الآية ١٥ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ١٥ من سورة ق

أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍۢ مِّنْ خَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أفعيينا بالخلق الأول ) أي : أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة ، ( بل هم في لبس من خلق جديد ) والمعنى : أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه ، كما قال تعالى : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، وقال الله تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 78 - 79 ] ، وقد تقدم في الصحيح : " يقول الله تعالى : يؤذيني ابن آدم ، يقول : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وهذا تقريع من الله لمشركي قريش الذين قالوا: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقول لهم جلّ ثناؤه: أفعيينا بابتداع الخلق الأول الذي خلقناه, ولم يكن شيئا فنعيا بإعادتهم خلقا جديدا بعد بلائهم في التراب, وبعد فنائهم; يقول: ليس يعيينا ذلك, بل نحن عليه قادرون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ ) يقول: لم يعينا الخلق الأوّل.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد.

قوله ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ ) يقول: أفعيي علينا حين أنشأناكم خلقا جديدا, فتمتروا بالبعث.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن أبي ميسرة ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ ) قال: إنا خلقناكم.

وقوله ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) يقول تعالى ذكره: ما يشكّ هؤلاء المشركون المكذّبون بالبعث أنا لم نعي بالخلق الأوّل, ولكنهم في شكّ من قُدرتنا على أن نخلقهم خلقا جديدا بعد فنائهم, وبَلائهم في قبورهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) يقول: في شكّ من البعث.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن أبي ميسرة ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ) قال: الكفار ( مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) قال: أن يخلقوا من بعد الموت .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ) : أي شكّ والخلق الجديد: البعث بعد الموت, فصار الناس فيه رجلين: مكذّب, ومصدّق.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) قال: البعث من بعد الموت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أفعيينا بالخلق الأول أي : أفعيينا به فنعيا بالبعث .

وهذا توبيخ لمنكري البعث وجواب قولهم : ذلك رجع بعيد .

يقال : عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه .بل هم في لبس من خلق جديد أي : في حيرة من البعث ؛ منهم مصدق ومنهم مكذب ; يقال : لبس عليه الأمر يلبسه لبسا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم استدل تعالى بالخلق الأول -وهو المنشأ الأول - على الخلق الآخر، وهو النشأة الآخرة.فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم، كذلك يعيدهم بعد موتهم وصيرورتهم إلى [الرفات] والرمم، فقال: { أَفَعَيِينَا } أي: أفعجزنا وضعفت قدرتنا { بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ } ؟

ليس الأمر كذلك، فلم نعجز ونعي عن ذلك، وليسوا في شك من ذلك، وإنما هم في لبس من خلق جديد هذا الذي شكوا فيه، والتبس عليهم أمره، مع أنه لا محل للبس فيه، لأن الإعادة، أهون من الابتداء كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفعيينا بالخلق الأول ) يعني : أعجزنا حين خلقناهم أولا [ فنعيا ] بالإعادة .

وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث ، ويقال لكل من عجز عن شيء : عيي به .

( بل هم في لبس ) أي : في شك ( من خلق جديد ) وهو البعث .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفعيينا بالخلق الأول» أي لم نعي به فلا نعيا بالإعادة «بل هم في لبس» شك «من خلق جديد» وهو البعث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفَعَجَزْنا عن ابتداع الخلق الأول الذي خلقناه ولم يكن شيئًا، فنعجز عن إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم؟

لا يعجزنا ذلك، بل نحن عليه قادرون، ولكنهم في حَيْرة وشك من أمر البعث والنشور.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهى أن البعث حق ، فقال - تعالى - : ( أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) والاستفهام للإِنكار والنفى ، وقوله ( عَيِينَا ) من العى بمعنى العجز .

يقال : عَيِىَ فلان بهذا الشئ ، إذا عجز عنه ، وانقطعت حيلته فيه ، ولم يهتد إلى طريقه توصله إلى مقصوده منه .واللبس : الخلط .

يقال : لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ .أى : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم؟كلا إننا لم نعجز عن شئ من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزنا شئ ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا فى لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على " الخلق الجديد " أى : على إعادتهم إلى الحاية الدنيا مرة أخرى بعد موتهم .فقوله - تعالى - : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أى : بل إن هؤلاء الكافرين فى خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ .

.

) قال الآلوسى : وقوله : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) عطف على مقدر يدل عليه ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا وجه لإِنكارهم الثانى ، بل هم فى خلط وشبهة فى خلق مستأنف .وقال بعض العلماء ما ملخصه : فى الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول؟

ولم نكر اللبس؟

ولم نكر الخلق الجديد؟وللإِجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله( يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور ) وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإِبهام .

.

وهو المقصود هنا من تنكير لفظ ( لبس ) .

كأنه قيل : بل هم فى لبس أى لبس .وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من ( خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أى : أن هذا الخلق الجديد شئ هين بالنسبة إلى الخلق الأول ، وإن كان كل شئ هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجهان: أحدهما: أنه استدلال بدلائل الأنفس، لأنا ذكرنا مراراً أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال: ﴿ والأرض مددناها  ﴾ وفي غير ذلك ذكر الدليل النفسي، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية.

أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال: ﴿ والأرض مددناها ﴾ وقال: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا  ﴾ ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس، وهذا من جنس، فلم يجعل هذا تبعاً لذلك، ومثل هذا مراعى في أواخر ياس، حيث قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه  ﴾ ثم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا؟

نقول، والله أعلم هاهنا وجد منهم الاستبعاد بقول: ﴿ ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ  ﴾ فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك، وفي سورة ياس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى.

