرادُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِنَ الحُزْنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ نافِعٌ ”فَلا يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ وجاءَ حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ.
﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدِ تَعْلِيلِهِ بِطَرِيقِ الإشْعارِ بِناءً عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي في الشَّرْطِ فَإنَّ العِلْمَ بِما ذُكِرَ مَجازٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ أوْ كِنايَةٌ عَنْها لِلُزُومِها إيّاهُ؛ إذْ عِلْمُ المَلِكِ القادِرِ الحَكِيمِ بِما جَرى مِن عَدُوِّهِ الَّذِي تَقْتَضِي الحِكْمَةُ الِانْتِقامَ مِنهُ مُقْتَضٍ لِمُجازاتِهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وهو عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ قِيلَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يا رَبِّ فَإذا كانَ حالُهم مَعَكَ ومَعَ نَبِيِّكَ ذَلِكَ فَماذا تَصْنَعُ بِهِمْ؟
فَقِيلَ: ﴿ إنّا نَعْلَمُ ﴾ إلَخْ أيْ نُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ جِناياتِهِمْ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الشَّرْطِ فَتَأمَّلْ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ نَعْلَمُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والعَداوَةِ لَكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والَّذِي يُعْلِنُونَهُ مِن كَلِماتِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: نَعْلَمُ إسْرارَهم وإعْلانَهُمْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أوِ الفِعْلانِ مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والمُتَبادِرُ الأوَّلُ، وهو الأوْلى.
وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ لِبَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ إنَّ عِلْمَ السِّرِّ عِنْدَهُ تَعالى كَأنَّهُ أقْدَمُ مِن عِلْمِ العَلَنِ، وقِيلَ: لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ مُضْمَرٌ في القَلْبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ الباطِنِ فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ ولِأنَّهُ مَحَلُّ الِاشْتِباهِ المُحْتاجِ لِلْبَيانِ، وشاعَ أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ مُتَعَيِّنٌ، وقِيلَ: لَيْسَ بِهِ؛ لِأنَّهُ جُوِّزَ في ﴿ إنّا نَعْلَمُ ﴾ إلَخْ كَوْنُهُ مَقُولَ القَوْلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ إنّا نَعْلَمُ إلَخْ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قَرَأ قارِئٌ أنّا نَعْلَمُ بِالفَتْحِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَدَلًا مِن ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ لا تَنْتَقِضُ صِلاتُهُ، ولا يُكَفَّرُ لَوِ اعْتَقَدَ ما يُعْطِيهِ مِنَ المَعْنى كَما لَوْ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، والحَقُّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّوْجِيهِ لا بَأْسَ بِقَبُولِهِ في دَرْءِ الكُفْرِ، وأمّا أمْرُ الوَقْفِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِ أنَّهُ عَلى قَوْلِهِمْ كالمُتَعَيِّنِ.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ يعني: أولم ينظروا فيعتبروا فيما أنعم الله عز وجل عليهم.
قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً يعني: أنا خلقنا لهم بقوتنا، وبقدرتنا، وبأمرنا، أَنْعاماً يعني: الإبل، والبقر، والغنم، فَهُمْ لَها مالِكُونَ يعني: الأنعام.
وقال قتادة: يعني: ما في بطونها وَذَلَّلْناها لَهُمْ يعني: سخرناها لهم، فيحملون عليها، ويسوقونها حيث شاؤوا، فلا تمتنع منهم فَمِنْها رَكُوبُهُمْ في انتفاعهم وحوائجهم وَمِنْها يَأْكُلُونَ من الإبل، والبقر، والغنم، وَلَهُمْ فِيها يعني: في الأنعام مَنافِعُ في الركوب، والحمل، والصوف، والوبر، وَمَشارِبُ يعني: ألبانها أَفَلا يَشْكُرُونَ رب هذه النعمة، فيوحدونه.
يعني: اشكروا، ووحدوا، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يعني: تركوا عبادة رب هذه النعم، وعبدوا الآلهة لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ يعني: لعل هذه الآلهة تمنعهم من العذاب في ظنهم.
يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يعني: منعهم من العذاب وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يعني: الكفار للأصنام جند يتعصبون لها، ويحضرونها في الدنيا للآلهة.
ويقال: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يعني: لآلهتهم كالعبيد، والخدم.
قيام بين أيديهم.
وقال الحسن: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ في الدنيا مُحْضَرُونَ في النار.
ثم قال عز وجل: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يعني: لا يحزنك يا محمد تكذيبهم إياك إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ من التكذيب وَما يُعْلِنُونَ يعني: ما يظهرون لك من العداوة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ الضميرُ في «أعْيُنِهِمْ» لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ.
قالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة «١» ، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ.
وقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شئنا لأعميناهم، فأحسب أو قدّر أنّهم يسبقون الصِّرَاطَ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْياً يَتَرَدَّدُونَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر «٢» والمَعْنَى:
لو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فلم يهتد منهم أحدا أبداً، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك.
ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ ع رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ- بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...
الآية.
وقوله تعالى: «لتنذر مَن كَانَ حَيّاً» أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتاً لكُفْرِهِ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: مَنْ كانَ حَيًّا معناه: عاقِلاً «٣» ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه:
ثُمَّ ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِمّا عَمِلْناهُ بِقَوَّتِنا وقُدْرَتِنا، وفي اليَدِ القُدْرَةُ والقُوَّةُ عَلى العَمَلِ، فَتُسْتَعارُ اليَدُ فَتُوضَعُ مَوْضِعَها، هَذا مَجازٌ لِلْعَرَبِ يَحْتَمِلُهُ هَذا الحَرْفُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ.
وقالَ غَيْرُهُ: ذِكْرُ الأيْدِي ها هُنا يَدُلُّ عَلى انْفِرادِهِ بِما خَلَقَ، والمَعْنى: لَمْ يُشارِكْنا أحَدٌ في إنْشائِنا؛ والواحِدُ مِنّا إذا قالَ: عَمِلَتُ هَذا بِيَدِي، دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْفِرادِهِ بِعَمَلِهِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: مِمّا أوْجَدْناهُ بِقُدْرَتِنا وقُوَّتِنا؛ وهَذا إجْماعٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ هاهُنا إلّا ما ذَكَرْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ضابِطُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الشِّعْرِ: أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبِطُ رَأْسَ البَعِيرِ.
والثّانِي: قادِرُونَ عَلَيْها بِالتَّسْخِيرِ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلَّلْناها لَهُمْ ﴾ أيْ: سَخَّرْناها، فَهي ذَلِيلَةٌ لَهم ﴿ فَمِنها رَكُوبُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرُّكُوبُ: ما يَرْكَبُونَ، والحَلُوبُ: ما يَحْلِبُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قَرَأ قارِئٌ: "فَمِنها رُكُوبُهُمْ"، كانَ وجْهًا، كَما تَقُولُ: مِنها أُكُلُهم وشُرْبُهم ورُكُوبُهم.
وقَدْ قَرَأ بِضَمِّ الرّاءِ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، والأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمُرَ في آَخَرِينَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ: "رَكُوبَتَهُمْ" بِفَتْحِ الرّاءِ والباءِ وزِيادَةِ تاءٍ مَرْفُوعَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَرْكَبُونَ مِنَ الأنْعامِ الإبِلَ، ويَأْكُلُونَ الغَنَمَ، ﴿ وَلَهم فِيها مَنافِعُ ﴾ مِنَ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ والنَّسْلِ ﴿ وَمَشارِبُ ﴾ \[مِن\] ألْبانِها، ﴿ أفَلا يَشْكُرُونَ ﴾ رَبُّ هَذِهِ النِّعَمِ فَيُوَحِّدُونَهُ؟!
.
ثُمَّ ذَكَرَ جَهْلَهم فَقالَ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: لِتَمْنَعَهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ الأصْنامُ عَلى مَنعِهِمْ مِن أمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ بِهِمْ ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ ﴿ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: جُنْدٌ في الدُّنْيا مُحْضَرُونَ في النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مُحْضَرُونَ عِنْدَ الحِسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: المُشْرِكُونَ جُنْدٌ لِلْأصْنامِ، يَغْضَبُونَ لَها في الدُّنْيا، وهي لا تَسُوقُ إلَيْهِمْ خَيْرًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم شَرًّا، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الكُفّارُ يَغْضَبُونَ لِلْآَلِهَةِ ويَحْضُرُونَها في الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هم لِلْأصْنامِ يَنْتَصِرُونَ، وهي لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَهم.
والرّابِعُ: هم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الأصْنامِ يَعْبُدُونَها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يَعْنِي قَوْلُ كُفّارِ مَكَّةَ في تَكْذِيبِكَ ﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ﴾ في ضَمائِرِهِمْ مِن تَكْذِيبِكَ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ والمَعْنى: إنّا نُثِيبُكَ ونُجازِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ ﴿ وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ في أمْرِ قُرَيْشٍ وإعْراضِها عَنِ الشَرْعِ وعِبادَتِها الأصْنامَ، فَنَبَّهَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أيْدِينا" ﴾ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، عَبَّرَ عنها بـِ"يَدٍ" وبِـ"يَدَيْنِ" وبِـ"أيْدٍ"، وذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ البَشَرُ إنَّما يَفْهَمُونَ القُدْرَةَ والبَطْشَ بِاليَدِ، فَعَبَّرَ لَهم بِالجِهَةِ الَّتِي اقْتَرَبَتْ مِن أفْهامِهِمْ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ والتَشْبِيهِ كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لَها مالِكُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى النِعْمَةِ في أنَّ هَذِهِ الأنْعامَ لَيْسَتْ بِعاتِيَةٍ ولا مُبْتَزَّةٍ، بَلْ تُقْتَنى وتُقَرَّبُ مَنافِعُها.
وقَوْلُهُ: "ذَلَّلْناها" مَعْناهُ: سَخَّرْناها ذَلِيلَةً، و"الرَكُوبُ" المَرْكُوبُ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ولَيْسَ إلّا في ألْفاظٍ مَحْصُورَةٍ، كالرَكُوبِ، والحَلُوبِ، والقَدُوعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "رَكُوبُهُمْ" ﴾ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ بِضَمِّها الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "رَكُوبَتُهُمْ".
و"المَنافِعُ" إشارَةٌ إلى الأصْوافِ والأوبارِ وغَيْرِها، و"المَشارِبُ": الألْبانُ.
ثُمَّ عَنَّفَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ طَلَبًا لِلِاسْتِنْصارِ بِها والتَعاضُدِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفّارِ، وفي "نَصْرَهُمْ" لِلْأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ لِأنَّ الوَجْهَيْنِ صَحِيحانِ في المَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لَهم جُنْدٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْأصْنامِ، عَلى مَعْنى: وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُجَنَّدُونَ مُتَحَزِّبُونَ لِهَذِهِ الأصْنامِ في الدُنْيا، لَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ التَناصُرَ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ العَكْسُ، أيْ: يَحْضُرُونَ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والنِقْمَةِ، وسَمّاهم جُنْدًا في هَذا التَأْوِيلِ إذْ هم عُدَّةٌ لِلنِّقْمَةِ مِنهم وتَوْبِيخِهِمْ، وجَرَتْ ضَمائِرُ الأصْنامِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجْرى مَن يَعْقِلُ إذْ نَزَلَتْ في عِبادَتِها مَنزِلَةَ عَقْلٍ، فَعُومِلَتْ في العِبارَةِ بِذَلِكَ.
ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ ، وتَوَعَّدَ الكَفّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا ﴾ .
فرّع على قوله: ﴿ واتَّخذوا من دُوننِ الله ءَالِهَةً ﴾ [يس: 74] صرفُ أن تحزن أقوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أي تحذيره من أن يحزِن لأقوالهم فيه فإنهم قالوا في شأن الله ما هو أفظع.
و ﴿ قولهم ﴾ من إضافة اسم الجنس فيعم، أي فلا تحزنك أقوالهم في الإِشراك وإنكار البعث والتكذيب والأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولذلك حذف المقول، أي لا يحزنك قولهم الذي من شأنه أن يحزنك.
والنهي عن الحزن نهي عن سببه وهو اشتغال بال الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله تعالى وعقابه من ناووه وعادوه.
﴿ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ﴾ .
تعليل للنهي عن الحزن لقولهم.
والخبر كناية عن مؤاخذتهم بما يقولون، أي إنا محصون عليهم أقوالهم وما تسرّه أنفسهم مما لا يجهرون به فنؤاخذهم بذلك كله بما يكافئه من عقابهم ونصرِك عليهم ونحو ذلك.
وفي قوله: ﴿ ما يُسِرُّونَ وما يُعلنون ﴾ تعميم لجعل التعليل تذييلاً أيضاً.
و«إنّ» مغنية عن فاء التسبب في مقام ورودها لمجرد الاهتمام بالتأكيد المخبر بالجملة ليست مستأنفة ولكنها مترتبة.
وقرأ نافع ﴿ يُحزِنكَ ﴾ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه إذا أدخل عليه حزناً.
وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي من حَزَنه بفتح الزاي بمعنى أحزنه وهما بمعنى واحد.
وقدم الإِسرار للاهتمام به لأنه أشدّ دلالة على إحاطة علم الله بأحوالهم، وذكر بعده الإِعلان لأنه محل الخبر، وللدلالة على استيعاب علم الله تعالى بجزئيات الأمور وكلياتها.
والوقف عند قوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ مع الابتداء بقوله: ﴿ إنَّا نعلم ﴾ أَحسنُ من الوصل لأنه أوضح للمعنى، وليس بمتعيّن إذ لا يخطر ببال سامع أنهم يقولون: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولو قالوه لما كان مما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ينهى عن الحزن منه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ المُشْرِكِينَ لِأوْثانِهِمْ جُنْدٌ، وفي الجُنْدِ هاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: شِيعَةٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أعْوانٌ.
﴿ مُحْضَرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُحْضَرُونَ عِنْدَ الحِسابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُحْضَرُونَ في النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُحْضَرُونَ لِلدَّفْعِ عَنْهم والمَنعِ مِنهم، قالَهُ حُمَيْدٌ.
قالَ قَتادَةُ: يَغْضَبُونَ لِآلِهَتِهِمْ، وآلِهَتُهم لا تَنْصُرُهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ قال: من صنعتنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهم لها مالكون ﴾ قال: ضابطون ﴿ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ﴾ يركبونها ويسافرون عليها ﴿ ومنها يأكلون ﴾ لحومها ﴿ ولهم فيها منافع ﴾ قال: يلبسون أصوافها ﴿ ومشارب ﴾ يشربون ألبانها ﴿ أفلا يشكرون ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال في مصحف عائشة رضي الله عنها ﴿ فمنها ركبوتهم ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون رضي الله عنه قال في حرف أُبيّ بن كعب رضي الله عنه ﴿ فمنها ركبوتهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن هارون رضي الله عنه قال: قراءة الحسن والأعرج وأبي عمرو والعامة ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ يعني ركوبتهم حمولتهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ قال: هي الأصنام.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ قال: يمنعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يستطيعون نصرهم ﴾ قال: لا تستطيع الآلهة نصرهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يستطيعون نصرهم ﴾ قال: نصر الآلهة، ولا تستطيع الآلهة نصرهم ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ قال: المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيراً، ولا تدفع عنهم سوءاً، إنما هي أصنام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ قال: هم لهم جند في الدنيا وهم ﴿ محضرون ﴾ في النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ لآلهتهم التي يعبدون، يدفعون عنهم، ويمنعونهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ في ضمائرهم من الشرك والتكذيب.
﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ بألسنتهم.
ومعنى أنا نعلم ذلك، ثم إذا علم أثاب نبيه على صبره على أذاهم وجازاهم بسوء صنيعهم، وكأنه قال: لا يحزنك ما يقولون، فإنا نثيبك ونجازيهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ الضمير في يستطيعون للأصنام، وفي نصرهم للمشركين، ويحتمل العكس، ولكنّ الأول أرجح، فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لينصروهم: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم فخاب أملهم ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ الضمير الأول للمشركين والثاني للأصنام؛ يعني أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصبون لهم حتى أنهم لهم كالجند، وقيل: بالعكس بمعنى أن الأصنام جند محضرون لعذاب المشركين في الآخرة والأول أرجح، لأنه تقبيح لحال المشركين ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم معللة لما بعدها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.
الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.
وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.
﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.
﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.
﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.
الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.
ابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.
والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.
الآخرون: بالتخفيف من النكس.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.
الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.
وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.
﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.
وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.
أو ما بين أيديكم من أمر محمد فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.
أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .
﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.
وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.
ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟
وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.
فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.
وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.
وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.
وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.
وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.
وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.
ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.
وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.
وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.
ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.
وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.
ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.
وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟
نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.
ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.
وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.
وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.
ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.
وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.
ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.
عن مجاهد: للكفار.
هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.
والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.
ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.
وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.
وقد مر نظيره.
ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.
أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.
أي لا يترك شيئاً.
ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.
ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.
وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.
وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.
وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.
وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.
وقيل: التزاور.
وقيل: ضيافة الله.
وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.
والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.
والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.
وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.
وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.
وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.
قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.
أي اتخذ لنفسه شواء.
أو هو بمعنى التداعي.
وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.
وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.
وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.
وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.
و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.
وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.
أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.
وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.
أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.
وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.
ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.
ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.
قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.
وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.
ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.
عن علي أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.
ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.
وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.
روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.
وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.
قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.
وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.
ثم إنه أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.
وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.
وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.
وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.
هذا وقد ذكرنا مراراً أنه كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.
وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.
فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.
والطمس محو أثر شق العين.
قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.
والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.
فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.
أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.
عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.
وقيل: حجارة.
عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.
والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.
وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.
وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.
ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.
وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.
وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.
وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.
قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.
وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.
قال: وما روي أنه .
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.
وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.
وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.
أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.
فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.
ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.
ويروى أنه حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.
ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.
وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.
وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟
ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.
ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.
أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.
ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.
وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.
ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.
يلزمه التكرار.
ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.
وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.
والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.
وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.
وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.
وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.
ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.
ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.
وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.
وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.
وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
فقال : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.
قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله على إحياء الموتى قصة عجيبة.
وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.
والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.
ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.
وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.
واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.
ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟
أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟
أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.
فأجاب الله عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.
وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.
ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.
قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.
وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.
قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.
ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.
ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.
ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.
وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.
ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.
فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.
وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.
عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.
روي أنه قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.
وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.
وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.
فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.
الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.
وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.
قال الله ﴿ فإذا فرغت ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب ﴾ لطلب الوصال.
ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.
ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.
ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.
أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.
فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.
وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله وبتعليمه وإلهامه.
﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.
وإنما قال النبي "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.
أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .
أي: من نعمره حتى يدركه الهرم والضعف، يقول: نرده في الخلق الأول لا يعقل فيه كعقله الأول؛ كقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ .
﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
أي: من فعل هذا، أو قدر على هذا، لا يعجزه شيء ويتأدى به شكره.
قال القتبي: المطموس: هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، ﴿ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ ﴾ أي: فتجوزوا.
[و]قال أبو عوسجة: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ أي: أعميناهم، والمسخ: هو تغيير الصور والأبدان.
وقوله: ﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ ﴾ .
أي: نصيره ضعيفاً بعد أن كان قويّاً.
وقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .
نزل هذا - والله أعلم - عند قولهم: إنه شاعر، وإنه كذاب؛ فأخبر أنه لم يعلمه الشعر، وما ينبغي له الشعر، تكذيباً لهم، وردّاً عليهم: أنه شاعر، وأن هذا القرآن شعر، جعل الله عجز رسوله عن القيام بإنشاد الشعر بعض آياته من آيات رسالته، كما جعل عجزه عن تلاوة الكتاب من قبل وكتابته وخطه بيمينه آية من آيات رسالته؛ ليعلم أولئك الذين قذفوه بالشعر والافتراء من نفسه والكذب على الله وبالسحر أنه إنما أخبر عن وحي عن الله، لا ما يقولون هم، وهم على يقين، وعلم: أنه ليس شاعراً ولا ساحراً ولا كذاباً؛ لما لم يروه اختلف إلى أحد منهم في تعلم ذلك، ولا كان عنده من كتبهم منها أخذ ذلك [ولا أخذ عليه] كذب قط، لكنهم نسبوه إلى ما نسبوه من الشعر والسحر والكذب؛ تعنتاً منهم وعناداً، يلبسون أمره بذلك على أتباعهم وسفلتهم؛ لئلا تذهب رياستهم ومنفعتهم.
وفي قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث أخبر أنه لم يعلمه الشعر، وقد أعطى له جميع أسباب الشعر، وقال في القرآن: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أنه كان من الله لطف سوى السبب فيما أخبر أنه قد علمه؛ دل أن التعليم له فيما كان منه تعليم له بلطف منه سوى السبب لا بنفس السبب؛ إذ نفس السبب قد كان له في الأمرين جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ .
أن يشتغل بشيء مما يتلهى به، والشعر في الأصل؛ إنما جعل للتلهي به والتلذذ؛ لذلك حيل بينه وبين طبعه إنشاد الشعر؛ ليكون أبداً مشتغلا بما هو حكمة وعلم، وفيما هو أمر الله، لا بما فيه التلهي واللهو، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾ .
﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر؛ لما نسوه من أمر الله ووعده ووعيده ومما لهم، ومما عليهم، يذكرهم ما نسوه وتركوه و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : يبين لهم ما لهم وما عليهم، أو يبين لهم ما يؤتى وما يتقى، أو يبين لهم أنه من الله جاء ومن عنده نزل لا من عند المخلوقين.
أو ﴿ ذِكْرٌ ﴾ لأهل الكتاب، يذكرهم بما نسوه مما كان في كتبهم من نعته وصفته وما عليهم القيام به وما ليس، و ﴿ مُّبِينٌ ﴾ لمشركي العرب أنه رسول وأن هذا القرآن من عنده جاء به، وكل كتب الله ذكر ومبين ورحمة ونور وشفاء على ما أخبر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ .
قال بعضهم: من كان عاقلا، يقول: لينذر القرآن من له عقل حيّ فيؤمن، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ ﴾ أي: السخطة على الكافرين في علم الله أنهم لا يؤمنون.
وقال بعضهم: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ ، أي: مؤمناً؛ لأن الله - تبارك وتعالى - سمى المؤمن: حيا في غير آية، والكافر ميتاً.
ويحتمل قوله: ﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي: لتقع النذارة وتنفع من كان حيّا، أي: مؤمناً على ما ذكرنا، وإن كان ينذر الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ هو ينذر من اتبع الذكر، ومن لم يتبع الذكر، لكن النذارة إنما تقع وتنفع لمن اتبع الذكر وخشي الرحمن خاصة؛ وكقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، هو يذكر لهم جميعاً لكن المنفعة للمؤمنين فعلى ذلك الأول.
ويحتمل قوله: ﴿ مَن كَانَ ﴾ أي: من يطلب بحياته الفانية الحياة الدائمة، ﴿ وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ القول الذي قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ و ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، ونحوه أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من الله على الإيجاب والإلزام؛ ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر أن قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام وما ذكر.
والثاني: على الأمر على الرؤية والنظر فيما ذكر، أي: فليروا.
فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام، فهلا تفكروا واعتبروا فيما خلق لهم من الأنعام وغيرها: أنه لم يخلق لهم ذلك عبثاً باطلا ولكن لحكمة، ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثاً باطلا؟!
أو أن يقول: إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام وتركيب ما ركب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات، لا يحتمل أن يخفى عليه شيء أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة.
أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام وذللها لهم وجعل لهم فيها من المنافع ما ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يتأدى على ذلك شكر ما أنعم عليهم على جهة ما لو كان على الأمر بالرؤية فيما خلق والنظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً ﴾ .
يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، نسب ذلك إلى نفسه.
ويحتمل ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ﴾ ، أي: قوتنا؛ كقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ أي: بقوة ونحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴾ .
قال بعضهم: قادرون على الانتفاع بها والاستعمال لها، يقول الرجل فيما له فيه حقيقة الملك: أنا غير مالك عليه إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا مالك على استعماله.
وقيل: ﴿ مَالِكُونَ ﴾ ، أي: ضابطون قادرون على إمساكها، يقال: فلان غير ضابط على إبله ودابته وهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ﴾ .
يخبر عن أنواع ما جعل لهم من الأنعام وأنعم عليهم؛ ليتأدى بذلك شكره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ .
يخبر عن سفههم وقلة بصرهم وفهمهم؛ لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها؛ رجاء النصر لهم، وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه، وجعله كل شيء لهم، ثم يكون رجاؤهم بذلك ما قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وذلك في الآخرة.
ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا في دفع ما ينزل بهم من البلايا والشدائد؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ثم أخبر أن الأصنام التي يعبدونها وما رجوا منها لا يستطيعون نصرهم وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم، وأخبر أن ما عبدوا دونه يصير أعداء لهم.
قال: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ .
في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ ؛ هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل يجعل الأصنام جنداً عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ ، أي: المشركون جند للآلهة التي يعبدونها، أي: هم يقيضون لها ويقومون في دفع من همّ بها فساداً وإهلاكاً - أعني: أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله: ﴿ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ ﴾ .
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الآخرة.
وقال بعضهم: ذلك في الدنيا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
كان من أولئك الكفرة لرسول الله أقوال مختلفة: مرة كان منهم ما ذكر: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ومرة قالوا: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر.
ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ .
ومرة قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ .
ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن عليه حتى قال له: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ، أي: لا تحزن على قولهم؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون؛ فنحفظ عليهم ذلك ونكافئهم على ذلك.
أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك.
أو أن يكون حزنه عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم والهلاك لعنادهم ومكابرتهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلا يحزنك -أيها الرسول- قولهم: إنك لست مرسلًا، أو إنك شاعر، وغير ذلك من بُهْتانهم.
إنا نعلم ما يخفون من ذلك وما يظهرون، لا يخفى علينا منه شيء، وسنجازيهم عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.2jYNk"