الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٩ من سورة الدخان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون ، أي : قد جاءهم اليقين ، وهم يشكون فيه ، ويمترون ولا يصدقون به ،
وقوله ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) يقول تعالى ذكره ما هم بموقنين بحقيقة ما يقال لهم ويخبرون من هذه الأخبار, يعني بذلك مشركي قريش, ولكنهم في شكّ منه, فهم يلهون بشكهم في الذي يخبرون به من ذلك.
بل هم في شك يلعبون أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم : إن الله خالقهم ، وإنما يقولونه لتقليد [ ص: 121 ] آبائهم من غير علم فهم في شك .
وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة .
وقيل : ( يلعبون ) يضيفون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الافتراء استهزاء .
ويقال لمن أعرض عن المواعظ : لاعب ، وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته .
فلما قرر تعالى ربوبيته وألوهيته بما يوجب العلم التام ويدفع الشك أخبر أن الكافرين مع هذا البيان { فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ } أي: منغمرون في الشكوك والشبهات غافلون عما خلقوا له قد اشتغلوا باللعب الباطل، الذي لا يجدي عليهم إلا الضرر.
( بل هم في شك ) من هذا القرآن ( يلعبون ) يهزءون به لاهون عنه .
(بل هم في شك) من البعث (يلعبون) استهزاء بك يا محمد، فقال: "" اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف "".
بل هؤلاء المشركون في شك من الحق، فهم يلهون ويلعبون، ولا يصدقون به.
ثم بين - سبحانه - أحوال الكافرين ، وكيف أنهم عندما ينزل بهم العذاب ، يجأرون إلى الله - تعالى - أن يكشفه عنهم .
فقال - تعالى - : ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ .
.
.
إِنَّا مُنتَقِمُونَ ) .و ( بَلْ ) فى قوله - تعالى - : ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) للاضراب الإِبطالى ، لأن المقصود من الآية الكريمة ، نفى إيقانهم بأن خالق السماوات والأرض وما بينهما هو الله ، بل قالوا ما قالوا فى ذلك على سبيل الشك واللعب .قال الآلوسى : " قوله : ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ .
.
.
) إضراب إبطالى ، أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على موجبة ، وتنوين ( شَكٍّ ) للتعظيم ، أى : فى شك عظيم .
( يَلْعَبُونَ ) أى : لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان ، بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب .
وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم .
.
.
والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم ، وإهما أمرهم .
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ حم * والكتاب المبين ﴾ وجوه من الاحتمالات أولها: أن يكون التقدير: هذه حام والكتاب المبين كقولك هذا زيد والله.
وثانيها: أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله: ﴿ حم ﴾ ثم يقال: ﴿ والكتاب المبين * إِنَّا أنزلناه ﴾ .
وثالثها: أن يكون التقدير: وحام، والكتاب المبين، إنا أنزلناه، فيكون ذلك في التقدير قسمين على شيء واحد.
المسألة الثانية: قالوا هذا يدل على حدوث القرآن لوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ حم ﴾ تقديره: هذه حام، يعني هذا شيء مؤلف من هذه الحروف، والمؤلف من الحروف المتعاقبة محدث الثاني: أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء بل بإله هذه الأشياء فيكون التقدير ورب حام ورب الكتاب المبين، وكل من كان مربوباً فهو محدث الثالث: أنه وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الجمع فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث الرابع: قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه ﴾ والمنزل محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث، وقد ذكرنا مراراً أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية محدث، والعلم بذلك ضروري بديهي، لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى القديم والمحدث، وإذا كان كذلك فكيف ينازع في صحة هذه الدلائل، إنما الذي ثبت قدمه شيء آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات.
المسألة الثالثة: يجوز أن يكون المراد بالكتاب هاهنا الكتب المتقدمة التي أنزلها الله على أنبيائه، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان ﴾ ويجوز أن يكون المراد اللوح المحفوظ، كما قال: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا ﴾ ويجوز أن يكون المراد به القرآن، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه: أستشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك.
المسألة الرابعة: ﴿ المبين ﴾ هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم، فوصفه بكونه مبيناً، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى، لأجل أن الإبانة حصلت به، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بني إسرائيل ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ﴾ وقال: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة، فكأنه ذو لسان ينطق، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى.