والوجه الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السموات، لأنه هو الخلق الأول وكأنه تعالى قال: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء  ﴾ ثم قال: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ بهذا الخلق ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ  ﴾ ويؤيد هذا الوجه هو أن الله تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ  ﴾ فهو كالاستدلال بخلق الإنسان وهو معطوف بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض وتنزيل الماء وإنبات الجنّات، وفي تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان: أحدهما: ما عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه، والخلق الجديد لم يعلم لنفسه ولم يعرفه كل أحد ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد والوجه الثاني: أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه، كأنهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية؟

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ﴾ تقديره ما عيينا بل هم في شك من خلق جديد، يعني لا مانع من جهة الفاعل، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد، لأنهم كانوا يقولون ذلك محال وامتناع وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزاً فيه، ويقال للمشكوك فيه ملتبس كما يقال لليقين إنه ظاهر وواضح، ثم إن اللبس يسند إلى الأمر كم قلنا: إنه يقال إن هذا أمر ظاهر، وهذا أمر ملتبس وهاهنا أسند الأمر إليهم حيث قال: ﴿ هُمْ فِي لَبْسٍ ﴾ وذلك لأن الشيء يكون وراء حجاب والناظر إليه بصير فيختفي الأمر من جانب الرائي فقال هاهنا ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ﴾ ومن في قوله: ﴿ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يفيد فائدة وهي ابتداء الغاية كأن اللبس كان حاصلاً لهم من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عيى بالأمر: إذا لم يهتد لوجه عمله، والهمزة للإنكار.

والمعنى: أنا لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول، حتى نعجز عن الثاني، ثم قال: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأوّل، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على الإعادة ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ﴾ أي في خلط وشبهة.

قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم.

ومنه قول علي رضي الله عنه: يا حار، إنه لملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله.

ولبس الشيطان عليهم: تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك القياس الصحيح: أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر.

فإن قلت: لم نكر الخلق الجديد، وهلا عرّف الخلق الأول؟

قلت: قصد في تنكيره إلى خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد.

حق من سمع به أن يهتم به ويخاف، ويبحث عنه ولا يقعد على لبس في مثله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ أيْ أفَعَجَزْنا عَنِ الإبْداءِ حَتّى نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ، مَن عَيِيَ بِالأمْرِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ عَمَلِهِ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ.

﴿ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ هم لا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَنا عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في خَلْطٍ، وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنِفٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ العادَةِ، وتَنْكِيرُ الخَلْقِ الجَدِيدِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ والإشْعارِ بِأنَّهُ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُتَعارَفٍ ولا مُعْتادٍ.

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ وهو ما يَخْطِرُ بِالبالِ، والوَسْوَسَةُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ ومِنها وسْواسُ الحُلِيِّ، والضَّمِيرُ لِ ما إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً والباءُ مِثْلُها في صَوْتٍ بِكَذا، أوْ لِ ( الإنْسانَ ) إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ أيْ ونَحْنُ أعْلَمُ بِحالِهِ مِمَّنْ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، تَجُوزُ بِقُرْبِ الذّاتِ لِقُرْبِ العِلْمِ لِأنَّهُ مُوجِبُهُ وحَبْلُ الوَرِيدِ مَثَلٌ في القُرْبِ قالَ: والمَوْتُ أدْنى مِنَ الوَرِيدِ.

وال ( حَبْلِ ) العِرْقُ وإضافَتُهُ لِلْبَيانِ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفانِ بِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ورِيدًا لِأنَّ الرُّوحَ تَرِدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أفعيينا} عي بالامر اذا يهتد لوجه عمله والهمزة للإنكار

