الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( لكن الراسخون في العلم منهم ) أي : الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع .
وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران .
( والمؤمنون ) عطف على الراسخين ، وخبره ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) قال ابن عباس : أنزلت في عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية .
وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد ، الذين دخلوا في الإسلام ، وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلى الله عليه وسلم .
وقوله : ( والمقيمين الصلاة ) هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة ، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب .
وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود : " والمقيمون الصلاة " ، قال : والصحيح قراءة الجميع .
ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم : هو منصوب على المدح ، كما جاء في قوله : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ) [ البقرة : 177 ] ، قالوا : وهذا سائغ في كلام العرب ، كما قال الشاعر : لا يبعدن قومي الذين همو سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخرون : هو مخفوض عطفا على قوله : ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) يعني : وبالمقيمين الصلاة .
وكأنه يقول : وبإقامة الصلاة ، أي : يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم ، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة ، وهذا اختيار ابن جرير ، يعني : يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك ، وبالملائكة .
وفي هذا نظر والله أعلم .
وقوله : ( والمؤتون الزكاة ) يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال ، ويحتمل زكاة النفوس ، ويحتمل الأمرين ، والله أعلم .
( والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي : يصدقون بأنه لا إله إلا الله ، ويؤمنون بالبعث بعد الموت ، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها .
وقوله : ( أولئك ) هو الخبر عما تقدم ( سنؤتيهم أجرا عظيما ) يعني : الجنة .
القول في تأويل قوله : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) قال أبو جعفر: هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت، من قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ .
ثم قال جل ثناؤه لعباده، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم،" لكن الراسخون في العلم منهم "، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.
* * * وقد بينا معنى " الرسوخ في العلم "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(78) * * * =" والمؤمنون " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنـزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنـزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: (79) أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم &; 9-394 &; بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنـزل إليك من الكتاب، وبما أنـزل من قبلك من سائر الكتب، كما:- 10836- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، (80) وكان منهم من يؤمن بالله وما أنـزل عليهم، وما أنـزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم.
* * * ثم اختلف في" المقيمين الصلاة "، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم؟.
فقال بعضهم: هم هم.
* * * ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب " الراسخون في العلم " وهما من صفة نوع من الناس.
فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، (81) وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة.
*ذكر من قال ذلك: 10837- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: &; 9-395 &; " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك والمقيمين الصلاة "؟
قال: إن الكاتب لما كتب: " لكن الراسخون في العلم منهم "، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟
قيل له: اكتب: " والمقيمين الصلاة "، فكتب ما قيلَ له.
10838- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: " والمقيمين الصلاة "، وعن قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ [سورة المائدة: 69]، وعن قوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [سورة طه: 63]، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، (82) أخطئوا في الكتاب.
* * * وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: ( والمقيمون الصلاة ).
* * * وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: " والمقيمون الصلاة "، من صفة " الراسخين في العلم "، ولكن الكلام لما تطاول، واعترض بين " الراسخين في العلم "،" والمقيمين الصلاة " ما اعترض من الكلام فطال، نصب " المقيمين " على وجه المدح.
قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله.
وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه.
وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب.
واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرتها في قوله: (83) وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ (84) [سورة البقرة: 177].
وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة " من صفة غير " الراسخين في العلم " في هذا الموضع، وإن كان " الراسخون في العلم " من " المقيمين الصلاة ".
* * * وقال قائلو هذه المقالة جميعًا: موضع " المقيمين " في الإعراب، خفض.
فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على " ما " التي في قوله: " يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.
* * * ثم اختلف متأوّلو ذلك هذا التأويل في معنى الكلام.
(85) فقال بعضهم: معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبإقام الصلاة.
قالوا: ثم ارتفع قوله: " والمؤتون الزكاة "، عطفًا على ما في" يؤمنون " من ذكر " المؤمنين "، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، هم والمؤتون الزكاة.
* * * وقال آخرون: بل " المقيمون الصلاة "، الملائكة.
قالوا: وإقامتهم الصلاة، تسبيحهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض.
قالوا: ومعنى الكلام: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، وبالملائكة.
* * * وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: " والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة التوبة: 61].
* * * وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون: " المقيمين " منصوبًا على المدح.
وقالوا: إنما تنصب العربُ على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره.
قالوا: وخبر &; 9-397 &; " الراسخين في العلم " قوله: " أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا ".
قال: فغير جائز نصب " المقيمين " على المدح، وهو في وسط الكلام، ولمّا يتمَّ خبر الابتداء.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة.
وقالوا: موضع " المقيمين "، خفض.
* * * وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنـزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله، منكرٌ عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف بظاهر على مكنيٍّ في حال الخفض، (86) وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها.
(87) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون " المقيمين " في موضع خفض، نسَقًا على " ما "، التي في قوله: " بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "= وأن يوجه معنى " المقيمين الصلاة "، إلى الملائكة.
فيكون تأويل الكلام: " والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنـزل إليك "، يا محمد، من الكتاب=" وبما أنـزل من قبلك "، من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة.
ثم يرجع إلى صفة " الراسخين في العلم "، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر.
* * * وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ )، وكذلك هو في مصحفه، فيما ذكروا.
فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف= غير مصحفنا الذي &; 9-398 &; كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه= بخلاف ما هو في مصحفنا.
وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ.
مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب.
(88) وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً، على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب.
(89) * * * وأما من وجَّه ذلك إلى النصب على وجه المدح لـ" الراسخين في العلم "، = وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعدٍ من كلام العرب، لما قد ذكرت قبل من العلة، (90) وهو أن العرب لا تعدِل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نَعْته إلا بعد تمام خبره.
وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو [أولى] به من الفصاحة.
(91) * * * وأما توجيه من وجّه ذلك إلى العطف به على " الهاء " و " الميم " في قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم "= أو: إلى العطف به على " الكاف " من قوله: " بما أنـزل إليك "= أو: إلى " الكاف " من قوله: " وما أنـزل من قبلك "، فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح، لما قد ذكرت قبل من قُبْح ردِّ الظاهر على المكنيّ في الخفض.
* * * وأما توجيه من وجه " المقيمين " إلى " الإقامة "، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنـزيل، ولا خبر تثبت حجته.
وغير جائز نقل ظاهر التنـزيل إلى باطن بغير برهان.
* * * وأما قوله: " والمؤتون الزكاة "، فإنه معطوف به على قوله: " والمؤمنون يؤمنون "، وهو من صفتهم.
* * * وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم مَن جعلها الله له وصرفها إليه=" والمؤمنون بالله واليوم الآخر "، يعني: والمصدّقون بوحدانية الله وألوهته، (92) والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب=" أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا "، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" سنؤتيهم "، يقول: سنعطيهم=" أجرًا عظيمًا "، يعني: جزاءً على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، وثوابًا عظيمًا، وذلك الجنة.