المسألة الخامسة: اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنها ليلة القدر، وقال عكرمة وطائفة آخرون: إنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها: أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ وهاهنا قال: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض.
وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان، وقال هاهنا ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان، قال إنها ليلة القدر، فثبت أنها ليلة القدر.
وثالثها: أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ ﴾ وقال أيضاً هاهنا ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وهذا مناسب لقوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا ﴾ وهاهنا قال: ﴿ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا ﴾ وقال في تلك الآية ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ ﴾ وقال هاهنا ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ وقال في تلك الآية ﴿ سلام هِيَ ﴾ وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى.
ورابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره: عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وخامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة، ومعلوم أن منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدنيا، وأعلى الأشياء وأشرفها منصباً في الدين هو القرآن، لأجل أن به ثبتت نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزّلة، كما قال في صفته ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ وبه ظهرت درجات أرباب السعادات، ودركات أرباب الشقاوات، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً منه فلو كان نزوله إنما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان، علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة، وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية، هي ليلة النصف من شعبان، فما رأيت لهم فيه دليلاً يعول عليه، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه، وإلا فالحق هو الأول، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة، وقيل إنما سميت بليلة البراءة، وليلة الصك، لأن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله عزّ وجلّ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول: تفريق كل أمر حكيم فيها، قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ والثانية: فضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان» الخصلة الثالثة: نزول الرحمة، قال عليه السلام: «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب» والخصلة الرابعة: حصول المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة، إلا لكاهن، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصر على الزنا» والخصلة الخامسة: أنه تعالى أعطى رسوله في هذه الليلة تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر، فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر، فأعطي الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير، هذا الفصل نقلته من الكشاف، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة الممتدة التي تقديرها حركات الأفلاك والكواكب، وأنه في ذاته أمر متشابه الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل من بعض، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد والخلاء الخالي فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من البعض، وإذا كان كذلك كان تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقي ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وإنه محال، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص وقت معين بإحداث العالم فيه دون ما قبله وما بعده، فإن بطل هذا الأصل فقد بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار وحينئذ لا يكون الخوض في تفسير القرآن فائدة، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكرتم من السؤال، فهذا هو الجواب المعتمد، والناس قالوا لا يبعد أن يخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد تشريف حتى يصير ذلك داعياً للمكلف إلى الإقدام على الطاعات في ذلك الوقت، ولهذا السبب بيّن أنه تعالى أخفاه في الأوقات وماعيته لأنه لم يكن معيناً جوز المكلف في كل وقت معين أن يكون هو ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملاً له على المواظبة على الطاعات في كل الأوقات، وإذا وقعت على هذا الحرف ظهر عندك أن الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعاً لشرف الإنسان فهو الأصل وكل ما سواه فهو تبع له، والله أعلم.
المسألة السادسة: روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه هلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور، وهو في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالا، والله أعلم.
المسألة السابعة: في بيان نظم هذه الآيات، اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته الثاني: بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه الثالث: بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته، أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه.
وثانيها: أنه تعالى أقسم به على كونه نازلاً في ليلة مباركة، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف.
وثالثها: أنه تعالى وصفه بكونه مبيناً وذلك يدل أيضاً على شرفه في ذاته.
وأما النوع الثاني: وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة مباركة يقتضي شرفه وجلالته، ثم نقول إن قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ يقتضي أمرين: أحدها: أنه تعالى أنزله والثاني: كون تلك الليلة مباركة فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما، أما بيان أنه تعالى لم أنزله فهو قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران: أحدهما: أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم، والثاني: أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصاً بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا ﴾ .
وأما النوع الثالث: فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ فبيّن أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى، ثم بيّن أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله: ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، ثم بيّن أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم، ويعلم أنواع حاجاتهم، فلهذا قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض.
المسألة الثامنة: في تفسير مفردات هذه الألفاظ، أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه المكلف، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
أما قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ ﴾ أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً، قال صاحب الكشاف وقرئ يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصب كل والفارق هو الله عز وجل، وقرأ زيد ابن علي نفرق بالنون.