{بالخلق الأول} أي أنا لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن الثاني والاعتراف بذلك اعتراف بالإعادة {بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ} في خلط وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم وذلك تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر {مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} بعد الموت وإنما نكر الخلق الجديد ليدل على عظمة شأنه وان حق ما سمع به أن يخاف ويهتم به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِصِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي حُكِيَتْ أحْوالُ المُنْكِرِينَ لَهُ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، والعَيُّ بِالأمْرِ العَجْزُ عَنْهُ لا التَّعَبُ، قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ: أعْيَيْتُ مِنَ التَّعَبِ وعَيِيتُ مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ والعَجْزِ عَنِ الأمْرِ، وهَذا هو المَعْرُوفُ والأفْصَحُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما كَثِيرٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ العَيُّ مِنَ القَصْدِ والمُباشَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقَصَدْنا الخَلْقَ الأوَّلَ وهو الإبْداءُ فَعَجَزْنا عَنْهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ عَجْزُنا مِنَ الإعادَةِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَلْقِ الأوَّلِ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ إلَخْ وهو كَما تَرى، وعَنِ الحَسَنِ (الخَلْقُ الأوَّلُ) آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِالحَسَنِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ والقُورَصِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والسِّمْسارُ عَنْ شَيْبَةَ وأبُو بَحْرٍ عَنْ نافِعٍ (أفَعَيَّنا) بِتَشْدِيدِ الياءِ وخَرَجَتْ عَلى لُغَةِ مَن أدْغَمَ الياءَ في الياءِ في الماضِي فَقالَ: عَيِّ في عَيَ وحَيِّ في حَيَ فَلَمّا أُدْغِمَ ألْحَقَهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ولَمْ يَفُكَّ الإدْغامَ فَقالَ: عَيَّنا وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ في رَدَدْتُ ورَدَدْنا رَدَّتُ ورَدَّنا فَلا يَفُكُّونَ، وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ الياءُ المُشَدَّدَةُ مَفْتُوحَةً ولَوْ كانَتْ (نا) ضَمِيرَ نَصْبٍ فالعَرَبُ جَمِيعُهم عَلى الإدْغامِ نَحْوَ رَدَّنا زِيدٌ ﴿ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِالأوَّلِ غَيْرُ مُنْكِرِينَ قُدْرَتَنا عَلَيْهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِهِمُ الثّانِي بَلْ هم في خَلْطٍ وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنِفٍ وإنَّما نَكَّرَ الخَلْقَ ووُصِفَ بِجَدِيدٍ ولَمْ يَقُلْ: مِنَ الخَلْقِ الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ شُبْهَتِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ العادِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( جَدِيدٍ ) وأنَّهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ يَجِبُ أنْ يَهْتَمَّ بِشَأْنِهِ فَلَهُ نَبَأٌ أيْ نَبَأٌ، والتَّعْظِيمُ لَيْسَ راجِعًا إلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ هو -هُوَ- حَتّى يُقالَ: إنَّهُ أهْوَنُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِشَأْنِ المُكَلَّفِ وما يُلاقِيهِ بَعْدَهُ وهُوَ- هُوَ- وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: نُكِّرَ لِأنَّهُ لِاسْتِبْعادِهِ عِنْدَهم كانَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ إشارَةً إلى أنَّهُ خُلِقَ عَلى وجْهٍ لا يَعْرِفُهُ النّاسُ، وأوْرَدَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَجَدُّدِ الجَواهِرِ كالتَّجَدُّدِ الَّذِي يَقُولُهُ الأشْعَرِيُّ في الإعْراضِ فَكُلٌّ مِنهُما عِنْدَ الشَّيْخِ لا يَبْقى زَمانَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، ولَعَمْرِي أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقُولُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ والرسّ: بئر دون اليمامة، وإن عليها قوماً كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ يعني: قومه وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني: قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قوم حمير.

ويقال: تبع كان اسم ملك.

وروى وكيع عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز قال: جاء عبد الله بن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن تبع، فقال: كان تبع رجلاً من العرب، ظهر على الناس، وسبا على فتية من الأحبار.

فكان يحدثهم، ويحدثونه.

فقال قومه: إن تبعاً ترك دينكم، وتابع الفتية.

فقال: تبع للفتية: ألا ترون إلى ما قال هؤلاء.

فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق.

قال: نعم.

فقال تبع للفتية: ادخلوه، فتقلدوا مصاحفهم.

ثم دخلوها، فانفرجت لهم حتى قطعوها.

ثم قال لقومه: ادخلوها.

فلما دخلوا، وجدوا حر النار كفوا.

فقال لهم: لتدخلنها، فدخلوها.

فلما توسطوا، أحاطت بهم النار، فأحرقتهم، وأسلم تبع وكان رجلاً صالحاً.

ويقال: كان اسمه سعد بن ملكي كرب، وكنيته: أبو كرب.

كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ يعني: جميع هؤلاء كذبوا رسلهم فَحَقَّ وَعِيدِ يعني: وجب عليهم عذابي.

معناه: فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية، فلا تكذبوا رسول الله  .

ثم قال عز وجل: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قال مقاتل: يعني: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم، ولم يكونوا شيئاً.

فكذلك نخلقهم، ونبعثهم.

أي: ما عيينا عن ذلك، فكيف نعيي عن بعثهم.

ويقال: معناه أعيينا خلقهم الأول، ولم يكونوا شيئاً، لأن الذي قد كان، فإعادته أيسر في رأي العين من الابتداء.

يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه.

وقال الزجاج: هذا تقرير تقرر، لأنهم اعترفوا في الابتداء، أن الله عز وجل خلقهم، ولم يكونوا شيئاً.

ثم قال: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: في شك من البعث بعد الموت.

ويقال: بل أقاموا على شكهم.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: جنس الإنسان، وأراد به جميع الخلق وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يعني: ما يحدث به قلبه، ويتفكر في قلبه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: في القدرة عليه، وحبل الوريد عرق يخالط القلب.

ويقال: هو العرق الذي داخل العنق الذي هو عرق الروح، فأعلمه الله تعالى أنه أقرب إليه من ذلك العرق.

ويقال: الوريدان عرقان بين الحلقوم، والعلباوين.

والحبل هو الوريد.

وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه.

قوله عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني: يكتب الملكان عمله، ومنطقه.

يعني: يتلقيان منه ويكتبان.

وقال أهل اللغة تلقى، وتلقف، بمعنى واحد.

عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يعني: عن يمين ابن آدم، وعن شماله قاعدان.

أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال، اثنان بالليل، واثنان بالنهار، وكان في الأصل قعيدان، ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال: قعيد.

ثم قال عز وجل: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ يعني: ما يتكلم ابن آدم بقولٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يعني: عنده حافظ حاضر.

وقال الزجاج: عَتِيدٌ أي: ثابت، لازم.

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ يعني: جاءت غمرته بالحق أنه كائن.

ويقال: جاءت نزعات الموت بالحق.

يعني: بالسعادة، والشقاوة.

يعني: يتبين له عند الموت.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: جاءت سكرة الحق بالموت.

روي عن أبي بكر الصديق، أنه كان يقرأ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الحق بالموت ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ يعني: يقال له: هذا الذي كنت تخاف منه، وتكره.

