الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢٩ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) أي : يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ، ( ورجلا سلما لرجل ) أي : خالصا لرجل ، لا يملكه أحد غيره ، ( هل يستويان مثلا ) أي : لا يستوي هذا وهذا .
كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله ، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له .
فأين هذا من هذا ؟
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص ، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا ، قال : ( الحمد لله ) أي : على إقامة الحجة عليهم ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي : فلهذا يشركون بالله .
القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29) يقول تعالى ذكره: مثل الله مثلا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شَتَّى, ويطيع جماعة من الشياطين, والمؤمن الذي لا يعبُد إلا الله الواحد, يقول تعالى ذكره: ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء.
يقول: هو بين جماعة مالكين متشاكسين, يعني مختلفين متنازعين, سيئة أخلاقهم, من قولهم: رجل شكس: إذا كان سيئ الخلق, وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه ومِلْكه فيه, ورجلا مسلما لرجل, يقول: ورجلا خُلُوصا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله, لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بالربوبية.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَرَجُلا سَلَمًا ) فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: " ورَجُلا سَالِمًا " وتأوّلوه بمعنى: رجلا خالصا لرجل.
وقد رُوي ذلك أيضا عن ابن عباس.
حدثنا أحمد بن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا حجاج, عن هارون, عن جرير بن حازم, عن حميد, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قرأها: " سَالِمًا لِرَجُلٍ" يعني بالألف, وقال: ليس فيه لأحد شيء.
وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة: ( وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ) بمعنى: صلحا (2) .
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن السلم مصدر من قول القائل: سَلِم فلان لله سَلما (3) بمعنى: خَلَص له خُلوصا, تقول العرب: ربح فلان في تجارته رِبْحا ورَبَحا (4) وسَلِمَ سِلْما وسَلَما (5) وسلامة, وأن السالم من صفة الرجل, وسلم مصدر من ذلك.
وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سَلَما من أن معناه صلحا, فلا وجه للصلح في هذا الموضع, لأن الذي تقدم من صفة الآخر, إنما تقدم بالخبر عن اشتراك جماعة فيه دون الخبر عن حربه بشيء من الأشياء, فالواجب أن يكون الخبر عن مخالفه بخلوصه لواحد لا شريك له, ولا موضع للخبر عن الحرب والصلح في هذا الموضع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: " رَجُلا فِيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلا سالِمًا لِرَجُلٍ" قال: هذا مثل إله الباطل وإله الحق.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) قال: هذا المشرك تتنازعه الشياطين, لا يقر به بعضهم لبعض " وَرَجُلا سَالِمًا لِرَجُلٍ" قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) إلى قوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) قال: الشركاء المتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتى كلّ قوم يعبدون إلها يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة, فضرب الله هذا المثل لهم, وضرب لنفسه مثلا يقول: رجلا سَلِمَ لرجل يقول: يعبدون إلها واحدا لا يختلفون فيه.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) قال: مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ) قال: أرأيت الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون كلهم سيئ الخلق, ليس منهم واحد إلا تلقاه آخذا بطرف من مال لاستخدامه أسواؤهم, والذي لا يملكه إلا واحد, فإنما هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة, وجعلوا لها في أعناقهم حقوقا, فضربه الله مثلا لهم, وللذي يعبده وحده ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وفي قوله: " وَرَجُلا سالِمَا لِرَجُلٍ" يقول: ليس معه شرك.
وقوله: ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) يقول تعالى ذكره: هل يستوي مثلُ هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه والذي يخدمُ واحدا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه, وإذا أخطأ صفح له عن خطئه, يقول: فأيّ هذين أحسن حالا وأروح جسما وأقلّ تعبا ونصبا؟.
كما حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول: من اختُلف فيه خير, أم من لم يُخْتلَف فيه؟.
وقوله: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) يقول: الشكر الكامل, والحمدُ التامّ لله وحده دون كلّ معبود سواه.
وقوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول جل ثناؤه: وما يستوي هذا المشترك فيه, والذي هو منفرد ملكه لواحد, بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أنهما لا يستويان, فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتى من دون الله.
وقيل: ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) ولم يقل: مثلين لأنهما كلاهما ضربا مثلا واحدا, فجرى المثل بالتوحيد, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً إذ كان معناهما واحدا في الآية.
والله أعلم.
------------------------ الهوامش: (2) قائل هذا : هو أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة جامعة القاهرة رقم 26390 الورقة 159) .
(3) لم أجد في اللسان ( سلم لله سلما" بالتحريك ، بالمعنى الذي أورده المؤلف هنا .
(4) في ( اللسان : ربح ) : الربح ( بالكسر ) ، والربح ( بالتحريك ) ، والرباح ( بفتح الراء ) : النماء في التجر ا هـ .
قلت : وعلى هذا فهما مصدران كما قال المؤلف .
وقال : قال ابن الأعرابي : الربح والربح ، مثل البدل والبدل .
وقال الجوهري : مثل شبه وشبه : هو اسم ما ربحه .
(5) ضبط الثاني في اللسان ضبط قلم ، بفتح السين وسكون اللام ، عن أبي إسحاق الزجاج ، على أنه قراءة ، ولعله خطأ من الناسخ .
قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون .قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون قال الكسائي : نصب رجلا لأنه ترجمة للمثل وتفسير له ، وإن شئت نصبته بنزع الخافض ، مجازه : ضرب الله مثلا برجل فيه شركاء متشاكسون .
قال الفراء : أي : مختلفون .
وقال المبرد : أي : متعاسرون .
من شكس يشكس شكسا بوزن قفل فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر ، يقال : رجل شكس وشرس وضرس وضبس .
ويقال : رجل ضبس وضبيس أي : شرس عسر شكس ، قاله الجوهري .
الزمخشري : والتشاكس والتشاخس الاختلاف .
يقال : تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه .
ويقال : شاكسني فلان أي : ماكسني وشاحني في حقي .
قال الجوهري : رجل شكس بالتسكين أي : صعب الخلق .
قال الراجز :شكس عبوس عنبس عذوروقوم شكس مثال رجل صدق وقوم صدق .
وقد شكس بالكسر شكاسة .
وحكى الفراء : رجل شكس .
وهو القياس ، وهذا مثل من عبد آلهة كثيرة ." ورجلا سلما لرجل " أي خالصا لسيد واحد ، وهو مثل من يعبد الله وحده .
" هل يستويان مثلا " هذا الذي يخدم جماعة [ ص: 226 ] شركاء أخلاقهم مختلفة ، ونياتهم متباينة ، لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه ، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم ، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحدا منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته ، والذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه أحد ، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له ، وإن أخطأ صفح عن خطئه ، فأيهما أقل تعبا أو على هدى مستقيم .
وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة : " ورجلا سلما " وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجحدري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب : " ورجلا سالما " واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه .
قال : لأن السالم الخالص ضد المشترك ، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب هنا .
النحاس : وهذا الاحتجاج لا يلزم ; لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما ، فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع آخر ، كما يقال : لك في هذا المنزل شركاء فصار سلما لك .
ويلزمه أيضا في سالم ما ألزم غيره ; لأنه يقال : شيء سالم أي : لا عاهة به .
والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة .
واختار أبو حاتم قراءة أهل المدينة " سلما " قال : وهذا الذي لا تنازع فيه .
وقرأ سعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية ونصر " سلما " بكسر السين وسكون اللام .
وسلما وسلما مصدران ، والتقدير : ورجلا ذا سلم ، فحذف المضاف و " مثلا " صفة على التمييز ، والمعنى هل تستوي صفاتهما وحالاهما .
وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس .الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون الحق فيتبعونه .
ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا } أي: عبدا { فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟{ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة.
{ هَلْ يَسْتَوِيَانِ } أي: هذان الرجلان { مَثَلًا } ؟
لا يستويان.كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه اللّه من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، فـ { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال.
{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }
( ضرب الله مثلا رجلا ) قال الكسائي : نصب " رجلا " ؛ لأنه تفسير للمثل ، ( فيه شركاء متشاكسون ) متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم ، يقال : رجل شكس شرس ، إذا كان سيئ الخلق ، مخالفا للناس ، لا يرضى بالإنصاف ، ( ورجلا سلما لرجل ) قرأ أهل مكة والبصرة : " سالما " بالألف أي : خالصا له لا شريك ولا منازع له فيه ، وقرأ الآخرون : " سلما " بفتح اللام من غير ألف ، وهو الذي لا ينازع فيه من قولهم : هو لك سلم ، أي : مسلم لا منازع لك فيه .
( هل يستويان مثلا ) هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للكافر الذي يعبد آلهة شتى ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد ، وهذا استفهام إنكار أي : لا يستويان ، ثم قال : ) ( الحمد لله ) أي : لله الحمد كله دون غيره من المعبودين .
( بل أكثرهم لا يعلمون ) ما يصيرون إليه والمراد بالأكثر الكل .
«ضرب الله» للمشرك والموحِّد «مثلا رجلا» بدل من مثلا «فيه شركاء متشاكسون» متنازعون سيئة أخلاقهم «ورجلا سالما» خالصا «لرجل هل يستويان مثلا» تميز أي لا يستوي العبد بجماعه والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر فيمن يخدمه منهم وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للموحّد «الحمد لله» وحده «بل أكثرهم» أي أهل مكة «لا يعلمون» ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.
ضرب الله مثلا عبدًا مملوكًا لشركاء متنازعين، فهو حيران في إرضائهم، وعبدًا خالصًا لمالك واحد يعرف مراده وما يرضيه، هل يستويان مثلا؟
لا يستويان، كذلك المشرك هو في حَيْرة وشك، والمؤمن في راحة واطمئنان.
فالثناء الكامل التام لله وحده، بل المشركون لا يعلمون الحق فيتبعونه.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا للعبد المشرك وللعبد المؤمن ، فقال : ( ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ .
.
.
)وقوله ( مَثَلاً ) مفعول ثان لضرب ، و ( رَّجُلاً ) مفعوله الأول .
وأخر عن المفعول الثانى للتشويق إليه ، وليتصل به ما هو من تتمته ، وهو التمثيل لحال الكافر والمؤمن .وقوله ( مُتَشَاكِسُونَ ) من الشاكس بمعنى التنازع والتخاصم وسوء الخلق ، يقال : رجل شَكْس وشكِس - بفتح الشين مع إسكان الكاف أو كسرها وفعله من باب كرم - إذا كان صعب الطباع ، عسر الخلق .وقوله " سلما " بفتح السين واللام - مصدر وصف به على سبيل المبالغة .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " سالما " أى خالصا لسيده دون أن ينازعه فيه منازع .والمعنى : إن مثل المشرك الذى يعبد آلهة متعددة ، كمثل عبد مملوك لجماعة متشاكسين متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم ، وهذا العبد موزع وممزق بينهم ، لأن أحدهم يطلب منه شيئا معينا ، والثانى يطلب منه شيئا يباين ما طلبه الأول ، والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثانى .
.
.
وهو حائر بينهم جميعا ، لا يدرى أو يطيع ما أمره به الأول أم الثانى أم الثالث ..
.
؟
لأنه لا يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التى تمزق أفكاره وقواه .هذا هو مثل المشرك فى حيرته وضلاله وانتكاس حاله .أما مثل المؤمن فهو كمثل عبد مملوك لسيد واحد ، وخالص لفرد واحد ، وليس لغيره من سبيل إليه ، فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة ، لأنه يعرف ماله وما عليه ، وفى راحة تامة من الحيرة والمتاعب التى انغمس فيها ذلك العبد الذى يملكه الشركاء المتشاكسون .فالمقصود بهذين المثلين بيان ما عليه العبد المشرك من ضلال وتحير وتمزق ، وما عليه العبد المؤمن من هداية واستقرار واطمئنان .واختار - سبحانه - الرجل لضرب المثلين ، لأنه أتم معرفة من غيره لما تعبه ولما يريحه ولما يسعده ولما يشقيه .قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية : واضرب - يا محمد 0 لقومك مثلا وقل لهم : ما تقولون فى رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء ، بينهم اختلاف وتنازع .
كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ، ويتعاورونه فى مهن شتى ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو متحير فى أمره ، قد تشعبت الهموم قلبه ، وتوزعت أفكاره ، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته ، وعلى أيهم يعتمد فى حاجاته .وفى آخر : قد سلم لمالك واحد وخلص له ، فهو معتنق لما لزمه من خدمته معتمد عليه فيما يصلحه ، فهمه واحد ، وقلبه مجتمع ، أى هذين العبدين أحسن وأجمل شأنا؟والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى .
.
.
ويبقى متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم يعبد ، وممن يطلب رزقه؟
فَهمَّهُ شَعَاع - بفتح الشين أى : متفرق - ، وقلبه أوزاع ، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا ، فهو قائم بما كلفه ، عرف بما أرضاه وما أسخطه ، متفضل عليه فى عاجله ، مؤمل للثواب فى آجله .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) للإنكار والاستبعاد .أى : لا يستوى الرجل الذى فيه شركاء متشاكسون ، والرجل الذى سلم لرجل آخر ، فى رأى أى ناظر ، وفى عقل أى عاقل ، فالأول فى حيرة من أمره ، والثانى على بينة من شأنه .وساق - سبحانه - هذا المعنى فى صورة الاستفهام ، للإِشعار بأن ذلك من الجلاء والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذى عقل سليم .وانتصب لفظ " مثلا " على التمييز المحول عن الفاعل ، لأن الأصل هل يستوى مثلهما وحالهما؟وجملة ( الحمد للَّهِ ) تقرير وتأكيد لما قبلها من نفى الاستواء واستعباده ، وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص فى العبودية لله - تعالى - يستحق منهم كل شكر وثناء على الله - عز وجل - حيث وفقهم لذلك .وقوله - تعالى - : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذى عينين يبصرهما ، وعقل يعقل به .
اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح وعيد الكفار أردفه بذكر مثل ما يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقتهم فقال: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المتشاكسون المختلفون العسرون يقال شكس يشكس شكوساً وشكساً إذا عسر، وهو رجل شكس، أي عسر وتشاكس إذا تعاسر، قال الليث: التشاكس التنازع والاختلاف، ويقال الليل والنهار متشاكسان، أي أنهما متضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر، وقوله فيه صلة شركاء كما تقول اشتركوا فيه.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالماً بالألف وكسر اللام يقال سلم فهو سالم والباقون سلماً بفتح السين واللام بغير الألف، ويقال أيضاً بفتح السين وكسرها مع سكون العين أما من قرأ سالماً فهو اسم الفاعل تقدير مسلم فهو سالم، وأما سائر القراءات فهي مصادر سلم والمعنى ذا سلامة، وقوله: ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ أي ذا خلوص له من الشركة من قولهم: سلمت له الضيعة، وقرئ بالرفع على الابتداء أي وهناك رجل سالم لرجل.
المسألة الثالثة: تقدير الكلام: اضرب لقومك مثلاً وقل لهم ما يقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع، كل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه في حوائجهم وهو متحير في أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج في مهم إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر، فهو يبقى متحيراً لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه، وأيهم يعينه في حاجاته، فهو بهذا السبب في عذاب دائم وتعب مقيم، ورجل آخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك المخدوم يعينه على مهماته، فأي هذين العبدين أحسن حالاً وأحمد شأناً، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، فإن أولئك الآلهة تكون متنازعة متغالبة، كما قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ وقال: ﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ فيبقى ذلك المشرك متحيراً ضالاً، لا يدري أي هؤلاء الآلهة يعبد وعلى ربوبية أيهم يعتمد، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شفاع، وقلبه أوزاع.
أما من لم يثبت إلا إلهاً واحداً فهو قائم بما كلفه عارف بما أرضاه وما أسخطه، فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول، وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد، فإن قيل: هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون زحل هو النحس الأعظم، والمشتري هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذٍ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذٍ يكون المثل مطابقاً، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضاً ينطبق المثال، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود.
أما قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ فالتقدير هل يستويان صفة، فقوله: ﴿ مَثَلاً ﴾ نصب على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالتاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرئ مثلين، ثم قال: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ والمعنى أنه لما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد، وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق، ثبت أن الحمد له لا لغيره، ثم قال بعده: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره، وأن المستحق للعبادة هو الله لا غيره، وقيل المراد أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة والبينات الباهرة، قال: الحمد لله على حصول هذه البيانات وظهور هذه البينات، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها، ولما تمم الله هذه البيانات قال: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً سيموتون، ثم تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى، والعادل الحق يحكم بينكم فيوصل إلى كل واحد ما هو حقه، وحينئذٍ يتميز المحق من المبطل، والصديق من الزنديق، فهذا هو المقصود من الآية، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ أي إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء فإنك وإياهم في أعداد الموتى، لأن كل ما هو آت آت، ثم بين تعالى نوعاً آخر من قبائح أفعالهم، وهو أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يكذبون القائل المحق.
أما أنهم يكذبون، فهو أنهم أثبتوا لله ولداً وشركاء.
وأما أنهم مصرون على تكذيب الصادقين، فلأنهم يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم بعد قيام الدلالة القاطعة على كونه صادقاً في ادعاء النبوة، ثم أردفه بالوعيد فقال: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين ﴾ ومن الناس من تمسك بهذه الآية في تكفير المخالف من أهل القبلة، وذلك لأن المخالف في المسائل القطعية كلها يكون كاذباً في قوله، ويكون مكذباً للمذهب الذي هو الحق، فوجب دخوله تحت هذا الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
واضرب لقومك مثلاً، وقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى ومشادة، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحير في أمره سادر قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره، لا يدري أيهم يرضى بخدمته؟
وعلى أيهم يعتمد في حاجاته.
وفي آخر: قد سلم لمالك واحد وخلص له، فهو معتنق لما لزمه من خدمته، معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه مجتمع، أيُّ هذين العبدين أحسن حالاً وأجمل شأناً؟
والمراد: تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعي كل واحد منهم عبوديته، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ [المؤمنون: 91] ويبقى هو متحيراً ضائعاً لا يدري أيهم يعبد؟
وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟
وممن يطلب رزقه؟
وممن يلتمس رفقه؟
فهمه شعاع وقلبه أو زاع، وحال من لم يثبت إلا إلها واحداً، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله، مؤمل للثواب من آجله.
و ﴿ فِيهِ ﴾ صلة شركاء، كما تقول: اشتركوا فيه.
والتشاكس والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه، سالماً لرجل خالصاً.
وقرئ: ﴿ سلماً ﴾ بفتح الفاء والعين، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين، وهي مصادر سلم.
والمعنى: ذا سلامة لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة، من قولهم: سلمت له الضيعة.
وقرئ بالرفع على الابتداء، أي: وهناك رجل سالم لرجل، وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد، فإن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ هل يستويان: صفة على التمييز، والمعنى: هل يستوي صفتاهما وحالاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس.
وقرئ: ﴿ مثلين ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا ﴾ [التوبة: 69] مع قوله: ﴿ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ ويجوز فيمن قرأ: مثلين، أن يكون الضمير في ﴿ يَسْتَوِيانِ ﴾ للمثلين، لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل.
والمعنى: هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، كما تقول: كفى بهما رجلين ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه، أي: يجب أن يكون الحمد متوجهاً إليه وحده والعبادة، فقد ثبت أنه لا إله إلاّ هو ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيشركون به غيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ.
﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ مِثْلَ المُشْرِكِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ مِن أنْ يَدَّعِيَ كُلُّ واحِدٍ مِن مَعْبُودِيهِ عُبُودِيَّتَهُ، ويَتَنازَعُوا فِيهِ بِعَبْدٍ يَتَشارَكُ فِيهِ جَمْعٌ، يَتَجاذَبُونَهُ ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ في تَحَيُّرِهِ وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، والمُوَحِّدُ بِمَن خَلَصَ لِواحِدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ورَجُلًا بَدَلٌ مِن مَثَلًا وفِيهِ صِلَةُ شُرَكاءُ، والتَّشاكُسُ والتَّشاخُصُ الِاخْتِلافُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ سَلَمًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ سَلِمَ نُعِتَ بِها، أوْ حُذِفَ مِنها ذا و«رَجُلٌ سالِمٌ» أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وتَخْصِيصُ الرَّجُلِ لِأنَّهُ أفْطَنُ لِلضُّرِّ والنَّفْعِ.
﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ صِفَةً وحالًا ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، وقُرِئَ «مَثَلَيْنِ» لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ عَلى يَسْتَوِيانِ في الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَثَلَيْنِ فَإنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ومَثَلَ رَجُلٍ.
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ كُلَّ الحَمْدِ لَهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ بِالذّاتِ والمالِكُ عَلى الإطْلاقِ.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً} بدل {فِيهِ شُرَكَآءُ متشاكسون} متنازعون ومختلفون {وَرَجُلاً سَلَماً} مصدر سلم والمعنى ذا سلامة {لِرَجُلٍ} أي ذا خلوص له من الشركة سالماً مكي وأبو عمرو واى خالصاً له {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} صفة وهو تمييز والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقريء مثلين {الحمد للَّهِ} الذي لا إله إلا هو {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيشركون به
الزمر (٣٣ - ٣٠)
غيره مثل الكافر
ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجاته وممن يطلب رزقه وممن يلتمس رفقه فهمه شعاع وقلبه أوزاع والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ إيرادٌ لِمَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الحِكْمَةَ في ضَرْبِها هو التَّذَكُّرُ، والِاتِّعاظُ بِها، وتَحْصِيلُ التَّقْوى، والمُرادُ بِضَرْبِ المَثَلِ ها هُنا تَطْبِيقُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها، وجَعْلُها مِثْلَها، و ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو مِن تَتِمَّتِهِ الَّتِي هي العُمْدَةُ في التَّمْثِيلِ، أوْ ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولُ ضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ ﴿ رَجُلا ﴾ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ مَثَلًا في رَجُلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ.
و ﴿ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُبْتَدَأٌ، و ﴿ مُتَشاكِسُونَ ﴾ صِفَتُهُ، والنَّكِرَةُ وإنْ وُصِفَتْ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ خَبَرِها.
والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ رَجُلا ﴾ والرّابِطُ الهاءُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ، وقِيلَ: ﴿ فِيهِ ﴾ صِلَةُ شُرَكاءَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُتَشاكِسُونَ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ لِتَقْدِيمِهِ نُكْتَةٌ ظاهِرَةٌ.
والمَعْنى: ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُهُ مِنَ ادِّعاءِ كُلٍّ مِن مَعْبُودِيَّةِ عُبُودِيَّتِهِ عَبْدًا يَتَشارَكُ فِيهِ جَماعَةٌ مُتَشاجِرُونَ لِشَكاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وسُوءِ طَبائِعِهِمْ يَتَجاذَبُونَهُ، ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُتَبايِنَةِ في تَحَيُّرِهِ، وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، ﴿ ورَجُلا ﴾ أيْ وضَرَبَ لِلْمُوَحِّدِ مَثَلًا رَجُلًا، ﴿ سَلَمًا ﴾ أيْ خالِصًا، ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ فَرْدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ سَبِيلٌ إلَيْهِ أصْلًا، فَهو في راحَةٍ عَنِ التَّحَيُّرِ، وتَوَزُّعِ القَلْبِ، وضَرَبَ الرَّجُلَ مَثَلًا، لِأنَّهُ أفْطَنُ لِما شَقِيَ بِهِ، أوْ سَعِدَ، فَإنَّ الصَّبِيَّ، والمَرْأةَ قَدْ يَغْفُلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ”سالِمًا“ اسْمَ فاعِلٍ مِن سَلِمَ، أيْ خالِصًا لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ”سِلْمًا“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وقُرِئَ ”سَلْمًا“ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهُما مَصْدَرانِ، وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقُرِئَ ”ورَجُلٌ سالِمٌ“ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ، ويَكُونَ رَجُلٌ مُبْتَدَأً، وسالِمٌ خَبَرَهُ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاسْتِوائِهِما، ونَفْيٌ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الحُكْمِ بِتَبايُنِهِما ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في لَوْمٍ وعَناءٍ، والآخَرَ في راحَةِ بالٍ ورِضاءٍ، وقِيلَ: ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في أعْلى عِلِّيِّينَ، والآخَرَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ، فالسِّرُّ في إبْهامِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ الإشارَةُ إلى كَمالِ الظُّهُورِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى شُعُورٍ.
وانْتِصابُ ﴿ مَثَلا ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما وحالُهُما، والِاقْتِصارُ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ وقُرِئَ ”مَثَلَيْنِ“ أيْ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما وحالاهُما، وثُنِّيَ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّمْيِيزِ حاصِلٌ بِالإفْرادِ مِن غَيْرِ لَبْسٍ لِقَصْدِ الإشْعارِ بِمَعْنًى زائِدٍ، وهو اخْتِلافُ النَّوْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ يَسْتَوِيانِ لِلْمَثَلَيْنِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ فِيما سَبَقَ مَثَلُ رَجُلٍ، ومَثَلُ رَجُلٍ، أيْ هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ، وهو عَلى نَحْوِ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ، وهو مِن بابِ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى هَلْ يَسْتَوِيانِ رَجُلَيْنِ فِيما ضُرِبَ مِنَ المِثالِ، ولَمّا كانَ المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي هي كالمَثَلِ كانَ المَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، وتَنْبِيهٌ لِلْمُوَحِّدِينَ عَلى أنَّ ما لَهم مِنَ المَزِيَّةِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي الدَّوامَ عَلى حَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، أوْ عَلى أنَّ بَيانَهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ أنَّ لَهُمُ المَثَلَ الأعْلى ولِلْمُشْرِكِينَ مَثَلَ السَّوْءِ، صُنْعٌ جَمِيلٌ ولُطْفٌ تامٌّ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُسْتَوْجِبٌ لِحَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ، أوْ لَيْسُوا مِن ذَوِي العِلْمِ، فَلا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَيَبْقَوْنَ في ورْطَةِ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ تَعالى، وأنَّ المَحامِدَ إنَّما هي لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ مِن تَتِمَّةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ولا اعْتِراضَ، ولا يَخْفى أنَّ بِناءَ الكَلامِ عَلى الِاعْتِراضِ كَما سَمِعْتَ أوْلى، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يعني: بيّنا في هذا القرآن من كل شيء.
وقد بيّن بعضه مفسراً، وبعضه مبهماً مجملاً، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا قُرْآناً عَرَبِيًّا يعني: أنزلناه قرآناً عربياً بلغة العرب غَيْرَ ذِي عِوَجٍ يعني: ليس بمختلف، ولكنه مستقيم.
ويقال: غير ذي تناقض.
ويقال: غير ذي عيب.
ويقال: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: غير مخلوق.
قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن داود.
قال: حدثنا محمد بن أحمد بإسناده.
قال: حدثنا أبو حاتم الداري، عن سليمان بن داود العتكي، عن يعقوب بن محمد بن عبد الله الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: في قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قال: غير مخلوق لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: لكي يتقوا الشرك ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: بيّن شبهاً رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ أي: عبداً بين موالي مختلفين يأمره، هذا بأمر، وينهاه هذا عنه.
ويقال: مُتَشاكِسُونَ أي: مختلفون، يتنازعون، وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ أي: خالصاً لرجل لا شركة فيه لأحد.
قرأ ابن كثير، وأبو عمر، سَالِماً بالألف، وكسر اللام.
والباقون سَلَماً بغير ألف، ونصب السين.
فمن قرأ: سَالِماً فهو اسم الفاعل على معنى سلم، فهو سالم.
ومعناه: الخالص.
ومن قرأ سَلَماً فهو مصدر.
فكأنه أراد به رجلاً ذا سلم لرجل.
ومعنى الآية: هل يستوي من عبد آلهة مختلفة، كمن عبد رباً واحداً.
وقال قتادة: الرجل الكافر، والشركاء الشياطين، والآلهة، وَرَجُلاً سَلَماً.
المؤمن يعمل لله تعالى وحده.
وقال بعضهم: هذه المثل للراغب، والزاهد.
فالراغب شغلته أمور مختلفة، فلا يتفرغ لعبادة ربه.
فإذا كان في العبادة، فقلبه مشغول بها، والزاهد قد يتفرغ عن جميع أشغال الدنيا، فهو يعبد ربه خوفاً وطمعاً، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا يعني: عنده في المنزلة يوم القيامة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ قال مقاتل: الْحَمْدُ لِلَّهِ حين خصهم.
ويقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ على تفضيل من اختاره، على من اشتغل بما دونه.
ويقال: يعني: قولوا الحمد لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن عبادة رب واحد، خير من عبادة أرباب شتى.
ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ أنهما لا يستويان.
ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ توحيد ربهم.
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ذلك أن كُفّار قريش قالوا: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] ، يعني: ننتظر موت محمد- - فنزل: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني: أنت ستُموت، وهم سيموتون.
ويقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني: إنك لميت لا محالة، وإنهم لميتون لا محالة، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه.
فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب من الموت، فكل واحد منهم يموت لا محالة، فسماهم ميتين.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ أي: تتكلمون بحججكم.
الكافر مع المؤمن، والظالم مع المظلوم.
فإن قيل: قد قال في آية أخرى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق: 28] قيل له: إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة يختصمون، ومرة لا يختصمون.
كما أنه قال: فهم لا يتساءلون، وقال في آية أخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) [الصافات: 27] يعني: في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وهذا كما قال في موضع آخر: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39) [الرحمن: 39] وقال في آية أخرى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] وكما قال في آية أخرى: لا يتكلمون، وفي آية أخرى أنهم يتكلمون، ونحو هذا كثير في القرآن.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لاَ تَزَال الخُصومَة بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتى تَتَخَاصَم الرُّوح والجَسَد، فَيَقُول الجَسَد: إِنَّمَا كنت بمنزلة جزع مُلْقَى، لاَ أَسْتَطِيع شَيْئاً.
وَتَقُولُ الرُّوح: إِنَّمَا كُنْتُ رِيحاً، لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْمَلَ شَيْئاً.
فَضُرِبَ لَهُما مَثَلُ الأعْمَى والمُقْعَد، فَحَمَلَ الأَعْمَى المُقْعَد، فَيَدُلَّهُ المُقْعَد بِبَصَرِهِ، وَيَحْمِله الأعْمَى بِرجْلَيه» .
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال: سألت أبا العالية عن قوله: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ثم قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فكيف هذا؟
قال: أما قوله: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فهو لأهل الشرك، وأما قوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فهو لأهل القبلة، يختصمون في مظالم ما بينهم.
<div class="verse-tafsir"
العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر، ونَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مغمز بوجه.
وقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ...
الآية، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تعالى الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ فهو أبَداً في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومتى تَوَهَّمَ أنه أرضى صَنَماً بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ فهو أبداً تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، / ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ فهو يعمله على تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عمله، ومَثَلًا مفعول ب ضَرَبَ ورَجُلًا نصب على البدل ومُتَشاكِسُونَ معناه: لا سَمْحَ في أخلاقِهم بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالماً» «١» أي: سالماً من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ونَصْبُ مَثَلًا على التمييز وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ على أنهم قد أجابوا، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي:
على ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن.
والاخْتِصَامُ في الآية قيلَ: عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال ع «٢» : ومعنى الآيةِ عندي: أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنى ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال:
«لما نَزَلَتْ: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزُّبَيْرُ: يا رسول الله: أتكرّر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ.
وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ.
ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ.
والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ.
وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ.
قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ.
وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ.
وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ مُجْمَلًا، جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَثَلٍ في أهَمِّ الأُمُورِ وأعْظَمِها خَطَرًا وهو التَوْحِيدُ، فَمَثَّلَ تَعالى الكافِرَ والعابِدَ لِلْأوثانِ والشَياطِينِ بِعَبْدٍ لِرِجالٍ عِدَّةٍ، في أخْلاقِهِمْ شَكاسَةٌ ونَقْصٌ وعَدَمُ مُسامَحَةٍ، فَهم لِذَلِكَ يُعَذِّبُونَ ذَلِكَ العَبْدَ بِأنَّهم يَتَضايَقُونَ في أوقاتِهِمْ، ويُضايِقُونَ العَبْدَ في كَثْرَةِ العَمَلِ، فَهو أبَدًا ناصِبٌ، فَكَذَلِكَ عابِدُ الأوثانِ، الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَها هو مُعَذَّبُ الفِكْرِ بِها، وبِحِراسَةِ حالِهِ مِنها، ومَتى أرْضى صَنَمًا مِنها بِالذَبْحِ لَهُ في زَعْمِهِ تَفَكَّرَ فِيما يَصْنَعُ مَعَ الآخَرِ، فَهو أبَدًا في نَصَبٍ وضَلالٍ، وكَذَلِكَ هو المَصانِعُ لِلنّاسِ، المُمْتَحَنُ بِخِدْمَةِ المُلُوكِ.
وَمَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وحْدَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ يُكَلِّفُهُ شُغْلَهُ، فَهو يَعْمَلُهُ عَلى تَؤُدَةٍ، وقَدْ ساسَ مَوْلاهُ، فالمَوْلى يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، ويَشْكُرُهُ عَلى إجادَةِ عَمَلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ضَرَبَ" ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ الَّذِي هو الشَبِيهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "هَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: شَبَهُهُ، و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ بِـ"ضَرَبَ"، و"رَجُلًا" بَدَلٌ، قالَ الكِسائِيُّ: وإنْ شِئْتَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ: "مَثَلًا لِرَجُلٍ"، أو"فِي رَجُلٍ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
و"مُتَشاكِسُونَ" مَعْناهُ: لا سَمْحَ في أخْلاقِهِمْ، بَلْ فِيها لَجاجٌ ومُتابَعَةٌ ومُحاذَقَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: خُلِقْتُ شَكْسًا لِلْأعادِي مِشْكَسًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: [ سالِمًا ] عَلى اسْمِ الفاعِلِ، بِمَعْنى: سَلِمَ مِنَ الشَرِكَةِ فِيهِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناهُ: خالِصًا، وهَذِهِ بِالألِفِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرِيِّ، والزُهْرِيِّ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ - وقَرَأ الباقُونَ: "سَلَمًا" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ، وطَلْحَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ -.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: [سِلْمًا] بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، وهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما الرَجُلُ، بِمَعْنى: خالِصًا وأمْرًا قَدْ سَلِمَ لَهُ.
ثُمَّ وقَّفَ الكَفّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ ، ونُصِبَ "مَثَلًا" عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا تَوْقِيفٌ لا يُجِيبُ عنهُ أحَدٌ إلّا بِأنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، فَلِذَلِكَ عامَلَتْهُمُ العِبارَةُ الوَجِيزَةُ عَلى أنَّهم قَدْ جاوَبُوا، فَقالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ عَلَيْكم مِن أقْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَأضْرَبَ عن مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ، بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ.
و"أكْثَرُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِها، لِأنّا وجَدْنا الأقَلَّ عَلِمَ أمْرَ التَوْحِيدِ وتَكَلَّمَ بِهِ، ورَفَضَ أمْرَ الأصْنامِ، كَوَرَقَةَ وزَيْدٍ، وقُسٍّ.
ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ مَعَهم في غَرَضٍ آخَرَ مِنَ الوَعِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ والخُصُومَةِ فِيهِ، ومِنَ التَحْذِيرِ مِن حالِ الكَذَبَةِ عَلى اللهِ، المُكَذِّبِينَ بِالصِدْقِ، فَقَدَّمَ تَعالى لِذَلِكَ تَوْطِئَةً مُضَمَّنُها وعْظُ النُفُوسِ وتَهْيِئَتُها لِقَبُولِ الكَلامِ وحَذْفُ التَوَعُدِ، وهَذا كَما تُرِيدُ أنْ تَنْهى إنْسانًا عن مَعاصِيهِ، أو تَأْمُرَهُ بِخَيْرٍ، فَتَفْتَتِحَ كَلامَكَ بِأنْ تَقُولَ: كُلُّنا يَفْنى، أو: لابُدَّ لِلْجَمِيعِ مِنَ المَوْتِ، أو: كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ، ونَحْوَ هَذا مِمّا تُرَقِّقُ بِهِ نَفْسَ الَّذِي تُحادِثُهُ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا تُورِدُ قَوْلَكَ.
فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الجَمِيعَ مَيِّتٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأها [مائِتٌ] و[مائِتُونَ] بِألِفٍ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، واليَمانِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَقْرَبٍ، والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ.
دَخَلَ رَجُلٌ عَلى صِلَةَ بْنِ أشْيَمَ فَنَعى إلَيْهِ أخاهُ، وبَيْنَ يَدَيْ صِلَةَ طَعامٌ، فَقالَ صِلَةُ لِلرَّجُلِ: ادْنُ فَكُلْ، فَإنَّ أخِي قَدْ نُعِيَ إلَيَّ مُنْذُ زَمانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ .
والضَمِيرُ في ﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ قِيلَ: هو عامٌّ أيْضًا، فَيَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ فِيما كانَ مِن ظُلْمِ الكافِرِينَ لَهم في كُلِّ مَوْطِنٍ ظُلِمُوا فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو يَوْمَ القِيامَةِ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَخْتَصِمُ عَلَيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنهم مَعَ عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ، ويَخْتَصِمُ أيْضًا المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ في ظُلاماتِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ، «وَقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ لِلنَّبِيِّ : أيُكْتَبُ عَلَيْنا ما كانَ بَيْنَنا في الدُنْيا مَعَ خَواصِّ الذُنُوبِ؟
قالَ: "نَعَمْ، حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ"،» وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَحْنُ إخْوانٌ؟
فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وضَرَبَ بَعْضُنا وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسُيُوفِ قُلْنا: هَذا الخِصامُ الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا تَعالى، ويَخْتَصِمُ أيْضًا - عَلى ما رُوِيَ - الرُوحُ مَعَ الجَسَدِ في أنْ يُذَنِّبَ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، ويَجْعَلَ المَعْصِيَةَ في حَيِّزِهِ، فَيَحْكُمُ اللهُ تَعالى بِشَرِكَتِهِما في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ اللهَ تَعالى تَوَعَّدَهم بِأنَّهم سَيُخاصَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْنى رَدِّهِمْ في وجْهِ الشَرِيعَةِ، وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ .
ثُمَّ وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى تَوْقِيفًا مَعْناهُ نَفْيُ المُوقَفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ، والإشارَةُ بِهَذا الكَذِبِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا، وقَوْلُهُمْ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ افْتِراءً عَلى اللهِ تَعالى، وكَذَّبُوا أيْضًا بِالصِدْقِ، وذَلِكَ تَكْذِيبُهم أقْوالَ مُحَمَّدٍ عَنِ اللهِ تَعالى، ما كانَ مِن ذَلِكَ مُعْجِزًا أو غَيْرَ مُعْجِزٍ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ التَوْقِيفِ: ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ، والمَثْوى: مَوْضِعُ الإقامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله: ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ [الروم: 58] توطئة لهذا المثل المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد، وفي هذا الانتقال تخلص أُتبع تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجماللِ العموم استقصاءً في التذكير ومعاودة للإِرشاد، وتخلصاً من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل، إلى تمثيل حال الذين كفروا بحاللٍ خاص.
فهذا المثل متصل بقوله تعالى: ﴿ أفَمَن شرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولئِكَ في ضَلاللٍ مُبينٍ ﴾ [الزمر: 22]، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم للإِسلام وحال من قَست قلوبهم.
ومجيء فعل ﴿ ضَرَبَ الله ﴾ بصيغة الماضي مع أن ضَرْب هذا المثل ما حصل إلا في زمن نزول هذه الآية لتقريب زمن الحال من زمن الماضي لقصد التشويق إلى علم هذا المثل فيجعل كالإِخبار عن أمر حصل لأن النفوس أرغب في علمه كقول المثوِّب: قد قامت الصلاة.
وفيه التنبيه على أنه أمر محقق الوقوع كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وضرب اللَّه مثلاً قرية ﴾ في سورة [النحل: 112].
أما صاحب «الكشاف» فجعل فِعل ﴿ ضرب ﴾ مستعملاً في معنى الأمر إذ فسره بقوله: اضرِبْ لهم مثلاً وقُل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء، إلى آخر كلامه، فكان ظاهر كلامه أن الخبر هنا مستعمل في الطلب، فقرره شارحوه الطيبي والقزويني والتفتزاني بما حاصل مجموعه: أنه أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قوله: ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كُلّ مثلٍ ﴾ [الزمر: 27] عَلِم أنه سينزل عليه مَثَل من أمثال القرآن فأنبأه الله بصدق ما عَلمه وجعَله لتحققه كأنه ماض.
وليلائم توجيه الاستفهام إليهم بقوله: هَلْ يَسْتَوِيَاننِ مثلاً } (فإنه سؤال تبكيت) فتلتئم أطراف نظم الكلام، فعُدل عن مقتضى الظاهر من إلقاء ضرب المثل بصيغة الأمر إلى إلقائه بصيغة المضيّ لإِفادة صدق علم النبي صلى الله عليه وسلم وكل هذا أدق معنى وأنسب ببلاغة القرآن مِن قول من جعل المضي في فعل ﴿ ضَرَب ﴾ على حقيقته وقال: إن معناه: ضرب المثل في علمه فأخبِرْ به قومك.
فالذي دعا الزمخشري إلى سلوك هذا المعنى في خصوص هذه الآية هو رعي مناسبات اختص بها سياق الكلام الذي وقعت فيه، ولا داعي إليه في غيرها من نظائر صيغتها مما لم يوجد لله فيه مقتضضٍ لِنحو هذا المحمل، ألا ترى أنه لا يتأتى في نحو قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب اللَّه مثلاً كلمة ﴾ كما في سورة [إبراهيم: 24]، وقد أشرنا إليه عند قوله: ﴿ وضرب اللَّه مثلاً قرية ﴾ في سورة [النحل: 112].
وقد يقال فيه وفي نظائره: إن العدول عن أن يصاغ بصيغة الطلب كما في قوله: ﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ﴾ [يس: 13]، ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين ﴾ [الكهف: 32] ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45] إلى أن صيغ بصيغة الخبر هو التوسل إلى إسناده إلى الله تنويهاً بشأن المثل كما أشرنا إليه في سورة النحل.
وإسناد ضَرْب المثل إلى الله لأنه كوَّن نظمه بدون واسطة ثم أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فالقرآن كلّه من جَعْل الله سواء في ذلك أمثاله وغيرها، وهو كله مأمور رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه، فكأنه قال له: ضَرب الله مثلاً فاضْرِبه للناس وبيَّنْه لهم، إذ المقصود من ضرب هذا المثل محاجّة المشركين وتبكيتهم به في كشف سوء حالتهم في الإِشراك، إذ مقتضى الظاهر أن يجري الكلام على طريقة نظائره كقوله: ﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ﴾ [يس: 13]، وكذلك ما تقدم من الأمر في نحو قوله: ﴿ قُلْ هل يَسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، ﴿ قُلْ يا عِبَادِ الذينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم ﴾ [الزمر: 10]، ﴿ قُلْ إني أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ الله ﴾ [الزمر: 11]، ﴿ قُللِ الله أعْبُد ﴾ [الزمر: 14]، ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 15]، ﴿ فَبَشّرْ عِبَادِ ﴾ [الزمر: 17].
(وقد يُتطلب وجهه التفرقة بين ما صيغ بصيغة الخبر وما صيغ بصيغة الطلب فنفرق بين الصنفين بأن ما صيغ بصيغة الخبر كان في مقاممٍ أهمَّ لأنه إمّا تمثيل لإِبطال الإِشراك، وإمّا لوعيد المشركين، وإمّا لنحو ذلك، خلافاً لما صيغ بصيغة الخبر فإنه كائن في مقام العبرة والموعظة للمسلمين أو أهل الكتاب، وهذا ما أشرنا إليه إجمالاً في سورة النحل.
وقوله: ﴿ رَّجُلاً فيهِ شُرَكَاءُ ﴾ وما بعده في موضع البيان ل ﴿ مَثَلاً ﴾ .
وجَعْل الممثَّل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات، ولأن ما يراد من الرجل من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبيّ، ولأن الرجل أشدّ شعوراً بما هو فيه من الدعة أو الكدّ، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان.
وجملة ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ نعت ل ﴿ رَّجُلاً ﴾ ، وتقديم المجرور على ﴿ شُرَكَاءُ ﴾ لأن خبر النكرة يحسن تقديمه عليها إذا وصفت، فإذا لم توصف وجب تقديم الخبر لكراهة الابتداء بالنكرة.
ومعنى ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ : في ملكه شركاء.
والتشاكس: شدة الاختلاف، وشدّة الاختلاف في الرجل الاختلاف في استخدامه وتوجيهه.
وقرأ الجمهور ﴿ سَلَماً ﴾ بفتح السين وفتح اللام بعدها ميم وهو اسم مصدر: سَلِم له، إذا خَلَص.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ [المؤمنون: 91]، ويبقى هو ضائعاً لا يدري على أيهم يعتمد، فوهمه شَعاع، وقلبه أوزاع، بحال مملوك اشترك فيه مالكون لا يخلون من أن يكون بينهم اختلاف وتنازع، فهم يتعاورونه في مهن شتّى ويتدافعونه في حوائجهم، فهو حيران في إرضائهم تَعبان في أداء حقوقهم لا يستقل لحظة ولا يتمكن من استراحة.
ويقابله تمثيل حال المسلم الموحّد يقوم بما كلّفه ربه عارفاً بمرضاته مؤملاً رضاه وجزاءه، مستقرَّ البال، بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد قد عرف مراد مولاه وعلم ما أوجبه عليه ففهمُه واحد وقلبه مجتمع.
وكذلك الحال في كل متّبع حق ومتبع باطل فإن الحق هو الموافق لما في الوجود والواقع، والباطلَ مخالف لما في الواقع، فمتبع الحق لا يعترضه ما يشوش عليه بالَه ولا ما يثقل عليه أعماله، ومتبع الباطل يتعَثر به في مزالق الخُطَى ويتخبط في أعماله بين تناقض وخَطأ.
ثم قال: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَاننِ مَثَلاً ﴾ ، أي هل يكون هذان الرجلان المشبهان مستويين حالاً بعد ما علمتم من اختلاف حالي المشبهين بهما.
والاستفهام في قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ يجوز أن يكون تقريرياً، ويجوز أن يكون إنكارياً، وجيء فيه ب ﴿ هَلْ ﴾ لتحقيق التقرير أو الإِنكار.