أما قوله: ﴿ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ فالحكيم معناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى، فلما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة، وهذا من الإسناد بالمجازي، لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز، ثم قال: ﴿ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا ﴾ وفي انتصاب قوله: ﴿ أمْراً ﴾ وجهان: الأول: أنه نصب على الاختصاص، وذلك لأنه تعالى بيّن شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة، ثم زاد في بيان شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا والثاني: أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون حال من أحد الضميرين في ﴿ أنزلناه ﴾ ، إما من ضمير الفاعل أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً أو من ضمير المفعول أي: إنا أنزلناه في حال كونه أمراً من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث: ما حكاه أبوعلي الفارسي عن أبي الحسن رحمهما الله أنه حمل قوله: ﴿ أمْراً ﴾ على الحال وذو الحال قوله: ﴿ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وهو نكراً.
ثم قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ يعني أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين يعني الأنبياء.
ثم قال: ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ أي للرحمة فهي نصب على أن يكون مفعولاً له.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ يعني أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين، إما أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم، وإما أن لا يذكروها فإن ذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف حاجاتهم، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها فثبت أن كونه سميعاً عليماً يقتضي أن ينزل رحمته عليهم.
ثم قال: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الباء من رب عطفاً على قوله: ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ والباقون بالرفع عطفاً على قوله: ﴿ هُوَ السميع العليم ﴾ .
المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة.
المسألة الثالثة: الفائدة في قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ من وجوه: الأول: قال أبو مسلم معناه إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا، كقولهم فلان منجد متهم أي يريد نجداً وتهامة والثاني: قال صاحب الكشاف كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب سبحانه وتعالى، ثم قيل إن هذا هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم ويقين، كما تقول هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وسمعت قصته، ثم إنه تعالى رد أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ ﴾ وأن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ولعب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ (9) ﴾ وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة: بل قول مخلوط بهزء ولعب ﴿ يَوْمَ تَأْتِى السمآء ﴾ مفعول به مرتقب.
يقال: رقبته وارتقبته.
نحو: نظرته وانتظرته.
واختلف في الدخان؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وعن ابن مسعود رضي الله عنه: خمس قد مضت: الروم، والدخان، والقمر، والبطشة، واللزام.
ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصاً عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم أنّ قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجلُ الرجلَ فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم ﴿ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ﴿ يَغْشَى الناس ﴾ يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لدخان.
و ﴿ هذا عَذَابٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُؤْمِنُونَ ﴾ منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، ويقولون: منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك.
﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوِ اسْتِئْنافٌ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالجَرِّ بَدَلًا مِن رَبِّكَ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ الإيقانِ في العُلُومِ، أوْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم إذا سُئِلْتُمْ مَن خَلَقَها؟
فَقُلْتُمُ اللَّهُ، عَلِمْتُمْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ اليَقِينَ فاعْلَمُوا ذَلِكَ.
﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا خالِقَ سِواهُ.
﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ كَما تُشاهِدُونَ.
﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ وقُرِئا بِالجَرِّ بَدَلًا مِن رَبِّكَ.
﴿ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ رَدٌّ لِكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ} وإن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزؤ ولعب
﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ إضْرابٌ إبْطالِيٌّ أُبْطِلَ بِهِ إيقانُهم لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِهِ، وتَنْوِينُ (شَكٍّ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ فِي شَكٍّ عَظِيمٍ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِمّا هو مُطابِقٌ لِنَفْيِ اَلْأمْرِ عَنْ جَدٍّ وإذْعانٍ بَلْ يَقُولُونَهُ مَخْلُوطًا بِهُزُءٍ ولَعِبِ وهَذِهِ اَلْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي اَلْخَبَرُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، والِالتِفاتُ عَنْ خِطابِهِمْ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اِلْتِفاتِهِمْ، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ يعني: يستهزئون.
ويقال: هذا جواب قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ فكأنه قال: لا يوقنون، بل هم فى شك يلعبون يعني: يخوضون في الباطل.
قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يعني: فانتظر يا محمد يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يعني: الجدب والقحط قال القتبي: سمي الجدب والقحط.
دخاناً، وفيه قولان: أحدهما أن الجائع كأنه يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع، والثاني: أنه سمي القحط دخاناً، ليبس الأرض، وانقطاع النبات، وارتفاع الغبار، فشبه بالدخان.
وروى الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: «خمس مضين، الدخان واللزام يعني: العذاب الأكبر، والروم، والبطشة، والقمر.
وروي عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في المسجد، فسئل عن قوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فقال: إذا كان يوم القيامة، نزل دخان من السماء، فأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، وأخذ المؤمنون منه بمنزلة الزكام.
قال مسروق: فدخلت على عبد الله فأخبرته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً.
ثم أنشأ فقال: يا أَيُّهَا الناس: من كان عنده علم فسئل عنه، فليقل به، ومن لم يكن عنده علم، فليقل الله أعلم.
إن قريشاً حين كذبوه يعني: دعا عليهم فقال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كسِنِّي يُوسُف- عَلَيْهِ السَّلام-» فأصابهم سنة، وشدة الجوع، حتى أكلوا الكلاب، والجيف والعظام، حتى كان يرى أحدهم كأن بينه وبين السماء دخاناً.
فذلك قوله: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يعني: انتظر بهلاكهم يوم تأتى السماء بدخان مبين يَغْشَى النَّاسَ يعني: أهل مكة هذا عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يقولون: هذا الجوع عذاب أليم ثم إن أبا سفيان وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل وأصحابهم قالوا: يا رسول الله استسق الله لنا، فقد أصابنا شدة.
قوله تعالى: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ يعني: الجوع إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى يعني: من أين لهم التوبة والعظة والتذكرة وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ بلغتهم ومفقه لهم ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ يعني: أعرضوا عما جاء به، فلم يصدقوه ومع ذلك وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ يعلمه جبر ويسار أسماء الرجلين غلامي الخضر إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى المعصية، فعادوا فانتقم منهم يوم بدر، فذلك قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني: نعاقب العقوبة العظمى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ منهم بكفرهم ويقال: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني: يوم القيامة.
ويقال: آية الدخان لم تمض، وستكون في آخر الزمان.
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي- - قال: لم تمض آية الدخان يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى يصير كهيئة الجمل.
وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: «أخْبِرْتُ أنَّ الكَوْكَب ذَا الذَّنب قد طَلَعَ، فَخَشِيتُ أنْ يَكونَ الدُّخَانَ قَد طَرق» ويقال: هذا كله يوم القيامة، إذا خرجوا من قبورهم، تأتي السماء بدخان مبين، محيط بالخلائق فيقول الكافرون: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ أي: ردنا إلى الدنيا إِنَّا مُؤْمِنُونَ يقول الله تعالى: من أين لهم الرجعة، وقد جاءهم رسول مبين فلم يجيبوه.
<div class="verse-tafsir"
الأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حتى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ اسمه في الموتى «١» » وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، وأَمْراً نُصِبَ على المصدر «٢» .
وقوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة «٣» ، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يرى من الجُوع دُخَاناً بينه وبين السماء «٤» وما/ يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم: إِنَّا مُؤْمِنُونَ كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي: من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب؟
وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلّم ف تَوَلَّوْا عَنْهُ، أي: أعرضوا وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
وقوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي: إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكبرى، فقالتْ فرقةٌ: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره: هو يوم بدر «٥» .
وقوله: أَنْ أَدُّوا مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول: أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله: عِبادَ اللَّهِ، وقال ابن عباس: المعنى:
اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ «١» ، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدى هي الطاعة، والظاهر من شرع موسى ع أَنَّهُ بُعِثَ إلى دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل، وقوله بعد: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط.
وقوله: وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ...
الآية: المعنى: كانت رسالته، وقوله: أَنْ أَدُّوا وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أيْ: على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعلوّ عن الطغيان والعتوّ، وأَنْ تَرْجُمُونِ معناه: الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل قاله قتادة وغيره «٢» ، وقيل:
أراد الرجم بالقول، والأول أظهر لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر.
- قلت-: وعن ابن عمر قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنِ استعاذ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ استجار باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتى إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ/ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فادعوا لَهُ حتى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ «٣» » ، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما» ، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ- يعني البخاريَّ ومسلماً- اهـ من «السلاح» .
وقوله: فَاعْتَزِلُونِ متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة: أراد خلّوا سبيلي.
سُورَةُ الدُّخانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ[المُؤْمِنُ، والزُّخْرُفُ]، وجَوابُ القَسَمِ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ ، والهاءُ كِنايَةٌ عَنِ الكِتابِ، وهو القُرْآنُ ﴿ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً، فَوُضِعَ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا.