ويقال: ذلك اليوم الذي كنت تفر منه.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ يعني: العذاب في الآخرة وَجاءَتْ أي: جاءت يوم القيامة كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ سائق يسوقها إلى المحشر، ويسوقها إلى الجنة، أو إلى النار.

وَشَهِيدٌ يعني: الملك يشهد عليها.

وقال القتبي: السائق هاهنا، قرينها من الشياطين، يسوقها.

سمي سائقاً، لأنه يتبعها، والشهيد: الملك.

ويقال: الشاهد أعضاؤه.

ويقال: الليل، والنهار، والبقعة، تشهد عليه.

ويقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا يعني: من هذا اليوم، فلم تؤمن به، وقد ظهر عندك بالمعاينة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ يعني: غطاء الآخرة.

ويقال: أريناك ما كان مستوراً عنك في الدنيا.

ويقال: أريناك الغطاء الذي على أبصارهم، كما قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: 7] حيث لم يعقلوا فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: نافذ.

ويقال: شاخص بصره لا يطوف، يديم النظر حين يعاين في الآخرة، ما كان مكذباً به.

ويقال: حَدِيدٌ أي: حاد كما يقال: حَفِيظٍ يعني: حافظ، وقعيد بمعنى قاعد.

وقال الزجاج: هذا مثل.

ومعناه: إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعني: علمك بما أنت فيه نافذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخَصَّ هذا الصنف بالذكر تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، وَحَبَّ الْحَصِيدِ: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ قال أبو حيان «١» : وَحَبَّ الْحَصِيدِ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، وباسِقاتٍ حال مُقَدَّرَةٌ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، وباسِقاتٍ: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكفرّى، قال البخاريّ: ونَضِيدٌ معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد.

ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، وَأَصْحابُ الرَّسِّ: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ/ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان- فيما رُوِيَ- فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضّحّاك: الرّسّ بئر قتل فيها صاحب «يس» «٢» ، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم.

وقوله: كُلٌّ قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.

وقوله سبحانه: أَفَعَيِينا توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ: إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن «٣» : الخلق الأول: آدم، واللَّبْسُ: الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد: البعث من القبور.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ...

الآية: الإنسان: اسم جنس، وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير.

وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: عبارة عن قُدْرَةِ الله على العبد،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ دَلَّهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها ﴾ بِغَيْرِ عَمَدٍ "وَزَيَّنّاها" بِالكَواكِبِ ﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ أيْ: مِن صُدُوعٍ وشُقُوقٍ.

والزَّوْجُ: الجِنْسُ.

والبَهِيجُ: الحَسَنُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَهِيجُ: الَّذِي يُبْتَهَجُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُبَصِّرَ ونَدُلَّ عَلى القُدْرَةِ.

والمُنِيبُ: الَّذِي يَرْجِعُ إلى اللَّهِ ويُفَكِّرُ في قُدْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ وهو المَطَرُ ﴿ مُبارَكًا ﴾ أيْ: كَثِيرَ الخَيْرِ، فِيهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴾ وهي البَساتِينُ ﴿ "وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ أرادَ: الحَبَّ الحَصِيدَ، فَأضافَهُ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ  ﴾ فالحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وكَما يُقالُ: صَلاةُ الأُولى، يُرادُ الصَّلاةُ الأُولى، ويُقالُ: مَسْجِدُ الجامِعِ، يُرادُ: المَسْجِدُ الجامِعُ، وإنَّما تُضافُ هَذِهِ الأشْياءُ إلى أنْفُسِها لِاخْتِلافِ لَفْظِ اسْمِها، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءُ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقالَ غَيْرُهُما: أرادَ حَبَّ النَّبْتِ الحَصِيدِ.

"والنَّخْلَ" أيْ: وأنْبَتْنا النَّخْلَ "باسِقاتٍ" و"بُسُوقُها": طُولُها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَسَقَ الشَّيْءُ يَبْسُقُ بُسُوقًا: إذا طالَ، والنَّضِيدُ: المَنضُودُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَفَتَّحَ، فَإذا انْشَقَّ جَفَّ طَلْعُهُ وتَفَرَّقَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ: أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ "وَأحْيَيْنا بِهِ" أيْ: بِالمَطَرِ "بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ" مِنَ القُبُورِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ بِما بَعْدَ هَذا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمْ عَذابِي.

﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ .

والمَعْنى: أعْجَزَنا عَنِ ابْتِداءِ الخَلْقِ، وهو الخَلْقُ الأوَّلُ، فَنَعْيا بِالبَعْثِ وهو الخَلْقُ الثّانِي؟!

وهَذا تَقْرِيرٌ لَهُمْ، لِأنَّهُمُ اعْتَرَفُوا أنَّهُ الخالِقُ، وأنْكَرُوا البَعْثَ ﴿ بَلْ هم في لَبْسٍ ﴾ أيْ: في شَكٍّ ﴿ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو البَعْثُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ ﴿ والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَسِّ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ قِيلَ: يَعْنِي جَمِيعَ المَطَرِ، كُلُّهُ يَتَّصِفُ بِالبَرَكَةِ، وإنَّ ضَرَّ بَعْضُهُ أحْيانًا فَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الضُرِّ الخاصِّ البَرَكَةُ العامَّةُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَ النَبِيُّ  إذا جاءَ المَطَرُ فَسالَتِ المَيازِيبُ قالَ: "لا مَحْلَ عَلَيْكُمُ العامُّ"،» وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ماءً مُبارَكًا" يُرِيدُ بِهِ ماءً مَخْصُوصًا خالِصًا لِلْبَرَكَةِ يُنْزِلُهُ اللهُ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، ولَيْسَ كُلُّ المَطَرِ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ.