(93) * * * --------------- الهوامش : (78) انظر تفسير"الراسخون في العلم" فيما سلف 6 : 201 - 208.
(79) في المطبوعة: "كما سأل هؤلاء" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(80) في المطبوعة: "ثنية" ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، ولكن أخطأ في نقطها ، ووضع الألف قبلها مضطربة ، كأنه شك في قراءة الكلمة.
و"الأثبية" (بضم الألف وسكون الثاء ، وكسر الباء ، بعدها ياء مفتوحة مشددة) و"الثبة" (بضم الثاء ، وفتح الباء): الجماعة من الناس ، وجمع الأولى"أثابي" (بتشديد الياء) ، وجمع الثانية"ثبات" (بضم الثاء) و"ثبون" (بضم الثاء وكسرها).
(81) انظر رد أبي جعفر هذه المقالة فيما سيأتي ص: 397 ، 398 ، وهو من أحكم الردود التي احتكم فيها إلى حسن التمييز.
(82) في المطبوعة: "عمل الكتاب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.
(83) في المطبوعة: "بالآيات التي ذكرناها" ، وهو خطأ محض ، والصواب من المخطوطة ، ومن مراجعة المرجع الذي أشار إليه.
(84) انظر ما سلف 3 : 352-354.
ثم انظر معاني القرآن الفراء 1 : 105-108.
(85) في المطبوعة والمخطوطة: "متأولو ذلك في هذا التأويل" ، و"في" زائدة من الناسخ بلا شك عندي.
(86) في المطبوعة: "لظاهر" باللام ، والصواب من المخطوطة.
(87) انظر ما سلف 7 : 519 ، 520.
(88) في المطبوعة: "ولقنوه للأمة" باللام ، وهو تغيير سيء قبيح.
(89) هذه الحجة التي ساقها إمامنا أبو جعفر رضي الله عنه ، هي حجة فقيه بمعاني الكلام ، ووجوه الرأي.
وهي حجة رجل عالم محيط بأساليب العلم ، عارف بما توجبه شواهد النقل ، وأدلة العقل.
وقد تناول ذلك جمهور من أئمتنا ، ولكن لا تزال حجة أبي جعفر أقوم حجة في رد هذه الرواية التي نسبت إلى عائشة أم المؤمنين.
(90) في المطبوعة: "لما قد ذكرنا ..."؛ وأثبت ما في المخطوطة.
(91) الزيادة بين القوسين ، يستوجبها السياق.
(92) في المطبوعة: "وألوهيته" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(93) انظر تفسير"الإيتاء" و"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله تعالى : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما[ ص: 376 ] قوله تعالى : لكن الراسخون في العلم منهم استثنى مؤمني أهل الكتاب ؛ وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا : إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها ولم تكن حرمت بظلمنا ؛ فنزل لكن الراسخون في العلم والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه ، والرسوخ الثبوت ؛ وقد تقدم في " آل عمران " والمراد عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونظراؤهما .
والمؤمنون أي من المهاجرين والأنصار ، أصحاب محمد عليه السلام .
والمقيمين الصلاة وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة : " والمقيمون " على العطف ، وكذا هو في حرف عبد الله ، وأما حرف أبي فهو فيه " والمقيمين " كما في المصاحف .
واختلف في نصبه على أقوال ستة ؛ أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح ؛ أي وأعني المقيمين ؛ قال سيبويه : هذا باب ما ينتصب على التعظيم ؛ ومن ذلك والمقيمين الصلاة وأنشد :وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويهاويروى ( أمر مرشدهم ) .الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليهاوأنشد :لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزرالنازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزرقال النحاس : وهذا أصح ما قيل في المقيمين .
وقال الكسائي : والمقيمين معطوف على ما قال النحاس قال الأخفش : وهذا بعيد ؛ لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين .
وحكى محمد بن جرير أنه قيل له : إن المقيمين هاهنا الملائكة عليهم السلام ؛ لدوامهم على الصلاة والتسبيح والاستغفار ، واختار هذا القول ، وحكى أن النصب على المدح بعيد ؛ لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر ، وخبر الراسخين في أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما فلا ينتصب المقيمين على المدح .
قال النحاس : ومذهب سيبويه في قوله : والمؤتون رفع بالابتداء .
وقال غيره : هو مرفوع على إضمار مبتدأ ؛ أي هم المؤتون الزكاة .
وقيل : والمقيمين عطف على الكاف التي في قبلك .
أي من قبلك ومن قبل المقيمين .
وقيل : المقيمين عطف على الكاف التي في إليك .
وقيل : هو عطف على الهاء والميم ، أي منهم ومن المقيمين ؛ وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز ؛ لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض .والجواب السادس : ما روي أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن هذه الآية [ ص: 377 ] وعن قوله : إن هذان لساحران ، وقوله : والصابئون في المائدة ، فقالت للسائل : يا ابن أخي الكتاب أخطئوا .
وقال أبان بن عثمان : كان الكاتب يملى عليه فيكتب فكتب لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ثم قال له : ما أكتب ؟
فقيل له : اكتب والمقيمين الصلاة فمن ثم وقع هذا .
قال القشيري : وهذا المسلك باطل ؛ لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة ، فلا يظن بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل .
وأصح هذه الأقوال قول سيبويه وهو قول الخليل ، وقول الكسائي هو اختيار القفال والطبري ، والله أعلم .
لما ذكر معايب أهل الكتاب، ذكر الممدوحين منهم فقال: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد.
وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد.
{ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح، والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة.
( لكن الراسخون في العلم منهم ) يعني : ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة ، لكن الراسخون البالغون في العلم أولو البصائر منهم ، وأراد به الذين أسلموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، ( والمؤمنون ) يعني : المهاجرون والأنصار ، ( يؤمنون بما أنزل إليك ) يعني : القرآن ، ( وما أنزل من قبلك ) يعني : سائر الكتب المنزلة ، ( والمقيمين الصلاة ) اختلفوا في وجه انتصابه ، فحكي عن عائشة رضي الله عنها وأبان بن عثمان : أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " ( المائدة - 62 ) ، وقوله " إن هذان لساحران " ( طه - 63 ) قالوا : ذلك خطأ من الكاتب .
وقال عثمان : إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيره؟
فقال : دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا .
وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح ، واختلفوا فيه ، قيل : هو نصب على المدح ، وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، وقيل : موضعه خفض .
واختلفوا في وجهه ، فقال بعضهم : معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقيل : معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، ثم قوله : ( والمؤتون الزكاة ) رجوع إلى النسق الأول ، ( والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون .
«لكن الراسخون» الثابتون «في العلم منهم» كعبد الله بن سلام «والمؤمنون» المهاجرون والأنصار «يؤمنون بما أنزل إليك وما انزل من قبلك» من الكتب «والمقيمين الصلاة» نصب على المدح وقرئ بالرفع «والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم» بالنون والياء «أجرا عظيما» هو الجنة.
لكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، والمؤمنون بالله ورسوله، يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن، وبالذي أنزل إلى الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل، ويؤدُّون الصلاة في أوقاتها، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء، أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك ، بأن أكرم من يستحق الإِكرام منهم ، وبشره بالأجر بالعظيم فقال ، ( لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) .وقوله ( الراسخون ) جمع راسخ .
ورسوخ الشئ ثباته وتمكنه .
يقال شجرة راسخة ، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف .
والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه ، الذى لا تؤثر فيه الشبه المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق .وقوله ، ( لكن الراسخون فِي العلم ) استدراك من قوله قبل ذلك ( وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) وبيان لكونه بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل .والمعنى : إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق فى الدنيا ، ومن سوء عاقبة فى الآخرة ، ( لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ ) أى الثابتون فيه ، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها ، ورسخت فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده ، أو هوى يعبث به ، أو ريب يزعزعه .( والمؤمنون ) أى منهم .
وقد وصفوا بالإِيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى .وقوله ( يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ ) خبر لقوله ( الراسخون ) .
أى هؤلاء الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق ، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن ، ويؤمنون بما ( أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ) من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله .وقوله : ( والمقيمين الصلاة ) للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح .
أى : وأمدح المقيمين الصلاة .قال صاحب الكشاف : وقوله ( والمقيمين الصلاة ) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع .
وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد .
ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف : ورما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإِنجيل ، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإِسلام ، وذب المطاعن عنه ، من أن يتكروا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم .
وخرقا يوفوه من يلحق بهم وقيل : هو عطف على ( بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ ) أى : يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء .
وفى مصحف عبد الله : ( والمقيمين ) بالواو : وهى قراءة مالك بن دينار ، والجحدرى ، وعيسى الثقفى .وقوله : ( والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) معطوف على ( الراسخون ) أو على الضمير المرفوع فى ( يُؤْمِنُونَ ) .أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله .
( أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) .والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم .
فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم ، ثم وصفهم - ثانيا - بالإِيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات ، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ثم وصفهم - رابعاً - بإيتاء الزكاة لمستحقيها ، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيماناً حقاً ، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب .وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال : ( أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) .أى : أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب ، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح .هذا .
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود ، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن فنون من راذئلهم وقبائحهم .
.
.
.
فأنت تراها - أولا - ستجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله ، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده ، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه ، ونقضهم للعهود والمواثيق ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف ، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله .
.
.
إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم .ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم ، وعفوه عنهم ، ونعمه عليهم ، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا ، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم .وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة ، فاشكروه على نعمه ، وتوبوا إليه من ذنوبكم ، فإن الإِصرار على الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة .ثم تراها - ثالثاً - تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعاً وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان ، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم ، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن ، ( وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً ) ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى ، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبوم مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان ، أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم ، حين لا ينفع الإِيمان .ثم تراها - رابعاً - لا تعمم فى أحكامها ، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أ ، تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله ، وتتوعدهم بالعذاب الشديد فى الآخرة .بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا عظيما ، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما ، وتبشرهم بالأجر الحزيل الذى يشرح صدورهم ، ويطمئن قلوبهم .
( ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات ( لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ ) وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك، وأما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره، وأما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة ﴾ ففيه أقوال: الأول: روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه.
الثاني: وهو قول البصريين: أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، قالوا إذا قلت: مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعني، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا هاهنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة، طعن الكسائي في هذا القول وقال: النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام، وهاهنا لم يتم الكلام، لأن قوله: ﴿ لكن الراسخون فِي العلم ﴾ منتظر للخبر، والخبر هو قوله: ﴿ أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
والجواب: لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله: ﴿ أولئك ﴾ لأنا بينا أن الخبر هو قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وأيضاً لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر؛ وما الدليل على امتناعه؟
فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية.
والقول الثالث: وهو اختيار الكسائي، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على (ما) في قوله: ﴿ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ والمعنى: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة، ثم عطف على قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ قوله: ﴿ والمؤتون الزكواة ﴾ والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة.
قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد أن ذكر أعداداً منهم ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فعل الخيرات وإقام الصلاة ﴾ وقيل: المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، فقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعني يؤمنون بالكتب، وقوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ يعني يؤمنون بالرسل.
الرابع: جاء في مصحف عبدالله بن مسعود ﴿ والمقيمون الصلاة ﴾ بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي.
المسألة الثانية: اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام: الأول: العلماء بأحكام الله تعالى فقط.
والثاني: العلماء بذات الله وصفات الله فقط.
والثالث: العلماء بأحكام الله وبذات الله، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، وأما الثاني: فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة، وأما الثالث: فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء.
وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم، ثم شرح ذلك فبيّن أولاً: كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله: ﴿ والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة ﴾ وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة، والزكاة أشرف الطاعات المالية، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله: ﴿ والمؤمنون بالله ﴾ والعلم بالمعاد هو المراد من قوله: ﴿ واليوم الآخر ﴾ ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة، ثم أخبر عنهم بقوله: ﴿ أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ فبأي ظلم منهم.
والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه.
وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة.
والطيبات التي حرّمت عليهم: ما ذكره في قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ [الأنعام: 146] وحرّمت عليهم الألبان، وكلَّما أذنبوا ذنباً صغيراً أو كبيراً حرّم عليهم بعض الطيبات في المطاعم وغيرها ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ﴾ ناساً كثيراً أو صدًّا كثيراً ﴿ بالباطل ﴾ بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب ﴿ لكن الراسخون ﴾ يريد من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، والراسخون في العلم الثابتون فيه المتقنون المستبصرون ﴿ والمؤمنون ﴾ يعني المؤمنين منهم، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار.
وارتفع الراسخون على الابتداء.
و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره.
و ﴿ وَالمقيمين ﴾ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع.
وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد.
ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف.
وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم.
وقيل: هو عطف على ﴿ بِمآ أُنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء.
وفي مصحف عبد الله: ﴿ والمقيمون ﴾ ، بالواو.
وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.
﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ مِنهم أوْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ إنْ جُعِلَ يُؤْمِنُونَ الخَبَرَ لِأُولَئِكَ، أوْ عَطْفٌ عَلى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ والمُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ والأنْبِياءِ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الرّاسِخُونَ أوْ عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ.
﴿ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ رَفْعُهُ لِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ.
﴿ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ وما يُصَدِّقُهُ مِنِ اتِّباعِ الشَّرائِعِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالآيَةِ.
﴿ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ الصَّحِيحِ والعَمَلِ الصّالِحِ وقَرَأ حَمْزَةُ سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)
{لكن الراسخون فِى العلم} أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه {مِنْهُمْ} من أهل الكتاب {والمؤمنون} أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء {يُؤْمِنُونَ} خبره {بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ} أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي سائر الكتب {والمقيمين الصلاة} منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة وفي مصحف عبد الله والمقيمون وهي قراءة مالك بن دينار وغيره {والمؤتون الزكاة} مبتدأ {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} عطف عيله والخبر {أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} وبالياء حمزة
﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وأعْتَدْنا) إلَخْ، وبَيانٌ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ عَلى خِلافِ حالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا و(مِنهُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: لَكِنِ الثّابِتُونَ المُتْقِنُونَ مِنهم في العِلْمِ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ غَيْرُ التّابِعِينَ لِلظَّنِّ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأُسَيْدٌ، وثَعْلَبَةُ وأضْرابُهُمْ، وفي المَذْكُورِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ، كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: مِنهُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وقَدْ وُصِفُوا بِالإيمانِ بَعْدَما وُصِفُوا بِما يُوجِبُهُ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ تَنْزِيلًا لِلِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ حالٌ مِنَ (المُؤْمِنُونَ) مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ، وقِيلَ: اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ وسائِرُ البَصْرِيِّينَ: نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وطَعَنَ فِيهِ الكِسائِيُّ بِأنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَبَرَ سَيَأْتِي، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ.
وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ قَوْمٍ مَنعَ نَصْبِهِ عَلى القَطْعِ مِن أجْلِ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ في العَطْفِ، وإنَّما يَكُونُ في النُّعُوتِ، ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذا مِن بابِ القَطْعِ في العَطْفِ تَمَسَّكَ بِما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْقَطْعِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ: ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِي وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى (ما أُنْزِلَ إلَيْكَ) عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ عَلى هَذا أداؤُها، بَلِ إظْهارُها بَيْنَ النّاسِ وتَشْرِيعُها؛ لِيَكُونَ وصْفًا خاصًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقِيمِينَ المَلائِكَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: وبِدِينِ المُقِيمِينَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ضَمِيرِ (مِنهُمْ)، وقِيلَ ضَمِيرِ (إلَيْكَ)، وقِيلَ: ضَمِيرِ (قَبْلِكَ).
والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ لِما فِيها مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الأشْبَهَ نَصْبُهُ عَلى التَّوَهُّمِ لِكَوْنِ السّابِقِ مَقامَ (لَكِنَّ) المُثَقَّلَةِ وُضِعَ مَوْضِعَها (لَكِنِ) المُخَفَّفَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وبِالجُمْلَةِ لا يُلْتَفَتُ إلى مَن زَعَمَ أنَّ هَذا مِن لَحْنِ القُرْآنِ، وأنَّ الصَّوابَ (والمُقِيمُونَ) بِالواوِ كَما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، إذْ لا كَلامَ في نَقْلِ النَّظْمِ تَواتُرًا فَلا يَجُوزُ اللَّحْنُ فِيهِ أصْلًا.
وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ إلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، ولَوْ كانَ المُمْلِي مِن هُذَيْلٍ والكاتِبُ مِن قُرَيْشٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا، فَقَدَ قالَ السَّخاوِيُّ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، والإسْنادُ فِيهِ اضْطِرابٌ وانْقِطاعٌ؛ فَإنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - جَعَلَ لِلنّاسِ إمامًا يَقْتَدُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرى فِيهِ لَحْنًا ويَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها؟!
وقَدْ كَتَبَ عِدَّةَ مَصاحِفَ ولَيْسَ فِيها اخْتِلافٌ أصْلًا إلّا فِيما هو مِن وُجُوهِ القِراءاتِ، وإذا لَمْ يُقِمْهُ هو ومَن باشَرَ الجَمْعَ وهم هم كَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ؟!
وتَأوَّلَ قَوْمٌ اللَّحْنَ في كَلامِهِ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - بِأنَّ المُرادَ الرَّمْزُ والإيماءُ كَما في قَوْلِهِ: مَنطِقٌ رائِعٌ وتَلْحَنُ أحْيا ∗∗∗ نًا وخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنا أيِ المُرادُ بِهِ الرَّمْزُ بِحَذْفِ بَعْضِ الحُرُوفِ خَطًّا كَألِفِ الصّابِرِينَ مِمّا يَعْرِفُهُ القُرّاءُ إذا رَأوْهُ، وكَذا زِيادَةُ بَعْضِ الحُرُوفِ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُقِيمِينَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، ويَنْزِلُ أيْضًا التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، والعَطْفُ عَلى ضَمِيرِ (يُؤْمِنُونَ) لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالكُلِّ مُؤْمِنُوا أهْلِ الكِتابِ، وُصِفُوا أوَّلًا بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في عِلْمِ الكِتابِ، لا يَعْتَرِضُهم شَكٌّ، ولا تُزَلْزِلُهم شُبْهَةٌ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ، وأنَّ مَن عَداهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ، بَلْ هم كَرِيشَةٍ في بَيْداءِ الضَّلالِ تُقَلِّبُهم زَعازِعُ الشُّكُوكِ والأوْهامِ، ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِنَ الكِتابِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ عامِلِينَ بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ، واكْتُفِيَ مِن بَيْنِها بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِسائِرِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ولِما أنَّ في إقامَةِ الصَّلاةِ عَلى وجْهِها انْتِصابًا بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - وانْقِطاعًا عَنِ السِّوى وتَوَجُّهًا إلى المَوْلى كُسِيَ المُقِيمِينَ حُلَّةَ النَّصْبِ؛ لِيُهَوَّنَ عَلَيْهِمُ النَّصْبُ وقَطْعُهم عَنِ التَّبَعِيَّةِ، فَيا ما أُحَيْلى قَطْعٌ يُشِيرُ إلى الِاتِّصالِ بِأعْلى الرُّتَبِ.
ثُمَّ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ تَحْقِيقًا لِحِيازَتِهِمُ الإيمانَ بِقُطْرَيْهِ، وإحاطَتِهِمْ بِهِ مِن طَرَفَيْهِ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ مَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِنهُما حَقِيقَةً؛ لِأنَّهم قَدْ مَزَجُوا الشَّهْدَ سُمًّا وغَدُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ الصِّرْفِ عُمْيًا وصُمًّا ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ، المُحْكَمَةِ البُنْيانِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الرّاسِخُونَ، والسِّينُ لِتَوْكِيدِ الوَعْدِ كَما قَدَّمْنا، وتَنْكِيرُ الأجْرِ لِلتَّفْحِيمِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ، حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ، ووُعِدَ الآخِرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كَوْنَ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ جُمْلَةَ (يُؤْمِنُونَ) وحَمَلَ المُؤْمِنِينَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِمَّنْ عَدا أهْلَ الكِتابِ، والمُناسَبَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ تامَّةٍ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الِاسْتِدْراكَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: (يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ) الآيَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْألُونَكَ ما يَسْألُكَ هَؤُلاءِ الجُهّالُ مِن إنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا صِدْقَ قَوْلِكَ فِيما قَرَءُوا مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووُجُوبَ اتِّباعِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا حاجَةَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوكَ مُعْجِزَةً أُخْرى؛ إذْ قَدْ عَلِمُوا مِن أمْرِكَ بِالعِلْمِ الرّاسِخِ في قُلُوبِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ.
ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وتَجاوُبُ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ أتَمُّ مِنهُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُؤْتِيهِمْ) بِالياءِ مُراعاةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
<div class="verse-tafsir"
وقوله: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ يعني المبالغون في العلم الذين أدركوا علم الحقيقة، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل وأنت تحلها، ولم تكن حرمت بظلمنا، فنزل لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ يصدقون بما أنزل إليك أنه الحق، ويقال: إن مؤمني أهل الكتاب يعلمون أن الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ من القرآن هو الحق، وأنك نبي مبعوث وهو مكتوب عندهم.
ثم قال: وَالْمُؤْمِنُونَ يعني أصحاب النبيّ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ثم قال: وَالمؤمنون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني يصدقون بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ويصدقون بما أنزل من قبلك من كتب الله.
ثم وصفهم فقال: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال بعض الجهال: هذا غلط الكاتب حيث كتب مصحف الإمام، كان ينبغي أن يكتب والمقيمون فأوهم وكتب والمقيمين.
واحتج بما روي عن عائشة أنها قالت: ثلاثة أحرف في المصحف غلط من الكاتب: قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وقوله وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى وقوله إِنْ هذانِ لَساحِرانِ وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولكن هذا بعيد عند أهل العلم والخبر، لم يثبت عن عثمان ولا عن عائشة ما، لأن أصحاب رسول الله كانوا حماة الدين والقدوة في الشرائع والأحكام، فلا يظن بهم أنهم تركوا في كتاب الله تصحيفاً يصلحه غيرهم، وهم أخذوه عن رسول الله .
والمعنى في قوله وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال بعضهم: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، يعني بالنبيين المقيمين الصلاة.
وقال بعضهم: لكن الراسخون فى العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك.
ثم قال تعالى: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني الذين يعطون الزكاة المفروضة وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني المقرون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت.
ثم قال: أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً أي يعطيهم الله في الآخرة ثواباً عظيماً وهو الجنة.
قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء وقرأ الباقون بالنون.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب كما حذف في قوله تعالى:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] ، وقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ «١» : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ:
جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضا إِلَّا لَهُ مَقامٌ وإِلَّا وارِدُها، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحد إلّا زيد.
انتهى.
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
وقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ...
الآية:
فَبِظُلْمٍ: معطوفٌ على قوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ [النساء: ١٥٥] ، والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ «٢» : «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ» .
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أن يريد صدّهم غيرهم، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم.
واختلف الناسُ في قوله سبحانه: وَالْمُقِيمِينَ، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر.
فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك ب «هُمْ» وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على «ما» في قوله:
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكاف في قوله: مِنْ قَبْلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا اسْتِثْناءٌ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَأمّا الرّاسِخُونَ، فَهُمُ الثّابِتُونَ في العِلْمِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن آمَنَ مَعَهُ، والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الحَبَشَةِ، والمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ فَهُمُ القائِمُونَ بِأدائِها كَما أُمِرُوا.
وَفِي نَصْبِ "المُقِيمِينَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قالَ: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.
وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ" بِالواوِ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ خَطَأٌ، بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا القُرْآنَ هم أهْلُ اللُّغَةِ، والقُدْوَةِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ في كِتابِ اللَّهِ شَيْئًا يُصْلِحُهُ غَيْرُهُمْ؟!
فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ هَذا إلَيْهِمْ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حَدِيثُ عُثْمانَ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، ومُحالٌ أنْ يُؤَخِّرَ عُثْمانُ شَيْئًا فاسِدًا، لِيُصْلِحَهُ مَن بَعْدَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى "ما" والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، فَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَسَقٌ عَلى الهاءِ والمِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مِنهُمْ" فالمَعْنى: لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا رَدِيءٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لا يُنْسَقُ بِالظّاهِرِ المَجْرُورِ عَلى المُضْمَرِ المَجْرُورِ إلّا في الشِّعْرِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، فالمَعْنى: اذْكُرِ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وهُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
وأنْشَدُوا: لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ وَهَذا عَلى مَعْنى: اذْكُرِ النّازِلِينَ، وهُمُ الطَّيِّبُونَ، ومِن هَذا قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ، إنْ أرَدْتَ أنَّ تُخَلِّصَهُ مِن غَيْرِهِ، فالخَفْضُ هو الكَلامُ، وإنْ أرَدْتَ المَدْحَ والثَّناءَ، فَإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ، فَقُلْتَ: بِزَيْدٍ الكَرِيمَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: اذْكُرِ الكَرِيمَ، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى مَعْنى: هو الكَرِيمُ.
وتَقُولُ: جاءَنِي قَوْمُكَ المُطْعِمِينَ في المَحْلِ، والمُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ عَلى مَعْنى: اذْكُرِ المُطْعِمِينَ، وهُمُ المُغِيثُونَ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ.
فَهَذِهِ الأقْوالُ.
حَكاها الزَّجّاجُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.
وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.
و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ: لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
إن كان متعلَّق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ النساء: 155) محذوفاً على أحد الوجهين المتقدّمين كان قوله: ﴿ فبظلم ﴾ مفرّعاً على مجموع جرائمهم السالفة.
فيكون المراد بظلمهم ظلماً آخر غير ما عُدّد من قبل، وإن كان قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155] متعلّقاً بقوله: ﴿ حرّمنا عليهم ﴾ فقوله: ﴿ فبظلم ﴾ الخ بَدَل مطابق من جملة ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل.
وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلّقه بقوله: ﴿ حرّمنا عليهم طيّبات ﴾ إذ بَعُد ما بينه وبين متعلّقه، وهو قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] ليقوى ارتباط الكلام.
وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه: لأنّ نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً، وقولهم قتلنا عيسى: كلّ ذلك ظلم.
فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدّم، كأنَّه قيل: فبذلك كلّه حرّمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنّه أحسن تفنّناً، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة.
وقد مرّ بيان ذلك قريباً عند قوله تعالى: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155].
ويجوز أن يكون ظلماً آخر أجْملَهُ القرآن.
وتنكير (ظلم) للتعظيم، والعدولُ عن أن يقول «فبظلمهم»، حتّى تأتي الضمائر متتابعة من قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ﴾ إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ الَّذين هادوا ﴾ لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها: وهي ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155].
ولأنّ في الموصول وصلته ما يقتضي التنزّه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا: ﴿ إنّا هدنا إليك ﴾ [الأعراف: 156]؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محلّ استغراب.
والآية اقتضت: أنّ تحريم ما حرّم عليهم إنَّما كان عقاباً لهم، وأنّ تلك المحرّمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلاّ لحُرمّت عليهم من أوّل مجيء الشريعة.
وقد قيل: إنّ المراد بهذه الطيّبات هو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما إلى قوله ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ في سورة الأنعام (146)، فهذا هو الجزاء على ظلمهم.
نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبّار أنَّه قال: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأنّ التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان، فلم يُجِز أن يكون التكليف جزاء على الجرم.
قال الفخر: والجواب أنّ المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم.
وهذا الجواب مصادرة على أنّ ممّا يقوّي الإشكال أنّ العقوبة حقّها أن تُخصّ بالمجرمين ثُمّ تنسخ.
فالذي يظهر لي في الجواب: إمَّا أن يكون سبب تحريم تلك الطيّبات أنّ ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوَة صار ذلك طبعاً في أمزجتهم فاقتضى أن يلطِّف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع، ولذلك لمّا جاءهم عيسى أحلّ الله لهم بعض ما حرّم عليهم من ذلك لزوال موجب التحريم، وإمّا أن يكون تحريم ما حرّم عليهم عقاباً للذين ظلموا وبغوا ثُمّ بقي ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذِكْرى ويكون للأوّلين سُوء ذِكر من باب قوله: ﴿ واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ﴾ [الأنفال: 25]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوللِ كِفْل من دمها».
ذلك لأنّه أوّل من سَنّ القتل.
وإمّا لأنّ هذا التحريم عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيّبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا التحريم تارة من الثواب على نيّة الامتثال للنهي، لندرة حصول هذه النيّة في التّرك.
وصَدّهم عن سبيل الله: إن كان مصدرَ صَدّ القاصر الذي مضارعه يصِدّ بكسر الصاد فالعنى بإعراضهم عن سبيل الله؛ وإن كان مصدر المتعدّي الذي قِياس مضارعه بضمّ الصاد، فلعلّهم كانوا يصدّون النّاس عن التقوى، ويقولون: سيغفر لنا، من زمن موسى قبل أن يحرّم عليهم بعض الطيّبات.
أمّا بعد موسى فقد صدّوا النّاس كثيراً، وعاندوا الأنبياء، وحاولوهم على كتم المواعظ، وكذّبوا عيسى، وعارضوا دعوة محمّد صلى الله عليه وسلم وسوّلوا لكثير من النّاس، جهراً أو نفاقاً، البقاء على الجاهليّة، كما تقدّم في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [النساء: 51] الآيات.
ولذلك وصف ب ﴿ كثيراً ﴾ حالاً منه.
وأخذُهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصّة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائليّين كما في الإصحاح23 من سفر التثنية «لا تقرض أخاك بربا ربَا قضّةٍ أو ربا طعام أو ربا شيء مّا ممّا يقرض بربا.
للأجنبي تقرض بربا».
والربا محرّم عليهم بنصّ التوراة في سفر الخروج في الإصحاح22 «أن أقرضَت فضّة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا» وأكلُهم أموال النّاس بالباطل أعمّ من الربا فيشمل الرشوة المحرّمة عندهم، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم، وغير ذلك.
والاستدراك بقوله: ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ الخ ناشيء على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله: ﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ [النساء: 153] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهَّم، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ومخيريق.
والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العِلم ﴾ في سورة آل عمران (7).
والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت، فليس بينه وبين الحقّ حاجب، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات.
وعطفُ المؤمنون } على ﴿ الراسخون ﴾ ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارقَ للعادة.
فلذلك قال ﴿ يؤمنون ﴾ ، أي جميعهم بما أنزل إليك، أي القرآن، وكفاهم به آية، وما أنزل من قبلك على الرسل، ولا يعادون رسل الله تعصّباً وحميّة.
والمراد بالمؤمنين في قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنَ به.
وعطف ﴿ المقيمين ﴾ بالنصب ثبت في المصحف الإمام، وقرآه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ، على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة، سواء كانت بدون عطف أم بعطف، كقوله تعالى: ﴿ ولكنْ البِرّ من آمن إلى قوله والصابرين ﴾ [البقرة: 177].
قال سيبويه في «كتابه» «بابُ ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جَعلته صفة فجرَى على الأول، وإن شئتَ قطعته فابتدأتَه».
وذَكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال: «فلو كان كلُّه رفعاً كان جيّداً»، ومثْله ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضّرّاء ﴾ [البقرة: 177]، ونظيره قول الخِرْنق: لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو *** سُمّ العُداة وآفَة الجزر النازلون بكلّ معترك *** والطيِّبيّين معاقِدَ الأزْر في رواية يونس عن العرب: برفع (النازلون) ونصب (الطيِّبيين)، لتكون نظير هذه الآية.
والظاهر أنّ هذا ممّا يجري على قصد التفنّن عند تكرّر المتتابعات، ولذلك تكرّر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة البقرة وفي هذه الآية، وفي قوله: ﴿ والصابون ﴾ في سورة المائدة (69).
وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب ﴿ المقيمين ﴾ خطأ، من كاتب المصحف وقد عَدّتْ من الخطأ هذه الآية.
وقوله: ﴿ ولكن البرّ من آمن بالله إلى قوله والصابرين في البأساء ﴾ [البقرة: 177] وقولهِ: ﴿ إِنّ هذَان لساحرانِ ﴾ [طه: 63].
وقوله: ﴿ والصابُون ﴾ في سورة المائدة (69).
وقرأتْها عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبَي بن كعب، والحسن، ومالك بن دينار، والجحدري، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، وعمرو بن عبيد: والمقيمون } بالرفع.
ولا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذّة.
ومن النّاس من زعم أنّ نصب ﴿ المقيمين ﴾ ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان لكتّاب المصاحف حين أتمّوها وقرأها أنّه قال لهم: «أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها».
وهذه أوهام وأخبار لم تصحّ عن الّذين نُسبت إليهم.
ومن البعيد جدّاً أن يخطئ كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنّى والجمع على حدّهِ.
ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحاً.
وقد علمتَ وجه عربيّته في المتعاطفات، وأمّا وجه عربية ﴿ إنّ هذان لساحران ﴾ فيأتي عند الكلام في سورة طه (63).
والظاهر أنّ تأويل قول عثمان هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألِفات المحذوفة.
قال صاحب الكشاف } : «وهُم كانوا أبْعَدَ همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يَلْحَق بهم».
وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضرّاء ﴾ في سورة البقرة (177).
والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنَّهم آمنوا برسولهم وبمحمّد وقد ورد في الحديث الصّحيح: أنّ لهم أجرين، وبالنسبة للمؤمنين من العرب لأنَّهم سبقوا غيرهم بالإيمان.
وقرأ الجمهور: سنوتيهم } بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ والمؤمنون بالله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.
﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.
﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.
﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.
﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ قال: استثنى الله منهم، فكان منهم من يؤمن بالله، وما أُنزل عليهم، وما أُنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدقون به، ويعلمون أنه الحق من ربهم.
وأخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم...
﴾ الآية.
قال: نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، حين فارقوا يهود وأسلموا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن الزبير بن خالد قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴾ ما بين يديها وما خلفها رفع وهي نصب؟
قال: إن الكاتب لما كتب ﴿ لكن الراسخون ﴾ حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟
قيل له: اكتب ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ فكتب ما قيل له.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي داود وابن المنذر عن عروة قال: سألت عائشة عن لحن القرآن ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ﴾ [ المائدة: 69] ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴾ ﴿ إن هذان لساحران ﴾ [ طه: 63] ؟
فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب.
وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن جبير قال: في القرآن أربعة أحرف.
الصابئون، والمقيمين، ﴿ فأصَّدَّق وأكن من الصالحين ﴾ [ المنافقون: 10] ﴿ إن هذان لساحران ﴾ [ طه: 63] .
وأخرج ابن أبي داود عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، قال ابن أبي داود: هذا عندي يعني بلغتها فينا، وإلا فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعاً لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرأونه.
وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال: لما أتى عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن، فقال: لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.
وأخرج ابن أبي داود عن قتادة.
أن عثمان لما رفع إليه المصحف قال: إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
وأخرج ابن أبي داود عن يحيى بن يعمر قال: قال عثمان: إن في القرآن لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾ قال قتادة ومقاتل: (لكن) ههنا بمعنى: استدراك، والاستثناء لمؤمني أهل الكتاب (١) قال ابن عباس: يعني: المبالغين (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: يعني: أنهم لعلمهم وثبوتهم وبصيرتهم في علمهم آمنوا بالنبي (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: والمؤمنون من أصحاب محمد (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ﴾ اختلفوا في وجه نصب المقيمين: فقال أبو زيد: هو نسق على الهاء والميم في (منهم)، المعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين (٧) قال الزجاج: وهذا عند النحويين رديء؛ لأنه لا يُنسق الظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في اضطرار (٨) وذهب بعضهم إلى أن هذا وهم من الكتاب.
رُوي ذلك عن عائشة (٩) ا، وأبان (١٠) (١١) ورُوي أيضًا أنَّ عثمان قال: أرى في المصحف لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها (١٢) وقال أبو حاتم والزجاج وغيرهما: وهذا القول بعيد، لأن الذين جمعوا القرآن من الصحابة كانوا أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئًا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله وجمعوه، ولم يكونوا ليُعلِّموه الناس على الغلط، فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا فيه شيء تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب (١٣) ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه: باب المدح، وقد بينوا فيه صحة هذا وجودته.
قالوا: إذا قلت: مررت بزيد الكريم، فإن أردت أن تُخلِّص زيدًا من غيره، فالخفض وجه الكلام حتى يعرف زيد الكريمُ من غير الكريم، وإن أردت المدح والثناء نصبت، فقلت: الكريمَ، كأنك قلت: أذكُرُ الكريمَ، وإن شئت على: هو الكريمُ.
وجاءني قومك المطعمين في المَحْل والمُغيثون في الشدائد، على معنى: أذكر المطعمينَ وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية، معناها: أذكر المقيمين وهم المؤتون للزكاة (١٤) (١٥) النازِلين بِكُلِّ مُعْتَركٍ ...
والطيبونَ معاقِدَ الأزْرِ (١٦) على معنى: أُذكر النازلين وهم الطيبون، رفعه ونصبه على المدح، وبعضهم برفع النازلين وينصب الطيبين، وهذا قول جميع البصريين (١٧) (١٨) (١٩) وقد ذكرنا شرح هذا الباب عند قوله: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ ﴾ (٢٠) وقال أبو علي: نص سيبويه على أن قوله: ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة ﴾ نصب على المدح (٢١) وكان الكسائي يذهب إلى أن (المقيمين) في محل الخفض بالعطف على ما في قوله: ﴿ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ والمعنى عنه: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وتفاؤل في المقيمين الصلاة أنهم الأنبياء، وينكر أن يكون منصوبًا على المدح، قال: لأنه لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتم الكلام ههنا، ألا ترى أنك حين قلت ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾ كأنك تنتظر الخبر، وخبره في قوله: ﴿ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ .
وقول البصريين في هذا هو الصحيح الظاهر (٢٢) ﴿ أُولَئِكَ ﴾ لا يصح، لأن الخبر إنما هو: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ مع أنه قد يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، كما يجوز الاعتراض بالقسم، لأنه في تقدير جملة تامة.
قال الفراء: والعرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام واحد (٢٣) وذهب قطرب إلى أن المعنى: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين (٢٤) (١) أخرجه عن قتادة عبد بن حميد وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 434، و"تفسير مقاتل" 1/ 422.
(٢) هكذا في المخطوط، وقد يكون الصواب: "البالغين".
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 250، 251، وابن كثير 1/ 646، و"تنوير المقباس" == بهامش المصحف ص 103، و"الدر المنثور" 2/ 434.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 130.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.
(٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 130، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470، 471، و"الكشف والبيان" 4/ 143 أ.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 131.
(٩) أخرج الأثر عنها: الطبري 6/ 25، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 143 أ.
(١٠) هو أبو سعيد أو أبو عبد الله أبان بن عثمان بن عفان الأموي، من كبار الثقات التابعين.
مات رحمه الله سنة 105هـ انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 199، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 351، و"التقريب" ص 87 رقم (141).
(١١) أخرجه الطبري 6/ 25، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 143/ أ.
ومثل هذا القول لا يثبت عن الصحابة، وقد رده المحققون من العلماء كما سيأتي قريبًا.
(١٢) لا يصح هذا الخبر عن عثمان، بل قال ابن تيمية: إنه باطل.
انظر: "زاد المسير" 2/ 252، و"مجموع الفتاوى" 15/ 153، و"شرح شذور الذهب" ص 50.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 131.
(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 131، 132، وانظر: "الكتاب" 1/ 201، 2/ 62 - 66، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470 - 471.
(١٥) هي الخرنق بنت بدر بن هفان البكرية القيسية، من الشعراء في الجاهلية، وهي أخت لطِرفة بن العبد لأمه، وكانت زوجة عبد عمرو بن بشر سيد قومه، ولها == ديوان مطبوع.
انظر: "الشعر والشعراء" ص (103)، و"الكامل" 3/ 40، و"الأعلام" 2/ 303، ومقدمة ديوانها.
(١٦) "ديوانها" ص 43، و"الكتاب" 1/ 202، 2/ 64، و"مجاز القرآن" 1/ 143، و"الكامل" 3/ 40، و"معاني الزجاج" 2/ 132، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 407.
ومعنى "لا يبعدن": لا يهلكن، والعداة: جمع عاد، و"آفة الجزر": الآفة العلة، والجزر جمع جزور، أي المكثرين لنحر الإبل.
والمعترك: موضع القتال.
(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 132.
(١٨) لم أقف عليه.
(١٩) لعله المبرد.
انظر: "الكامل" 3/ 40.
(٢٠) انظر: الكتاب 2/ 63 - 66.
(٢١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470 - 471، و"الدر المصون" 4/ 154.
(٢٢) وهذا ما رجحه أيضًا النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 470 - 471.
(٢٣) لم أقف عليه.
(٢٤) انظر: "البحر المحيط" 3/ 396، و"الدر المصون" 4/ 155.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبِصَدِّهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الإعراض، فيكون كثيراً صفة لمصدر محذوف تقديره صدّاً كثيراً، أو بمعنى صدّهم لغيرهم، فيكون كثيراً مفعولاً بالصدّ، أي صدّوا كثيراً من الناس عن سبيل الله ﴿ لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ ﴾ هو عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهم ﴿ والمقيمين ﴾ منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو جائز كثيراً في الكلام، وقالت عائشة هو من لحن كتاب المصحف، وفي مصحف ابن مسعود: والمقيمون، على الأصل ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ الآية: ردّ على اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأن الذي أتى به وحي: كما أتى من تقدّم من الأنبياء بالوحي من غير إنزال الكتاب من السماء، ولذلك أكثر من ذكر الأنبياء الذين كان شأنهم هذا لتقوم بهم الحجة ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم ﴾ منصوب بفعل مضمر أي أرسلنا رسلاً ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ تصريح بالكلام مؤكد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة إنّ الشجرة هي التي كلمت موسى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.
﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.
الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.
﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.
﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.
﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.
﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.
﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.
﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .
﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.
﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.
﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.
﴿ عليك ﴾ ط.
﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.
﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.
﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.
وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.
وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.
فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.
وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى في دعوى النبوة.
وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.
وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.
وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.
ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.
ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ أو أنه جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.
﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.
قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.
وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.
وقيل: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.
وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.
فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟
فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.
وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.
وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟
وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.
فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.
وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.
وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.
ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.
واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.
ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.
التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.
عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.
فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.
وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.
قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟
قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.
وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟
قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.
قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟
قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.
وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.
وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.
روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.
فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.
وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد .
قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله وقيل إلى محمد ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.
قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.
ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.
الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.
ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.
قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.
ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.
والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.
أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟
الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.
فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.
والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟
الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.
ثم إنه عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.
فبدأ بذكر نوح لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.
ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود .
من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.
ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.
والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.
واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.
وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.
والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.
وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.
وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.
قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.
وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.
الثاني أنه لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.
ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.
﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.
ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.
والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.
واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.
وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.
التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.
فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.
قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.
قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ .
لولا آية أخرى سوى هذه؛ [وإلا] صرفنا قوله - وتعالى -: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ ﴾ على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.
ثم المنع لهم يكون من وجهين: أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف - - وسني مكة، على ما كان لهم من القحط.
والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئاً، لا بيعاً ولا شراء ولا معروفاً.
ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ : أخبر - عز وجل - أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم.
وفي قوله - -: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ دلالة لأصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن من قد أَقَرَّ، فقال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه له، ولا يؤخذ منه؛ وإلا في ظاهر قوله: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه إذا اشتراه منه لا يكون لفلان؛ فيكون ذلك منه إقراراً له، لكنه على الإضمار؛ كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه.
وكذلك قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ أي: كانت أحلت لهم، وكذلك في حرف ابن مسعود - - وحرف ابن عباس - ما -: "حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً ﴾ .
أي: بصدهم الناس عن سبيل الله كثيراً، يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل.
ويحتمل: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب.
وقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
دل أن الربا لم يزل محرماً على الأمم كلها كما حرم على هذه الأمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أكل أموالهم بالباطل: هو الرشوة؛ كقوله - -: ﴿ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ﴾ قيل: هو الرشوة.
وقيل: ما كانوا ينالون من أموال الأتباع والسفلة؛ بتحريفهم التوراة لهم، وهو قول ابن عباس، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً...
﴾ .
الآية ظاهره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ .
استثنى الراسخين [في العلم] منهم.
والرسخ: هو ثبات الشيء في القلب؛ يقال: رسخ العلم في القلب، ورسخ الإيمان في القلب.
وقوله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
رُوي عن عائشة - ا - أنها قالت: هذا خطأ من الكاتب؛ هو: "المقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة".
وكذلك في حرف ابن مسعود - -: "والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة".
وقال الكسائي: وجه قراءتنا: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ يقول: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بإقامة الصلاة؛ كما قال - عز وجل - في سورة البقرة ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ ﴾ معناه: ولكن البر الإيمان بالله.
وقال بعضهم: قوله - -: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ يعني: الرسل.
وفي حرف حفصة - ا -: "لكن الراسخون في العلم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر سوف نؤتيهم أجراً عظيماً"، وكذلك في حرف أُبي: ﴿ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ بالنصب.
<div class="verse-tafsir"
لكنِ الثابتون المتمكنون في العلم من اليهود، والمؤمنون يُصَدِّقُون بما أنزله الله عليك -أيها الرسول- من القرآن، ويُصَدقُون بما أنزل من الكتب على من قبلك من الرسل كالتوراة والإنجيل، ويقيمون الصلاة، ويعطون زكاة أموالهم، ويصدقون بالله إلهًا واحدًا لا شريك له، ويصدقون بيوم القيامة؛ أولئك المتصفون بهذه الصفات سنعطيهم ثوابًا عظيمًا.
من فوائد الآيات الختم على القلوب سبب لحرمانها من الفهم.
بيان عداوة اليهود لنبي الله عيسى - -، حتى إنهم وصلوا لمرحلة محاولة قتله.
بيان جهل النصارى وحيرتهم في مسألة الصلب، وتعاملهم فيها بالظنون الفاسدة.
بيان فضل العلم، فإن من أهل الكتاب من هو متمكن في العلم حتى أدى به تمكنه هذا للإيمان بالنبي محمد .
<div class="verse-tafsir" id="91.MP2J0"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].