وانتصب ﴿ مَثَلاً ﴾ على التمييز لنسبة ﴿ يَسْتَوِيَانِ ﴾ .
والمثل: الحال.
والتقدير: هل يستوي حالاهما، والاستواء يقتضي شيئين فأكثر، وإنما أفرد التمييز المراد به الجنس، وقد عرف التعدد من فاعل ﴿ يَسْتَوِيَانِ ﴾ ولو أسند الفعل إلى ما وقع به التمييز لقيل: هل يستوي مثلاهما.
وجملة ﴿ الحَمْدُ لله ﴾ يجوز أن تكون جواباً للاستفهام التقريري بناء على أن أحد الظرفين المقرر عليهما محقق الوقوع لا يسع المقررَ عليه إلا الإِقرار به، فيقَدَّرون: أنهم أقروا بعدم استوائهما في الحالة، أي بأن أحدهما أفضل من الآخر، فإن مثل هذا الاستفهام لا ينتظِر السائل جواباً عنه، فلذلك يصح أن يتولى الجواب عنه قبلَ أن يجيب المسؤول كقوله تعالى: ﴿ عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1 2]، وقد يبنى على أن المسؤول اعترف فيؤتى بما يناسب اعترافه كما هنا، فكأنهم قالوا: لا يستويان، وذلك هو ما يبتغيه المتكلم من استفهامه، فلما وافق جوابهم بغية المستفهم حمد الله على نهوض حجته، فتكون الجملة استئنافاً، فموقعها كموقع النتيجة بعد الدليل، وتكون جملة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قرينة على أنهم نزّلوا منزلة مَن علم فأقر وأنهم ليسوا كذلك في نفس الأمر، ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل الاستفهام إنكارياً فتكون معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي في قوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي لا يعلمون عدم استواء الحالتين ولو علموا لاختاروا لأنفسهم الحسنى منهما، ولَمَا أصرُّوا على الإِشراك.
وأفاد هذا أن ما انتحلوه من الشرك وتكاذيبه لا يمتّ إلى العلم بصلة فهو جهالة واختلاق.
و ﴿ بل ﴾ للإِضراب الانتقالي.
وأسند عدم العلم لأكثرهم لأن أكثرهم عامة أتباعٌ لزعمائهم الذين سنُّوا لهم الإِشراك وشرائعَه انتفاعاً بالجاه والثناء الكاذب بحيث غَشَّى ذلك على عملهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا ﴾ يَعْنِي الكافِرَ.
﴿ فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ أيْ يَعْبُدُ أوْثانًا شَتّى.
﴿ مُتَشاكِسُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَنازِعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُخْتَلِفُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: مُتَعاسِرُونَ.
الرّابِعُ: مُتَظالِمُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَكَسَنِي مالِي أيْ ظَلَمَنِي.
﴿ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنَ سَلَمًا لِرَجُلٍ أيْ مُخْلِصًا لِرَجُلٍ، يَعْنِي أنَّهُ بِإيمانِهِ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا.
﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ أيْ هَلْ يَسْتَوِي حالُ العابِدِ لِلَّهِ وحْدَهُ وحالُ مَن يَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَهُ؟
فَضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِالعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكُونُ أحَدُهُما لِشُرَكاءَ مُتَشاكِسِينَ، لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّي كُلَّ واحِدٍ مِنهم حَقَّ خِدْمَتِهِ، ويَكُونُ الآخَرُ لِسَيِّدٍ واحِدٍ يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّ خِدْمَتِهِ.
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى احْتِجاجِهِ بِالمَثَلِ الَّذِي خَصَمَ بِهِ المُشْرِكِينَ.
الثّانِي: عَلى هِدايَتِهِ الَّتِي أعانَ بِها المُؤْمِنِينَ.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ المَثَلَ المَضْرُوبَ.
الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ المَعْبُودُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ أخْبَرَ بِمَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ، فاحْتَمَلَ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: أنْ يَذْكُرَهُ حَثًّا عَلى العَمَلِ.
الثّالِثُ: أنْ يَذْكُرَهُ تَوْطِئَةً لِلْمَوْتِ.
الرّابِعُ: لِئَلّا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ حَتّى إنَّ عُمَرَ لَمّا أنْكَرَ مَوْتَهُ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ فَأمْسَكَ.
الخامِسُ: لِيُعَلِّمَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَوّى فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ مَعَ تَفاضُلِهِمْ في غَيْرِهِ لِتَكْثُرَ فِيهِ السَّلْوى وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.
وَمَعْنى إنَّكَ مَيِّتٌ أيْ سَتَمُوتُ، يُقالُ مَيِّتٌ بِالتَّشْدِيدِ لِلَّذِي سَيَمُوتٌ، ومَيْتٌ بِالتَّخْفِيفِ لِمَن قَدْ ماتَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في الدِّماءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: في المُدايَنَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: في الإيمانِ والكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَمُخاصَمَةُ المُؤْمِنِينَ تَقْرِيعٌ، ومُخاصَمَةُ الكافِرِينَ نَدَمٌ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُخاصِمُ الصّادِقَ الكاذِبَ، والمَظْلُومُ الظّالِمَ، والمُهْتَدِي الضّالَّ، والضَّعِيفُ المُسْتَكْبِرَ.
قاَل إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَعَلَ أصْحابُ النَّبِيِّ يَقُولُونَ ما خُصُومَتُنا بَيْنَنا.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ تَخاصُمَهم هو تَحاكُمُهم إلى اللَّهِ تَعالى فِيما تَغالَبُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن حُقُوقِهِمْ خاصَّةً دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ لِيَسْتَوْفِيَها مِنَ حَسَناتِ مَن وجَبَتْ عَلَيْهِ في حَسَناتِ مَن وجَبَتْ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ﴾ قال: الرجل يعبد آلهة شتى.
فهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل الأوثان ﴿ ورجلاً سلماً ﴾ يعبد إلهاً واحداً ضرب لنفسه مثلاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ﴾ قال: هو المشرك تنازعه الشياطين لا يعرفه بعضهم لبعض ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: هذا المؤمن أخلص لله الدعوة والعبادة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: آلهة الباطل وإله الحق.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ شركاء متشاكسون ﴾ يعني الصنم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ورجلاً سلماً ﴾ قال: ليس لأحد فيه شيء.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ بغير ألف منصوبة اللام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد القرشي رضي الله عنه قال: قراءة عبدالله بن عمر رضي الله عنه ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: خالصاً لرجل.
فإنما يعني مستسلماً لرجل.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي متنازعون متظالمون، وقيل: متشاجرون وأصله من قولك: رجل شكس إذا كان ضيق الصدر، والمعنى ضرب هذا المثل لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده، فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوء حال، وشبه من يوحد الله بمملوك الرجل واحد، فمعنى قوله: ﴿ سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ أي خالصاً له وقرئ سلماً بغير ألف والمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: بينا للناس في هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم؛ أخبر لهم ما لهم وما عليهم، أو لبعضهم على بعض، وأمثاله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لكي يلزمهم التذكر والاتعاظ.
والثاني: لكي يبلغهم ما يتذكرون ويتعظون.
وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: جعلناه قرآناً عربيّاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ لكي يفقهوه ويعرفوه؛ كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ...
﴾ الآية [إبراهيم: 4].
وقوله: ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا يخالف الكتب السالفة؛ بل يوافقها؛ لأن كتب الله جاءت كلها على الدعاء إلى توحيد الله وربوبيته، فكذلك القرآن، فهو لا يخالف سائر الكتب؛ بل يوافقها.
والثاني: لا عوج فيه؛ لما لا يخالف بعضه بعضاً، ولا يناقض؛ بل خرج كله موافقاً بعضه بعضاً مستقيماً على تباعد نزوله في الأوقات، وبالله التوفيق.
وأصله: ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ أي: ليس بمائل ولا زائع عن الحق.
وقوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي: يتقون المهالك، أو سخط الله ونقمته.
وقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ أي: لا يستويان.
يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجلين من البشر كله: المسلمون والكافرون، ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون؛ أي: يتشاكسون في نسبه، يدعي كل نسبه.
أو يتشاكسون في الملك فيه، يقول كل: هو لي أو في الملك في قوم يدعي كل أن الملك له فيه.
أو يدعي كل أن الملك فيهم، ولا يثبت لواحد منهم النسب فيه لينتسب هو إلى واحد منهم، فيبقى متحيراً تائهاً؛ ولذلك لا يثبت لواحد منهم الملك الذي يدعي؛ ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي الملك من حقوق الملك، فسعى ضائعاً متحيراً، وإذا كان الملك لرجل واحد، أو النسب أو الملك سالم له يصل إلى كل حق له، ويكون محفوظاً في نفسه معروفاً، فيكون مثل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام، أو هوى النفس، يدعو كل شيطان إلى غير الذي دعا الآخر، وكذلك الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا، ومرة إلى غير ذلك، فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون يدعي هذا وهذا، والذي يعبد إله الحق الذي يثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد يكون أبداً على حالة واحدة، مطيعاً لله، خالصاً له.
وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ أي: هل يستوي الرجل الذي يدعي فيه شركاء متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد، فيما ذكرنا؟!
أي: لا يستويان.
وقال أهل التأويل: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربّاً واحداً، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهم قد استووا [في] هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث، وكذلك في قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ وقد استووا في هذه الدنيا دل أن هنالك داراً أخرى يفرق بينهما [فيها]؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهما، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر الحمد على أثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يحمد ربه على ما خصه بالتوحيد من بين الكفار ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ توحيد ربهم.
والثاني: أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالماً خالصاً؛ لم يجعل فيه شركاء متشاكسين.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي: مختلفون، يتنازعون، ويتشاحُّون ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً ﴾ أي: خالصاً.
ومن قرأ: ﴿ سَلَمَاً لِّرجُلٍ ﴾ أراد: سلم إليه، فهو سلم.
ثم قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ يحتمل الأنبياء منهم والخواص؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بربهم ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ وفي حرف حفصة: ﴿ ثم يثبت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ .
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ : يقول - والله أعلم -: ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه؛ ليسا بسواء؛ على ما ذكرنا.
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ وجه ذكر هذا على أثر ما تقدم من قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ وقد استووا في هذه الدنيا من أخلص نفسه ودينه لله وللرسول، ومن جعل فيه شركاء ولم يسلم نفسه له، وهو الكافر، ثم تموت أنت ويموتون هم، فلو لم تكن دارٌ أخرى يميز فيها ويفرق بين الذي جعل نفسه سلماً لله، خالصاً له، وبين من لم يفعل ذلك - لكان في ذلك استواء بين من ذكر، وفي الحكمة أن لا استواء بينهما، وقد يموت السالم نفسه لله، ويموت الآخر دل أنّ في ذلك بعثاً، يثاب هذا، ويعاقب الآخر، والله [أعلم].
أو أن يذكر هذا؛ لما كانوا يتشاءمون برسول الله ويتطيرون فيما يصيبهم من المصائب والشدائد، حتى قال - عز وجل -: ﴿ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ ﴾ أي: لا يخلدون، فعلى ذلك يقول - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ أيضاً، أي: لا يبقون بعد موتك أبداً، ولكنهم يموتون، ولو كان ما يصيبهم بك أنت على ما يزعمون، فيجئ ألا يصيبهم بعد موتك؛ نحو هذا يحتمل، والله أعلم.
أو أن يقول: إنك ميت فتصل إلى ما وعد لك من الكرامات والثواب، ويموتون هم فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ روي عن ابن عمر - - قال: كنا لا نعلم ما يفسر هذه الآية، وكنا نقول: من يخاصم؟
فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله، حتى كفح بعضنا وجوه بعض بالسيوف، فعرفت أنها نزلت فينا.
وذكر عن الزبير: لما نزلت هذه الآية، فقال: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا، فقال: (نعم)، فقال: إن الأمر إذن لشديد.
وروي عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لما نزلت هذه الآية أنهم قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؛!
فلما قتل عثمان ظلماً وعدوانا، علموا أنها لهم وفيهم، والله أعلم.
ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين: أحدهما: في المظالم [أو] في الحقوق التي كانت لبعض على بعض، أو في الدين، أو في أمر الدنيا.
أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ لما بلغت المحاجة غايتها في الدين والدنيا، ولم تنجع فيهم ولا قبلوها أخبر أنهم يختصمون في ذلك يوم القيامة في الوقت الذي يعاينون العذاب، ويظهر لهم الحق، فينقادون لها في ذلك الوقت، فلا ينفعهم ذلك، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إنك مائت وإنهم مائتون ﴾ والعرب تقول: مات يمات فهو مائت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ﴾ يقول: لا ظلم أعظم ولا أفحش مما يكذب على من يتقلب في إحسانه، ويتصرف في نعمائه، وأنتم تتقلبون في نعم الله وأنواع إحسانه، فلا ظلم أعظم ولا أفحش من الكذب عليه.
﴿ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ﴾ ولا ظلم أعظم وأفحش من تكذيب خبره ورده؛ إذ لا خبر أصدق من خبره، ولا حديث أحق من حديثه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ كأنه يقول: أليس جهنم كافٍ للكافرين مثوى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ﴾ أي: حسبهم جهنم عقوبة لهم بكفرهم وتكذيبهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ : جبريل، ، ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ : محمد .
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ : محمد ﴿ وَصَدَّقَ ﴾ أبو بكر.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ محمد ﴿ وَصَدَّقَ ﴾ أصحابه جميعاً.
قلنا: أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبريل أو محمد هو التوحيد، فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: الموحدين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة أنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وأنه يخلد في النار؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ وكل مرتكب الكبيرة مصدق بالذي جاء به جبريل ومحمد، ثم أخبر أنهم هم المتقون؛ أي: اتقوا الشرك، وقال لأولئك - أيضاً -: إنه يكفر عنهم ما ارتكبوا من المساوي، وهو قوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ دل أن لهم مساوي، ثم إن شاء عذب على تلك المساوئ وقتا ثم أعطاهم ما وعد، وإن شاء عفا عنهم وتجاوز وأعطاهم ما ذكر، فكيفما كان، فلهم ما ذكر؛ إذ هم على تصديق بما جاء [به] محمد ، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: صدق بقلبه؛ أي: جاء بالقول وتصديق القلب.
والثاني: صدق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح ويوافق الذي جاء به، وعلى ذلك ذكر عن الحسن قال: يا بن آدم، قلت: لا إله إلا الله، فصدقها.
فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه وإن لم يعمل الذي يوافق الذي جاء به وهو التوحيد لم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر إما بعد التوحيد، وإما بعد العفو، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ دل هذا أن ذلك الوعد للجماعة، وليس لواحد ولا اثنين، وهو لجميع المؤمنين.
وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ذكر نوعين من العمل السيئ والحسن، ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم بأحسن [الذي كانوا يعملون]، فيحتمل: الأحسن: الحسنات نفسها يجزيها، ويكفر السيئات.
ويحتمل أنه يكفر [أسوأ] السيئات وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات وأعظمها، فعلى هذا أحسن وأسوأ من نوعها، أحسن الحسنات وأسوأ السيئات، وعلى الأول من غير نوعها أي يكفر السيئات، ويجزي بالحسنات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ضرب الله مثلًا للمشرك والموحد رجلًا مملوكًا لشركاء متنازعين؛ إن أرضى بعضهم أغضب بعضًا، فهو في حيرة واضطراب، ورجلًا خالصًا لرجل، وحده يملكه، ويعرف مراده فهو في طمأنينة وهدوء بال، لا يستوي هذان الرجلان.
الحمد لله، بل معظمهم لا يعلمون، فلذلك يشركون مع الله غيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.qELqk"