وحَبَّ الحَصِيدِ هو البُرُّ والشَعِيرُ ونَحْوُهُ مِمّا هو نَباتٌ مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ، و"الحَصِيدُ" صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَبَّ الحَصِيدِ الحِنْطَةُ.

وَ "باسِقاتٍ" مَعْناهُ: طَوِيلاتٌ ذاهِباتٌ في السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي نَوْفَلٍ في ابْنِ هُبَيْرَةَ: يابْنَ الَّذِينَ بِجِدِّهِمْ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهْ ورَوى قُطْبَةُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قَرَأ: "باصِقاتٌ" بِالصادِ،» قالَ أبُو الفَتْحِ: الأصْلُ السِينُ، وإنَّما الصادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ.

و"الطَلْعُ" أوَّلُ ظُهُورِ التَمْرِ في الكُفُرّى وهو أبْيَضٌ مُنَضَّدٌ كَحَبِّ الرُمّانِ، فَما دامَ مُلْتَصِقًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو نَضِيدٌ، فَإذا خَرَجَ مِنَ الكُفُرّى تَفَرَّقَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.

و"رِزْقًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى المَطَرِ، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِـ "مَيِّتٍ" عَلى تَقْدِيرِ القُطْرِ والبَلَدِ، وقَرَأ الناسُ: "مَيِّتًا" مُخَفَّفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ: "مَيِّتًا" بِالتَثْقِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى مَوْضِعَ الشَبَهِ فَقالَ: "كَذَلِكَ الخُرُوجُ"، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما هي أمْثِلَةٌ وأدِلَّةٌ عَلى البَعْثِ، و"الخُرُوجُ" يُرِيدُ بِهِ مِنَ القُبُورِ.

و"أصْحابُ الرَسِّ" قَوْمٌ كانَ لَهم بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وهي الرَسّ، وكُلُّ ما لَمْ يُطْوَ مِن بِئْرٍ أو مَعْدِنٍ أو نَحْوِهِ فَهو رَسٌّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: سَبَقْتَ إلى فَرَطٍ ناهِلٍ ∗∗∗ تَنابِلَةً يَحْفُرُونَ الرِساسا وَجاءَهم نَبِيٌّ يُسَمّى حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ فِيما رُوِيَ، فَجَعَلُوهُ في الرَسِّ ورَدَمُوا عَلَيْهِ فَأهْلَكَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: أصْحابُ الرَسِّ هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ لَمْ يُكَذِّبُوا نَبِيًّا، إنَّما هو مَلِكٌ أحْرَقَ قَوْمًا، وقالَ الضَحّاكُ: الرَسُّ بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسٍ، قالَ مُنْذِرٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهم قَوْمُ عادٍ.

و"الأيْكَةِ" شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ مِن "الأيْكَةِ" غَيْرُ مُعَرَّفَتَيْنِ لِأنَّ، "أيْكَةَ" اسْمٌ عَلَمٌ كَطَلْحَةَ، يُقالُ: أيْكَةُ ولَيْكَةُ، فَهي كالألِفِ واللامِ في الشَمْسِ والقَمَرِ وفي الصِفاتِ الغالِبَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ: "الأيْكَةَ" بِالهَمْزِ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ.

و"قَوْمُ تُبَّعٍ" هم حَمِيرٌ، و"تُبَّعٍ" اسْمٌ فِيهِمْ، يَذْهَبُ تَبَعٌ ويَجِيءُ تَبَعٌ، مِثْلُ كِسْرى في الفَرَسِ وقَيْصَرَ في الرُومِ، وكانَ أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ أحَدُ التَبابِعَةِ رَجُلًا صالِحًا صَحِبَ حَبْرَيْنِ فَتَعَلَّمَ مِنهُما دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْ قَوْمَهُ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَدَبَهم إلى مُحاجَّةِ الحَبْرَيْنِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهم مُجادَلَةٌ عَظِيمَةٌ، واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعُهُمُ النارَ الَّتِي في القُرْبانِ فَمَن أكَلَتْهُ فَهو المُبْطِلُ، فَدَخَلُوا فاحْتَرَقَ قَوْمُ تُبَّعٍ وخَرَجَ الحَبْرانِ تَعْرَقُ جِباهُهُما، فَهَلَكَ القَوْمُ المُخالِفُونَ وآمِنَ سائِرُ قَوْمِ تُبَّعٍ بِدِينِ الحِبْرَيْنِ، وفي الحَدِيثِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أثْبَتُّ أصَحَّ ذَلِكَ عَلى ما في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لا تَلْعَنُوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ"،» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا كانَ نَبِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: "كُلٌّ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: كُلُّهُمْ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ "كُلٍّ" عَلَيْهِ إيجازًا والوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ: هو ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ وإهْلاكِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَفي هَذا تَخْوِيفُ مَن كَذَّبَ مُحَمَّدًا  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ تَوْقِيفٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ الواضِحَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ جَوابَهم عَلى هَذا التَوْقِيفِ هُوَ: لَمْ يَقَعْ عِيٌّ، ثُمَّ هم مَعَ ذَلِكَ في لَبْسٍ مِنَ الإعادَةِ، وهَذا تَناقُضٌ، يُقالُ: عَيِيَ يَعْيا إذا عَجَزَ عَنِ الأمْرِ، ويُدْغَمُ هَذا الفِعْل الماضِي مِن هَذا الفِعْلِ، ولا يُدْغَمُ المُسْتَقْبَل مِنهُ، فَيُقالُ: عَيَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَيُّوا بِأمْرِهِمْ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ و"الخَلْقُ الأوَّلُ" إنْشاءُ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ عَلى التَدْرِيجِ المَعْلُومِ، وقالَ الحَسَنُ: الخَلْقُ الأوَّلُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكاهُ الرُمّانِيُّ، و"اللَبْسُ": الشَكُّ والرَيْبُ واخْتِلاطُ النَظَرِ، و"الخَلْقُ الجَدِيدُ": البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تشير فاء التفريع إلى أن هذا الكلام مفرع على ما قبله وهو جملة ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ﴾ [ق: 6] وقوله: ﴿ تبصرة وذكرى ﴾ [ق: 8] المعرض بأنهم لم يتبصروا به ولم يتذكروا.