والثّانِي: أنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مُخَوِّفِينَ عِقابَنا.
﴿ فِيها ﴾ أيْ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ ﴿ يُفْرَقُ كُلُّ ﴾ أيْ: يُفْصَلُ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "يَفَرِقُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ.
"كُلَّ" بِنَصْبِ اللّامِ ﴿ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ أيْ: مُحْكَمٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْتَبُ مِن أُمِّ الكِتابِ في لَيْلَةِ القَدْرِ ماهُوَ كائِنٌ في السَّنَةِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأرْزاقِ والآجالِ، حَتّى الحاجُّ، وإنَّكَ لَتَرى الرَّجُلُ يَمْشِي في الأسْواقِ وقَدْ وقَعَ اسْمُهُ في المَوْتى، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ذَلِكَ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والرِّوايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ قَدْ خُولِفَ الرّاوِي لَها، فَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: في لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا المُفَسِّرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: "أمْرًا" و "رَحْمَةً" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ؛ المَعْنى؛ إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا وراحِمِينَ رَحْمَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "يُفْرَقُ" بِمَنزِلَةِ يُفْرَقُ فَرْقًا، لِأنَّ "أمْرًا" بِمَعْنى "فَرْقًا" .
قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ الرَّحْمَةُ بِوُقُوعِ "مُرْسِلِينَ" عَلَيْها، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ هي النَّبِيَّ .
وقالَ مُقاتِلٌ: "مُرْسِلِينَ" بِمَعْنى مَنزِلِينَ هَذا القُرْآنَ، أنْزَلْناهُ رَحْمَةً لِمَن آمَنَ بِهِ.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا ﴾ أيْ: إنّا نَأْمُرُ بِنَسْخِ ما يُنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ ﴿ إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ الأنْبِياءَ، ﴿ رَحْمَةً ﴾ مِنّا بِخَلْقِنا ﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "رَبُّ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "رَبِّ" بِكَسْرِ الباءِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ ﴿ فِي شَكٍّ ﴾ مِمّا جِئْناهم بِهِ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ يَهْزَؤُونَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُخانِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لا أحْفَظُ خِلافًا في شَيْءٍ مِنها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ ﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ ﴿ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ ﴿ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "حم"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ.
و ﴿ "المُبِينِ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي، أيْ: يُبَيِّنُ الهُدى والشَرْعَ ونَحْوَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي، أيْ: هو مُبِينٌ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ في وصْفِ الكِتابِ فَلا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، وهَذا اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَحْسُنُ القَسَمُ بِهِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ اللَيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: هي لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالُوا: إنَّ كُتُبَ اللهِ تَعالى كُلَّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ في آخِرِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ومَعْنى هَذا النُزُولِ: أنَّ ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، ومِن هُنا كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَتَلَقّاهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: اللَيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ النِصْفِ مِن شَعْبانَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ مَعْناهُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويَتَخَلَّصُ، ورُوَيَ عن عِكْرِمَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَفْصِلُ لِلْمَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، وقالَ الحَسَنُ، وعُمَرُ مَوْلى غَفْرَةَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والآجالِ والأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ لَهم إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، قالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرُوا القَضاءَ في شَهْرِ رَمَضانَ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ الرَجُلَ يَتَزَوَّجُ ويُعْرِّسُ وقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ في المَوْتى، لِأنَّ الآجالَ تُقْطَعُ في شَعْبانَ،» وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "يُفَرِّقُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و"حَكِيمٍ": بِمَعْنى: مُحْكَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْرًا" ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و"مِن عِنْدِنا": صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "أمْرًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرُسُلَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَحْمَةَ الَّتِي ذَكَرَ بَعْدُ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ نُصِبَ قَوْلُهُ تَعالى: "رَحْمَةً" عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُها عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ، أيْ: إنْ كُنْتَ مُوقِنًا بِهَذا يَكُونُ يَقِينُكَ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ: العِلْمُ غَرَضُكَ إنْ كُنْتَ رَجُلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: مالِكُكم ومالِكُ آبائِكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "رَبُّ السَماواتِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّ" المُتَقَدِّمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى رَفْعِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالكَسْرِ، رَواها أبُو مُوسى عَنِ الكِسائِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ إضْرابٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ولا مِمَّنْ تَنْفَعُهُ وُصاةٌ، بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ في أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الدُخّانِ الَّذِي أمَرَ اللهُ تَعالى بِارْتِقابِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رِضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ: هو دُخانٌ يَجِيءُ مَقْبِلَ يَوْمِ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُكامِ، ويَنْضَجُ رُؤُوسُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ حَتّى تَكُونَ كَأنَّها مَصْلِيَّةٌ حَنِيذَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هو الدُخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَعا رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَكانَ الرَجُلُ يَرى مِنَ الجَدْبِ والجُوعِ دُخانًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السَماءِ، وما يَأْتِي مِنَ الآياتِ يُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُخانُ واللِزامُ والبَطْشَةُ والقَمَرُ والرُومُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عن حُذَيْفَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "إنَّ أوَّلَ آياتِ الساعَةِ الدُخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ"»، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ سَنَدَ هَذا الحَدِيثِ، واخْتارَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في الدُخانِ، ويُحْتَمَلُ -إنْ صَحَّ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - أنْ يَكُونَ قَدْ مَرَّ دُخانٌ ويَأْتِي دُخانٌ آخَرَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بل ﴾ للإضراب الإبطالي ردّ به أن يكونوا موقنين ومقرّين بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما فإن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ثابت بل هو كالْعَدَممِ لأنهم خلطوه بالشك واللعب فارتفعت عنه خاصية اليقين والإقرار التي هي الجري على موجَب العلم، فإن العلم إذا لم يجر صاحبه على العمل به وتجديد ملاحظته تطرق إليه الذهول ثم النسيان فضعف حتى صار شكّاً لانحجاب الأدلة التي يرسخ بها في النفس، أي هم شاكّون في وحدانية الله تعالى.
والإتيان بحرف الظرفية للدلالة على شدة تمكن الشك من نفوسهم حتى كأنه ظرف محيط بهم لا يجدون عنه مخرجاً، أي لا يفارقهم الشك، فالظرفية استعارة تبعية مثل الاستعلاء في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5].
وجملة ﴿ يلعبون ﴾ حال من ضمير ﴿ هم ﴾ أي اشتغلوا عن النظر في الأدلة التي تزيل الشك عنهم وتجعلهم مهتدين، بالهزء واللعب في تلقي دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فكأن انغماسهم في الشك مقارِناً لحالهم من اللعب، ولهذه الجملة الحالية موقع عظيم إذ بها أفيد أنّ الشك حامِل لهم على الهزء واللعب، وأن الشغل باللعب يزيد الشك فيهم رسوخاً بخلاف ما لو قيل: بل هم في شك ولعب، فتفطّنْ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ في ارْتَقِبْ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فانْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ بِهَؤُلاءِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ فاحْفَظْ يا مُحَمَّدُ قَوْلَهم هَذا لِتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحافِظُ رَقِيبًا، قالَ الأعْشى عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ فَقُلْ في امْرِئٍ غِلْقٍ مُرْتَهِنٍ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما أصابَ أهْلَ مَكَّةَ مِن شِدَّةِ الجُوعِ حَتّى صارَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ في إبْطائِهِمْ عَنِ الإيمانِ وقَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى، فَقالَ: « (اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والدُّخانُ الجَدْبُ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها الدُّخانُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ السَّماءُ الغُيُومَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأعْرَجِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُخانٌ يَهِيجُ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْخُذُ المُؤْمِنَ مِنهُ كالزَّكْمَةِ، ويَنْفُخُ الكافِرَ حَتّى يَخْرُجَ مِن كُلِّ مَسْمَعٍ مِنهُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الجُوعُ: قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ وهَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ تَكُنْ مَكَّةُ مِن بِلادِ الثَّلْجِ غَيْرَ أنَّهُ مَقُولٌ فَحَكَيْناهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ عائِدُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.
الثّانِي: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
فَلَمّا كُشِفَ ذَلِكَ عَنْهم بِاسْتِسْقاءِ النَّبِيِّ لَهم عادُوا إلى تَكْذِيبِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى ﴾ والبَطْشَةُ الكُبْرى هي العُقُوبَةُ الكُبْرى، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القَتْلُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها قِيامُ السّاعَةِ لِأنَّها خاتِمَةُ بَطَشاتِهِ في الدُّنْيا.
﴿ إنّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ أيْ مِن أعْدائِنا.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَ النِّقْمَةِ والعُقُوبَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُقُوبَةَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ لِأنَّها مِنَ العاقِبَةِ، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ قَبْلَها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ العُقُوبَةَ قَدْ تَكُونَ في المَعاصِي، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ في خَلْقِهِ لِأجْلِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ العُقُوبَةَ ما تَقَدَّرَتْ، والِانْتِقامُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ ﴿ رب السماوات والأرض ﴾ بالخفض.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ قال ابن عباس: في ضلال يتمادون (١) (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 818.
(٢) انظر: "إملاء ما منَّ به الرحمن" 2/ 230.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ ﴾ مفعول بفعل مضمر على الاختصاص قاله الزمخشري، وقال ابن عطية نصب على المصدر، وقيل على الحال ﴿ مُرْسِلِينَ ﴾ إرسال الرسل عليهم السلام، وقيل: من إرسال الرحمة والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.
﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.
وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.
ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.
وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.
قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.
ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.
والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.
ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.
ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.
ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.
قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.
وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.
والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.
وقيل: الدخان الشر والفتنة.
وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.
وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.
فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.
ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.
ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.
واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.
والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.
و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله بقصة موسى.
ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.
و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.
والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.
ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.
ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.
وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.
والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".
وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.
وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.
وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.
قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.
وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.
ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.
ولا ريب أن هذا قبل التحريف.
وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.
ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.
ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.
وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.
وعن سعيد بن جبير كسا البيت.
وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.
وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.
ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.
وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.
والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.
وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.
ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.
و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.
والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".
ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.
ثم أخبر أنه يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.
ومنه العتل للجافي الغليظ.
وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.
ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.
وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور.
فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.
وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.
﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.
فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.
وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.
ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ﴾ أي: في أمر القرآن.
ويحتمل: بل هم في شك في أمر رسول الله ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز.
ثم اختلف في كيفية ذلك، مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك وقد كان؛ قال بعضهم: ﴿ بِدُخَانٍ ﴾ أي: بجدب وقحط؛ جعل الدخان كناية عن الجدب؛ لوجوه: أحدها: لما يقال: إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخاناً من شدة الجوع، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، فاستعير له، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ويصعد الريح ليبسها، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة: غبراء، وقيل: جوع أغبر؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا، فيقولون: لو كان بيننا: أمر ارتفع له دخان، وقالوا: إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلت الأمطار، ويبست الأرض، وارتفع الغبار، وصعدت الريح كالدخان، وضعفت الأبصار لشدة الجوع، حتى كانوا يرون السماء كالدخان؛ على ما روي عن ابن مسعود - - أنه قال: كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع.
وقال بعضهم: إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: قد مضى الدخان، وهو سنون كسني يوسف - - فجهد الناس، والله أعلم.
ومنهم من يقول: هو على حقيقة الدخان، وأنه لم يمض بعد، وكذلك روي عن علي - - أنه قال: الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري - - والحسن وغيرهم، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان، كقوله: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ﴾ ، وليس هناك نار، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد؛ يقولون: هاج الدخان وثار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماضٍ كائن.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: يغشى، فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ أي: إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول [قوم] موسى - - حيث قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...
﴾ الآية [الأعراف: 134].
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.
ثم أخبر الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال - -: ﴿ أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ يقول: أنى يتوبون؟!
أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ ﴾ يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به رسول الله من القرآن.
ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول الله وأمرهم به.
ويحتمل: تولوا عن رسول الله نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ .
قولهم: ﴿ مُعَلَّمٌ ﴾ لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.
وقوله: ﴿ مَّجْنُونٌ ﴾ نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، فيقولون: به آفة وجنون.
والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه.
وقال بعضهم: أي: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ إلى عذاب يوم القيامة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ذلك يوم بدر، وهو قول ابن مسعود - - وقول عامة أهل التأويل، وقالوا ذلك أشد من الدخان.
وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة؛ وهو قول ابن عباس والحسن، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ليس هؤلاء المشركون بموقنين بذلك، بل هم في شك منه يلهون عنه بما هم فيه من الباطل.
<div class="verse-tafsir" id="91.KN12R"