الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ١٧ من سورة ق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إذ يتلقى المتلقيان ) يعني : الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان .
( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) أي : مترصد .
القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) يقول تعالى ذكره: ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه, حين يتلقى الملَكان, وهما المتلقيان ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) وقيل: عنى بالقعيد: الرصد.
* ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( قَعِيدٌ ) قال: رَصَد.
واختلف أهل العربية في وجه توحيد قعيد, وقد ذُكر من قبل متلقيان, فقال بعض نحويي البصرة: قيل : ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) ولم يقل: عن اليمين قعيد, وعن الشمال قعيد, أي أحدهما, ثم استغنى, كما قال : نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثم استغنى بالواحد عن الجمع, كما قال : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا .
وقال بعض نحويي الكوفة ( قَعِيدٌ ) يريد: قعودا عن اليمين وعن الشمال, فجعل فعيل جمعا, كما يجعل الرسول للقوم وللاثنين, قال الله عزّ وجل : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ لموسى وأخيه, وقال الشاعر: أَلِكْــنِي إلَيْهــا وَخَــيْرُ الرَّســو ل أعْلَمُهُـــمْ بِنَوَاحـــي الخَــبَرْ (1) فجعل الرسول للجمع, فهذا وجه وإن شئت جعلت القعيد واحدا اكتفاء به من صاحبه, كما قال الشاعر: نَحْــنُ بِمَــا عِنْدَنَــا وأنْـتَ بِمَـا عِنْــدَك رَاضٍ والــرَّأيُ مُخْــتَلِفُ (2) ومنه قول الفَرَزدق: إنّـي ضَمِنْـتُ لِمَـنْ أتـانِي مـا جَنى وأَبـي فَكـانَ وكُـنْتُ غَـيرَ غَـدُورِ (3) ولم يقل: غَدُورَيْن.
---------------------- الهوامش : (1) البيت لأبي ذؤيب ( اللسان : رسل ) وروايته فيه كرواية المؤلف هنا ، وقد نقلها المؤلف عن معاني القرآن للفراء ( الورقة 309 ) وفي ( اللسان : ألك ) : بخبر الرسول .
وأعلمهم بهمزة المتكلم في المضارع .
وقال في رسل : وفي التنزيل العزيز " إنا رسول رب العالمين " ولم يقل رسل لأن فعولا وفعيلا يستوي فيهما المذكر والمؤنث ، والواحد والجمع مثل عدو وصديق .
وقول أبي ذؤيب " ألكني إليها ....
البيت " أراد بالرسول : الرسل ، فوضع الواحد موضع الجمع ، وقولهم : كثر الدينار والدرهم لا يريدون به الدينار بعينه ، إنما يريدون كثرة الدنانير والدراهم .
وفي ( اللسان : ألك ) : ألكني : أي أبلغ رسالتي ، من الألوك والمألكة ، وهي الرسالة .
وقال الفراء في معاني القرآن عند قوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد " : لم يقل قعيدان : وروي عن ابن عباس قال : قعيدان ، عن اليمين عن الشمال ، يريد قعود ( بضم القاف ) وجعل القعيد جمعا ، كما تجعل الرسول للقوم وللاثنين ، كما قال الله : " إنا رسولا رب العالمين " لموسى وأخيه ، وقال الشاعر : " ألكني إليها ....
البيت " .
أ هـ .
(2) البيت لقيس ابن الخطيم ، وقد تقدم الاستشهاد به ( 10 : 122 ) من هذه الطبعة شرحناه هناك شرحًا مفسرًا فارجع إليه ثمة .
( وانظر الكتاب لسيبويه 1 : 38 ) .
(3) البيت للفرزدق ( الكتاب لسيبويه طبعة مصر 1 : 38 ) وهو من شواهد النحويين في باب التنازع ، فإن قوله كان وكنت يطلب الخبر وهو قوله " غير غدور " .
والأصل : وكنت غير غدور .
والعرب تحذف في مثل هذا خبر أحد العاملين ، اكتفاء بدلالة خبره على المحذوف .
وعند البصريين أن الخبر الموجود هو خبر الثاني لا الأول فقد حذف خبره ، وهو ظاهر في الشاهد الذي قبل هذا ، " نحن بما عندنا ...
" إلخ ( وقال الفراء في معاني القرآن الورقة 309 ومثله ) أي مثل الشاهد الذي قبله ، قول الفرزدق : " إني ضمنت ...
البيت " ، ولم يقل غدورين .
وقد نقل المؤلف كلامه .
قوله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي : نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان الموكلان به ، أي : نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة ، وتوكيدا للأمر عليه .
وقال الحسن ومجاهد وقتادة : المتلقيان ملكان يتلقيان عملك ، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك ، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك .
قالالحسن : حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك .
وقال مجاهد : وكل الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ، ويكتبان أثره إلزاما للحجة : أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات ، والآخر عن شماله يكتب السيئات ، فذلك قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد .
وقال سفيان : بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب العبد قال لا تعجل لعله يستغفر الله .
وروي معناه من حديث أبي أمامة ; قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع [ ص: 11 ] ساعات لعله يسبح أو يستغفر .
وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن مقعد ملكيك على ثنيتك ؛ لسانك قلمهما ، وريقك مدادهما ، وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما .
وقال الضحاك : مجلسهما تحت الثغر .
على الحنك .
ورواه عوف عن الحسن قال : وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته .
وإنما قال : قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان ; لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ؛ قاله سيبويه ; ومنه قول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال الفرزدق : إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى فكان وكنت غير غدور ولم يقل راضيان ولا غدورين .
ومذهب المبرد أن الذي في التلاوة أول أخر اتساعا ، وحذف الثاني لدلالة الأول عليه .
ومذهب الأخفش والفراء : أن الذي في التلاوة يؤدي عن الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام .
و " قعيد " بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد .
وقيل : قعيد بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم .
وقال الجوهري : فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ; كقوله تعالى : إنا رسول رب العالمين وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير .
وقال الشاعر في الجمع ، أنشده الثعلبي : ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم .
{ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد { عَنِ الْيَمِينِ } يكتب الحسنات { و } الآخر { عن الشِّمَالِ } يكتب السيئات، وكل منهما { قَعِيدٌ } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له
( إذ يتلقى المتلقيان ) أي : يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه ( عن اليمين وعن الشمال ) أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات ، والذي عن الشمال يكتب السيئات .
( قعيد ) أي : قاعد ، ولم يقل : قعيدان ، لأنه أراد : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، هذا قول أهل البصرة .
وقال أهل الكوفة : أراد : قعودا ، كالرسول فجعل للاثنين والجمع ، كما قال الله تعالى في الاثنين : " فقولا إنا رسول رب العالمين " ( الشعراء - 16 ) ، وقيل : أراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح ، لا القاعد الذي هو ضد القائم .
وقال مجاهد : القعيد الرصيد .
«إذ» منصوبة باذكر مقدرا «يتلقى» يأخذ ويثبت «المتلقيان» الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله «عن اليمين وعن الشمال» منه «قعيد» أي قاعدان وهو مبتدأ خبره ما قبله.
حين يكتب المَلَكان المترصدان عن يمينه وعن شماله أعماله.
فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات.
و ( إِذْ ) فى قوله - تعالى - : ( إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان .
.
) ظرف منصوب بقوله ( أَقْرَبُ ) أى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، فى الوقت الذى يتلقى فيه ( المتلقيان ) وهما الملكان جميع ما يصدر عن هذا الإِنسان .وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذين الملكين لما يصدر عن الإِنسان ، إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة ، منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة ، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله : ( .
.
.
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً ) ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى ، وفى الوصف الذى هو المتلقيان ، محذوف ، والتقدير إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإِنسان فيكتبانه عليه .وقوله : ( عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ ) بيان ليقظة الملكين وحرصهما على تسجيل لكل ما يصدر عن الإِنسان .و ( قَعِيدٌ ) بمعنى المقاعد ، أى الملازم للإِنسان ، كالجليس بمعنى المجالس .والمعنى : عن يمين الإِنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات ، وعن الشماء كذلك ملك آخر ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول لدلالة الثانى عليه ، كما فى قول الشاعر :نحن بما عندنا وأنت بما ...