وقوله: ﴿ فأنبتنا به جنات ﴾ [ق: 9] وقوله: ﴿ وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ﴾ [ق: 11].

ويجوز أن يجعل تفريعاً على قوله: ﴿ كذلك الخروج ﴾ .

والاستفهام المفرَّع بالفاء استفهام إنكار وتغليط لأنهم لا يسعهم إلاّ الاعتراف بأن الله لم يعي بالخلق الأول إذ لا ينكر عاقل كمال قدرة الخالق وعدم عجزه.

و ﴿ عيينا ﴾ معناه عجزنا، وفعِل (عَيَّ) إذا لم يتصل به ضمير يقال مُدغماً وهو الأكثر ويقال: عيِيَ بالفك فإذا اتصل به ضمير تعين الفك.

ومعناه: عجز عن إتقان فعل ولم يهتد لحيلته.

ويعدّى بالباء يقال: عيي بالأمر والباء فيه للمجاوزة.

وأما أعيا بالهمزة في أوله قاصراً فهو للتعب بمشي أو حمل ثقل وهو فعل قاصر لا يُعدّى بالباء.

فالمعنى: ما عجزنا عن الخلق الأول للإنسان فكيف تعجز عن إعادة خلقه.

و ﴿ بل ﴾ في قوله: ﴿ بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ للإضراب الإبطالي عن المستفهم عنه، أي بل ما عيينا بالخلق الأول، أي وهم يعلمون ذلك ويعلمون أن الخلق الأول للأشياء أعظم من إعادة خلق الأموات ولكنهم تمكن منهم اللبس الشديد فأغشى إدراكهم عن دلائل الإمكان فأحالوه، فالإضراب على أصله من الإبطال.

واللبس: الخلط للأشياء المختلفة الحقائق بحيث يعسر أو يتعذر معه تمييز مختلفاتها بعضها عن بعض.

والمراد منه اشتباه المألوف المعتاد الذي لا يعرفون غير بالواجب العقلي الذي لا يجوز انتفاؤه، فإنهم اشتبه عليهم إحياء الموتى وهو ممكن عقلاً بالأمر المستحيل في العقل فجزموا بنفي إمكانه فنفوه، وتركوا القياس بأن من قدر على إنشاء ما لم يكن موجوداً هو على إعادة ما كان موجوداً أقدر.

وجيء بالجملة الاسمية من قوله: ﴿ هم في لبس من خلق جديد ﴾ للدلالة على ثبات هذا الحكم لهم وأنه متمكن من نفوسهم لا يفارقهم البتة، وليتأتّى اجتلاب حرف الظرفية في الخبر فيدل على انغماسهم في هذا اللبس وإحاطته بهم إحاطة الظرف بالمظروف.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من خلق جديد ﴾ ابتدائيه وهي صفة ل ﴿ لبس ﴾ ، أي لبس واصل إليهم ومنجرّ عن خلق جديد، أي من لَبْس من التصديق به.

وتنكير ﴿ لَبْس ﴾ للنوعية وتنكير ﴿ خلق جديد ﴾ كذلك، أي ما هو إلا خلق من جملة ما يقع من خلق الله الأشياء مما وجه إحالته ولتنكيره أجريت عليه الصفة ب ﴿ جديد ﴾ .

والجديد: الشيء الذي في أول أزمان وجوده.

وفي هذا الوصف تورّك عليهم وتحميق لهم من إحالتهم البعث، أي اجْعَلوه خلقاً جديدا كالخلق الأول، وأيّ فارق بينهما.

وفي تسمية إعادة الناس للبعث باسم الخلق إيماء إلى أنها إعادة بعد عدم الأجزاء لا جمع لمتفرقها، وقد مضى القول فيه في أول السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ حُفْرَةٍ في الأرْضِ مِن بِئْرٍ وقَبْرٍ.

الثّانِي: أنَّها البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ بِحَجَرٍ ولا غَيْرِهِ.

وَأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ ورَسُوهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ بِئْرٍ بِأذْرِبِيجانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بِاليَمامَةِ كانَ لَهم آبارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الزُّهَيْرُ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ في الفَمِ الرّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ الأُخْدُودِ.

﴿ وَثَمُودُ ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ، وكانُوا عَرَبًا بِوادِي القُرى وما حَوْلَها.

وَثَمُودٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءِ القَلِيلِ الكَدِرِ، قالَ النّابِغَةُ واحْكم بِحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ∗∗∗ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ ﴿ وَعادٌ ﴾ وهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ مِنَ العَمالِيقِ كَثُرَ ولَدُهُ، فَصارُوا قَبائِلَ وكانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، والأحْقافُ الرِّمالُ، وهم قَوْمُ هُودٍ.

﴿ وَفِرْعَوْنُ ﴾ وقَدِ اخْتُلِفَ في أصْلِهِ فَحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.

وَقالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: كانَ مِن أهْلِ مِصْرَ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عاشَ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ مِنها مِائَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً لا يُرى ما يَقْذِي عَيْنَهُ، فَدَعاهُ مُوسى ثَمانِينَ سَنَةً.

وَحَكى غَيْرُهُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.

واخْتُلِفَ في نَسَبِهِ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن لَخْمٍ، وقالَ آخَرُونَ هو مِن تُبَّعٍ.

﴿ وَإخْوانُ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ وأتْباعَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ بَيْتٍ، في كُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ مَرَدَةٍ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.

وَقالَ عَطاءٌ: ما مِن أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ يَقُومُ مَعَهُ قَوْمٌ إلّا لُوطٍ فَإنَّهُ يَقُومُ وحْدَهُ.

﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ ﴾ والأيْكَةُ الغَيْضَةُ ذاتُ الشَّجَرِ المُلْتَفِّ كَما قالَ أبُو داوُدَ الإيادِيُّ كَأنَّ عَرِينَ أيْكَتِهِ تَلاقى ∗∗∗ بِها جَمْعانُ مِن نِبْطٍ ورُومِ قالَ قَتادَةُ: وكانَ عامَّةُ شَجَرِها الدُّومَ، وكانَ رَسُولُهم شُعَيْبًا، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ، وإلى أهْلِ مَدْيَنَ، أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ، أمّا أهْلُ مَدْيَنَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، وأمّا أصْحابُ الأيْكَةِ فَكانُوا أهْلَ شَجَرٍ مُتَكاوِسٍ.

﴿ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ وتُبَّعٌ كانَ رَجُلًا مِن مُلُوكِ العَرَبِ مِن حِمْيَرَ، سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ مَن تَبِعَهُ.

قالَ وهْبٌ: إنَّ تُبَّعًا أسْلَمَ وكَفَرَ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ.

قالَ قَتادَةُ وهو الَّذِي حَيَّرَ الحِيرَةَ وفَتَحَ سَمَرْقَنْدَ حَتّى أخْرَبَها، وكانَ يَكْتُبُ إذا كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي تَسَمّى ومَلَكَ بَرًّا وبَحْرًا وضُحًى ورِيحًا.

﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ كَذَّبُوا مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ وعِيدُ اللَّهِ وعَذابُهُ.

فَذَكَرَ اللَّهُ قَصَصَ هَؤُلاءِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنهم بِالنَّبِيِّ  أنَّهم كَغَيْرِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلَ إنْ أقامُوا عَلى التَّكْذِيبِ فَلَمْ يَأْمَنُوا، حَتّى أرْشَدَ اللَّهُ مِنهم مَن أرْشَدَ وتَبِعَهم رَغَبًا ورَهَبًا مَن تَبِعَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أمّا اللَّبْسُ فَهو اكْتِسابُ الشَّكِّ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ صَدِّقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والخَلْقُ الجَدِيدُ هو إعادَةُ خَلْقٍ ثانٍ بَعْدَ الخَلْقِ الأوَّلِ.

وَفي مَعْنى الكَلامِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أفَعَجِزْنا عَنْ إهْلاكِ الخَلْقِ الأوَّلِ، يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي مَعَ قُوَّتِهِمْ، حَتّى تَشُكُّوا في إهْلاكِنا لَكم مَعَ ضَعْفِكم إنْ كَذَّبْتُمْ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مِنهُ مَخْرَجَ الوَعِيدِ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّنا لَمْ نَعْجِزْ عَنْ إنْشاءِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ تَشُكُّونَ في إنْشاءِ خَلْقٍ جَدِيدٍ، يَعْنِي بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَيَكُونُ هَذا خارِجًا مَخْرَجَ البُرْهانِ والدَّلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فحق وعيد ﴾ قال: ما أهلكوا به تخويفاً لهم، وفي قوله: ﴿ أفعيينا بالخلق الأوّل ﴾ قال: أفعي علينا حين أنشأناكم ﴿ بل أنتم في لبس من خلق جديد ﴾ قال: يمترون بالبعث.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أفعيينا بالخلق الأوّل ﴾ يقول: لم يعينا الخلق الأوّل وفي قوله: ﴿ بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ يقول في شك من البعث.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ﴾ يقال لكل من عجز عن شيء: عَيِيَ به، وعَيِيّ به، وعَيِيَ فلان بهذا الأمر.

قال الشاعر: عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا ...

عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَةْ ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد عجزنا (١) وقال مقاتل: يقول الله: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئًا، فكيف نعيا عن بعثهم (٢) ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يمترون بالبعث بعد الموت (٣) وقال الفراء: أي هم في ضلال وشك (٤) وقال المبرد: التبس عليهم إعادة الخلق (٥) ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ (٦) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 164، "معالم التنزيل" 4/ 222، "تفسير القاسمي" 15/ 5488، ولم ينسبوه لقائل.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.

(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 610، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 98.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 3/ 77.

(٥) لم أجده عنه وهو معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، وأصحاب اللغة.

(٦) مما قال عند تفسيره لهذه الآية: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا، إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً.

قال ابن السكب: يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته.

قال أهل اللغة: معنى اللبس منع النفس من إدراك المعنى بما هو كالستر له، وأصله من الستر بالثوب.

ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به.

وانظر: "تهذيب اللغة" 12/ 442 "اللسان" 3/ 335 (لبس).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَصْحَابُ الأيكة ﴾ يعني قوم شعيب وقد ذكر ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾ ذكر في [الدخان: 37] ﴿ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ أي حل بهم الهلاك ﴿ أَفَعَيِينَا بالخلق الأول ﴾ يقال: عيي بالأمر إذا لم يعرف علمه، والخلق الأول: خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة وقيل: يعني خلق آدم، وقيل خلق السموات والأرض، والأول أظهر، ومقصود الآية الاستدلال بالخلقة الأولى على البعث والهمزة للإنكار ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي هم في شك من البعث، وإنما نكر الخلق الجديد؛ لأنه كان غير معروف عند الكفار المخاطبين، وعرّف الخلق الأول لأنه معروف معهود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ذكر هذه الأنباء لوجهين: أحدهما: يصبّر رسوله على أذى قومه وتكذيبهم أياه كما صبر أولئك يقول: إنك لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ فاصبر - أيضاً - وهو كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.

وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم.

ثم أصحاب الرس اختلف في الرس: [قيل]: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله  .

وقل: الرس: هو الوادي.

وقال بعضهم: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم،  .

وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم -  - في البئر.

وقال بعضهم: هم قوم الرسل الذين ذكره في سورة يس بقوله -  -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ  ﴾ .

وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خدّ فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدّاً؛ لجري الدمع عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴾ أي: قوم لوط.

وقوله: ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾ قيل: إنه كان رجلا مسلماً صالحاً، مدحه الله -  - وذم قومه، سمي: تبعاً؛ لكثرة أتباعه.

ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه من كان؟

وما اسمه؟

كما ذكر بعض أهل التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر؛ احترازاً عن الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ يخوف أهل مكة أو أولئك الذين ذكرهم جميعاً قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق علهيم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟!

والثاني: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة؟!

ثم قال بعضهم: الخلق الأول هو آدم،  .

وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي: هم في شك واختلاط من خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ هو يخرج- على وجهين: أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى مايدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله -  - ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ  ﴾ وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال الله -  -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وقال في أية أخرى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ونحوه كثير من القرآن.

والثاني: يذكر ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله -  - هو العلم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَاماً كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهراً، أما ما يسرون في قلوبهم فالله هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ \[لا\] يفهم من قرب الرب -  - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى الله -  - وإنما يكون قرب العبد إلى الله -  - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله -  - لا قرب شيء [من شيء] آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب الله -  - إلى العبد للإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.

ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهراً وباطناً، والله أعلم.

وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكرب من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  ﴾ وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله -  -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ  ﴾ يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي  : "من تقرب إلى [الله] شبراً تقرب منه شبرين" على ما ذكرنا من قرب الطاعة له, وقرب الرب إليه: بالنصر والمعوننة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ قال بعضم: عرق العنق، والوريد: العنق.

وقال بعضهم: هو عرق بين القلب والحلقوم.

وقال بعضهم: هو عرف القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتقليين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظاً ورقيباً، وإن كان هو -  - حافظاً لجميع أفعالهم وأقوالهم، عالماً بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ذلك بمنزلة [واحدة] في حق الله -  - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة: أحدها: ليكونوا على حذر أبداً مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظاً ورقيباً في أمر يكون أبداً على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظاً ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله -  - فيستحي من ذلك أشد الأستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان إحصاء ذلك على الله -  - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى  ﴾ ، والله أعلم.

والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقولهم، وكتابة ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء السجود، ومن شاء بحمل العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك، ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟

وفيم شاء؟

ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم.

والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ومن محنة بن آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذا لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل محتمل.

والثالث:: وهو أن الله -  - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى كتابهم، ولا سمع سوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ليعلموا بذلك قدرة الله -  - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل خلق الله -  - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساماً مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضاً.

ثم أخبر وقال: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً  ﴾ أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في الآخرة.

وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله -  - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك رؤية الله.

ثم قراءة العامة: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ ، وقرأ ابن مسعود -  -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ ﴾ فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا.

[و] على قراءة العامة يخرج على وجهين: أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل.

والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما روي عن أبي أمامة -  - أنه قال: قال رسول الله  : "صاحب اليمين [أمير] على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله -  - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة" ويجوز أن يكون أحدهما كاتباً دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد  ﴾ ، ولم يقرأ: قال: قريناهز ويجوز أن يكون المتقليان جميعاً يكتبان؛ على ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك.

وروي - أيضاً - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ، وما سوى ذلك فلا.

ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله -  -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم، وكما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ أي: لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .

في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا [ما] في الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله -  - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ قال القتبي: أراد ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر، و ﴿ قَعِيدٌ ﴾ بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، ﴿ قَعِيدٌ ﴾ ؛ أي: مقاعد؛ وبه قال أبو عوسجة: ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي وجليسي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ الرقيب: الحفيظ، والعتيد، الحاضر، أي: ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، و الله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفعجزنا عن خلقكم أول مرة حتى نعجز عن بعثكم؟!

بل هم في حيرة من خلق جديد بعد خلقهم الأول.

من فوائد الآيات المشركون يستعظمون النبوة على البشر، ويمنحون صفة الألوهية للحجر!

خلق السماوات، وخلق الأرض، وإنزال المطر، وإنبات الأرض القاحلة، والخلق الأول: كلها أدلة على البعث.

التكذيب بالرسل عادة الأمم السابقة، وعقاب المكذبين سُنَّة إلهية.

<div class="verse-tafsir" id="91.KyL8G"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.4 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده