الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٩ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟
أي : لا يهديه أحد من بعد الله ; لأنه من يضلل الله فلا هادي له ، ومن يهده فلا مضل له .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) يعني تعالى ذكره بقوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) : أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره به.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) بكفره.
وقوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب, فأنت تنقذه، فاستغنى بقوله: ( تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) عن هذا.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد, فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه, فيرد الاستفهام إلى موضعه الذي هو له.
وإنما المعنى والله أعلم: أفأنت تنقذ من في النار من حقَّت عليه كلمة العذاب.
قال: ومثله من غير الاستفهام: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فردد " أنكم " مرتين.
والمعنى والله أعلم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، ومثله قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وكان بعضهم يستخطئ القول الذي حكيناه عن البصريين, ويقول: لا تكون في قوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) كناية عمن تقدّم, لا يقال: القوم ضربت من قام, يقول: المعنى: ألتجزئة أفأنت تُنْقذ من في النار منهم.
وإنما معنى الكلمة: أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان, فتنقذه من النار بالإيمان؟
لست على ذلك بقادر.
قوله تعالى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة ، فنزلت هذه الآية .
قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان .
وكرر الاستفهام في قوله : " أفأنت " تأكيدا لطول الكلام ، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون على ما تقدم .
والمعنى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه .
والكلام شرط وجوابه ، وجيء بالاستفهام ليدل على التوقيف والتقرير .
وقال الفراء : المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب .
والمعنى واحد .
وقيل : إن في الكلام حذفا ، والتقدير : أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه ، وما بعده مستأنف .
وقال : أفمن حق عليه وقال في موضع آخر : " حقت كلمة العذاب " لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث ، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي ، بل الكلمة في معنى الكلام والقول ، أي : أفمن حق عليه قول العذاب .
أي: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره، فإنه لا حيلة لك في هدايته، ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة.
( أفمن حق عليه كلمة العذاب ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : من سبق في علم الله أنه من أهل النار .
وقيل : كلمة العذاب قوله : " لأملأن جهنم " ، وقيل : قوله : " هؤلاء في النار ولا أبالي " .
( أفأنت تنقذ من في النار ) أي : لا تقدر عليه .
قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده .
«أفمن حق عليه كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) «أفأنت تنقذ» تخرج «من في النار» جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.
أفمن وجبت عليه كلمة العذاب؛ باستمراره على غيِّه وعناده، فإنه لا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، أفتقدر أن تنقذ مَن في النار؟
لست بقادر على ذلك.
ثم بين - سبحانه - أن من أحاطت به خطيئته ، لن يستطيع أحد إنقاذه من العذاب فقال - تعالى - ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار ) .والاستفهام للنفى ، والتقدير : أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية ، أفتستطيع أنت - أيها الرسول الكريم - أن تنقذه من هذا المصير الأليم؟
لا - أيها الرسول الكريم - إنك لا تستطيع ذلك .
لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار ، بسبب استحبابه الكفر على الإِيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها .
اعلم أن الله تعالى لما ذكر وعيد عبدة الأصنام والأوثان ذكر وعد من اجتنب عبادتها واحترز عن الشرك، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد أبداً فيحصل كمال الترغيب والترهيب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الطاغوت فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، وفي هذا اللفظ أنواع من المبالغة أحدها: التسمية بالمصدر كأن عين ذلك الشيء الطغيان.
وثانيها: أن البناء بناء المبالغة فإن الرحموت الرحمة الواسعة والملكوت الملك المبسوط.
وثالثها: ما ذكرنا من تقديم اللام على العين ومثل هذا إنما يصار إليه عند المبالغة.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد من الطاغوت هاهنا الشيطان أم الأوثان، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب بحسب الظاهر، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت، ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر والكبر، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على أعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة، وأقول حاصل الكلام في قوله: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ أي أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله.
قوله تعالى: ﴿ وَأَنَابُواْ إِلَى الله ﴾ أي رجعوا بالكلية إلى الله.
ورأيت في السفر الخامس من التوراة، أن الله تعالى قال لموسى: يا موسى أجب إلهك بكل قلبك.
وأقول ما دام يبقى في القلب التفات إلى غير الله فهو ما أجاب إلهه بكل قلبه، وإنما تحصل الإجابة بكل القلب إذا أعرض القلب عن كل ما سوى الله من باب الطاعات فكيف يعرض عنها مع أنه بالحس يشاهد الأسباب المفضية إلى المسببات في هذا العالم، قلنا ليس المراد من إعراض القلب عنها أن يقضي عليها بالعدم فإن ذلك دخول في السفسطة وهو باطل، بل المراد أن يعرف أن واجب الوجود لذاته واحد، وأن كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته فإنه لا يوجد إلا بتكوين الواجب وإيجاده، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل تكوينه للأشياء على قسمين منها ما يكون بغير واسطة وهي عالم السموات والروحانيات، ومنها ما يكون بواسطة وهو عالم العناصر والعالم الأسفل، فإذا عرفت الأشياء على هذا الوجه عرفت أن الكل لله ومن الله وبالله، وأنه لا مدبر إلا هو ولا مؤثر غيره، وحينئذٍ ينقطع نظره عن هذه الممكنات ويبقى مشغول القلب بالمؤثر الأول والموجد الأول، فإنه إن كان قد وضع الأسباب الروحانية والجسمانية بحيث يتأذى إلى هذا المطلوب، فهذا الشيء يحصل وإن كان قد وضع بحيث لا يفضي إلى حصول هذا الشيء لم يحصل، وبهذا الطريق ينقطع نظره عن الكل ولا يبقى في قلبه التفات إلى شيء إلا إلى الموجود الأول، وقد اتفق أني كنت أنصح بعض الصبيان في حفظ العرض والمال فعارضني وقالا يجوز الاعتماد على الجد والجهد بل يجب الاعتماد على قضاء الله وقدره، فقلت هذه كلمة حق سمعتها ولكنك ما عرفت معناها، وذلك لأنه لا شبهة أن الكل من الله تعالى إلا أنه سبحانه دبر الأشياء على قسمين منها ما جعل حدوثه وحصوله معلقاً بأسباب معلومة ومنها ما يحدثه من غير واسطة هذه الأسباب.
أما القسم الأول: فهو حوادث هذا العالم الأسفل.
وأما القسم الثاني: فهو حوادث هذا العالم الأعلى، وإذا ثبت هذا فنقول من طلب حوادث هذا العالم الأسفل لا من الأسباب التي عينها الله تعالى كان هذا الشخص منازعاً لله في حكمته مخالفاً في تدبيره، فإن الله تعالى حكم بحدوث هذه الأشياء بناءً على تلك الأسباب المعينة المعلومة وأنت تريد تحصيلها لا من تلك الأسباب، فهذا هو الكلام في تحقيق الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله تعالى فقوله تعالى: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ إشارة إلى الإعراض عن غير الله وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَابُواْ إِلَى الله ﴾ إشارة إلى الإقبال بالكلية على عبادة الله، ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها: قوله تعالى: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات أحدها: أن هذه البشارة متى تحصل؟
فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير وعندما يدخل المؤمنون الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل البشارة بنوع من الخير والروح والراحة والريحان.
وثانيها: أن هذه البشارة فبماذا تحصل؟
فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات، أما زوال المكروهات فقوله تعالى: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية فقوله: ﴿ أَن لا تَخَافُواْ ﴾ يعني لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا، ولما أزال الله عنهم هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بالجنة ﴾ وقال أيضاً في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم بُشْرَاكُمُ اليوم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون ﴾ والثالث: أن المبشر من هو؟
فنقول يحتمل أن يكون هم الملائكة، إما عند الموت فقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ وإما بعد دخول الجنة فقوله: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴾ ويحتمل أن يكون هو الله سبحانه كما قال: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ .
واعلم أن قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ فيه أنواع من التأكيدات أحدها: أنه يفيد الحصر فقوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ أي لهم لا لغيرهم، وهذا يفيد أنه لا بشارة لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على الله تعالى.
وثانيها: أن الألف واللام في لفظ البشرى مفيد للماهية فيفيد أن هذه الماهية بتمامها لهؤلاء، ولم يبق منها نصيب لغيرهم.
وثالثها: أن لا فرق بين الإخبار وبين البشارة فالبشارة هو الخبر الأول بحصول الخيرات، إذا عرفت هذا فنقول كل ما سمعوه في الدنيا من أنواع الثواب والخير إذا سمعوه عند الموت أو في القبر فذاك لا يكون إلا إخباراً، فثبت أن هذه البشارة لا تتحقق إلا إذا حصل الإخبار بحصول أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها وسمعوها في الدنيا نسأل الله تعالى الفوز بها، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ .
ورابعها: أن المخبر بقوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ هو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات والشرط المعتبر في حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الاجتناب عما سوى الله تعالى والإقبال بالكلية على الله والسلطان العظيم إذا ذكر شرطاً عظيماً.
ثم قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذي وقعت البشارة به قد بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها العقول والأفكار، فثبت أن قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه، والله أعلم.
واعلم أنه تعالى: لما قال: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ وكان هذا كالمجمل أردفه بكلام يجري مجرى التفسير والشرح له فقال تعالى: ﴿ فَبَشّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ وأراد بعباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم وهذا يدل على أن رأس السعادات ومركز الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير الله تعالى، والإقبال بالكلية على طاعة الله، والمقصود من هذا اللفظ التنبيه على أن الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا، هم الموصوفون بأنهم هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فوضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على هذا الحرف، ومنهم من قال إنه تعالى لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأولون، وقصر السعادة عليهم يقتضي الحرمان للأكثرين، وذلك لا يليق بالرحمة التامة، لا جرم جعل الحكم أعم فقال كل من اختار الأحسن في كل باب كان في زمرة السعداء، واعلم أن هذه الآية تدل على فوائد: الفائدة الأولى: وجوب النظر والاستدلال، وذلك لأنه تعالى بين أن الهداية والفلاح مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة، فإنه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب، ومن المعلوم أن تمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يحصل بالسماع، لأن السماع صار قدراً مشتركاً بين الكل، لأن قوله: ﴿ الذين يستمعون القول ﴾ يدل على أن السماع قدر مشترك فيه، فثبت أن تمييز الأحسن عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما يتأتى بحجة العقل، وهذا يدل على أن الموجب لاستحقاق المدح والثناء متابعة حجة العقل وبناء الأمر على النظر والاستدلال.
الفائدة الثانية: أن الطريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان: أحدهما: إقامة الحجة والبينة على صحته على سبيل التحصيل، وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلا بالخوض في كل واحد من المسائل على التفصيل والثاني: أنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشبهات وتزييفها نعرض تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا، فكل ما حكم أول العقل بأنه أفضل وأكمل كائن أولى بالقبول.
مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن إله العالم حي عالم قادر حليم حكيم رحيم، أولى من إنكار ذلك، فكان ذلك المذهب أولى، والإقرار بأن الله تعالى لا يجري في ملكه وسلطانه إلا ما كان على وفق مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجرى في سلطان الله على خلاف إرادته، وأيضاً الإقرار بأن الله فرد أحد صمد منزه عن التركيب والأعضاء أولى من القول بكونه متبعضاً مؤلفاً، وأيضاً القول باستغنائه عن الزمان والمكان أولى من القول باحتياجه اليهما، وأيضاً القول بأن الله رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنه لا يعفو عنه ألبتة، وكل هذه الأبواب تدخل تحت قوله: ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ فهذا ما يتعلق باختيار الأحسن في أبواب الاعتقادات.
وأما ما يتعلق بأبواب التكاليف فهو على قسمين: منها ما يكون من أبواب العبادات، ومنها ما يكون من أبواب المعاملات، فأما العبادات فمثل قولنا الصلاة التي يذكر في تحريمها الله أكبر وتكون النية فيها مقارنة للتكبير، ويقرأ فيها سورة الفاتحة، ويؤتى فيها بالطمأنينة في المواقف الخمسة، ويقرأ فيها التشهد، ويخرج منها بقوله السلام عليكم، فلا شك أنها أحسن من الصلاة التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال، وتوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة، وأن يترك ما سواها، وكذلك القول في جميع أبواب العبادات.
وأما المعاملات فكذلك مثل أنه تعالى شرع القصاص والدية والعفو، ولكنه ندب إلى العفو فقال: ﴿ وأن تعفو أقرب للتقوى ﴾ وعن ابن عباس أن المراد منه الرجل يجلس مع القوم ويسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ، فيحدث بأحسن ما سمع ويترك ما سواه.
واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال: ﴿ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ وفي ذلك دقيقة عجيبة، وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث، ولا بد له من فاعل وقابل: أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله: ﴿ أولئك الذين هداهم الله ﴾ وأما القابل فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ فإن الإنسان ما لم يكن عاقلاً كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه.
وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو الله، وذلك لأن جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل، وإذا كان الشيء قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية، ومتى كان الأمر كذلك امتنع كون ذلك القابل سبباً لرجحان أحد الطرفين، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا للحركة والسكون على السوية، امتنع أن تصير ذات الجسم سبباً لرجحان أحد الطرفين على الآخر، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين، فتصير تلك الإرادة سبباً لذلك الرجحان، فنقول هذا باطل، لأن ذات النفس كما أنها قابلة لهذه الإرادة، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة، فيمتنع كون جوهر النفس سبباً لتلك الإرادة، فثبت أن حصول الهداية لابد لها من فاعل ومن قابل أما الفاعل: فيمتنع أن يكون هو النفس، بل الفاعل هو الله تعالى وأما القابل: فهو جوهر النفس، فلهذا السبب قال: ﴿ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ ثم قال: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب ﴾ ولا يصح في الكلام العربي أن يدخل حرف الاستفهام على الاسم وعلى الخبر معاً، فلا يقال أزيد أتقتله، بل هاهنا شيء آخر، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما معاً وهو قوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ ﴾ ، ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ ولأجل هذا السؤال اختلف النحويون وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الكسائي: الآية جملتنا والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تحميه، أفأنت تنقذ من في النار الثاني: قال صاحب الكشاف: أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، وهي جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع من في النار موضع الضمير، والآية على هذا جملة واحدة الثالث: لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد هاهنا لإفادة معنى الإنكار، ولما كان استنكاره هذا المعنى كاملاً تاماً.
لا جرم ذكر هذا الحرف في الشرط وأعاده في الجزاء تنبيهاً على المبالغة التامة في ذلك الإنكار.
المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب ﴾ فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة، وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وانقلاب علمه جهلاً وهو محال والوجه الثاني: في الاستدلال بالآية أنه تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب توجب الاستنكار التام من صدور الإيمان والطاعة عنه، ولو كان ذلك ممكناً ولم تكن حقيقة كلمة العذاب مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار والاستبعاد معنى.
المسألة الثالثة: احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر، قال لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون جارية مجرى إنقاذهم من النار، وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار والاستبعاد، فيقال له لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق العذاب عليهم مع أن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ ومع قوله: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ ، والله أعلم.
النوع الثاني: من الأشياء التي وعدها الله هؤلاء الذين اجتنبوا وأنابوا قوله تعالى: ﴿ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ وهذا كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ فإن قيل ما معنى قوله: ﴿ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ ؟
قلنا لأن المنزل إذا بنى على منزل آخر تحته كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله: ﴿ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل، والحاصل أن المنزل الفوقاني والتحتاني حصل في كل واحد منهما فضيلة ومنقصة، أما الفوقاني ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة والسخافة، وأما التحتاني فبالضد منه، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهي عالية مرتفعة وتكون في غاية القوة والشدة، وقال حكماء الإسلام هذه الغرف المبنية بعضها فوق البعض، مثاله من الأحوال النفسانية العلوم الكسبية فإن بعضها يكون مبنياً على البعض والنتائج الآخرة التي هي عبارة عن معرفة ذات الله وصفاته تكون في غاية القوة بل تكون في القوة والشدة كالعلوم الأصلية البديهية.
ثم قال: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وذلك معلوم، ثم ختم الكلام فقال: ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد ﴾ فقوله: ﴿ وَعَدَ الله ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ ﴾ في معنى وعدهم الله ذلك وفي الآية دقيقة شريفة، وهي أنه تعالى في كثير من آيات الوعد صرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في آيات الوعيد ألبتة مثل هذا التأكيد والتقوية، وذلك يدل على أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد بخلاف ما يقوله المعتزلة، فإن قالوا أليس أنه قال في جانب الوعيد: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ قلنا قوله ما يبدل القول لدي ليس تصريحاً بجانب الوعيد بل هو كلام عام يتناول القسمين أعني الوعد والوعيد، فثبت أن الترجيح الذي ذكرناه حق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أصل الكلام: أمّن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أوّلها للعطف على محذوف يدلّ عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حقّ عليه العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى، كرّرت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع ﴿ مَن فِي النار ﴾ موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة.
ووجه آخر: وهو أن تكون الآية جملتين: أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلّصه؟
﴿ أفأنت تنقذ من في النار ﴾ وإنما جاز حذف: فأنت تخلصه؛ لأن ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ يدل عليه: نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار، حتى نزّل اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكدّه نفسه في دعائهم إلى الإيمان في منزلة إنقاذهم من النار.
وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ يفيد أنّ الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فكما لا تقدر أنت أن تنقد الداخل في النار من النار، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ تَقْدِيرُهُ أأنَّتْ مالِكُ أمْرِهِمْ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، فَكُرِّرَتِ الهَمْزَةُ في الجَزاءِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِذَلِكَ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن حُكِمَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ كالواقِعِ فِيهِ لِامْتِناعِ الخُلْفِ فِيهِ، وأنَّ اجْتِهادَ الرُّسُلِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ سَعْيٌ في إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفَأنْتَ تُنْقِذُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ والإشْعارِ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ.
﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ عِلالِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿ مَبْنِيَّةٌ ﴾ بُنِيَتْ بِناءَ النّازِلِ عَلى الأرْضِ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ.
﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى الوَعْدِ.
﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ ﴾ ولِأنَّ الخُلْفَ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار} أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أى وجب أفانت تنقذه جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الانكار ووضع مَن فِى النار موضع الضمير أي تنقذه فالآية على هذا جملة واحدة أو معناه أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه أفأنت تنقذه أي لا يقدر أحد أن ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل النار
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ ﴾ بَيانٌ لِأضْدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ، ومُتَّبِعُو خُطُواتِها كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ وجَوابُ الشَّرْطِ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، والهَمْزَةُ قَبْلَهُ لِاسْتِطالَةِ الكَلامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمَ الحِزْبُ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها لِأنَّ دُخُولَ الهَمْزَةِ في الجَوابِ أوِ الشَّرْطِ كافٍ، تَقُولُ: أإنْ أكْرَمَكَ تُكْرِمْهُ، كَما تَقُولُ: إنْ أكْرَمَكَ أتُكْرِمُهُ؟
ولا تُكَرِّرُها فِيهِما، إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي الشَّرْطَ والجَزاءَ بَعْدَ دُخُولِ الأداةِ مُفْرَدانِ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى مَضامِينِ الجُمَلِ، إذا كانَ المَطْلُوبُ تَصْدِيقًا، والإنْكارُ المُفادُ بِالهَمْزَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ في المَعْطُوفِ إنْكارُ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكٌ أمْرَ النّاسِ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ؟
فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
عَلى مَعْنى لَسْتَ أنْتَ مالِكَ أمْرِ النّاسِ، ولا أنْتَ تَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ، بَلِ المالِكُ والقادِرُ عَلى الإنْقاذِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعُدِلَ عَنْ: فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ نَزَلَ اسْتِحْقاقُهم لِلْعَذابِ، وهم في الدُّنْيا المُشْعِرُ بِهِ الشَّرْطُ مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ، وأنَّهُ مَثَّلَ حالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ، والِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها.
وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّعْدِ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً لا يَعْرِفُها إلّا فُرْسانُ البَيانِ، وهي الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ المَكْنِيَّةُ، لِأنَّهُ نَزَّلَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن ﴾ إلَخْ، مِنَ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ في الآخِرَةِ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا بَذَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جُهْدَهُ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ عَرَفْتُ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ قَرِينَةَ المَكْنِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً كَما في نَقْضِ العَهْدِ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: إنَّ النّارَ مَجازٌ عَنِ الضَّلالِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والإنْقاذُ بَدَلُ الهِدايَةِ مِن تَرْشِيحِ المَجازِ، أوْ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا وجُمْلَةُ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةً لِلْجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في أنَّ الفاءَ في الأُولى لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، ولا في كَوْنِ المَعْنى عَلى تَنْزِيلِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةُ دُخُولِهِمُ النّارَ وتَمْثِيلُ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها، نَعَمِ الكَلامُ عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ، وعَلى الثّانِي جُمْلَتانِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ ﴿ مِن ﴾ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وحُكِيَ أنَّ مِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ الأخِيرَ أوْلى، وذُكِرَ أنَّ النُّحاةَ عَلى أنَّ الفاءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ، ومَوْضِعَها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما في مَكانِهِ قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما عَلِمْنا، وفي المُغْنِي: تَرْجِيحُ القَوْلِ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، وعَلَيْهِ يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: ما أنْتَ مالِكَ أمْرِهِمْ، أوْ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ كُلُّ كافِرٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُ المَعْنى المُرادِ.
<div class="verse-tafsir"
قال عز وجل: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام؟
فنزل: قُلْ يا نبي الله إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: التوحيد، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أهل بلدي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وعبدت غيره، ينزل علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في يوم القيامة قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يعني: أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ دِينِي أي: توحيدي.
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الآلهة.
وهذا كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] ويقال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وكقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال: قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين.
ثم قال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا: خسرت إن خالفت دين آبائك.
فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: أنتم الخاسرون، لا أنا.
ويقال: الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني: الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني: أطباقاً من نار، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني: مهاداً من نار، أو معناه: أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي: ذلك الذي ذكر، يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ في القرآن، لكي يؤمنوا.
يا عِبادِ فَاتَّقُونِ: أي: فوحِّدون، وأطيعون، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل: يعني: اجتنبوا عبادة الأوثان.
وقال الكلبي: الطَّاغُوتَ يعني: الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني: أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي: أقبلوا إلى طاعة الله.
ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى يعني: الجنة.
ويقال: الملائكة يبشرونهم في الآخرة، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني: القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني: يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني: يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه.
ويقال: يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126] ، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة.
وقال بعضهم: يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) .
ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: وفقهم الله لمحاسن الأمور.
ويقال: هَداهُمُ اللَّهُ أي: أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوي العقول.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني: وجب له العذاب.
ويقال: أفمن في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب.
أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني: تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث.
ويقال: من وجبت له النار: وقدرت عليه.
ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني: وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة، وهي العلالي.
غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ في القرآن، لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.
<div class="verse-tafsir"
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)
وقوله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ [مَن فِى النار] قالت فرقةٌ:
معنى الآيةِ: أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ] ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم.
وقوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ ...
الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً ...
الآية، قال الطبريُّ «١» : الإشارةُ إلى ماءِ المطر ونبع العيون منه، وفَسَلَكَهُ معناه: أجراه وأدخله في الأرض، ويَهِيجُ معناه: يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ: إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ: اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى لَذِكْرى أيْ: للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى على قياسِ هذا المثال المذكور.
وقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...
الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ، وأبي لَهَبٍ وابنه وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ «٢» ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ تقديره: أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ: استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ: هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شيء بالضّوء، قال ابن مسعود: قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ!
كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ؟
قال: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ؟
قَالَ: الإنَابَةُ إلَى دَارِ/ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ «٣» ، والقسوةُ: شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ به في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ في النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الآَيَةِ اسْتِفْهامانِ بِلا جَوابٍ؟
قِيلَ: أمّا الفَرّاءُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: هَذا مِمّا يُرادُ بِهِ اسْتِفْهامٌ واحِدٌ، فَسَبَقَ الِاسْتِفْهامَ إلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَرُدَّ إلى مَوْضِعِهِ الَّذِي هو لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ؟
ومِثْلُهُ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ فَرَدَّ "أنَّكُمْ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: أيَعِدُكم أنَّكم مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ؟
ومِثْلُهُ: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ فَرَدَّ "تَحْسَبَنَّ" مَرَّتَيْنِ، والمَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَيَتَخَلَّصُ مِنهُ أوْ يَنْجُو، أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَأنْتَ تَخَلِّصُهُ مِمّا قُدِّرَ لَهُ فَتَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا؟
والمَعْنى: ما تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِهَذِهِ الآَيَةِ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ عَنِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو جَعْفَرٍ: "لَكِنْ" بِتَشْدِيدِ النُّونِ [وَفَتْحِها] .
قالَ الزَّجّاجُ: والغُرَفُ: هي المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ، ﴿ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ أيْ: مَنازِلٌ أرْفَعُ مِنها.
﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعْدًا.
ومَن قَرَأ: "وَعْدُ اللَّهِ" بِالرَّفْعِ؛ المَعْنى: ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النارِ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ المِيعادَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ أسْقَطَ العَلامَةَ الَّتِي في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الكَلِمَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما الحائِلُ الَّذِي بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، والثانِي أنَّ "الكَلِمَةَ" غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، وهَذا أخَفُّ وأجْوَدُ مِن قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ لِأنَّ التَأْنِيثَ هُنا حَقِيقِيٌّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتَصَرَهُ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ تَتَأسَّفُ أنْتَ عَلَيْهِ؟
أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النارِ، أيْ: لَيْسَ هَذا إلَيْكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أفَأنْتَ" ﴾ إنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ زادَها لِطُولِ الكَلامِ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
لَكِنَّهُ زادَ الألِفَ الثانِيَةَ تَوْكِيدًا لِلْأمْرِ، وأظْهَرَ الضَمِيرَ العائِدَ تَشْهِيرًا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ، وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وإنَّما أظْهَرَ الضَمِيرَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ المَوْتِ، وهَذا كَثِيرٌ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ إخْبارًا آخَرَ بِـ"لَكِنِ"، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ وتَحْضِيضٌ عَلى التَقْوى لِمَن فَكَّرَ وازْدَجَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ، وعادَلَتْ: ﴿ غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، و"الغُرَفُ": ما كانَ مِنَ المَساكِنِ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ الغُرَفَ مِن فَوْقِهِمْ كَما تَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الَّذِي في الأُفُقِ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ونَصْبُهُ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وإمّا بِما تَضَمَّنَ الكَلامُ قَبْلُ مِن مَعْنى الوَعْدِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي لِلنُّحاةِ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى مُعْتَبَرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ وكُلُّ بَشَرٍ داخِلٌ مَعَهُ في مَعْناهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أشارَ إلى ماءِ المَطَرِ، وقالُوا: العُيُونُ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تَنْماعُ عِنْدَ وُجُودِهِ وتَيْبَسُ عِنْدَ فَقْدِهِ،.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنّاقٍ: والإشارَةُ إلى العُيُونِ، ولَيْسَتِ العُيُونُ مِنَ المَطَرِ، ولَكِنْ ماؤُها نازِلٌ مِنَ السَماءِ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكُلُّ ماءٍ عَذْبٍ في الأرْضِ فَمِنَ السَماءِ نَزَلَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، و"سَلَكَهُ" مَعْناهُ: أجْراهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: نَطْعَنُهم سُلْكى ومَخْلُوجَةً....
∗∗∗ كَرَّكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلِ وواحِدُ اليَنابِيعِ: يَنْبُوعٌ، وهو العَيْنُ بُنِيَ لَها بِناءٌ، مُبالَغَةٌ مِنَ النَبْعِ.
و"الزَرْعُ" هُنا واقِعٌ عَلى كُلِّ ما يُزْرَعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ألْوانُهُ": أعْراضُهُ مِنَ الحُمْرَةِ والصُفْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"يَهِيجُ": يَيْبَسُ، هاجَ النَباتُ والزَرْعُ إذا يَبِسَ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي في غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: "ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وأنا بِهِ زَعِيمٌ ألّا يَهِيجَ عَلى التَقْوى زَرْعُ قَوْمٍ ولا يَيْبَسَ عَلى التَقْوى....
أصْلَ الحَدِيثِ".
و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَذِكْرى]﴾ [ق: ٣٧] أيْ: لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ وإحْياءِ المَوْتى عَلى ما يُوحِيهِ هَذا المِثالُ المَذْكُورُ.
<div class="verse-tafsir"
لما أفاد الحصر في قوله: ﴿ لهُم البشرى ﴾ [الزمر: 17] والحصران اللذان في قوله: ﴿ أُولئِكَ الذينَ هداهُم الله وأُولئِكَ هم أُولوا الألبابِ ﴾ [الزمر: 18] أنّ من سواهم وهم المشركون لا بشرى لهم ولم يهدهم الله ولا ألباب لهم لعدم انتفاعهم بعقولهم، وكان حاصل ذلك أن المشركين محرومون من حسن العاقبة بالنعيم الخالد لحرمانهم من الطاعة التي هي سببه فُرع على ذلك استفهام إنكاري مفيد التنبيه على انتفاء الطماعية في هداية الفريق الذي حقت عليه كلمة العذاب، وهم الذين قُصد إقصاؤهم عن البشرى، والهدايةِ والانتفاععِ بعقولهم، بالقصر المصوغة عليه صِيَغ القصر الثلاث المتقدمة كما أشرنا إليه.
وقَد جاء نظم الكلام على طريقة مبتكرة في الخبر المهتم به بأن يؤكد مضمونه الثابت للخبر عنه، بإثبات نقيضضِ أو ضدِّ ذلك المضمون لضد المخبر عنه ليتقرر مضمون الخبر مرتين مرةً بأصله ومرة بنقيضه أو ضده، لضد المخبر عنه كقوله تعالى: ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مئاب ﴾ [ص: 55] عَقب قوله: ﴿ هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب ﴾ [ص: 49].
ويكثر أن يقع ذلك بعد الإِتيان باسم إشارة للخبر المتقدم كما في الآية المذكورة أو للمخبر عنه كما في هذه السورة في قوله آنفاً: ﴿ أُولئِكَ الذين هداهُم الله ﴾ [الزمر: 18] فإنه بعد أن أشير إلى الموصوفين مرتين فرع عليه بعده إثبات ضد حكمهم لمن هم متصفون بضد حالهم.
وبهذا يَظهر حسن موقع الفاء لتفريع هذه الجملة على جملة ﴿ أُولئك الذين هداهم الله وأُولئك هم أُولوا الألبابِ ﴾ [الزمر: 18] لأن التفريع يقتضي اتصالاً وارتباطاً بين المفرَّع والمفرّع عليه وذلك، كالتفريع في قول لبيد: أفتلك أم وحشيةٌ مَسْبُوعَة *** خَذَلت وهاديةُ الصِوار قِوامها إذ فَرَّع تشبيهاً على تشبيه لاختلاف المشبه بهما.
وكلمة ﴿ العذَابِ ﴾ كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة.
ومعنى ﴿ حَقَّ ﴾ تحققت في الواقع، أي كانت كلمة العذاب المتوعَّد بها حقّاً غير كذب، فمعنى ﴿ حَقَّ ﴾ هنا تحقق، وحَقّ كلمة العذاب عليهم ضد هدي الله الآخرين، وكونُهم في النار ضد كون الآخرين لهم البشرى، وترتيبُ المتضادْين جرى على طريقة شِبه اللف والنشر المعكوس، نظير قوله تعالى: ﴿ ختم اللَّه على قلوبهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ [البقرة: 6، 7] بعد قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ [البقرة: 4، 5]، فإن قوله: ﴿ ختم اللَّه على قلوبهم ﴾ ضد لقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ وقوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ضد قوله: أولئك هم المفلحون ﴾ .
و (مَن) من قوله تعالى: ﴿ أفَمن حقَّ عليهِ كلمةُ العذَابِ ﴾ روي عن ابن عباس أن المراد بها أبو لهب وولدُه ومن تخلف عن الإِيمان من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون (مَنْ) مبتدأ حذف خبره.
والتقدير: تنقذه من النار، كما دل عليه ما بعده وتكون جملة ﴿ أفأنت تُنقِذُ من في النَّار ﴾ تذييلاً، أي أنت لا تنقذ الذين في النار.
والهمزة للاستفهام الإِنكاري، والهمزة الثانية كذلك.
وإحدَاهما تأكيد للأخرى التي قبلها للاهتمام بشأن هذا الاستفهام الإِنكاري على نحو تكرير (أَنَّ) في قول قس بن ساعدة: لقد علم الحَي اليمانُون أنني إذ قلت: أمّا بعد، أَني خطيبها والذي درج عليه صاحب «الكشاف» وتبعه شارحوه أن (مَن) في قوله: ﴿ أفَمَنْ حَقَّ علَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ ﴾ شرطية، بناء على أن الفاء في قوله: ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ يحسن أن تكون لمعنى غيرِ معنى التفريع المستفاد من التي قبلها وإلا كانت مؤكدة للأولى وذلك ينقص معنىً من الآية.
ويجوز أن تكون (مَن) الأولى موصولة مبتدأً وخبرُه ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ ، وتكون الفاء في قوله: ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ مؤكدة للفاء الأولى في قوله: ﴿ أفَمَنْ حَقَّ ﴾ الخ فتكون الهمزة والفاء معاً مؤكدتين للهمزة الأولى والفاءِ التي معها لاتصالهما، ولأن جملة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ ﴾ صادقة على ما صدقت عليه جملة ﴿ أفَمَن حقَّ عليهِ كلِمَةُ العذَابِ ﴾ ، ويكون الاستفهام الإِنكاري جارياً على غالب استعماله من توجهه إلى كلام لا شرط فيه.
وأصل الكلام على اعتبار (مَن) شرطية: أَمَن تَحْقُق عليه كلمة العذاب في المستقبل، فأنت لا تنقذه منه فتكون همزة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ للاستفهام الإنكاري وتكون همزة ﴿ أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ ﴾ افتُتح بها الكلام المتضمن الإِنكار للتنبيه من أول الأمر على أن الكلام يتضمن إنكاراً، كما أن الكلام الذي يشتمل على نفي قد يفتتحونه بحرف نفي قبل أن ينطقوا بالنفي كما في قول مسلم بن معبد الوالبي من بني أسد: فلاَ والله لا يُلفَى لما بي *** ولا لِما بهم أبداً دَواء ويفيد ذكرها توكيدَ مُفاد همزة الإِنكار إفادةً تبعية.
وأصل الكلام على اعتبار (مَن) الأولى موصولة: الذين تَحِقّ عليهم كلمة العذاب أنت لا تنقذهم من النار، فتكون الهمزة في قوله: ﴿ أفَمَن حقَّ عليه كلِمَةُ العَذَابِ ﴾ للاستفهام الإِنكاري وتكون همزة ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ تأكيداً للهمزة الأولى.
و ﴿ مَن ﴾ من قوله: ﴿ مَن في النَّارِ ﴾ موصولة.
و ﴿ مَن في النَّارِ ﴾ هم من حقّ عليهم كلمة العذاب لأن كلمة العذاب هي أن يكونوا من أهل النار فوَقَع إظهار في مقام الإِضمار، والأصل: «أفأنْتَ تُنقِذُه مَن النَّارِ».
وفائدة هذا الإِظهار تهويل حالتهم لما في الصلة من حَرف الظرفية المصوِّر لحالة إحاطة النار بهم، أي أفأنت تريد إنقاذهم من الوقوع في النار وهم الآن في النار لأنه محقق مصيرهم إلى النار، فشبه تحقق الوقوع في المستقبل بتحققه في الحال.
وقد صرح بمثل هذا الخبر المحذوف في قوله تعالى: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ في سورة [فصلت: 40] وقوله: ﴿ أفمن يمشي مُكِباً على وجهِهِ أهدى أمَّن يَمشي سَوياً على صِراطٍ مُستَقيم ﴾ في سورة [الملك: 22].
والاستفهام تقريري كناية عن عدم التساوي بين هذا وبين المؤمن.
وكلمة ﴿ العَذَابِ ﴾ هي كلام الله المقتضي أن الكافر في العذاب، أي تقديرُ الله ذلك للكافر في وعيده المتكرر في القرآن.
وتجريد فعل ﴿ حَقَّ ﴾ من تاء التأنيث مع أن فاعله مؤنث اللفظ وهو ﴿ كلمة ﴾ ، لأن الفاعل اكتسب التذكير مما أضيف هو إليه نظراً لإِمكان الاستغناء عن المضاف بالمضاف إليه، فكأنه قيل: أفمن حق عليه العذاب.
وفائدة إقحام ﴿ كَلِمَةُ ﴾ الإِشارة إلى أن ذلك أمر الله ووعيده.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في ﴿ أفأنْتَ تُنْقِذُ ﴾ مفيد لتقوّي الحكم وهو إنكار أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بتكرير دعوته يخلصهم من تحقق الوعيد أو يُحصل لهم الهداية إذا لم يقدرها الله لهم.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تهويناً عليه بعض حرصه على تكرير دعوتهم إلى الإِسلام، وحزنَه على إعراضهم وضلالهم، وإلا فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يظن أنه ينقذهم من وعيد الله، ولذلك اجتلب فعل الإِنقاذ هنا تشبيهاً لحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هدْيهم وبلوغ جهده في إقناعهم بتصديق دعوته، وحالِهم في انغماسهم في موجبات وعيدهم بحال من يحاول إنقاذ ساقط في النار قد أحاطت النار بجوانبه استحقاقاً قضى به من لا يُردّ مرادُه، فحالهم تشبه حال وقوعهم في النار من الآن لتحقق وقوعه، وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها، ورمز إلى معناه بذكر شيء من ملائمات ذلك المركب المحذوف وهو فعل ﴿ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ الذي هو من ملائمات وقوعهم في النار على طريقة التمثيل بالمكنية، أيْ إجراء الاستعارة المكنية في المركب، ويكون قوله: ﴿ تُنْقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ قرينة هذه المكنية وهو في ذاته استعارة تحقيقية كما في قوله تعالى: ﴿ ينقضون عهد اللَّه ﴾ [البقرة: 27].
وهذا مما أشار إليه «الكشاف» وبينه التفتزاني فيُعدّ من مبتكرات دقائق أنظارهما، وبه يتم تقسيم الاستعارة التمثيلية إلى قسمين مصرحة ومكنية.
وذلك كان مغفولاً عنه في علم البيان وبهذا تعلم أن الإِنقاذ أطلق على الإِلحاح في الإِنذار من إطلاق اسم المُسبب على السبب، وأن مَن في النار مَن هو صائر إلى النار، فلا متمسك للمعتزلة في الاستدلال بالآية على نفي الشفاعة المحمدية لأهل الكبائر؛ على أننا لو سلمنا أن الآية مسوقة في غرض الشفاعة فإنما نفت الشفاعة لأهل الشرك لأن مَن في النار يحتمل العهد وهم المتحدث عنهم في هذه الآية.
ولا خلاف في أن المشركين لا شفاعة فيهم قال تعالى: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ [المدثر: 48]، على أن المنفي هو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منقذاً لمن أراد الله عدمَ إنقاذه، فأما الشفاعة فهو سؤال الله أن ينقذه.
وقد اشتملت هذه الآية على نكت بديعة من الإِعجاز إذ أفادت أن هذا الفريق من أهل الشرك الذين يكمن الكفر في قلوبهم حقت عليهم كلمة الله بتعذيبهم فهم لا يؤمنون، وأن حالهم الآن كحال من وقع في النار فهو هالك لا محالة، وحال النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على هديهم كحال من رأى ساقطاً في النار فاندفع بدافع الشفقة إلى محاولة إنقاذه ولكنه لا يستطيع ذلك فلذلك أنكرت شدة حرصه على تخليصهم فكان إيداع هذا المعنى في جملتين نهاية في الإِيجاز مع قرنه بما دَل عليه تأكيد الهمزة والفاء في الجملة الثانية من الإِطناب في مقام الصراحة.
ثم بما أودع في هاتين الجملتين من الاستعارة التمثيلية العجيبة بطريق المكنية ومن الاستعارة المصرحة في قرينة المكنية.
وحاصل نظم هذا التركيب: أفمن حقّ عليه كلمة العذاب فهو في النار أفأنت تنقذه وتنقذ من في النار.
وقد أشار إلى هذه الحالة الممثلة في هذه الآية حديث أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفَراش وهذه الدوابُ التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلِبْنَه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاغُوتَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: الأوْثانُ، قالَهُ الضَّحّاكُ و السُّدِّيُّ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلَ هارُوتَ ومارُوتَ.
الثّانِي: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ.
﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقْبَلُوا إلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اسْتَقامُوا إلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وأنابُوا إلى اللَّهِ مِن ذُنُوبِهِمْ.
﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: بُشْرى المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها البُشْرى عِنْدَ المُعايَنَةِ بِما يُشاهِدُهُ مِن ثَوابِ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَوْلَ كِتابُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ كِتابٌ مِنَ اللَّهِ ولَكِنْ يَسْتَمِعُونَ أقاوِيلَ الأُمَمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أحْسَنَ ما أُمِرُوا بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهم إذا سَمِعُوا قَوْلَ المُسْلِمِينَ وقَوْلَ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا أحْسَنَهُ وهو الإسْلامُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما يَسْمَعُ مِنهُ، ويُمْسِكُ عَنْ أسْوَئِهِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهم يَسْتَمِعُونَ عَزْمًا وتَرْخِيصًا فَيَأْخُذُونَ بِالعَزْمِ دُونَ الرُّخَصِ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ الآيَةَ.
قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها في جاهِلِيَّتِهِمْ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما صارَ مِنَ العُقُولِ إلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لهم غرف من فوقها غرف ﴾ قال: علالي.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ قيل: يستمعون القول على العموم فيتبعون القرآن، لأنه أحسن الكلام وقيل: يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك وقيل: هو الذي يستمع حديثاً فيه حسن وقبيح فيتحدّث بالحسن ويكف عما سواه، وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر وقال ابن عطية: هو علم في جميع الأقوال؛ والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظر سديد يفرقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك، وقال الزمخشري مثل هذا يكون الكلام جملة واحدة تقديره: أفمن حق عليه كلمة العذاب أأنت تنقذه، فموضع من في النار موضع المضمر، والهمزة في قوله: ﴿ أَفَأَنتَ ﴾ هي الهمزة التي في قوله: ﴿ أَفَمَنْ ﴾ وهي همزة الإنكار كررّت للتأكيد، والثاني أن يكون التقدير أفمن حق عليه العذاب تتأسف عليه، فحذف الخير ثم استأنف قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار ﴾ ؟
وعلى هذا يوقف على العذاب، والأول أرجح لعدم الإضمار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ﴾ .
اختلف في الطاغوت: قال بعضهم: هو الشيطان، أي: اجتنبوا من أن يأتمروه وأطاعوه.
وقال بعضهم: الطاغوت هم الكهنة، كانوا يأتون الكهنة فيخبرونهم بأمور فيعملون بقولهم ويصدقونهم، يقول: أي: اجتنبوا من أن تطيعوا الكهنة في أمورهم ونهيهم.
وقال بعضهم: كل معبود دون الله فهو طاغوت، وهو من الطغيان وهو المجاوزة عن الحد.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أقبلوا ورجعوا إلى ما أمرهم الله به، أو رجعوا إلى ما به طاعته وتركوا ما به مخالفته، وانتهوا عن مناهيه، والإنابة إلى الله هي الرجوع إلى أمر الله وإلى ما به طاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .
وهو ما ذكر في قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ فعلى ما ذكر لهؤلاء من البشرى لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنهم أولياء الله.
وقوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح فيتبعون أحسنه، أي: يرون ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر وقبيح.
وقال بعضهم: يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن ويتبعونه ويتركون كلام الناس وأحاديثهم، فهو اتباع الأحسن منه وهو القرآن.
وقال بعضهم: يستمعون [القرآن] وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي: ناسخه، ويعملون به ويتركون منسوخه لا يعملون به.
وقال بعضهم: يستمعون إلى القرآن وفيه الأمر والنهي فيتبعون أمره وينتهون عما نهى عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ ، أي: يتبعون الحسن منه الأحسن، بمعنى: الحسن، والله أعلم.
وقال قائلون: فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه؛ كقوله: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا...
﴾ الآية [الأعراف: 145]، وتأويله ما ذكرنا: أن خذوا ما فيه من الأمر وأتمروا به وانتهوا عما فيه من المناهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: أولئك هم المنتفعون بلبهم وعقولهم؛ حيث اختاروا وآثروا هداية الله ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال واهتدوا.
وقوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
ذكر الله - - في هذه السورة أشياء لا يعرف لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره، من ذلك ما ذكر: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: أفمن حق عليه العذاب كمن له البشرى في الآخرة؛ لأنه ذكر فيما تقدم للمؤمنين البشرى حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ...
﴾ الآية، على هذا يخرج جوابه: أفمن وجب عليه العذاب كمن وجب له البشرى، لا سواء.
أو أن يقول: أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام، أي: ليس الذي وجب عليه العذاب كالذي شرح صدره للإسلام.
أو أن يقول: هذا لنازلة كانت لرسول الله ، لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم؛ يقول: أفمن وجب عليه العذاب، أفأنت تنقذه وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب ويحرص على إسلامهم ويحزن لتركهم الإسلام؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ونحو ذلك، كان يحزن وكادت نفسه تتلف إشفاقاً عليهم، فيقول: أفمن وجب وحق عليه العذاب، أتقدر أن تنقذه من النار؟
أي: لا تقدر على ذلك، والله أعلم.
ثم بين الذين أنقذوا من النار، وهم الذين اتقوا ربهم، حيث قال - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ ﴾ .
يحتمل اتقوا مخالفة ربهم، واتقوا سخط ربهم ونقمته.
ثم بين ما أُعد لهم في الآخرة، فقال - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ ذكر أن لهم غرفاً في الجنة، والغرف على الغرف في الشاهد إنما تتخذ لضيق المكان، لكن ذلك في الجنة ليس لذلك ولكن لما كان عرف من رغبة الناس في الدنيا في الارتفاع والعلو والكراهية للتسفل والانحدار في الأرض رغبهم في الآخرة على ما رغبوا وأحبوا في الدنيا، ولكن لأهل الجنة الدرجات ولأهل النار الدركات.
ثم قوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
يخبر أن أمر الجنة على خلاف أهل الدنيا؛ إذ في الدنيا كلما ارتفع وعلا من البنيان كان الماء منها أبعد والوصول إليه أصعب، فأخبر أنهم وإن كانوا في الغرف والدرجات فأبصارهم مما تقع على الماء والماء لا يبعد عنهم ولا يصعب، والله أعلم.
ثم ذكر في الغرف البناء وذكر في السماء أنه بناها، فلم يفهم من بنائه ما ذكر ما فهم من بناء الخلق، فكيف فهم من مجيئه وغير ذلك ما فهم من مجىء الخلق وإتيانهم لولا ما كان فيهم من فساد اعتقادهم، والله أعلم.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ؛ لأن من وعد في الشاهد وعداً ثم أخلفه إنما يخلفه لحاجته، أو لما يبدو له من البدوات فيرجع عما وعد، والله وتعالى - [منزه] عن ذلك كله، لا يحتمل خلف الوعد منه.
<div class="verse-tafsir"
من وجبت عليه كلمة العذاب لاستمراره في كفره وضلاله، فلا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته، وتوفيقه، أفأنت -أيها الرسول- تستطيع إنقاذ من هذه صفته من النار؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.OEd13"