عندك راض والرأى مختلفأى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك .
.
﴿ إِذْ ﴾ ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى، وذلك لأن الملك إذا أقام كتاباً على أمر اتكل عليهم، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت يتكل عليهم، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالاً عليه، فنقول: الله في وقت أخذ الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له، فعندما يخفى عليهما شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم الحشر من القبور، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال، يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي القيلين كان، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور، ويرجع إلى الملك الآخر مسروراً حيث لم يكن مسروراً ممن يأخذها هو، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزوناً حيث لم يكن ممن يأخذها هو، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة.
وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراماً له واجتناباً منه، وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علناً به أكمل من علم الكاتب لكن من أجلس عنده أحداً ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضاً خبيراً والملك الذي أجلس الرقيب يكون جباراً عظيماً فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ ﴾ منصوب بأقرب، وساغ ذلك لأنّ المعاني تعمل في الظرف متقدّمة ومتأخرة، والمعنى: أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، إيذاناً بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه؛ وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟
وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك: وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد.
وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله.
من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله تعالى ولا منهما» ويجوز أن يكون تلقي الملكين بياناً للقرب، يعني: ونحن قريبون منه مطلعون على أحواله مهيمنون عليه، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به، والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة.
والقعيد: القاعد، كالجليس بمعنى الجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه، كقوله: ...
كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ** بَرِيَّا.........
﴿ رَقِيبٌ ﴾ ملك يرقب عمله ﴿ عَتِيدٌ ﴾ حاضر، واختلف فيما يكتب الملكان، فقيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به.
ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» وقيل: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وقرئ: ﴿ ما يلفظ ﴾ على البناء للمفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ مُقَدَّرٌ بِـ اذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ أقْرَبُ، أيْ هو أعْلَمُ بِحالِهِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى أيْ يَتَلَقَّنُ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ فَإنَّهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما، لَكِنَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وهي ما فِيهِ مِن تَشْدِيدٍ يُثَبِّطُ العَبْدَ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَأْكِيدٍ في اعْتِبارِ الأعْمالِ وضَبْطِها لِلْجَزاءِ وإلْزامٍ لِلْحُجَّةِ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ أيْ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، أيْ مَقاعِدُ كالجَلِيسِ فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لِغَرِيبٌ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الفَعِيلُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.
﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ.
﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ.
﴿ عَتِيدٌ ﴾ مُعَدٌّ حاضِرٌ، ولَعَلَّهُ يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ وَفِي الحَدِيثِ: «كاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ».» <div class="verse-tafsir"
{إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان} يعني الملكين الحافظين {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ} التلقي
التلقن بالحفظ والكتابة والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس وتقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه كقوله
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني
أي رماني بأمر كنت منه بريئاً وكان والدي منه بريئاً واذا منصوب باقرب لما فيه منى يقرب والمعنى إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا شيء أخفى منه وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به إيذاناً بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات وانما ذلك الحكمة وهى مافى كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات
﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ هُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ يَكْتُبانِ أعْمالَهُ والتَّلَقِّي التَّلَقُّنُ بِالحِفْظِ والكَتَبَةِ، (وإذْ) قِيلَ: ظَرْفٌ لِأقْرَبَ وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ في الظُّرُوفِ لِأنَّهُ يَكْفِيها رائِحَةُ الفِعْلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عامِلًا في غَيْرِها فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا بِهِ أيْ هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِحالِ الإنْسانِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ فَإنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما لَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْهُ، وهو ما في كَتَبَةِ المَلَكَيْنِ وحِفْظِهِما وعَرْضِ صَحائِفِهِما يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، وعِلْمُ العَبْدِ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِإحاطَةِ اللَّهِ تَعالى بِعَمَلِهِ مِن زِيادَةِ لُطْفٍ في الِانْتِهاءِ عَنِ السَّيِّئاتِ والرَّغْبَةِ في الحَسَناتِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( إذْ ) لِتَعْلِيلِ القُرْبِ، وفِيهِ أنَّ تَعْلِيلَ قُرْبِهِ عَزَّ وجَلَّ العِلْمِيِّ بِاطِّلاعِ الحَفَظَةِ الكَتَبَةِ بَعِيدٌ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها مَفْعُولًا بِهِ لِأذْكُرُ مُقَدَّرًا لِبَقاءِ الأقْرَبِيَّةِ عَلى إطْلاقِها ولِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ضَعِيفٌ في العَمَلِ وإنْ كانَ لا مانِعَ مَن عَمَلِهِ في الظَّرْفِ والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتَأمَّلْ ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ أيْ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ التَّقْدِيرَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ فَأُخِرَّ قَعِيدٌ عَنْ مَوْضِعِهِ، والقَعِيدُ عَلَيْهِما فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسِ بِمَعْنى مُجالِسٍ ونَدِيمٍ بِمَعْنى مُنادِمٍ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ قَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، وقَدْ أُرِيدَ مِنهُ هُنا الِاثْنانِ فَلا حَذْفَ ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ ذَلِكَ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهَذا بِمَعْنى فاعِلٍ ولا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقِ الحَمْلِ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَحَلِّ قُعُودِهِما فَقِيلَ: هُما عَلى النّاجِذِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا «(إنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالمَلَكَيْنِ الحافِظَيْنِ حَتّى أجْلَسَهُما عَلى النّاجِذِينَ وجَعَلَ لِسانَهُ قَلَمَهُما ورِيقَهُ مِدادَهُما)» وقِيلَ: عَلى العاتِقِينَ، وقِيلَ: عَلى طَرَفَيِ الحَنَكِ عِنْدَ العَنْفَقَةِ وفي البَحْرِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ ولا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وأنا أقُولُ أيْضًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أكْثَرُ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن أنَّهُما عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدانِ، وكَذا لَمْ يَصِحَّ خَبَرُ قَلَمِهِما ومِدادِهِما وأقُولُ كَما قالَ اللَّقّانِيُّ بَعْدَ أنِ اسْتَظْهَرَ أنَّ الكَتَبَ حَقِيقِيٌّ: عِلْمُ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأقُولُ الظّاهِرُ أنَّهُما في سائِرِ أحْوالِ الإنْسانِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنْ قَعَدَ فَأحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ وإنْ مَشى فَأحَدُهُما أمامَهُ والآخَرُ خَلْفَهُ وإنْ رَقَدَ فَأحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ والرسّ: بئر دون اليمامة، وإن عليها قوماً كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ يعني: قومه وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني: قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قوم حمير.
ويقال: تبع كان اسم ملك.
وروى وكيع عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز قال: جاء عبد الله بن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن تبع، فقال: كان تبع رجلاً من العرب، ظهر على الناس، وسبا على فتية من الأحبار.
فكان يحدثهم، ويحدثونه.
فقال قومه: إن تبعاً ترك دينكم، وتابع الفتية.
فقال: تبع للفتية: ألا ترون إلى ما قال هؤلاء.
فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق.
قال: نعم.
فقال تبع للفتية: ادخلوه، فتقلدوا مصاحفهم.
ثم دخلوها، فانفرجت لهم حتى قطعوها.
ثم قال لقومه: ادخلوها.
فلما دخلوا، وجدوا حر النار كفوا.
فقال لهم: لتدخلنها، فدخلوها.
فلما توسطوا، أحاطت بهم النار، فأحرقتهم، وأسلم تبع وكان رجلاً صالحاً.
ويقال: كان اسمه سعد بن ملكي كرب، وكنيته: أبو كرب.
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ يعني: جميع هؤلاء كذبوا رسلهم فَحَقَّ وَعِيدِ يعني: وجب عليهم عذابي.
معناه: فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية، فلا تكذبوا رسول الله .
ثم قال عز وجل: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قال مقاتل: يعني: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم، ولم يكونوا شيئاً.
فكذلك نخلقهم، ونبعثهم.
أي: ما عيينا عن ذلك، فكيف نعيي عن بعثهم.
ويقال: معناه أعيينا خلقهم الأول، ولم يكونوا شيئاً، لأن الذي قد كان، فإعادته أيسر في رأي العين من الابتداء.
يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه.
وقال الزجاج: هذا تقرير تقرر، لأنهم اعترفوا في الابتداء، أن الله عز وجل خلقهم، ولم يكونوا شيئاً.
ثم قال: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: في شك من البعث بعد الموت.
ويقال: بل أقاموا على شكهم.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: جنس الإنسان، وأراد به جميع الخلق وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يعني: ما يحدث به قلبه، ويتفكر في قلبه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: في القدرة عليه، وحبل الوريد عرق يخالط القلب.
ويقال: هو العرق الذي داخل العنق الذي هو عرق الروح، فأعلمه الله تعالى أنه أقرب إليه من ذلك العرق.
ويقال: الوريدان عرقان بين الحلقوم، والعلباوين.
والحبل هو الوريد.
وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه.
قوله عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني: يكتب الملكان عمله، ومنطقه.
يعني: يتلقيان منه ويكتبان.
وقال أهل اللغة تلقى، وتلقف، بمعنى واحد.
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يعني: عن يمين ابن آدم، وعن شماله قاعدان.
أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال، اثنان بالليل، واثنان بالنهار، وكان في الأصل قعيدان، ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال: قعيد.
ثم قال عز وجل: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ يعني: ما يتكلم ابن آدم بقولٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يعني: عنده حافظ حاضر.
وقال الزجاج: عَتِيدٌ أي: ثابت، لازم.
قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ يعني: جاءت غمرته بالحق أنه كائن.
ويقال: جاءت نزعات الموت بالحق.
يعني: بالسعادة، والشقاوة.
يعني: يتبين له عند الموت.
ويقال: فيه تقديم، ومعناه: جاءت سكرة الحق بالموت.
روي عن أبي بكر الصديق، أنه كان يقرأ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الحق بالموت ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ يعني: يقال له: هذا الذي كنت تخاف منه، وتكره.
ويقال: ذلك اليوم الذي كنت تفر منه.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ يعني: العذاب في الآخرة وَجاءَتْ أي: جاءت يوم القيامة كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ سائق يسوقها إلى المحشر، ويسوقها إلى الجنة، أو إلى النار.
وَشَهِيدٌ يعني: الملك يشهد عليها.
وقال القتبي: السائق هاهنا، قرينها من الشياطين، يسوقها.
سمي سائقاً، لأنه يتبعها، والشهيد: الملك.
ويقال: الشاهد أعضاؤه.
ويقال: الليل، والنهار، والبقعة، تشهد عليه.
ويقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا يعني: من هذا اليوم، فلم تؤمن به، وقد ظهر عندك بالمعاينة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ يعني: غطاء الآخرة.
ويقال: أريناك ما كان مستوراً عنك في الدنيا.
ويقال: أريناك الغطاء الذي على أبصارهم، كما قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: 7] حيث لم يعقلوا فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: نافذ.
ويقال: شاخص بصره لا يطوف، يديم النظر حين يعاين في الآخرة، ما كان مكذباً به.
ويقال: حَدِيدٌ أي: حاد كما يقال: حَفِيظٍ يعني: حافظ، وقعيد بمعنى قاعد.
وقال الزجاج: هذا مثل.
ومعناه: إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعني: علمك بما أنت فيه نافذ.
<div class="verse-tafsir"
وخَصَّ هذا الصنف بالذكر تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، وَحَبَّ الْحَصِيدِ: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ قال أبو حيان «١» : وَحَبَّ الْحَصِيدِ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، وباسِقاتٍ حال مُقَدَّرَةٌ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، وباسِقاتٍ: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكفرّى، قال البخاريّ: ونَضِيدٌ معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد.
ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، وَأَصْحابُ الرَّسِّ: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ/ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان- فيما رُوِيَ- فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضّحّاك: الرّسّ بئر قتل فيها صاحب «يس» «٢» ، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم.
وقوله: كُلٌّ قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.
وقوله سبحانه: أَفَعَيِينا توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ: إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن «٣» : الخلق الأول: آدم، واللَّبْسُ: الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد: البعث من القبور.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ...
الآية: الإنسان: اسم جنس، وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير.
وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: عبارة عن قُدْرَةِ الله على العبد،
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، ﴿ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أيْ: ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نَعْلَمُ ما يُكِنُّهُ في نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ ﴾ أيْ: بِالعِلْمِ ﴿ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ الحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وإنَّما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ لِما شَرَحْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والوَرِيدُ: عِرْقٌ بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ.
وعَنْهُ أيْضًا قالَ: عِرْقٌ بَيْنَ اللَّبَّةِ والعِلْباوَيْنِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الوَرِيدُ: عِرْقٌ في باطِنِ العُنُقِ، [وَهُما ورِيدانِ]، والعِلْباوانِ: العَصَبَتانِ الصَّفْراوانِ في مَتْنِ العُنُقُ، واللَّبَّتانِ: مَجْرى القُرْطِ في العُنُقِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّبَّةُ حَيْثُ يَتَذَبْذَبُ القُرْطُ مِمّا يَقْرُبُ مِن شَحْمَةِ الأُذُنِ.
وحَكى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الوَرِيدَ: عِرْقٌ مُتَفَرِّقٌ في البَدَنِ مَخالِطٌ لِجَمِيعِ الأعْضاءِ، فَلَمّا كانَتْ أبْعاضُ الإنْسانِ يَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، أعْلَمَ أنَّ عِلْمَهُ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ.
والمَعْنى: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِابْنِ آدَمَ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ أيْ: يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ ﴿ عَنِ اليَمِينِ ﴾ كاتِبُ الحَسَناتِ ﴿ وَعَنِ الشِّمالِ ﴾ كاتِبُ السَّيِّئاتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَدَلَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَحُذِفَ المَدْلُولُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْ دَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقالَ آخَرُ: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي المَعْنى: كُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَعِيدُ بِمَعْنى قاعِدٍ، كَما يُقالُ: "قَدِيرٌ" بِمَعْنى "قادِرٍ"، ويَكُونُ القَعِيدُ بِمَعْنى مُقاعِدٍ كالأكِيلِ والشَّرِيبِ بِمَنزِلَةِ: المُؤاكِلِ والمُشارِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ فَيَلْفِظُهُ، أيْ: يَرْمِيهِ مِن فَمِهِ، ﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ أيْ: حافِظٌ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، إمّا صاحِبُ اليَمِينِ، وإمّا صاحِبُ الشِّمالِ ﴿ عَتِيدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَتِيدُ: الثّابِتُ اللّازِمُ.
وقالَ غَيْرُهُ: العَتِيدُ: الحاضِرُ مَعَهُ أيْنَما كانَ.
ورَوى أبُو أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « " كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ، فَكاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها لَهُ صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً، وأرادَ صاحِبُ الشِّمالِ أنْ يَكْتُبَها، قالَ صاحِبُ اليَمِينِ: أمْسِكْ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، فَإنِ اسْتَغْفَرَ مِنها لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ " .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ عَلى ابْنِ آدَمَ حافِظَيْنِ في اللَّيْلِ، وحافِظَيْنِ في النَّهارِ.
واخْتَلَفُوا هَلْ يَكْتُبانِ جَمِيعَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُما لا يَكْتُبانِ إلّا ما يُؤْجَرُ [عَلَيْهِ]، أوْ يُؤْزَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
فَأمّا مَجْلِسُهُما، فَقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِأنَّهُما عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ، وكَذَلِكَ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ.
وقَدْ رَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: « "إنَّ مَقْعَدَ مَلَكَيْكَ عَلى ثَنِيَّتَيْكَ ولِسانُكَ قَلَمُهُما، ورِيقُكَ مِدادُهُما، وأنْتَ تَجْرِي فِيما لا يَعْنِيكَ"» ورُوِيَ عَن ِالحَسَنِ والضَّحّاكِ قالا: مَجْلِسُهُما تَحْتَ الشَّعْرِ عَلى الحَنَكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ ﴾ وهي غَمْرَتُهُ وشِدَّتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ وتَدُلُّهُ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: جاءَتْ بِحَقِيقَةِ المَوْتِ.
والثّانِي: بِالحَقِّ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَأبانَتْ لِلْإنْسانِ ما لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا لَهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ.
ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ)، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ اللَّهِ بِالمَوْتِ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ السَّكْرَةُ هي المَوْتُ، أُضِيفَتْ إلى نَفْسِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتِ السَّكْرَةُ الحَقُّ بِالمَوْتِ، بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ" عَلى الجَمْعِ "الحَقِّ بِالمَوْتِ" بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .
وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ المَوْتِ" عَلى الجَمْعِ "بِالحَقِّ" بِتَأْخِيرِ "الحَقِّ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: فَيُقالُ لِلْإنْسانِ حِينَئِذٍ: "ذَلِكَ" أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ ﴿ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ أيْ: تَهْرُبُ وتَفِرُّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْرَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي نَفْخَةَ البَعْثِ "ذَلِكَ" اليَوْمُ ﴿ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ أيْ: يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَعَها سائِقٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ السّائِقَ: مَلَكٌ يَسُوقُها إلى مَحْشَرِها، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.
وَفِي الشَّهِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَلَكانِ: سائِقٌ.
وشَهِيدٌ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: السّائِقُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ: الَّذِي كانَ يَكْتُبُ الحَسَناتِ.
والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ يَشْهَدُ عَلى الإنْسانِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
والثّالِثُ: الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَهَلْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةٌ، أمْ خاصَّةٌ؟
فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: خاصَّةٌ في الِكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ اليَوْمِ وفي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الكافِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وصالِحُ بْنُ كَيْسانَ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في البَرِّ والفاجِرِ، قالَهُ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ النَّبِيُّ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا اليَوْمِ في الدُّنْيا بِكُفْرِكَ بِهِ؛ وعَلى الثّانِي: كُنْتَ غافِلًا عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ.
﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا يَغْشى قَلْبَكَ وسَمْعَكَ وبَصَرَكَ.
وقِيلَ مَعْناهُ: أرَيْناكَ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْكَ؛ وعَلى الثّالِثِ: لَقَدْ كُنْتَ قَبْلَ الوَحْيِ في غَفْلَةٍ عَمّا أُوحِيَ إلَيْكَ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِالوَحْيِ ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: البَصَرُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: العِلْمُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي قَوْلِهِ: "اليَوْمَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
فَأمّا قَوْلُهُ: "حَدِيدٌ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدِيدُ بِمَعْنى الحادِّ.
أيْ: فَأنْتَ ثاقِبُ البَصَرِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَبَصَرُكَ حَدِيدٌ إلى لِسانِ المِيزانِ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ شاخِصٌ لا يَطْرِفُ لِمُعايَنَةِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ العِلْمُ النّافِذُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ ﴾ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ هَذِهِ آياتٌ فِيها إقامَةُ حُجَجٍ عَلى الكُفّارِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ، و"الخَلْقُ" إنْشاءُ الشَيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ وتَرْتِيبٍ حُكْمِيٍّ، و"الإنْسانَ": اسْمُ الجِنْسِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هَنا آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ و"تُوَسْوِسُ" مَعْناهُ: تَتَحَدَّثُ في فِكْرَتِها، وسُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسُوَسَةً لِخَفائِهِ، والوَسْوَسَةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ عِبارَةٌ عن قُدْرَةِ اللهِ عَلى العَبْدِ، وَكَوْنُ العَبْدِ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، قَدْ أُحِيطَ بِهِ، فالقُرْبُ هو بِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ؛ إذْ لا يَنْحَجِبُ عن عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى باطِنٌ ولا ظاهِرٌ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِنَ الأجْرامِ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِ الإنْسانِ حَجْبٌ، و"الوَرِيدُ" عِرْقٌ كَبِيرٌ في العُنُقِ، يُقالُ: إنَّهُما ورِيدانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ: الوَتِينُ، قالَ الأشْرَمُ: هو نَهْرُ الجَسَدِ، هو في القَلْبِ الوَتِينُ، وفي الظَهْرِ الأبْهَرُ، وفي الذِراعِ والفَخْذِ: الأكْحَلُ والنَسا، وفي الخِنْصَرِ: الأُسَيْلِمُ، "والحَبَلُ" اسْمٌ مُشْتَرَكٌ فَخَصَّصَهُ بِالإضافَةِ إلى الوَرِيدِ، ولَيْسَ هَذا بِإضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، بَلْ هي كَإضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: لا يَجُوزُ حَيُّ الطَيْرِ بِلَحْمِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: العامِلُ فِي: "إذْ" هو "أقْرَبُ"، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ يَتَلَقّى، ويَحْسُنُ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أخْبَرَ خَبَرًا مُجَرَّدًا بِالخَلْقِ، والعِلْمُ بِخَطِراتِ الأنْفُسِ، والقُرْبُ بِالقُدْرَةِ والمِلْكِ، فَلَمّا تَمَّ الإخْبارُ، أخْبَرَ بِذِكْرِ الأحْوالِ الَّتِي تُصَدِّقُ هَذا الخَبَرَ وتُبَيِّنُ وُرُودَهُ عِنْدَ السامِعِ، فَمِنها: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ ، ومِنها مَجِيءُ سَكْرَةِ المَوْتِ، ومِنها النَفْخُ في الصُورِ، ومِنها مَجِيءُ كُلِّ نَفْسٍ.
و"المُتَلَقِّيانِ": المَلِكانِ المُوَكِّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، مَلَكُ اليَمِينِ الَّذِي يَكْتُبُ الحَسَناتِ، ومَلَكُ الشِمالِ الَّذِي يَكْتُبُ السَيِّئاتِ، قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ بِالنَهارِ واثْنانِ بِاليَلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"...» الحَدِيثُ بِكامِلِهِ.
ويُرْوى أنَّ مَلَكَ اليَمِينِ أمِيرٌ عَلى مَلَكِ الشِمالِ، وأنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ يَقُولُ مَلَكُ اليَمِينِ لِلْآخَرِ: تُثْبَتُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، رَواهُ إبْراهِيمُ التِيْمِيُّ وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، و"قَعِيدٌ" مَعْناهُ: قاعِدٌ، وقالَ قَوْمٌ هو بِمَنزِلَةِ "أكِيلٌ" فَهو بِمَعْنى مَقاعِدٌ وقالَ الكُوفِيُّونَ: أرادَ "قُعُودًا" فَجُعِلَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجِنْسِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ المَقاعِدَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قُعُودِ الإنْسانِ، والقاعِدُ يَكُونُ قاعِدًا عَلى كُلِّ هَيْئاتِ الإنْسانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قَعِيدٌ رَصْدٌ، ومَذْهَبٌ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الآخَرِ عن ذِكْرِ الأوَّلِ، ومِثْلُهُ عِنْدَهُ: ....................
وعِزَّةُ مَمْطُولٍ مُعَنًّى غَرِيمُها ومِثْلُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِي ما جَنى ∗∗∗ وأبِي فَكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورٍ وهَذِهِ الأمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ، فَأخِرُّ "قَعِيدٌ" عن مَكانِهِ، ومَذْهَب الفَرّاءِ أنَّ لَفْظَ "قَعِيدٌ" يَدُلُّ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ غَيْرِ الظاهِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: يَكْتُبُ المَلِكانِ الكَلامَ، فَيُثْبِتُ اللهُ مِن ذَلِكَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ ويَمْحُو غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
قالَ أبُو الجَوْزاءِ، ومُجاهِدٌ: يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، وَقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ خَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا ما خَرَجَ عن هَذا فَإنَّهُ لا يَكْتُبُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِجَمَلِهِ: "حَلْ"، فَقالَ مَلِكُ اليَمِينِ: لا أكْتُبُها، وقالَ مَلِكُ الشِمالِ: لا أكْتُبُها، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مَلَكِ الشِمالِ أنِ اكْتُبْ ما تَرَكَ مَلَكُ اليَمِينِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن هِشامٍ الحِمْصِيِّ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا اعْتُبِرَتْ فَهي بِحَسَبَ مَشِيئَتِهِ بِبَعِيرِهِ، فَإنْ كانَ في طاعَةٍ فَإنْ "حَلَّ" حَسَنَةً، وإنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَهي سَيِّئَةٌ، والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ هَذَيْنَ عَسِيرُ الوُجُودِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِكُلِّ أحْوالِ المَرْءِ قَرائِنُ تُخَلِّصُها لِلْخَيْرِ أو لِخِلافِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ النَبِيُّ : «إنَّ مَقْعَدَ المَلَكَيْنِ عَلى الثَنِيَّتَيْنِ، فَقَلَمُهُما اللِسانُ ومِدادُهُما الرِيقُ،» وقالَ الضَحّاكُ والحَسَنُ: مَقْعَدُهُما تَحْتَ الشَعْرِ، وكانَ الحَسَنُ يُحِبُّ أنْ يُنَظِّفَ عُنْفُقَتَهُ لِذَلِكَ، قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا ماتَ المَرْءُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ، وقِيلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ ، عَدَلَ واللهِ مَن جَعَلَهُ حَسِيبَ نَفْسِهِ.
و"الرَقِيبُ": المُراقِبُ، و"العَتِيدُ": الحاضِرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجاءَتْ" عَطْفٌ عِنْدِي- عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ يَتَلَقّى"، فالتَقْدِيرُ: وإذْ تَجِيءُ سَكْرَةُ المَوْتِ، وجَعَلَ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا لِلْأمْرِ، وهو أحَثُّ عَلى الِاسْتِعْدادِ واسْتِشْعارِ القُرْبِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ العَرَبِ في ذَلِكَ، ويُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ ، ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ فَإنَّها صَيْرُورَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ ﴾ بِإدْغامِ التاءِ في السِينِ، وسَكْرَةُ المَوْتِ: ما يَعْتَرِي الإنْسانُ عِنْدَ نِزاعِهِ، والناسُ فِيها مُخْتَلِفَةٌ أحْوالُهُمْ، لَكِنْ لِكُلِّ واحِدٍ سَكْرَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ «يَقُولُ: في "إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَراتٌ"» وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِلِقاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وفَقْدِ الحَياةِ الدُنْيا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ"، وقَرَأها ابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، ويُرْوى أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ قالَها لِابْنَتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وذَلِكَ أنَّها قَعَدَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ تَبْكِي وهو يُنازِعُ فَقالَتْ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ فَفَتَحَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَيْنَهُ وقالَ: لا تَقُولِي هَكَذا وقُولِي: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ"، وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَشاهِيرِ القُرّاءِ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ عَلَّقْتَ الباءَ بِـ "جاءَتْ" كَما تَقُولُ: "جِئْتُ بِزَيْدٍ"، أيْ: سُقْتُهُ، وإنْ شِئْتَ كانَتْ بِتَقْدِيرٍ: ومَعَها المَوْتُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ" -فَقالَ الطَبَرِيُّ - وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، الحَقُّ: اللهُ تَعالى، وفي إضافَةُ السَكْرَةِ إلى اسْمِ اللهِ تَعالى بُعْدٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ سائِغًا مِن حَيْثُ هي خَلْقٌ لَهُ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ ورَصْفَهُ لا يَأْتِي فِيهِ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ فِراقِ الحَياةِ بِالمَوْتِ، وفِراقِ الحَياةِ حَقٌّ يَعْرِفُهُ الإنْسانُ ويَحِيدُ مِنهُ بِأمَلِهِ، ومَعْنى هَذا الحَيْدِ أنَّهُ يَقُولُ: أعِيشُ كَذا وكَذا، فَمَتى فَكَّرَ في قُرْبِ المَوْتِ حادَ بِذِهْنِهِ وأمَلِهِ إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الزَمَنِ، وأيْضًا فَحَذَرُ المَرْءِ وتَحَرُّزاتُهُ ونَحْوُ هَذا حَيْدٌ كُلُّهُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في النَفْخِ في الصُوَرِ مِرارًا، و"يَوْمُ الوَعِيدِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وأضافَهُ إلى الوَعِيدِ تَخْوِيفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ ، قَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَحا" بِالحاءِ مُثَقَّلَةً، و"السائِقُ": الحاثُّ عَلى السَيْرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السائِقِ والشَهِيدِ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: مَلَكانِ مُوَكَّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، أحَدُهُما يَسُوقُهُ، والآخَرُ مِن حَفَظَتِهِ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ النَبِيُّ ، قالَ: وقِيلَ: الشَهِيدُ الكِتابُ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا، وقالَ بَعْضُ النُظّارِ: "سائِقٌ" اسْمُ جِنْسٍ، و"شَهِيدٌ" كَذَلِكَ، فالساقَةُ لِلنّاسِ مَلائِكَةٌ يُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ، والشُهَداءُ الحَفَظَةُ في الدُنْيا وكُلُّ ما يَشْهَدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وهَذا يَبْعُدُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما لِأنَّ الجَوارِحَ إنَّما تَشْهَدُ بِالمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُّ نَفْسٍ" يَعُمُّ الصالِحِينَ، فَإنَّما مَعْناهُ: وشَهِيدٌ بِخَيْرِهِ، وشَرِّهِ، ويَقْوى فِي: "شَهِيدٌ" اسْمُ الجِنْسِ، فَتَشْهَدُ بِالخَيْرِ المَلائِكَةُ والبِقاعُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ ولا جِنٌّ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"،» وكَذَلِكَ تَشْهَدُ بِالشَرِّ المَلائِكَةُ والبِقاعُ والجَوارِحُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السائِقُ شَيْطانٌ، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ في كِتابِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
<div class="verse-tafsir"
يتعلق ﴿ إذْ ﴾ بقوله ﴿ أقرب ﴾ [ق: 16] لأن اسم التفضيل يعمل في الظرف وإن كان لا يعمل في الفاعل ولا في المفعول به واللغة تتوسع في الظروف والمجرورات ما لا تتوسع في غيرها، وهذه قاعدة مشهورة ثابتة والكلام تخلص للموعظة والتهديد بالجزاء يوم البعث والجزاء من إحصاء الأعمال خيرها وشرها المعلومة من آيات كثيرة في القرآن.
وهذا التخلص بكلمة ﴿ إذ ﴾ الدالة على الزمان من ألطف التخلص.
وتعريف ﴿ المُتَلَقِّيان ﴾ تعريف العهد إذا كانت الآية نزلت بعد آيات ذُكر فيها الحفظة، أو تعريفُ الجنس، والتثنية فيها للإشارة إلى أن هذا الجنس مقسم اثنين اثنين.
والتلقّي: أخذ الشيء من يد معطيه.
استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس.
وحذف مفعول ﴿ يتلقى ﴾ لدلالة قوله: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ .
والتقدير: إذ تحصى أقوالهم وأعمالهم.
فيؤخذ من الآية أن لكل إنسان ملَكيْن يحصيان أعماله وأن أحدهما يكون من جهة يمينه والآخر من جهة شماله.
وورد في السنة بأسانيد مقبولة: أن الذي يَكون عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وورد أنهما يلازمان الإنسان من وقت تكليفه إلى أن يموت.
وقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ يجوز أن يكون ﴿ قعيد ﴾ بدلاً من ﴿ المتلقِّيان ﴾ بدل بعض، و ﴿ عن اليمين ﴾ متعلق ب ﴿ قعيد ﴾ ، وقدم على متعلَّقه للاهتمام بما دل عليه من الإحاطة بجانبيه وللرعاية على الفاصلة.
ويجوز أن يكون ﴿ عن اليمين ﴾ خبراً مقدماً، و ﴿ قعيد ﴾ مبتدأ وتكون الجملة بياناً لجملة ﴿ يتلقى المتلقيان ﴾ .
وعطف قوله: ﴿ وعن الشمال ﴾ على جملة ﴿ يتلقى ﴾ وليس عطفاً على قوله: ﴿ عن اليمين ﴾ لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين، بل كل من الجهتين قعيد مستقل بها.
والتقدير: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد آخر.
والتعريف في ﴿ اليمين ﴾ و ﴿ الشمال ﴾ تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف إليه، أي عن يمين الإنسان وعن شماله.
والقعيد: المُقَاعد مثل الجَليس للمجالس، والأكيل للمؤاكل، والشَّرِيب للمشارب، والخليطِ للمخالط.
والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول، فلمّا كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معاً، جاز مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلاً على القرينة، ولذلك قالوا لامرأة الرجل قعيدته.
والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كمَا أطلقوا القعيد على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه.
وجملة ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الخ مبينة لجملة ﴿ يتلقى المتلقيان ﴾ فلذلك فصلت.
و ﴿ ما ﴾ نافية وضمير ﴿ يلفظ ﴾ عائد للإنسان.
واللفظ: النطق بكلمةٍ دالة على معنى ولو جزء معنى، بخلاف القول فهو الكلام المفيد معنى.
و ﴿ مِن ﴾ زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ لديه رقيب عتيد ﴾ استثناء من أحوال عامة، أي ما يقول قولاً في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه.
والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله: ﴿ إلا لديه رقيب عتيد ﴾ لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شرّ ليكون عليه الجزاء فلا يَكتب الحفظة إلاّ ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة.
وقال الحسن: يكتبان كل ما صدر من العبد، قال مجاهد وأبو الجوزاء: حتى أنينه في مرضه.
وروي مثله عن مالك بن أنس.
وإنما خص القولُ بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم.
وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم، أو من أثر أذى النبي عليه الصلاة والسلام كإلقاء سلا الجذور عليه في صلاته، ونحو ذلك، فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها.
ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل بإلقاء الشُبَه، وتغرير الأغرار، ونحو ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم "، على أنه من المعلوم بدلالة الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك الدلالة كافية في تذكير المؤمنين.
وجملة ﴿ إلاّ لديه رقيب عتيد ﴾ في موضع الحال، وضمير ﴿ لديه ﴾ عائد إلى ﴿ الإنسان ﴾ [ق: 16]، والمعنى: لدى لفظه بقوله.
و ﴿ عتيد ﴾ فعيل من عتَد بمعنى هَيّأ، والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله عديد، أي مُعَدّ كما في قوله تعالى: ﴿ وأعتدَتْ لهن مُتَّكأ ﴾ [يوسف: 31].
وعندي أن ﴿ عتيد ﴾ هنا صفة مشبهة من قولهم (عَتُد) بضم التاء إذا جَسم وضَخم كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي ﴿ هذا ما لديّ عتيد ﴾ [ق: 23] ويحصل محسّن الجناس التام بين الكلمتين.
وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقّي في قوله: ﴿ المتلّقيان ﴾ بأنه تلّقي الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيراً حائماً حول جعل المفعول المحذوف لفعل ﴿ يتلقّى ﴾ ما دل عليه قوله بعده ﴿ ما يلفِظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء.
فالتقدير عندهم: إذ يتلقى المتلقيان عَمل الإنسان وقوله، فتكون هذه الجملة على تقديرهم منفصلة عن جملة ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ [ق: 19] كما سنبينه.
ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور قال: «ويحتمل أن يقال التلقّي الاستقبال، يقال: فلان تلقى الركب، وعلى هذا الوجه يكون معناه: وقت ما يتلقاه المتلقّيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من مَلَك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور، أي وقت تلقيهما وسؤالهما أنه من أي القبيلَيْن يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ملكان ينزلان، وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿ سائق وشهيد ﴾ [ق: 21].
فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى روحه من ملَك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة، وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم» اه.
وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ﴾ [الواقعة: 83 85].
ولا نوقف في سداد هذا التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملَك الموت عند قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها.
والمظنون بفخر الدين أنه اطلع على ذلك، وقد يؤيده ما ذكره القرطبي في «التذكرة» عن «مسند الطيالسي» عن البراء.
وعن كتاب «النسائي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حُضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى رَوْح وريحان وربّ راضضٍ غير غضبان، فإذا قبضه الملَك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء " وساق الحديث إلا أن في الحديث ملائكة جمعاً وفي الآية ﴿ المتلقيان ﴾ تثنية.
وعلى هذا الوجه يكون مفعول ﴿ يتلقى ﴾ ما دل عليه قوله بعده ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ .
والتقدير: إذ يتلقى المتلقّيان روح الإنسان.
ويكون التعريف في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ عوضاً عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد، وهو على التوزيع، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر.
ويكون ﴿ قعيد ﴾ مستعملاً في معنى: قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول، كقول الأزرق بن طرفة: رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريئاً ومن أجل الطّويّ رماني والاقتصار على ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ حينئذٍ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجّر أو أنين أو شهادة بالتوحيد، أو ضدها، ومن ذلك الوصايا والإقرارات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ الوَسْوَسَةُ كَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ بِما لا يَتَحَصَّلُ في خَفاءٍ وإسْرارٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ.
..
...
...
﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَبْلٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والأصَمُّ وهو الوَتِينُ.
الثّانِي: أنَّهُ عِرْقٌ في الحَلْقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِرْقُ العُنُقِ ويُسَمّى حَبْلُ العاتِقِ، وهُما ورِيدانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وسُمِّيَ ورِيدًا، لِأنَّهُ العِرْقُ الَّذِي يُنْصَبُ إلَيْهِ ما يُرَدُّ مِنَ الرَّأْسِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ الَّذِي هو مِنهُ.
الثّانِي: ونَحْنُ أمْلَكُ بِهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ اسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ونَحْنُ أعْلَمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، الَّذِي هو مِن نَفْسِهِ، لِأنَّهُ عِرْقٌ يِخالِطُ القَلْبَ، فَعِلْمُ الرَّبِّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ القَلْبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ، يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ عَمَلِكَ وقِيلَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ عَدَلَ واللَّهِ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَفي ﴿ قَعِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاعِدَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: المُرْصِدُ الحافِظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القُعُودِ.
قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: مَلَكانِ بِالنَّهارِ ومَلَكانِ بِاللَّيْلِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ أيْ ما يُتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن لَفَظَ الطَّعامَ، وهو إخْراجُهُ مِنَ الفَمِ.
﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي ﴿ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحاضِرُ الَّذِي لا يَغِيبُ.
الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ المُعَدُّ إمّا لِلْحِفْظِ وإمّا لِلشَّهادَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَراهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ فِيما كانَ اَللَّهُ قَدْ أوْعَدَهُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو المَوْتَ، سُمِّيَ حَقًّا، إمّا لِاسْتِحْقاقِهِ، وإمّا لِانْتِقالِهِ إلى دارِ الحَقِّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
وَتَقْدِيرُهُ: وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، ووَجَدْتُها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ.
﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَحِيدُ مِنَ المَوْتِ، فَجاءَهُ المَوْتُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَحِيدُ مِنَ الحَقِّ، فَجاءَهُ الحَقُّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.
وَفِي مَعْنى التَّحَيُّدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
(الثّانِي): العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَقَدْ قُلْتُ حِينَ لَمْ يَكُ عَنْهُ ∗∗∗ لِي ولا لِلرِّجالِ عَنْهُ مَحِيدٌ.
فَرَوى عاصِمُ بْنُ أبِي بَهْدَلَةَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّ عائِشَةَ قالَتْ عِنْدَ أبِيها وهو يَقْضِي لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وضاقَ بِها الصَّدْرُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: [هَلّا قُلْتِ كَما قالَ اللَّهُ] ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ أمّا السّائِقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ يَسُوقُهُ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَأمّا الشَّهِيدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهَذا قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ والحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ الإنْسانُ، يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِعَمَلِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في الكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ الكافِرُ، كانَ في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ ، كانَ في غَفْلَةٍ عَنِ الرِّسالَةِ مَعَ قُرَيْشٍ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَقَدْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في غَفْلَةٍ عَنْ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ لِأنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا بِالنُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ.
﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إذا كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ وقْتُ العَرْضِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نُزُولُ الوَحْيِ وتَحَمُّلُ الرِّسالَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بَصِيرَةُ القَلْبِ لِأنَّهُ يُبْصِرُ بِها مِن شَواهِدِ الأفْكارِ، ونَتائِجِ الِاعْتِبارِ ما تُبْصِرُ العَيْنُ ما قابَلَها مِن قِبَلِها مِنَ الأشْخاصِ والأجْسامِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَرِيعٌ كَسُرْعَةِ مَوْرِ الحَدِيدِ.
الثّانِي: صَحِيحٌ كَصِحَّةِ قَطْعِ الحَدِيدِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ بَصَرُ العَيْنِ وهو الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بَصِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَماذا يُدْرِكُ البَصَرُ؟
فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعايِنُ الآخِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِسانُ المِيزانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما أُمِرَ بِهِ مِن طاعَةٍ وحُذِّرَهُ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الخامِسُ: العَمَلُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ يتلقى المتلقيان ﴾ قال: مع كل إنسان ملكان ملك عن يمينه وآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر.
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً أن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: إسم صاحب السيئات قعيد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الآية، قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ [ الرعد: 39] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ قال: إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني الماء.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لا يكتب إلا ما يؤجر عليه ويؤزر فيه، لو قال رجل لامرأته تعالي حتى نفعل كذا وكذا كان يكتب عليه شيء.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الآية، قال: كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب السيئات عن يساره، فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر، فإذا كان يوم الخميس كتب ما يجزى به من الخير والشر، ويلقى ما سوى ذلك، ثم يعرض على أم الكتاب فيجده بجملته فيه.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن علي رضي الله عنه قال: لسان الإِنسان قلم الملك وريقه مداده.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر عن الأحنف بن قيس في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ قال: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها، وإن أبى إلا أن يصر كتبها.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق ابن المبارك عن ابن جريج قال: ملكان أحدهما على يمينه يكتب الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.
قال ابن المبارك: وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ رقيب عتيد ﴾ قال: رصيد.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حجاج بن دينار قال: قلت لأبي معشر: الرجل يذكر الله في نفسه كيف تكتبه الملائكة؟
قال: يجدون الريح.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن الملائكة تصف بكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر فينادي الملك ألقِ تلك الصحيفة وينادي الملك الآخر ألقِ تلك الصحيفة، فيقولون ربنا قالوا خيراً وحفظنا عليهم فيقول إنهم لم يريدوا به وجهي وإني لا أقبل إلا ما أريد به وجهي وينادي الملك الآخر أكتب لفلان بن فلان كذا وكذا فيقول: يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه، وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في الإِخلاص وأبو الشيخ في العظمة عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من عباد الله فيكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين، قال: ويصعدون بعمل العبد من عباد الله فيستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيئاً، وإن لم يستغفر الله كتب عليه سيئة واحدة» .
وأخرج أبو الشيخ في التفسير عن حسان بن عطية قال: تذاكروا مجلساً فيه مكحول وابن أبي زكريا أن العبد إذا عمل خطيئة لم تكتب عليه ثلاث ساعات، فإن استغفر الله وإلا تكتب عليه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: إن من كان قبلكم كان يكره فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن يقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وأن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها.
أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، وأن عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟
أما يستحي أحدكم لو نشر صحيفته التي ملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به، فقال: تعست، فقال صاحب اليمين: ما هي بحسنة فأكتبها، وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فأكتبها، فنودي صاحب الشمال أن ما ترك صاحب اليمين فأكتبه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن بكر بن ماعز قال: جاءت بنت الربيع بن خيثم وعنده أصحاب له فقال: يا أبتاه أذهب ألعب.
قال: لا.
قال له أصحابه: يا أبا يزيد اتركها.
قال: لا يوجد في صحيفتي أني قلت لها: إذهبي فالعبي لكن إذهبي فقولي خيراً وافعلي خيراً.
وأخرج البيهقي في الشعب عن حذيفة بن اليمان أن الكلام بسبعة أغلاق إذ أخرج منها كتب، وإذا لم يخرج لم يكتب القلب واللهاة والحنكين والشفتين.
وأخرج الخطيب في رواة مالك وابن عساكر عن مالك أنه بلغه أن كل شيء يكتب حتى أنين المريض.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: يكتب على ابن آدم كل شيء يتكلم به حتى أنينه في مرضه.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن الفضيل بن عيسى قال: إذا احتضر الرجل قيل للملك الذي كان يكتب له كف قال: لا وما يدريني لعله يقول لا إله إلا الله فأكتبها له.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: يكتب من المريض كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين: اكتبوا لعبدي مثل الذي كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: إذا مرض العبد قال الملك يا رب إبتليت عبدك بكذا فيقول: ما دام في وثاقي فاكتبوا له مثل عمله الذي كان يعمل.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ قال: إذا إبتلى الله العبد بالسقم قال لصاحب الشمال إرفع، وقال لصاحب اليمين أكتب لعبدي ما كان يعمل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن النضر بن أنس قال: كنا نتحدث منذ خمسين سنة، أنه ما من عبد يمرض إلا قال الله لكاتبيه أكتبا لعبدي ما كان يعمل في صحته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: إذا مرض الرجل على عمل صالح أجرى له ما كان يعمل في صحته.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال إذا مرض الرجل رفع له كل يوم ما كان يعمل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت بن مسلم بن يسار قال: إذا مرض العبد كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته.
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة فقال أكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدوداً في وثاقي» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مرض أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتلى الله المؤمن ببلاء في جسده قال للملك: أكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وُكِّلاَ به: قد مات فائذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان: أنقيم في الأرض؟
فيقول الله: أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني، فيقولان: فأين؟
فيقول: قوما على قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وأكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن عمر بن ذر عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً مثله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ﴾ (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان.
أخبر أنه عالم بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه.
والتلقِّي معناه: التلقن (١) ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ ﴾ (٢) ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ﴾ الآية.
قال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه (٣) قوله: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد.
مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب (٤) (٥) قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم: قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ...
ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا (٦) قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد.
فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد (٧) نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ...
عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
ومثله أيضًا: رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ...
بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي (٨) (٩) (١٠) إني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ...
وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ (١١) وقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة: يا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ...
إن العواذل لسن (١٢) (١٣) وقال الله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ .
وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (١٤) (١٥) (١) التَلَقِّي: هو الاستقبال ومنه: فلان يتلقى فلانًا، أي يستقبله، ويأتي بمعنى التلقين، ومنه: الرجل يلقي الكلام، أي يُلقنه.
"اللسان" 3/ 388 (لقا).
(٢) عند تفسيره لآية (37) من سورة البقرة، ومما قال: والتلقي في اللغة معناه الاستقبال ..
ومنه الحديث: أنه نهى عن تلقي الركبان.
قالوا معناه الاستقبال.
وتفسير التلقي بالتلقن جائز صحيح وليس من لفظه.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.
(٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418.
(٥) البيت للفرزدق، والبيضتان ماء لبني يربوع وماء لبني دارم.
انظر: "ديوان الفرزدق" 2/ 360، "اللسان" 1/ 298 (بيض) 3/ 129 (قعد)، "همع الهوامع" 4/ 262.
(٦) ورد البيت منسوبًا في "المفضليات" ص 269، "الإيضاح في شرح المفصل" 1/ 237، "تهذيب اللغة" 1/ 199، "اللسان" 3/ 129، (قعد)، "الخزانة" 2/ 20، وكل المصادر روته (فييجعا) بدل (قبيحًا).
(٧) البيت لقيس بن الخطيم والد ثابت بن قيس الصحابي الجليل، وينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي.
انظر: "ديوان قيس" ص 239، "الكتاب" 1/ 75، "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73، "الأمالي" ابن الشجري 2/ 20، "الإنصاف" ص 95.
(٨) البيت لعمرو بن أحمر أو لطرفة الفراصي.
انظر: "الكتاب" 1/ 75، "همع الهوامع" 2/ 84، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 678، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، ونسبه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 161 للأَزرق الباهلي.
والمراد بالطوي البئر التي كان بينة وبين خصمه خلاف عليها.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.
(١٠) في (أ): (الفرزدق) والصواب ما أثبته.
سبق ترجمته في سورة النساء.
(١١) ورد البيت في "الكتاب" 1/ 38، "الإنصاف" ص 95، "معاني القرآن" للفراء 3/ 77، "المذكر والمؤنث" ص 677، "الإيضاح في شرح المفصل"1/ 168، وليس في "ديوان الفرزدق".
والشاهد فيه: "غدور" ولم يقل: "غدورين".
(١٢) أي: (ليس).
(١٣) قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب" 4/ 483: والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله اهـ.
ونسب في بعض المصادر ليزيد ابن الصعق.
انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 244، "اللسان" 2/ 658 (ظهر)، "الخصائص" 3/ 171 ، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 643، وقوله: (بأمير) أي لسن لي بأمراء.
(١٤) ومما قال عند تفسيره لآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب بها العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً.
وقال بعضهم: حسن كل واحد منهما رفيقًا (١٥) انظر: "جامع البيان" 26/ 99، "الوسيط" 4/ 165.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان ﴾ يعني الملكين الحافظين الكتابين للأعمال، والتلقي هو: تلقّي الكلام بحفظه وكتابته، والعامل في إذ نحن أقرب، وقيل: مضمر تقديره: اذكر.
واختبار ابن عطية ﴿ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ ﴾ أي قاعد: وقيل: مقاعد بمعنى مجالس، وردّه ابن عطية بأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، والقاعد يكون على جميع هيئة الإنسان، وإنما أفرده وهما اثنان لأن التقدير: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقين، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الفراء: لفظ قعيد يدل على الاثنين والجماعة فلا يحتاج إلى حذف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .
﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.
قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.
﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.
التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.
وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.
وقيل: قضي الأمر.
وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.
والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.
ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.
وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.
والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.
ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.
ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.
وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.
والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.
عن النبي " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.
ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.
والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد مثل ذلك.
ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.
وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.
نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.
وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.
ومنه مدّ الأرض أي دحوها.
ومنها خلق الجبال الرواسخ.
ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.
ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.
والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.
والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.
ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.
وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".
وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب ﴾ وفيه تسلية للنبي .
ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟
واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.
ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.
والوسوسة الصوت الخفي.
والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.
والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.
والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.
والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.
والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.
قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.
وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.
عن النبي "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.
والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.
وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.
قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.
وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.
والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.
ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.
قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.
والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.
ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.
ثم يقال للإنسان.
﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.
وقال ابن زيد: الخطاب للنبي كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.
ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.
إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.
ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".
وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.
وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.
نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.
وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .
﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.
﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.
قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.
ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟
فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.
قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.
أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.
قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.
وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.
وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.
وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.
والمعاني كما مرت.
ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.
ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.
فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.
وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟
ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.
وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله ذليل متواضع لله.
وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.
قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.
وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.
ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.
قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.
فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.
وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.
ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.
فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.
ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.
ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.
ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.
وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.
والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.
والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.
قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.
قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.
ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.
ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .
ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.
وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.
قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.
ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.
وفيه لطيفة وهي أن الله مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟
بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.
وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله وتقديسه.
قيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.
ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".
قال أهل النظم: إن النبي له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.
فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.
قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.
ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.
وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.
قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .
﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.
ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.
وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.
والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ذكر هذه الأنباء لوجهين: أحدهما: يصبّر رسوله على أذى قومه وتكذيبهم أياه كما صبر أولئك يقول: إنك لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ فاصبر - أيضاً - وهو كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.
وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم.
ثم أصحاب الرس اختلف في الرس: [قيل]: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله .
وقل: الرس: هو الوادي.
وقال بعضهم: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم، .
وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم - - في البئر.
وقال بعضهم: هم قوم الرسل الذين ذكره في سورة يس بقوله - -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ ﴾ .
وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خدّ فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدّاً؛ لجري الدمع عليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴾ أي: قوم لوط.
وقوله: ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾ قيل: إنه كان رجلا مسلماً صالحاً، مدحه الله - - وذم قومه، سمي: تبعاً؛ لكثرة أتباعه.
ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه من كان؟
وما اسمه؟
كما ذكر بعض أهل التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر؛ احترازاً عن الكذب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ يخوف أهل مكة أو أولئك الذين ذكرهم جميعاً قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق علهيم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟!
والثاني: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة؟!
ثم قال بعضهم: الخلق الأول هو آدم، .
وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي: هم في شك واختلاط من خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ هو يخرج- على وجهين: أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى مايدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله - - ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ ، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال الله - -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ ، وقال في أية أخرى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ ونحوه كثير من القرآن.
والثاني: يذكر ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله - - هو العلم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهراً، أما ما يسرون في قلوبهم فالله هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ \[لا\] يفهم من قرب الرب - - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى الله - - وإنما يكون قرب العبد إلى الله - - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله - - لا قرب شيء [من شيء] آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب الله - - إلى العبد للإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.
ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهراً وباطناً، والله أعلم.
وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكرب من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله - -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ...
﴾ الآية [المجادلة: 7]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي : "من تقرب إلى [الله] شبراً تقرب منه شبرين" على ما ذكرنا من قرب الطاعة له, وقرب الرب إليه: بالنصر والمعوننة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ قال بعضم: عرق العنق، والوريد: العنق.
وقال بعضهم: هو عرق بين القلب والحلقوم.
وقال بعضهم: هو عرف القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتقليين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظاً ورقيباً، وإن كان هو - - حافظاً لجميع أفعالهم وأقوالهم، عالماً بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ذلك بمنزلة [واحدة] في حق الله - - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة: أحدها: ليكونوا على حذر أبداً مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظاً ورقيباً في أمر يكون أبداً على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظاً ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله - - فيستحي من ذلك أشد الأستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان إحصاء ذلك على الله - - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾ ، والله أعلم.
والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقولهم، وكتابة ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء السجود، ومن شاء بحمل العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك، ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟
وفيم شاء؟
ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم.
والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ومن محنة بن آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذا لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل محتمل.
والثالث:: وهو أن الله - - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى كتابهم، ولا سمع سوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ليعلموا بذلك قدرة الله - - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل خلق الله - - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساماً مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضاً.
ثم أخبر وقال: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في الآخرة.
وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله - - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك رؤية الله.
ثم قراءة العامة: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ ، وقرأ ابن مسعود - -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ ﴾ فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا.
[و] على قراءة العامة يخرج على وجهين: أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل.
والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما روي عن أبي أمامة - - أنه قال: قال رسول الله : "صاحب اليمين [أمير] على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله - - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة" ويجوز أن يكون أحدهما كاتباً دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد ﴾ ، ولم يقرأ: قال: قريناهز ويجوز أن يكون المتقليان جميعاً يكتبان؛ على ما روي عن ابن عباس - - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك.
وروي - أيضاً - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ، وما سوى ذلك فلا.
ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله - -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم، وكما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ أي: لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا [ما] في الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله - - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ قال القتبي: أراد ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر، و ﴿ قَعِيدٌ ﴾ بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، ﴿ قَعِيدٌ ﴾ ؛ أي: مقاعد؛ وبه قال أبو عوسجة: ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي وجليسي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ الرقيب: الحفيظ، والعتيد، الحاضر، أي: ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، و الله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إذ يتلقى الملكان المتلقيان عمله، أحدهما قعيد عن يمينه، والثاني قعيد عن شماله.
<div class="verse-tafsir" id="91.am9gB"