الآية ٣٩ من سورة الدخان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٣٩ من سورة الدخان

مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الدخان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل ، كقوله : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ، وقال ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) [ المؤمنون : 115 ، 116 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ ) يقول: ما خلقنا السموات والأرض إلا بالحقّ الذي لا يصلح التدبير إلا به.

وإنما يعني بذلك تعالى ذكره التنبيه على صحة البعث والمجازاة, يقول تعالى ذكره: لم نخلق الخلق عبثا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا, ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي, وغير مجازاة المطيع على طاعته, والعاصي على المعصية, ولكن خلقنا ذلك لنبتلي من أردنا امتحانه من خلقنا بما شئنا من امتحانه من الأمر والنهي لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .

( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أن الله خلق ذلك لهم, فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط الله عقوبة, ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابا لتكذيبهم بالمعاد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ما خلقناهما إلا بالحق أي إلا بالأمر الحق ، قاله مقاتل .

وقيل : إلا للحق ، قاله الكلبي والحسن .

وقيل : إلا لإقامة الحق لإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته .

وقد مضى هذا المعنى في ( الأنبياء ) ولكن أكثرهم يعني أكثر الناس لا يعلمون ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأنه ما خلقهما إلا بالحق أي: نفس خلقهما بالحق وخلقهما مشتمل على الحق، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا شريك له وليأمر العباد وينهاهم ويثيبهم ويعاقبهم.

{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فلذلك لم يتفكروا في خلق السماوات والأرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما خلقناهما إلا بالحق ) قيل : يعني للحق وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية .

( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما خلقناهما» وما بينهما «إلا بالحق» أي محقين في ذلك ليستدل به قدرتنا ووحدانيتنا وغير ذلك «ولكن أكثرهم» أي كفرا مكة «لا يعلمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما خلقنا السماوات والأرض وبينهما لعبًا، ما خلقناهما إلا بالحق الذي هو سنة الله في خَلْقِه وتدبيرُه، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك، فلهذا لم يتفكروا فيهما؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال .أى : ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا بالحكمة .( ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) ذلك ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه.

واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسراءيل مِنَ العذاب المهين ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة.

ثم قال: ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلاً من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم.

قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ مِنْ عَذَابِ المهين ﴾ وعلى هذه القراءة (فالمهين) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين.

وفي قراءة ابن عباس ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وهو بمعنى الاستفهام وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟

ثم عرف حاله بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين، ويجوز أن يكون المراد ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً ﴾ لقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض  ﴾ وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله: ﴿ على عِلْمٍ ﴾ في موضع الحال ثم فيه وجهان: أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال.

البحث الثاني: ظاهر قوله: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم مِنَ الآيات ﴾ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم ﴿ بلاء مبين ﴾ أي نعمة ظاهرة، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز الصديق عن الزنديق، وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ ﴾ أي بل هم في شك من البعث والقيامة، ثم بيّن كيفية إصرارهم على كفرهم، ثم بيّن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم بيّن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث، فقال: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟

قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما أنكم حال كونكم نطفاً كنتم أمواتاً وقد تعقبها حياة، وذلك قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذاً بين هذا الكلام وبين قوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ هذا ما ذكره صاحب الكشاف: ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر، فيقال قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يعني أنه لا يأتينا شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية ألبتة، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب الكشاف.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا بعثهم، ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنً معقولاً فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بأن تسألوا ربكم ذلك، حتى يصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث في القيامة، قيل طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى ينشر قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحة البعث، ولما حكى الله عنهم ذلك قال: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ والمعنى أن كفار مكة لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، فلهذا السبب اقتصر الله تعالى على الوعيد، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من هؤلاء، ثم إن الله تعالى أهلكهم فكذلك يهلك هؤلاء، فقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة، كان تبع رجلاً صالحاً، وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، قال الكلبي هو أبو كرب أسعد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي».

فإن قيل ما معنى قوله: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ مع أنه لا خير في الفريقين؟

قلنا معناه أهم خير في القوة والشوكة، كقوله: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أولئكم  ﴾ بعد ذكر آل فرعون، ثم إنه تعالى ذكر الدليل القاطع على القول بالبعث والقيامة، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً، وقد مرّ تقرير هذه الطريقة بالاستقصاء في أول سورة يونس، وفي آخر سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ حيث قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ وفي سورة ص حيث قال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهم باطلاً  ﴾ .

ثم قال: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ والمراد أهل مكة، وأما استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وما بين الجنسين.

وقرأ عبيد بن عمير: وما بينهن.

وقرأ ﴿ ميقاتهم ﴾ بالنصب على أنه اسم إن، ويوم الفصل؛ خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل ﴿ لاَ يُغْنِى مَوْلًى ﴾ أيّ مولى كان من قرابة أو غيرها ﴿ عَن مَّوْلًى ﴾ عن أي مولى كان ﴿ شَيْئاً ﴾ من إغناء.

أي: قليلاً منه ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ الضمير للموالي؛ لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله ﴾ في محل الرفع على البدل من الواو في ﴿ يُنصَرُونَ ﴾ أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمهُ الله.

ويجوز أن ينتصب على الاستثناء ﴿ إِنَّهُ هُوَ العزيز ﴾ لا ينصر منه من عصاه ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ﴾ وما بَيْنَ الجِنْسَيْنِ وقُرِئَ «وَما بَيْنَهُنَّ».

﴿ لاعِبِينَ ﴾ لاهِينَ، وهو دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ كَما مَرَّ في الأنْبِياءِ وغَيْرِها.

﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ الَّذِي اقْتَضاهُ الدَّلِيلُ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوِ البَعْثِ والجَزاءِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا خلقناهمآ إِلاَّ بالحق} بالجد ضد اللعب {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه خلق لذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما خَلَقْناهُما ﴾ أيْ وما بَيْنَهُما ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما خَلَقْناهُما مُلْتَبِسِينَ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْمَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ فِيهِما، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأسْبابِ أيْ ما خَلَقْناهُما بِسَبَبٍ مِنَ اَلْأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي هو اَلْإيمانُ والطّاعَةُ والبَعْثُ والجَزاءُ والمُلابَسَةُ أظْهَرُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَذْيِيلٌ وتَجْهِيلٌ فَخِيمٌ لِمُنْكِرِي اَلْحَشْرِ وتَوْكِيدٌ لِأنَّ إنْكارَهم يُؤَدِّي إلى إبْطالِ اَلْكائِناتِ بِأسْرِها ﴿ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ ولِهَذا قالَ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ يعني: عابثين لغير شيء مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يعني: إلا لأمر هو كائن.

ويقال: خلقناهما للعبرة، ومنفعة الخلق ويقال: للأمر والنهي، والترهيب والترغيب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون ولا يفقهون.

قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ أي: يوم القضاء بين الخلق، وهو يوم القيامة مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: ميعادهم أجمعين، الأولين والآخرين.

ويقال: يوم الفصل، يعني: يوم يفصل بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوج والزوجة، والخليل والخليلة، ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً يعني: لا يدفع ولي عن ولي، ولا قريب عن قريب شيئاً في الشفاعة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب.

يعني: الكافرين.

ثم وصف المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم لبعض فقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في نعمته للكافرين الرَّحِيمُ بالمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ...

الآية، آية تقرير ووعيد، وتُبَّعٍ: مَلِكٌ حِمْيَرِيٌّ، وكان يقال لكل ملك منهم: «تُبَّع» إلاَّ أَنَّ المُشَارَ إليه في هذه الآية رجل صالح روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق سَهْلِ بنِ سَعْدٍ «أَنَّ تُبَّعاً هَذَا أَسْلَمَ وَآمَنَ بِاللَّهِ» «١» ، وقد ذكره ابن إسْحَاقَ في السيرة، قال السُّهَيْلِيُّ: وبَعْدَ ما غزا تُبَّعٌ المدينة، وأراد خَرَابَهَا أُخْبِرَ بِأَنَّها مُهَاجَرُ نَبِيٍّ اسمه أَحْمَدُ، فانصرف عَنْهَا، وقال فيه شعراً وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، إلى أَنْ هاجر إليهم النبي ع فَأَدَّوْهُ إليه، ويقال: إنَّ الكتاب والشعر [كانا] عند أبي أيوبَ الأنصاريِّ [ومنه] : [من المتقارب]

شَهِدتُّ على أَحْمَدٍ أَنَّهُ ...

رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ

فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ...

لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وابن عَمّ «٢»

وذكر الزَّجَّاجُ «٣» ، وابن أبي الدنيا: أَنَّه حُفِرَ قَبْرٌ ب «صنعاء» في الإِسلام، فَوُجِدَ فيه امرأتانِ صحيحتان، وعند رأسهما لَوْحٌ من فِضَّةٍ مكتوبٌ فيه بالذَّهَبِ: هذا قَبْرُ حبى ولَمِيسَ، ويروى: وتُماضِرَ ابنتي تُبَّعٍ، ماتتا وهما تَشْهَدَانِ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، ولا تُشْرِكَانِ به شَيْئاً، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما، انتهى، ويَوْمَ الْفَصْلِ: هو يَوْمُ القيامة وهذا هو الإخْبَارُ بِالبَعْثِ، و «المولى» في هذه الآية: يَعُمُّ جميع الموالي.

إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)

ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)

وقوله سبحانه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ روي عن ابن زيد أنّ الأثيم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ العَذابِ المُهِينِ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والتَّعَبَ في أعْمالِ فِرْعَوْنَ، ﴿ إنَّهُ كانَ عالِيًا ﴾ أيْ: جَبّارًا.

﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ كانْفِراقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ يَعْنُونَ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا ﴿ وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ أيِ: ابْعَثُوهم لَنا ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في البَعْثِ.

وهَذا جَهْلٌ مِنهم مَن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَدْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ؛ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَنَطَّعُوا.

والثّانِي: أنَّ الإعادَةَ لِلْجَزاءِ؛ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، لا في الدُّنْيا.

ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى ﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ؟!

أيْ: لَيْسُوا خَيْرًا مِنهم.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي تُبَّعًا، نَبِيٌّ، أوْ غَيْرُ نَبِيٍّ.» وقالَتْ عائِشَةُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ.

وقالَ وهْبٌ: أسْلَمَ تُبَّعٌ ولَمْ يُسْلِمْ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ ولَمْ يُذْكَرْ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ النّارَ، فَأسْلَمَ ودَعا قَوْمَهُ -وَهم حِمْيَرٌ- إلى الإسْلامِ، فَكَذَّبُوهُ.

فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِـ "تُبَّعٍ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ يُسَمّى: تُبَّعًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُ صاحِبَهُ، فَمَوْضِعُ "تُبَّعٍ" في الجاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الخَلِيفَةِ في الإسْلامِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ أتْباعِهِ، واسْمُهُ مَلْكَيَكْرِبُ.

وإنَّما ذَكَرَ قَوْمَ تُبَّعٍ، لِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ في الهَلاكِ إلى كُفّارِ مَكَّةَ مِن غَيْرِهِمْ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الأنْبِياءِ: ١٦، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ العِبادِ ﴿ مِيقاتُهُمْ ﴾ أيْ: مِيعادُهم ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ يَأْتِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ.

﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ قَرِيبٌ قَرِيبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يُغْنِي ولِيٌّ عَنْ ولِيِّهِ بِالقَرابَةِ أوْ غَيْرِها.

والثّانِي: لا يَنْفَعُ ابْنُ عَمٍّ ابْنَ عَمِّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ يُشَفَّعُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عن مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ تَقْرِيرٌ فِيهِ وعِيدٌ، وتُبَّعٌ مَلِكُ حَمِيرِي، وكانَ يُقالُ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنهُمْ: "تَبَعٌ"، إلّا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ رَجُلٌ صالِحٌ مِنَ التَبابِعَةِ، قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، ونَهى العُلَماءُ عن سَبِّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أنَّ تُبَّعًا هَذا أسْلَمَ وآمَنَ بِاللهِ تَعالى، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى يَدِ أهْلِ كِتابٍ كانُوا بِحَضْرَتِهِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي أكانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا أمْ غَيْرَ نَبِيٍّ؟".» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الَّذِي كَسا الكَعْبَةَ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيرَةِ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ...

إخْبارٌ فِيهِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ يُرِيدُ: بِالواجِبِ المُفْضِي إلى الخَيْراتِ وفَيْضِ الهِباتِ، و ﴿ "يَوْمَ الفَصْلِ": ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا هو الإخْبارُ بِالبَعْثِ، وهو أمْرٌ جَوَّزَهُ العَقْلُ وأثْبَتَهُ الشَرْعُ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والمَوْلى في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوالِي مِنَ القَراباتِ ومَوالِي العِتْقِ ومَوالِي الصَداقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ : إنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ العالَمَ، فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللهُ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ الكُفّارَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنَّهُ يُغْنِي بَعْضُهم عن بَعْضٍ في الشَفاعَةِ ونَحْوِها، أو يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ "الأثِيمِ" المُشارُ إلَيْهِ هو أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ هي بِالمَعْنى- تَتَناوَلُ كُلَّ أثِيمٍ، وهو كُلُّ تاجِرٍ يَكْتَسِبُ الإثْمَ، ورُوِيَ عن هَمّامٍ أنَّ أبا الدَرْداءِ أقْرَأ أعْرابِيًّا، فَكانَ يَقُولُ: "طَعامُ اليَتِيمِ"، فَرَدَّ عَلَيْهِ أبُو الدَرْداءِ مِرارًا فَلَمْ يُلَقَّنْ، فَقالَ لَهُ: قُلْ: "طَعامُ الفاجِرِ"، فَقُرِئَتْ كَذَلِكَ، وإنَّما هي عَلى التَفْسِيرِ، وهي الشَجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ، وهي تَنْبُتُ في أصْلٍ الجَحِيمِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأشارَ الناسُ بِها إلَيْهِ، جَمَعَ عَجْوَةٍ بِزَبَدٍ، ثُمَّ دَعا إلَيْها ناسًا، فَقالَ لَهُمْ: "تَزَقَّمُوا، فَإنَّ الزُقُّومَ هو عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُبْدِ، وهو طَعامِي الَّذِي حَدَّثَ بِهِ مُحَمَّدٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ المُغالَطَةِ والتَلْبِيسِ عَلى الجَهَلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ [الدخان: 34، 35] ردّاً عليهم كما علمته آنفاً.

والمعنى: أنه لو لم يكن بعثٌ وجزاءٌ لكان خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً، ونحن خلقنا ذلك كله بالحق، أي بالحكمة كما دل عليه إتقان نظام الموجودات، فلا جرم اقتضى خلق ذلك أن يجازَى كل فاعل على فعله وأن لا يضاع ذلك، ولما كان المشاهد أن كثيراً من النّاس يقضي حياته ولا يرى لنفسه جزاء على أعماله تعيّن أن الله أخّر جزاءهم إلى حياة أخرى وإلا لكان خلقهم في بعض أحواله من قبيل اللعب.

وذكر اللعب توبيخ للذين أحالوا البعث والجزاء بأنهم اعتقدوا ما يفضي بهم إلى جعل أفعال الحكيم لعباً، وقد تقدم وجه الملازمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون ﴾ في سورة المؤمنون (115) وعند قوله تعالى: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وَما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ﴾ في سورة ص (27).

ولاعبين } حال من ضمير ﴿ خلقنا ﴾ ، والنفي متوجه إلى هذا الحال فاقتضى نفي أن يكون شيء من خلق ذلك في حالة عبث فمن ذلك حالة إهمال الجزاء.

وجملة ﴿ ما خلقناهما إلا بالحق ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ .

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للملابسة، أي خلقنا ذلك ملابساً ومقارناً للحق، أو الباء للسببية، أي بسبب الحق، أي لإيجاد الحق من خلقهما.

والحق: ما يحق وقوعه من عمل أو قول، أي يجب ويتعين لسببية أو تفرع أو مجازاة، فمن الحق الذي خُلقت السماوات والأرض وما بينهما لأجله مكافأة كل عامل بما يناسب عمله ويُجازيه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ في سورة الروم (8).

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ناشئ عما أفاده نفي أن يكون خلق المخلوقات لَعباً وإثبات أنه للحق لا غير من كون شأن ذلك أنْ لا يخفى ولكن جهل المشركين هو الذي سوّل لهم أن يقولوا ﴿ ما نحن بمنشرين ﴾ [الدخان: 35].

وجملة الاستدراك تذييل، وقريب من معنى الآية قوله: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية ﴾ في آخر سورة الحجر (85).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غافِلِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: لاهِينَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحَقِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: بِقَوْلِ الحَقِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الفَصْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: [إنَّ اللَّهَ] يُفَصِّلُ فِيهِ أُمُورَ عِبادِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المَرْءِ وعَمَلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم» .

وأخرج أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» .

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلماً.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تقولوا لتبع إلا خيراً، فإنه قد حج البيت وآمن بما جاء به عيسى بن مريم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن كعب رضي الله عنه قال: إن تبعاً نعت الرجل الصالح، ذم الله قومه ولم يذمه.

قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً.

وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان تبع رجلاً صالحاً، ألا ترى أن الله ذم قومه ولم يذمه!

وأخرج ابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: لا تسبوا تبعاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه.

وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن وهب بن منبه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد وهو تبع.

قيل: وما كان أسعد؟

قال: كان على دين إبراهيم وكان إبراهيم يصلي كل يوم صلاة ولم تكن شريعة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أسعد الحميري وقال: هو أوّل من كسا الكعبة» .

وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن سعيد بن جبير قال: ان تبعاً كسا البيت.

وأخرج ابن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان تبع إذا عرض الخيل قاموا صفاً من دمشق إلى صنعاء اليمن.

وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن تبع فإني أسمع الله يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعاً؟

فقال: إن تبعاً كان رجلاً من أهل اليمن ملكاً منصوراً، فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند، رجع فأخذ طريق الشام، فأسر بها أحباراً، فانطلق بهم نحو اليمن- حتى إذا دنا من ملكه طار في الناس أنه هادم الكعبة، فقال له الأحبار: ما هذا الذي تحدث به نفسك، فإن هذا البيت لله وإنك لن تُسَلَّط عليه، فقال: إن هذا لله وأنا أحق من حرمه، فأسلم من مكانه وأحرم فدخلها محرماً، فقضى نسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعاً حتى قدم على قومه، فدخل عليه أشرافهم فقالوا: يا تبع، أنت سيدنا وابن سيدنا خرجت من عندنا على دين وجئت على غيره، فاختر منا أحد أمرين؛ إما أن تخلينا وملكنا وتعبد ما شئت، وإما أن تذر دينك الذي أحدثت- وبينهم يومئذ نار تنزل من السماء- فقال الأحبار عند ذلك: اجعل بينك وبينهم النار، فتواعد القوم عند ذلك جميعاً على أن يجعلوا بينهم النار، فجيء بالأحبار وكتبهم، وجيء بالأصنام وعمارها وقدموا جميعاً إلى النار، وقامت الرجال خلفهم بالسيوف، فهدرت النار هدير الرعد ورمت شعاعاً لها، فنكص أصحاب الأصنام، وأقبلت النار فأحرقت الأصنام وعمالها، وسلم الآخرون، فأسلم قوم واستسلم قوم، فلبثوا بعد ذلك عمر تبع، حتى إذا نزل بتبع الموت استخلف أخاه وهلك، فقتلوا أخاه وكفروا صفقة واحدة.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن أبيّ بن كعب قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بفناه بعث إلى أحبار يهود فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب.

فقال له شابور اليهودي.- وهو يومئذ اعلمهم- أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده بمكة اسمه أحمد وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي نزلت به، يكون من القتال والجراح أمر كثير في أصحابه وفي عدوهم.

قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعم؟

قال: يسير إليه قومه؛ فيقتتلون ههنا.

قال: فأين قبره؟

قال: بهذا البلد.

قال: فإذا قوتل لمن تكون الدبرة؟

قال: تكون عليه مرة وله مرة، وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه، ويقتل به أصحابه مقتلة عظيمة لم تقتل في موطن، ثم تكون العاقبة له ويظهر، فلا ينازعه هذا الأمر أحد.

قال: وما صفته؟

قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة، سيفه على عاقته، ولا يبالي من لاقى حتى يظهر أمره.

فقال تبع: ما إلى هذا البلد من سبيل وما كان ليكون خرابها على يدي، فرجع تبع منصرفاً إلى اليمن.

وأخرج ابن عساكر عن عباد بن زياد المري عمن أدرك قال: أقبل تبع يفتتح المدائن ويعمل العرب حتى نزل المدينة، وأهلها يومئذ يهود، فظهر على أهلها، وجمع أحبار اليهود فأخبروه أنه سيخرج نبيّ بمكة يكون قراره بهذا البلد اسمه أحمد، وأخبروه أنه لا يدركه، فقال تبع للأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد؛ فإن خرج فيكم، فآزروه وصدقوه، وإن لم يخرج، فأوصوا بذلك أولادكم وقال في شعره: حدثت أن رسول المليك ** يخرج حقّاً بأرض الحرم ولو مدّ دهري إلى دهره ** لكنت وزيراً له وابن عم وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبدالله بن سلام قال: لم يمت تبع حتى صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يهود يثرب يخبرونه.

وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: أري تبع في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف، ثم أري ان يكسوه أحسن من ذلك فكساه العافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الوصائل، وصائل اليمن، فكان تبع فيما ذكر لي أول من كساه، وأوصى بها ولاته من جرهم، وأمر بتطهيره وجعل له باباً ومفتاحاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ قال يوم يفصل بين الناس بأعمالهم يوفي فيه للأولين والآخرين ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ﴾ قال: انقطعت الأسباب يومئذ وذهبت الآصار، وصار الناس إلى أعمالهم فمن أصاب يومئذ خيراً سعد به، ومن أصاب يومئذ شرّاً شقي به.

وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله: ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ﴾ قال: ولي عن ولي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ قال الكلبي والفراء: أي: للحق (١) وقال أبو إسحاق: أي: لإقامة الحق (٢) قال ابن عباس: يريد: للثواب والعقاب (٣) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قال: يريد المشركين.

(١) انظر: "تنوير المقباس" ص 497، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 42.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 427.

(٣) ذكر هذا المعنى البغوي في تفسيره ولم ينسبه.

انظر: 7/ 235.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَعِبِينَ ﴾ حال منفية ذكرت في الأنبياء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.

﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.

والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.

وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر  ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.

ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.

وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.

وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.

قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله  يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.

وروي أن النبي  قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله  إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله  تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.

ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.

وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.

والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.

ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.

وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.

وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله  ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.

ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.

ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.

قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.

وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.

والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.

وعن حذيفة أن النبي  قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.

وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.

وقيل: الدخان الشر والفتنة.

وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.

وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله  عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.

فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.

فمشى إليه  أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.

فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.

ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه  بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.

ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.

ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.

واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.

والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.

و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.

وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله  بقصة موسى.

ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.

و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل  ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.

والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.

ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم  ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.

ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.

وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله  أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.

والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".

وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.

وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.

قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي  قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .

ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.

وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.

قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.

وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.

وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.

ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.

ولا ريب أن هذا قبل التحريف.

وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.

ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي  أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد  وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.

ابن عباس: تبع نبي.

أبو هريرة عن النبي  " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.

وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.

وعن سعيد بن جبير كسا البيت.

وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.

وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.

ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.

وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.

والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.

والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.

وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.

ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.

و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.

والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".

ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.

ثم أخبر أنه  يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.

ومنه العتل للجافي الغليظ.

وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.

يروي أن أبا جهل قال لرسول الله  : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.

أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.

ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.

وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.

والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.

وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.

وهكذا اختلفوا في الحور.

فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.

وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.

﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.

وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.

وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.

فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.

وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.

ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقول الله  - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم.

وأصله أن رسول الله  بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، [و]حمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هذا منهم احتجاج عليه، يقولون: لو كنت صادقاً فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحي من ذكروا وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه الحجة، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي  قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، والله أعلم.

وبعد: فإن الله -  عز وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ ليس في هذا جواب لقولهم: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتاً وعناداً.

ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية دلالة على البعث أيضاً.

بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - أيضاً - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ومن ذكر، أي: أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟

وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشاً، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، فأنتم دون أولئك، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟!

وهو كقوله -  -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ  ﴾ وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا، والله أعلم.

وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أولئك الكفرة؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب، والله أعلم.

وذكر أن تبعاً كان رجلا صالحاً، وعائشة -  ا - تقول: "لا تسبوا تبعاً؛ فإنه كان رجلا صالحاً".

وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن الله -  - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعباً، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، وعلى ما عندهم يصير عبثاً باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعباً؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر - على زعمهم - لم يكن ألا الإفناء والإهلاك، ومن لم يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه وقصده سفيهاً، غير حكيم، فعلى ذلك الله -  وتعالى - في خلقه إياهم، وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفهاً باطلا، غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله وقصده لاعباً عابثاً سفيهاً؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً...

﴾ الآية [النحل: 92]، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور - على ما قال أولئك الكفرة وظنوا - كان كذلك سفهاً غير حكمة؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل خلقه إياهم [لا] للرجوع إليه عبثاً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قال بعضهم: إلا لإقامة الحق.

وقال بعضهم: إلا لأمر كائن مراد.

وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهما لم يخلقا باطلا وعبثاً، وهو ما ظنوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ سمى يوم القيامة مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعاً، وكذلك يوم الحشر.

ويوم الفصل يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

ويحتمل - أيضاً - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعاً مسوياً بين الأولياء والأعداء، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيهاً غير حكيم - دل أن هنالك داراً أخرى يفصل بينهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضاً على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

﴾ الآية [عبس: 34]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً...

﴾ الآية [لقمان: 33]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، والله الموفق.

ثم قوله -  -: ﴿ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ﴾ يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.

ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ...

﴾ الآية [الزخرف: 67]، استثنى المتقين، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضاً حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ ومن عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ في نقمته من أعدائه لأوليائه ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيماً مطلقاً مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.

قال بعض أهل [التأويل]: إنه [لما] نزل قوله -  -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن محمداً وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ الآية [الصافات: 64- 65]، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، بقوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ الآية [الصافات: 64]، ليست كسائر الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله -  -: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ والمهل: دُرْدِيُّ الزيت.

ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين: أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن.

ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال.

ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرْدِيُّ الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى التشبيه به؟

لكن نقول: إنّه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ .

ثم الإشكال أن شجرة الزقوم كيف تكون للأثيم؛ فيحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر.

ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر.

وروي عن ابن عباس -  - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضاً أن يكون ذلك في أول ما يراد أن يدخلوا النار؛ كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ  ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ  ﴾ فعلى ذلك ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ : قال بعضهم: أي: ادفعوه ﴿ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ أي: إلى وسط الجحيم.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ أي: قودوه قوداً إلى ﴿ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجرّ ويقاد.

وقال بعضهم: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقاً شديداً عنيفاً.

وبعضه قريب من بعض.

والجحيم: هو معظم النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ أي: من شراب الحميم؛ جعل الله - عز وجل - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ...

﴾ الآية [محمد: 15].

ثم في الآية أن الفريقين جميعاً لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يسقون؛ على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً...

﴾ الإنسان: 17]، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل النار: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ مِنْ غِسْلِينٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ قال أهل التأويل: إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر في الآية، وهو المراد بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين كذا إلى كذا أعزّ منّي، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: ﴿ ذُقْ ﴾ هذا الذي ذكر ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ في الدنيا يصغرونه ويهينونه.

ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرّم، وكل رئيس منهم، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ أي: ذق فإنك لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزاً كريماً ما دخلت النار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما خلقنا السماوات والأرض إلا لحكمة بالغة، ولكن معظم المشركين لا يعلمون ذلك.

من فوائد الآيات وجوب لجوء المؤمن إلى ربه أن يحفظه من كيد عدوّه.

مشروعية الدعاء على الكفار عندما لا يستجيبون للدعوة، وعندما يحاربون أهلها.

الكون لا يحزن لموت الكافر لهوانه على الله.

خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة يجهلها الملحدون.

<div class="verse-tafsir" id="91.Rnqoe"

مزيد من التفاسير لسورة الدخان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله