الآية ١٨ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ١٨ من سورة ق

مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ما يلفظ ) أي : ابن آدم ( من قول ) أي : ما يتكلم بكلمة ( إلا لديه رقيب عتيد ) أي : إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها ، لا يترك كلمة ولا حركة ، كما قال تعالى : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) [ الانفطار : 10 - 12 ] .

وقد اختلف العلماء : هل يكتب الملك كل شيء من الكلام ؟

وهو قول الحسن وقتادة ، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس ، على قولين ، وظاهر الآية الأول ، لعموم قوله : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي ، عن أبيه ، عن جده علقمة ، عن بلال بن الحارث المزني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه .

وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه " .

قال : فكان علقمة يقول : كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث .

ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، من حديث محمد بن عمرو به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

وله شاهد في الصحيح .

وقال الأحنف بن قيس : صاحب اليمين يكتب الخير ، وهو أمير على صاحب الشمال ، فإن أصاب العبد خطيئة قال له : أمسك ، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها ، وإن أبى كتبها .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) : يابن آدم ، بسطت لك صحيفة ، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك ، والآخر عن شمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك ، وجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة ، فعند ذلك يقول : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) [ الإسراء : 13 ، 14 ] ثم يقول : عدل - والله - فيك من جعلك حسيب نفسك .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) قال : يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر ، حتى إنه ليكتب قوله : " أكلت ، شربت ، ذهبت ، جئت ، رأيت " ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله ، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر ، وألقى سائره ، وذلك قوله : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) [ الرعد : 39 ] ، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه ، فبلغه عن طاوس أنه قال : يكتب الملك كل شيء حتى الأنين .

فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) يقول تعالى ذكره: ما يلفظ الإنسان من قول فيتكلم به, إلا عندما يلفظ به من قول رقيب عَتيد, يعني حافظ يحفظه, عتيد مُعَدُّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) فال: عن اليمين الذي يكتب الحسنات, وعن الشمال الذي يكتب السيئات.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن إبراهيم التيميّ, في قوله ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) قال: صاحب اليمين أمِير أو أمين على صاحب الشمال, فإذا عمل العبد سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمسك لعله يتوب.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عمرو, عن منصور, عن مجاهد ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) قال ملك عن يمينه, وآخر عن يساره, فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير, وأما الذي عن شماله فيكتب الشرّ.

قال : ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, قال: مع كل إنسان مَلكان: ملك عن يمينه, وملك عن يساره; قال : فأما الذي عن يمينه, فيكتب الخير, وأما الذي عن يساره فيكتب الشرّ.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ...

إلى ( عَتِيدٌ ) قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل, وحافظين في النهار, يحفظان عليه عمله, ويكتبان أثره.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) , حتى بلغ ( عَتِيدٌ ) قال الحسن وقتادة ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ) أي ما يتكلم به من شيء إلا كتب عليه.

وكان عكرِمة يقول: إنما ذلك في الخير والشرّ يكتبان عليه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتاده, قال: تلا الحسن ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) قال: فقال: يا ابن آدم بُسِطت لك صحيفة, ووكل بك ملَكان كريمان, أحدهما عن يمينك, والآخر عن شمالك; فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ; وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك, فاعمل بما شئت أقلل أو أكثر, حتى إذا متّ طويت صحيفتك, فجعلت في عنقك معك في قبرك, حتى تخرج يوما القيامة, فعند ذلك يقول وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ...

حتى بلغ حَسِيبًا عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) قال: كاتب الحسنات عن يمينه, وكاتب السيئات عن شماله.

قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: بلغني أن كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات, فإذا أذنب قال له.

لا تعجل لعله يستغفر.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) قال: جعل معه من يكتب كلّ ما لفظ به, وهو معه رقيب.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحارث, عن هشام الحمصي, أنه بلغه أن الرجل إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال: اكتب, فيقول: لا بل أنت اكتب, فيمتنعان, فينادي مناد: يا صاحب الشمال اكتب ما ترك صاحب اليمين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أي : ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه ; مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم .

وفي الرقيب ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه المتبع للأمور .

الثاني : أنه الحافظ ؛ قاله السدي .

الثالث : أنه الشاهد ؛ قاله الضحاك .

وفي العتيد وجهان ؛ أحدهما : أنه الحاضر الذي لا يغيب .

الثاني : أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة .

قال الجوهري : العتيد الشيء الحاضر المهيأ ; وقد عتده تعتيدا وأعتده إعتادا أي : [ ص: 12 ] أعده ليوم ، ومنه قوله تعالى : وأعتدت لهن متكأ وفرس عتد وعتد بفتح التاء وكسرها المعد للجري .

قلت : وكله يرجع إلى معنى الحضور ، ومنه قول الشاعر :لئن كنت مني في العيان مغيبا فذكرك عندي في الفؤاد عتيدقال أبو الجوزاء ومجاهد : يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه .

وقال عكرمة : لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه .

وقيل : يكتب عليه كل ما يتكلم به ، فإذا كان آخر النهار محي عنه ما كان مباحا ، نحو : انطلق ، اقعد ، كل ، مما لا يتعلق به أجر ولا وزر ، والله أعلم .

وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أول الصحيفة خيرا وفي آخرها خيرا إلا قال الله تعالى لملائكته اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة .

وقال علي رضي الله عنه : ( إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أولها وفي آخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك ) .

وأخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة ، قال حدثنا جدي محمد بن إسحاق ، قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، قال حدثنا سهيل بن عبد الله قال : سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمة معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبد أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر : فك الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد غريب ، من حديث الأعمش عن زيد ، لم يروه عنه إلا سهيل .

وروي من حديث أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله وكل بعبده ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا : ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى : إن سماواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني ، فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى : إن أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني ، فيقولان يا رب فأين نكون فيقول الله تعالى : كونا على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة .[ ص: 13 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } خير أو شر { إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما يلفظ من قول ) ما يتكلم من كلام فيلفظه أي : يرميه من فيه ( إلا لديه رقيب ) حافظ ( عتيد ) حاضر أينما كان .

قال الحسن : إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين : عند غائطه وعند جماعه .

وقال مجاهد : يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه .

وقال عكرمة : لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه .

وقال الضحاك : مجلسهما تحت الضرس على الحنك ، ومثله عن الحسن ، وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا الفضل بن العباس بن مهران ، حدثنا طالوت ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم بن محمد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا؛ وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب» حافظ «عتيد» حاضر وكل منهما بمعنى المثنى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما يلفظ من قول فيتكلم به إلا لديه مَلَك يرقب قوله، ويكتبه، وهو مَلَك حاضر مُعَدٌّ لذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - كل هذه المعانى بقوله : ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) أى : ما يتكلم هذا الإِنسان من كلام ، وما يفعل من فعل ، إلا ولديه ملك " رقيب " أى : حفيظ يكتب أقواله " عتيد " أى : مهيأ لذلك ، حاضر عنده لا يفارقه .يقال : عَتُدَ الشئ - ككَرُمَ - عتادة وعتادا ، أى : حضر ، فهو عتَد وعَتِيدٌ ، ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف ، فيقال : أعْتَدَه صاحبه وعتَّده ، إذا هيأه وأعده .والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن شماله ، كلاهما مراقب لأعمال الإِنسان ، حاضر لكتابتها .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )وقوله - عز وجل - : ( هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال بعض العلماء ما ملخصه : وبعض العلماء يرى أن الملكين يكتبان كل شئ حتى الأنين فى المرض .

.

لأن قوله - تعالى - ( مِن قَوْلٍ ) نكرة فى سياق النفى فتعم كل قول .

.وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب ، وقالوا : إن فى الآية نعتا محذوفا ، سوغ حذفه العلم به ، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب ، وتقدير النعت المحذوف : ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ إِذْ ﴾ ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى، وذلك لأن الملك إذا أقام كتاباً على أمر اتكل عليهم، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت يتكل عليهم، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالاً عليه، فنقول: الله في وقت أخذ الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له، فعندما يخفى عليهما شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم الحشر من القبور، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال، يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي القيلين كان، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور، ويرجع إلى الملك الآخر مسروراً حيث لم يكن مسروراً ممن يأخذها هو، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزوناً حيث لم يكن ممن يأخذها هو، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة.

وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراماً له واجتناباً منه، وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علناً به أكمل من علم الكاتب لكن من أجلس عنده أحداً ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضاً خبيراً والملك الذي أجلس الرقيب يكون جباراً عظيماً فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ ﴾ منصوب بأقرب، وساغ ذلك لأنّ المعاني تعمل في الظرف متقدّمة ومتأخرة، والمعنى: أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، إيذاناً بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه؛ وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟

وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك: وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد.

وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله.

من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله تعالى ولا منهما» ويجوز أن يكون تلقي الملكين بياناً للقرب، يعني: ونحن قريبون منه مطلعون على أحواله مهيمنون عليه، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به، والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة.

والقعيد: القاعد، كالجليس بمعنى الجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه، كقوله: ...

كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ** بَرِيَّا.........

﴿ رَقِيبٌ ﴾ ملك يرقب عمله ﴿ عَتِيدٌ ﴾ حاضر، واختلف فيما يكتب الملكان، فقيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به.

ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» وقيل: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وقرئ: ﴿ ما يلفظ ﴾ على البناء للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ مُقَدَّرٌ بِـ اذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ أقْرَبُ، أيْ هو أعْلَمُ بِحالِهِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى أيْ يَتَلَقَّنُ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ فَإنَّهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما، لَكِنَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وهي ما فِيهِ مِن تَشْدِيدٍ يُثَبِّطُ العَبْدَ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَأْكِيدٍ في اعْتِبارِ الأعْمالِ وضَبْطِها لِلْجَزاءِ وإلْزامٍ لِلْحُجَّةِ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.

﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ أيْ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، أيْ مَقاعِدُ كالجَلِيسِ فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لِغَرِيبٌ.

وَقَدْ يُطْلَقُ الفَعِيلُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.

﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ.

﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ.

﴿ عَتِيدٌ ﴾ مُعَدٌّ حاضِرٌ، ولَعَلَّهُ يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ وَفِي الحَدِيثِ: «كاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} ما يتكلم به وما يرمي به من فيه {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ} حافظ {عَتِيدٌ} حاضر ثم قيل يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه وقيل لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر وقيل إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط ولاجماع لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه اعلمهم ان ما انكروه هم لا قوة عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضى هو قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي معْدانَ (ما يَلْفَظُ) بِفَتْحِ الفاءِ ﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ فَإنْ كانَ خَيْرًا فَهو صاحِبُ اليَمِينِ وإنْ كانَ شَرًّا فَهو صاحِبُ الشِّمالِ ﴿ عَتِيدٌ ﴾ مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِكِتابَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، وتَخْصِيصُ القَوْلِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ الحُكْمِ في الفِعْلِ بِدَلالَةِ النَّصِّ واخْتُلِفَ فِيما يَكْتُبانِهِ فَقالَ الإمامُ مالِكٌ وجَماعَةٌ: يَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الأنِينَ في المَرَضِ، وفي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ لِلْقانِيِّ مِمّا يَجِبُ اعْتِقادُهُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أفْعالَ العِبادِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ أوْ غَيْرِهِما قَوْلًا كانَتْ أوْ عَمَلًا أوِ اعْتِقادًا هَمًّا كانَتْ أوْ عَزْمًا أوْ تَقْرِيرًا اخْتارَهم سُبْحانَهُ لِذَلِكَ فَهم لا يُهْمِلُونَ مِن شَأْنِهِمْ شَيْئًا فَعَلُوهُ قَصْدًا وتَعَمُّدًا أوْ ذُهُولًا ونِسْيانًا صَدَرَ مِنهم في الصِّحَّةِ أوْ في المَرَضِ كَما رَواهُ عُلَماءُ النَّقْلِ والرِّوايَةِ انْتَهى.

وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ لا يُكْتَبُ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّ لِلْكَلامِ سَبْعَةَ أغْلاقٍ إذا خَرَجَ مِنها كُتِبَ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُكْتَبِ القَلْبُ واللَّها واللِّسانُ والحَنَكانِ والشَّفَتانِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُباحَ لا يَكْتُبُهُ أحَدٌ مِنهُما لِأنَّهُ لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ والكِتابَةُ لِلْجَزاءِ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى حُكْمًا مِن عُمُومِ الآيَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ لا يُكْتَبُ يا غُلامُ أسْرِجِ الفَرَسَ ويا غُلامُ اسْقِنِي الماءَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُكْتَبُ كُلُّ ما صَدَرَ مِنَ العَبْدِ حَتّى المُباحاتُ فَإذا عُرِضَتْ أعْمالُ يَوْمِهِ مُحِيَ مِنها المُباحاتُ وكُتِبَ ثانِيًا ما لَهُ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ وقَدْ أشارَ السُّيُوطِيُّ إلى ذَلِكَ في بَعْضِ رَسائِلِهِ وجَعَلَ وجْهًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ القَوْلَ بِكِتابَةِ المُباحِ والقَوْلَ بِعَدَمِها وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُكْتَبُ كُلُّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى أنَّهُ لَيُكْتَبُ قَوْلُهُ: أكَلْتُ وشَرِبْتُ ذَهَبْتُ جِئْتُ رَأيْتُ حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عُرِضَ قَوْلُهُ وعَمَلُهُ فَأُقِرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وأُلْقِيَ سائِرُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ثُمَّ إنَّ المُباحَ عَلى القَوْلِ بِكِتابَتِهِ يَكْتُبُهُ مَلَكُ الشِّمالِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ رَجُلًا كانَ عَلى حِمارٍ فَعَثَرَ بِهِ فَقالَ: تَعِسْتُ فَقالَ صاحِبُ اليَمِينِ: ما هي بِحَسَنَةٍ فاكْتُبْها وقالَ صاحِبُ الشِّمالِ: ما هي بِسَيِّئَةٍ فاكْتُبْها فَنُودِيَ صاحِبُ الشِّمالِ إنَّ ما تَرَكَهُ صاحِبُ اليَمِينِ فاكْتُبْهُ، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ صاحِبَ اليَمِينِ أمِينٌ عَلى صاحِبِ الشِّمالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.

والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «(فَإذا عَمِلَ العَبْدُ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ بِعَشْرِ أمْثالِها وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً وأرادَ صاحِبُ الشِّمالِ أنْ يَكْتُبَها قالَ صاحِبُ اليَمِينِ: أمْسِكْ فَيُمْسِكُ سِتَّ ساعاتٍ أوْ سَبْعَ ساعاتٍ فَإنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى مِنها لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ مِنها شَيْئًا وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً واحِدَةً)».

ومِثْلُ الِاسْتِغْفارِ كَما نُصَّ عَلَيْهِ فِعْلُ طاعَةٍ مُكَفِّرَةٍ في حَدِيثٍ آخَرَ أنَّ صاحِبَ اليَمِينِ يَقُولُ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الحُكْمِ لِلْكافِرِ فَمَعَهُ أيْضًا مَلَكانِ يَكْتُبانِ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وذَكَرُوا أنَّ ما لَهُ الطّاعاتُ الَّتِي لا تَتَوَقَّفُ عَلى نِيَّةٍ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وما عَلَيْهِ كَثِيرٌ لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِتَكْلِيفِهِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.

وفِي شَرْحِ الجَوْهَرَةِ الصَّحِيحُ كَتْبُ حَسَناتِ الصَّبِيِّ وإنْ كانَ المَجْنُونُ لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ لِأنَّ حالَهُ لَيْسَتْ مُتَوَجِّهَةً لِلتَّكْلِيفِ بِخِلافِ الصَّبِيِّ وظاهِرُ الآيَةِ شُمُولُ الحُكْمِ لَهُ وتَرَدَّدَ الجَزُولِيُّ في الجِنِّ والمَلائِكَةِ أعَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ أمْ لا ثُمَّ جَزَمَ بِأنَّ عَلى الجِنِّ حَفَظَةً وأتْبَعَهُ القَوْلُ بِذَلِكَ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ اللَّقّانِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ: ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ في الجِنِّ لِغَيْرِهِ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في المَلائِكَةِ لِغَيْرِهِ ولَعَلَّهُ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴾ الحَفَظَةُ عَلى المَلائِكَةِ، ويَحْتاجُ دَعْوى ذَلِكَ فِيهِمْ وفي الجِنِّ إلى نَقْلٍ.

وأمّا اعْتِراضُ القَوْلِ بِهِ في المَلائِكَةِ بِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ فَمَدْفُوعٌ بِما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَظْهَرَ في المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ الإنْسانِ كَوْنُهُما مَلَكَيْنِ بِالشَّخْصِ لا بِالنَّوْعِ لِكُلِّ إنْسانٍ يَلْزَمانِهِ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عِنْدَ قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ اللَّهَ تَعالى ويَحْمَدانِهِ ويُكَبِّرانِهِ ويَكْتُبانِ ثَوابَ ذَلِكَ لِصاحِبِهِما إنْ كانَ مُؤْمِنًا.

أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ عَمَلَهُ فَإذا ماتَ قالَ المَلَكانِ اللَّذانِ وُكِّلا بِهِ: قَدْ ماتَ فَأْذَنْ لَنا أنْ نَصْعَدَ إلى السَّماءِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: سَمائِي مَمْلُوءَةٌ مِن مَلائِكَتِي يُسَبِّحُونِي فَيَقُولانِ: أنُقِيمُ في الأرْضِ؟

فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِن خَلْقِي يُسَبِّحُونِي فَيَقُولانِ فَأيْنَ؟

فَيَقُولُ: قُوما عَلى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبِّحانِي واحْمِدانِي وكَبِّرانِي واكْتُبا ذَلِكَ لِعَبْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجاءَ أنَّهُما يَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا».

وقالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ اثْنانِ بِالنَّهارِ واثْنانِ بِاللَّيْلِ وهو يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أرْبَعَةٌ غَيْرُ الأرْبَعَةِ الَّتِي في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ قَبْلَهُما وعَدَمَهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَلَكَ الحَسَناتِ يَتَبَدَّلُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الطّائِعِ ومَلَكَ السَّيِّئاتِ لا يَتَبَدَّلُ سَتْرًا عَلى العاصِي في الجُمْلَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُما لا يُفارِقانِ الشَّخْصَ وقالُوا: يُفارِقانِهِ عِنْدَ الجِماعِ ودُخُولِ الخَلاءِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ في تِلْكَ الحالِ، ولَهُما عَلامَةٌ لِلْحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِدَنِيَّتَيْنِ كانَتا أوْ قَلْبِيَّتَيْنِ، وبَعْضُ الأخْبارِ ظاهِرَةٌ في أنَّ ما في النَّفْسِ لا يُكْتَبُ.

أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيُكَثِّرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ قالَ: ويَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيَسْتَقِلُّونَهُ ويَحْتَقِرُونَهُ حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ فَضاعِفُوهُ لَهُ واجْعَلُوهُ في عِلِّيِّينَ)».

وجاءَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ «أنَّهُ يُنادِي المَلَكَ اكْتُبْ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ كَذا وكَذا أيْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: يا رَبّ إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّهُ نَواهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُما يَكْتُبانِ ما في النَّفْسِ ما عَدا الرِّياءَ والطّاعاتِ المِئَوِيَّةَ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ، وجاءَ أنَّهُ يَكْتُبُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ في الصِّحَّةِ والإقامَةِ مِنَ الحَسَناتِ».

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ في الإفْرادِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «ما مِن أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يُبْتَلى بِبَلاءٍ في جَسَدِهِ إلّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى الحَفَظَةَ فَقالَ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُ وهو صَحِيحٌ ما دامَ مَشْدُودًا في وثاقِي)».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «مَن مَرِضَ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا)».

وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الطّاعاتِ يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ مَعَ الإنْسانِ لَيْسُوا مَحْصُورِينَ بِالمَلَكَيْنِ الكاتِبَيْنِ، «فَعَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَمْ مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟

فَذَكَرَ عِشْرِينَ مَلَكًا» قالَهُ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ غَيْرُ الكاتِبَيْنِ بِلا خِلافٍ، وحَكى اللَّقّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعُمِائَةِ مَلَكٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

ورَوى ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: وُكِّلَ بِالعَبْدِ خَمْسَةُ أمْلاكٍ مَلَكانِ بِاللَّيْلِ ومَلَكانِ بِالنَّهارِ يَجِيئانِ ويَذْهَبانِ ومَلَكٌ خامِسٌ لا يُفارِقُهُ لا لَيْلًا ولا نَهارًا، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ والرسّ: بئر دون اليمامة، وإن عليها قوماً كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ يعني: قومه وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني: قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قوم حمير.

ويقال: تبع كان اسم ملك.

وروى وكيع عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز قال: جاء عبد الله بن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن تبع، فقال: كان تبع رجلاً من العرب، ظهر على الناس، وسبا على فتية من الأحبار.

فكان يحدثهم، ويحدثونه.

فقال قومه: إن تبعاً ترك دينكم، وتابع الفتية.

فقال: تبع للفتية: ألا ترون إلى ما قال هؤلاء.

فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق.

قال: نعم.

فقال تبع للفتية: ادخلوه، فتقلدوا مصاحفهم.

ثم دخلوها، فانفرجت لهم حتى قطعوها.

ثم قال لقومه: ادخلوها.

فلما دخلوا، وجدوا حر النار كفوا.

فقال لهم: لتدخلنها، فدخلوها.

فلما توسطوا، أحاطت بهم النار، فأحرقتهم، وأسلم تبع وكان رجلاً صالحاً.

ويقال: كان اسمه سعد بن ملكي كرب، وكنيته: أبو كرب.

كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ يعني: جميع هؤلاء كذبوا رسلهم فَحَقَّ وَعِيدِ يعني: وجب عليهم عذابي.

معناه: فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية، فلا تكذبوا رسول الله  .

ثم قال عز وجل: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قال مقاتل: يعني: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم، ولم يكونوا شيئاً.

فكذلك نخلقهم، ونبعثهم.

أي: ما عيينا عن ذلك، فكيف نعيي عن بعثهم.

ويقال: معناه أعيينا خلقهم الأول، ولم يكونوا شيئاً، لأن الذي قد كان، فإعادته أيسر في رأي العين من الابتداء.

يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه.

وقال الزجاج: هذا تقرير تقرر، لأنهم اعترفوا في الابتداء، أن الله عز وجل خلقهم، ولم يكونوا شيئاً.

ثم قال: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: في شك من البعث بعد الموت.

ويقال: بل أقاموا على شكهم.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: جنس الإنسان، وأراد به جميع الخلق وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يعني: ما يحدث به قلبه، ويتفكر في قلبه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: في القدرة عليه، وحبل الوريد عرق يخالط القلب.

ويقال: هو العرق الذي داخل العنق الذي هو عرق الروح، فأعلمه الله تعالى أنه أقرب إليه من ذلك العرق.

ويقال: الوريدان عرقان بين الحلقوم، والعلباوين.

والحبل هو الوريد.

وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه.

قوله عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني: يكتب الملكان عمله، ومنطقه.

يعني: يتلقيان منه ويكتبان.

وقال أهل اللغة تلقى، وتلقف، بمعنى واحد.

عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يعني: عن يمين ابن آدم، وعن شماله قاعدان.

أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال، اثنان بالليل، واثنان بالنهار، وكان في الأصل قعيدان، ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال: قعيد.

ثم قال عز وجل: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ يعني: ما يتكلم ابن آدم بقولٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يعني: عنده حافظ حاضر.

وقال الزجاج: عَتِيدٌ أي: ثابت، لازم.

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ يعني: جاءت غمرته بالحق أنه كائن.

ويقال: جاءت نزعات الموت بالحق.

يعني: بالسعادة، والشقاوة.

يعني: يتبين له عند الموت.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: جاءت سكرة الحق بالموت.

روي عن أبي بكر الصديق، أنه كان يقرأ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الحق بالموت ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ يعني: يقال له: هذا الذي كنت تخاف منه، وتكره.

ويقال: ذلك اليوم الذي كنت تفر منه.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ يعني: العذاب في الآخرة وَجاءَتْ أي: جاءت يوم القيامة كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ سائق يسوقها إلى المحشر، ويسوقها إلى الجنة، أو إلى النار.

وَشَهِيدٌ يعني: الملك يشهد عليها.

وقال القتبي: السائق هاهنا، قرينها من الشياطين، يسوقها.

سمي سائقاً، لأنه يتبعها، والشهيد: الملك.

ويقال: الشاهد أعضاؤه.

ويقال: الليل، والنهار، والبقعة، تشهد عليه.

ويقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا يعني: من هذا اليوم، فلم تؤمن به، وقد ظهر عندك بالمعاينة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ يعني: غطاء الآخرة.

ويقال: أريناك ما كان مستوراً عنك في الدنيا.

ويقال: أريناك الغطاء الذي على أبصارهم، كما قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: 7] حيث لم يعقلوا فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: نافذ.

ويقال: شاخص بصره لا يطوف، يديم النظر حين يعاين في الآخرة، ما كان مكذباً به.

ويقال: حَدِيدٌ أي: حاد كما يقال: حَفِيظٍ يعني: حافظ، وقعيد بمعنى قاعد.

وقال الزجاج: هذا مثل.

ومعناه: إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعني: علمك بما أنت فيه نافذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكونُ العبد في قبضة القدرة والعلم قد أُحِيط به، فالقرب هو بالقدرة والسُّلطان، إذ لا يَنْحَجِبُ عن علم اللَّه لا باطنٌ ولا ظاهر، والوريد: عرق كبير في العُنُقِ، ويقال: إنَّهما وريدان عن يمين وشمال.

وأَمَّا قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فقال المفسرون: العامل في إذ أَقْرَبُ ويحتمل عندي أَنْ يكون العاملُ فيه فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان، والْمُتَلَقِّيانِ: المَلَكَانِ المُوَكَّلان بكل إنسان، مَلَكُ اليمين الذي يكتب الحسناتِ، وملك الشمال الذي يكتب السيِّئات قال الحسن: الحَفَظَةُ أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل «١» ، قال ع «٢» : ويؤيد ذلك الحديث الصَّحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» «٣» الحديث/ بكماله، ويُرْوَى أَنَّ مَلَك اليمين أمير على ملك الشمال، وأَنَّ العبد إذا أَذنب يقول ملك اليمين للآخر: تَثَبَّتْ لَعَلَّهُ يتوبُ رواه إبراهيم التيمي، وسفيان الثوري، وقَعِيدٌ: معناه قاعد.

وقوله سبحانه: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ...

الآية، قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة:

يكتب الملكانِ جميعَ الكلام، فيثبت اللَّه من ذلك الحسناتِ والسيئات، ويمحو غيرَ هذا «٤» ، وهذا هو ظاهر هذه الآية، قال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كُلَّ شيء حتى أنينه في مرضه «٥» ، وقال عِكْرَمَةُ: يكتبان الخير والشَّرَّ فقط «٦» قال ع «٧» : والأوَّلُ أصوب.

ت: وروى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، إذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّه، فَلْيَأْتِ، فَلْيَمُدَّ يديه إلى الله

عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ مِنْهَا، لاَ أَرْجِعُ إلَيْهَا أَبَداً، فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً «١» ، انتهى من «السِّلاح» ، قال النَّوَوِيُّ- رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لكل مُكَلَّفٍ أَنْ يحفظ لسانه من جميع الكلام إلاَّ كلاماً تظهر فيه مصلحته، ومتى استوى الكلامُ وتركه بالمصلحة فالسُّنَّةُ الإمساكُ فإنَّهُ قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وهذا هو الغالب، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد صحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاريُّ ومسلم أَنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» «٢» وهو نَصٌّ صريح فيما قلناه، قال: ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» / و «ابن ماجه» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه مَا لاَ يَعْنِيهِ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٣» ، وفيه عن عُقْبَةَ بن عامر «قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟

قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابك على خَطِيئَتِكَ» قال الترمذيّ: حديث حسن «٤» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٥» ، انتهى، والرقيب:

المُرَاقِبُ، والعتيد: الحاضر.

وقوله: وَجاءَتْ عطف، عندي، على قوله: إِذْ يَتَلَقَّى فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت.

ت: قال شيخُنَا، زينُ الدين العراقيُّ في أرجوزته: [الرجز] وَسَكْرَةُ المَوْتِ اختلاط الْعَقْلِ......

البيت.

انتهى.

وقوله: بِالْحَقِّ معناه: بلقاء اللَّهِ، وَفَقْدُ الحياة الدنيا، وفراقُ الحياة حَقٌّ يعرفه الإنسانُ، ويحيد منه بأمله، ومعنى هذا الحيد أَنَّه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمان، وهذا شأن الإنسان، حَتَّى يفاجئه الأجل قال عَبْدُ الحَقِّ في «العاقبة» : وَلَمَّا احْتَضَرَ مالك بن أنس، ونزل به الموتُ قال لمن حضره: لَيُعَاينَنَّ الناسُ غداً من عفو اللَّه وَسَعَةِ رحمته ما لم يخطر على قلب بشر، كُشِفَ له- رضي اللَّه عنه- عن سعة رحمة اللَّه وكثرة عفوه وعظيم تجاوُزِهِ ما أوجب أَنْ قال هذا، وقال أبو سليمان الدارانيُّ: دخلنا على عابد نزوره، وقد حضره الموتُ، وهو يبكي، فقلنا له: ما يبكيك- رحمك اللَّه؟!

- فأنشأ يقول: [الطويل]

وَحُقَّ لِمِثْلِي البُكَا عِنْدَ مَوْتِه ...

وَمَالِيَ لاَ أَبْكِي/ وَمَوْتِي قَدِ اقترب

وَلِي عَمَلٌ في اللَّوْحِ أَحْصَاهُ خَالِقِي ...

فَإنْ لَمْ يَجُدْ بِالْعَفْوِ صِرْتُ إلَى العطب

انتهى، ويَوْمُ الْوَعِيدِ: هو يوم القيامة، والسائِقُ: الحاثُّ على السير، واختلف الناسُ في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان وغيره: هما مَلَكَانِ مُوَكَّلاَنِ بكل إنسان أحدهما يسوقه، والآخر مِنْ حَفَظَتِهِ يشهد عليه «١» ، وقال أبو هريرة: السائق: مَلَكٌ،

والشهيد: العمل «١» ، وقيل: الشهيد: الجوارح، وقال بعض النظار: سائق اسم جنس وشهيد كذلك، فالسَّاقَةُ للناس ملائكة مُوَكَّلُون بذلك، والشهداء: الحَفَظَةُ في الدنيا، وكل مَنْ يشهد.

وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ يعمُّ الصالحين وغيرهم فإنَّما معنى الآية شهيد بخيره وشَرِّهِ، ويقوى في شهيد اسم الجنس، فتشهد الملائكة، والبِقَاعُ والجوارحُ وفي الصحيح:

«لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس، ولا جِنٌّ، وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» .

وقوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ قال ابن عباس وغيره: أَي: يقال للكافر «٣» : لقد كنتَ في غفلة من هذا، فلمَّا كُشِفَ الغطاءُ عنك الآنَ احْتَدَّ بصرُك، أي: بصيرتك وهذا كما تقول: فلان حديد الذِّهْنِ ونحوه، وقال مجاهد «٤» : هو بصر العين، أي: احْتَدَّ التفاته إلى ميزانه، وغيرِ ذلك من أهوال القيامة.

والوجه عندي، في هذه الآية، ما قاله الحسن وسالم بن عبد اللَّه «٥» : إنَّها مُخَاطَبَةٌ للإِنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر، وهكذا، قال الفخر «٦» : قال: والأقوى أنْ يقال: هو خطاب عامٌّ مع السامع، كأنَّهُ يقول: ذلك ما كنتَ منه تحيد أيُّها السامع، انتهى، وينظر إلى معنى كشف/ الغطاء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النّاس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، ﴿ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أيْ: ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نَعْلَمُ ما يُكِنُّهُ في نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ ﴾ أيْ: بِالعِلْمِ ﴿ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ الحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وإنَّما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ لِما شَرَحْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ  ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والوَرِيدُ: عِرْقٌ بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ.

وعَنْهُ أيْضًا قالَ: عِرْقٌ بَيْنَ اللَّبَّةِ والعِلْباوَيْنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الوَرِيدُ: عِرْقٌ في باطِنِ العُنُقِ، [وَهُما ورِيدانِ]، والعِلْباوانِ: العَصَبَتانِ الصَّفْراوانِ في مَتْنِ العُنُقُ، واللَّبَّتانِ: مَجْرى القُرْطِ في العُنُقِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّبَّةُ حَيْثُ يَتَذَبْذَبُ القُرْطُ مِمّا يَقْرُبُ مِن شَحْمَةِ الأُذُنِ.

وحَكى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الوَرِيدَ: عِرْقٌ مُتَفَرِّقٌ في البَدَنِ مَخالِطٌ لِجَمِيعِ الأعْضاءِ، فَلَمّا كانَتْ أبْعاضُ الإنْسانِ يَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، أعْلَمَ أنَّ عِلْمَهُ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ.

والمَعْنى: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِابْنِ آدَمَ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ أيْ: يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ ﴿ عَنِ اليَمِينِ ﴾ كاتِبُ الحَسَناتِ ﴿ وَعَنِ الشِّمالِ ﴾ كاتِبُ السَّيِّئاتِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَدَلَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَحُذِفَ المَدْلُولُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْ دَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقالَ آخَرُ: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي المَعْنى: كُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَعِيدُ بِمَعْنى قاعِدٍ، كَما يُقالُ: "قَدِيرٌ" بِمَعْنى "قادِرٍ"، ويَكُونُ القَعِيدُ بِمَعْنى مُقاعِدٍ كالأكِيلِ والشَّرِيبِ بِمَنزِلَةِ: المُؤاكِلِ والمُشارِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ فَيَلْفِظُهُ، أيْ: يَرْمِيهِ مِن فَمِهِ، ﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ أيْ: حافِظٌ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، إمّا صاحِبُ اليَمِينِ، وإمّا صاحِبُ الشِّمالِ ﴿ عَتِيدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَتِيدُ: الثّابِتُ اللّازِمُ.

وقالَ غَيْرُهُ: العَتِيدُ: الحاضِرُ مَعَهُ أيْنَما كانَ.

ورَوى أبُو أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « " كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ، فَكاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها لَهُ صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً، وأرادَ صاحِبُ الشِّمالِ أنْ يَكْتُبَها، قالَ صاحِبُ اليَمِينِ: أمْسِكْ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، فَإنِ اسْتَغْفَرَ مِنها لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ " .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ عَلى ابْنِ آدَمَ حافِظَيْنِ في اللَّيْلِ، وحافِظَيْنِ في النَّهارِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ يَكْتُبانِ جَمِيعَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُما لا يَكْتُبانِ إلّا ما يُؤْجَرُ [عَلَيْهِ]، أوْ يُؤْزَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

فَأمّا مَجْلِسُهُما، فَقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِأنَّهُما عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ، وكَذَلِكَ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ.

وقَدْ رَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "إنَّ مَقْعَدَ مَلَكَيْكَ عَلى ثَنِيَّتَيْكَ ولِسانُكَ قَلَمُهُما، ورِيقُكَ مِدادُهُما، وأنْتَ تَجْرِي فِيما لا يَعْنِيكَ"» ورُوِيَ عَن ِالحَسَنِ والضَّحّاكِ قالا: مَجْلِسُهُما تَحْتَ الشَّعْرِ عَلى الحَنَكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ ﴾ وهي غَمْرَتُهُ وشِدَّتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ وتَدُلُّهُ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: جاءَتْ بِحَقِيقَةِ المَوْتِ.

والثّانِي: بِالحَقِّ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَأبانَتْ لِلْإنْسانِ ما لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا لَهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ)، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ اللَّهِ بِالمَوْتِ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ السَّكْرَةُ هي المَوْتُ، أُضِيفَتْ إلى نَفْسِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ  ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتِ السَّكْرَةُ الحَقُّ بِالمَوْتِ، بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ" عَلى الجَمْعِ "الحَقِّ بِالمَوْتِ" بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .

وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ المَوْتِ" عَلى الجَمْعِ "بِالحَقِّ" بِتَأْخِيرِ "الحَقِّ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: فَيُقالُ لِلْإنْسانِ حِينَئِذٍ: "ذَلِكَ" أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ ﴿ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ أيْ: تَهْرُبُ وتَفِرُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْرَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي نَفْخَةَ البَعْثِ "ذَلِكَ" اليَوْمُ ﴿ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ أيْ: يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَعَها سائِقٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ السّائِقَ: مَلَكٌ يَسُوقُها إلى مَحْشَرِها، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.

وَفِي الشَّهِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: المَلَكانِ: سائِقٌ.

وشَهِيدٌ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: السّائِقُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ: الَّذِي كانَ يَكْتُبُ الحَسَناتِ.

والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ يَشْهَدُ عَلى الإنْسانِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَهَلْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةٌ، أمْ خاصَّةٌ؟

فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: خاصَّةٌ في الِكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ اليَوْمِ وفي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكافِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وصالِحُ بْنُ كَيْسانَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في البَرِّ والفاجِرِ، قالَهُ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا اليَوْمِ في الدُّنْيا بِكُفْرِكَ بِهِ؛ وعَلى الثّانِي: كُنْتَ غافِلًا عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا يَغْشى قَلْبَكَ وسَمْعَكَ وبَصَرَكَ.

وقِيلَ مَعْناهُ: أرَيْناكَ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْكَ؛ وعَلى الثّالِثِ: لَقَدْ كُنْتَ قَبْلَ الوَحْيِ في غَفْلَةٍ عَمّا أُوحِيَ إلَيْكَ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِالوَحْيِ ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: البَصَرُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: العِلْمُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي قَوْلِهِ: "اليَوْمَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "حَدِيدٌ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدِيدُ بِمَعْنى الحادِّ.

أيْ: فَأنْتَ ثاقِبُ البَصَرِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَبَصَرُكَ حَدِيدٌ إلى لِسانِ المِيزانِ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ شاخِصٌ لا يَطْرِفُ لِمُعايَنَةِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العِلْمُ النّافِذُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ ﴾ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ هَذِهِ آياتٌ فِيها إقامَةُ حُجَجٍ عَلى الكُفّارِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ، و"الخَلْقُ" إنْشاءُ الشَيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ وتَرْتِيبٍ حُكْمِيٍّ، و"الإنْسانَ": اسْمُ الجِنْسِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هَنا آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ و"تُوَسْوِسُ" مَعْناهُ: تَتَحَدَّثُ في فِكْرَتِها، وسُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسُوَسَةً لِخَفائِهِ، والوَسْوَسَةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ عِبارَةٌ عن قُدْرَةِ اللهِ عَلى العَبْدِ، وَكَوْنُ العَبْدِ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، قَدْ أُحِيطَ بِهِ، فالقُرْبُ هو بِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ؛ إذْ لا يَنْحَجِبُ عن عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى باطِنٌ ولا ظاهِرٌ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِنَ الأجْرامِ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِ الإنْسانِ حَجْبٌ، و"الوَرِيدُ" عِرْقٌ كَبِيرٌ في العُنُقِ، يُقالُ: إنَّهُما ورِيدانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ: الوَتِينُ، قالَ الأشْرَمُ: هو نَهْرُ الجَسَدِ، هو في القَلْبِ الوَتِينُ، وفي الظَهْرِ الأبْهَرُ، وفي الذِراعِ والفَخْذِ: الأكْحَلُ والنَسا، وفي الخِنْصَرِ: الأُسَيْلِمُ، "والحَبَلُ" اسْمٌ مُشْتَرَكٌ فَخَصَّصَهُ بِالإضافَةِ إلى الوَرِيدِ، ولَيْسَ هَذا بِإضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، بَلْ هي كَإضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: لا يَجُوزُ حَيُّ الطَيْرِ بِلَحْمِهِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: العامِلُ فِي: "إذْ" هو "أقْرَبُ"، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ يَتَلَقّى، ويَحْسُنُ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أخْبَرَ خَبَرًا مُجَرَّدًا بِالخَلْقِ، والعِلْمُ بِخَطِراتِ الأنْفُسِ، والقُرْبُ بِالقُدْرَةِ والمِلْكِ، فَلَمّا تَمَّ الإخْبارُ، أخْبَرَ بِذِكْرِ الأحْوالِ الَّتِي تُصَدِّقُ هَذا الخَبَرَ وتُبَيِّنُ وُرُودَهُ عِنْدَ السامِعِ، فَمِنها: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ ، ومِنها مَجِيءُ سَكْرَةِ المَوْتِ، ومِنها النَفْخُ في الصُورِ، ومِنها مَجِيءُ كُلِّ نَفْسٍ.

و"المُتَلَقِّيانِ": المَلِكانِ المُوَكِّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، مَلَكُ اليَمِينِ الَّذِي يَكْتُبُ الحَسَناتِ، ومَلَكُ الشِمالِ الَّذِي يَكْتُبُ السَيِّئاتِ، قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ بِالنَهارِ واثْنانِ بِاليَلِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"...» الحَدِيثُ بِكامِلِهِ.

ويُرْوى أنَّ مَلَكَ اليَمِينِ أمِيرٌ عَلى مَلَكِ الشِمالِ، وأنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ يَقُولُ مَلَكُ اليَمِينِ لِلْآخَرِ: تُثْبَتُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، رَواهُ إبْراهِيمُ التِيْمِيُّ وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، و"قَعِيدٌ" مَعْناهُ: قاعِدٌ، وقالَ قَوْمٌ هو بِمَنزِلَةِ "أكِيلٌ" فَهو بِمَعْنى مَقاعِدٌ وقالَ الكُوفِيُّونَ: أرادَ "قُعُودًا" فَجُعِلَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجِنْسِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ المَقاعِدَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قُعُودِ الإنْسانِ، والقاعِدُ يَكُونُ قاعِدًا عَلى كُلِّ هَيْئاتِ الإنْسانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قَعِيدٌ رَصْدٌ، ومَذْهَبٌ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الآخَرِ عن ذِكْرِ الأوَّلِ، ومِثْلُهُ عِنْدَهُ: ....................

وعِزَّةُ مَمْطُولٍ مُعَنًّى غَرِيمُها ومِثْلُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِي ما جَنى ∗∗∗ وأبِي فَكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورٍ وهَذِهِ الأمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ، فَأخِرُّ "قَعِيدٌ" عن مَكانِهِ، ومَذْهَب الفَرّاءِ أنَّ لَفْظَ "قَعِيدٌ" يَدُلُّ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ غَيْرِ الظاهِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: يَكْتُبُ المَلِكانِ الكَلامَ، فَيُثْبِتُ اللهُ مِن ذَلِكَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ ويَمْحُو غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.

قالَ أبُو الجَوْزاءِ، ومُجاهِدٌ: يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، وَقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ خَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا ما خَرَجَ عن هَذا فَإنَّهُ لا يَكْتُبُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِجَمَلِهِ: "حَلْ"، فَقالَ مَلِكُ اليَمِينِ: لا أكْتُبُها، وقالَ مَلِكُ الشِمالِ: لا أكْتُبُها، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مَلَكِ الشِمالِ أنِ اكْتُبْ ما تَرَكَ مَلَكُ اليَمِينِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن هِشامٍ الحِمْصِيِّ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا اعْتُبِرَتْ فَهي بِحَسَبَ مَشِيئَتِهِ بِبَعِيرِهِ، فَإنْ كانَ في طاعَةٍ فَإنْ "حَلَّ" حَسَنَةً، وإنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَهي سَيِّئَةٌ، والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ هَذَيْنَ عَسِيرُ الوُجُودِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِكُلِّ أحْوالِ المَرْءِ قَرائِنُ تُخَلِّصُها لِلْخَيْرِ أو لِخِلافِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ النَبِيُّ  : «إنَّ مَقْعَدَ المَلَكَيْنِ عَلى الثَنِيَّتَيْنِ، فَقَلَمُهُما اللِسانُ ومِدادُهُما الرِيقُ،» وقالَ الضَحّاكُ والحَسَنُ: مَقْعَدُهُما تَحْتَ الشَعْرِ، وكانَ الحَسَنُ يُحِبُّ أنْ يُنَظِّفَ عُنْفُقَتَهُ لِذَلِكَ، قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا ماتَ المَرْءُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ، وقِيلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  ﴾ ، عَدَلَ واللهِ مَن جَعَلَهُ حَسِيبَ نَفْسِهِ.

و"الرَقِيبُ": المُراقِبُ، و"العَتِيدُ": الحاضِرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجاءَتْ" عَطْفٌ عِنْدِي- عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ يَتَلَقّى"، فالتَقْدِيرُ: وإذْ تَجِيءُ سَكْرَةُ المَوْتِ، وجَعَلَ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا لِلْأمْرِ، وهو أحَثُّ عَلى الِاسْتِعْدادِ واسْتِشْعارِ القُرْبِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ العَرَبِ في ذَلِكَ، ويُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ ، ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ فَإنَّها صَيْرُورَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ ﴾ بِإدْغامِ التاءِ في السِينِ، وسَكْرَةُ المَوْتِ: ما يَعْتَرِي الإنْسانُ عِنْدَ نِزاعِهِ، والناسُ فِيها مُخْتَلِفَةٌ أحْوالُهُمْ، لَكِنْ لِكُلِّ واحِدٍ سَكْرَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  «يَقُولُ: في "إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَراتٌ"» وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِلِقاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وفَقْدِ الحَياةِ الدُنْيا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ"، وقَرَأها ابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، ويُرْوى أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ قالَها لِابْنَتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وذَلِكَ أنَّها قَعَدَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ تَبْكِي وهو يُنازِعُ فَقالَتْ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ فَفَتَحَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَيْنَهُ وقالَ: لا تَقُولِي هَكَذا وقُولِي: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ"، وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَشاهِيرِ القُرّاءِ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ عَلَّقْتَ الباءَ بِـ "جاءَتْ" كَما تَقُولُ: "جِئْتُ بِزَيْدٍ"، أيْ: سُقْتُهُ، وإنْ شِئْتَ كانَتْ بِتَقْدِيرٍ: ومَعَها المَوْتُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ" -فَقالَ الطَبَرِيُّ - وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، الحَقُّ: اللهُ تَعالى، وفي إضافَةُ السَكْرَةِ إلى اسْمِ اللهِ تَعالى بُعْدٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ سائِغًا مِن حَيْثُ هي خَلْقٌ لَهُ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ ورَصْفَهُ لا يَأْتِي فِيهِ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ فِراقِ الحَياةِ بِالمَوْتِ، وفِراقِ الحَياةِ حَقٌّ يَعْرِفُهُ الإنْسانُ ويَحِيدُ مِنهُ بِأمَلِهِ، ومَعْنى هَذا الحَيْدِ أنَّهُ يَقُولُ: أعِيشُ كَذا وكَذا، فَمَتى فَكَّرَ في قُرْبِ المَوْتِ حادَ بِذِهْنِهِ وأمَلِهِ إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الزَمَنِ، وأيْضًا فَحَذَرُ المَرْءِ وتَحَرُّزاتُهُ ونَحْوُ هَذا حَيْدٌ كُلُّهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في النَفْخِ في الصُوَرِ مِرارًا، و"يَوْمُ الوَعِيدِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وأضافَهُ إلى الوَعِيدِ تَخْوِيفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ ، قَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَحا" بِالحاءِ مُثَقَّلَةً، و"السائِقُ": الحاثُّ عَلى السَيْرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السائِقِ والشَهِيدِ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: مَلَكانِ مُوَكَّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، أحَدُهُما يَسُوقُهُ، والآخَرُ مِن حَفَظَتِهِ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ النَبِيُّ  ، قالَ: وقِيلَ: الشَهِيدُ الكِتابُ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا، وقالَ بَعْضُ النُظّارِ: "سائِقٌ" اسْمُ جِنْسٍ، و"شَهِيدٌ" كَذَلِكَ، فالساقَةُ لِلنّاسِ مَلائِكَةٌ يُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ، والشُهَداءُ الحَفَظَةُ في الدُنْيا وكُلُّ ما يَشْهَدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وهَذا يَبْعُدُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما لِأنَّ الجَوارِحَ إنَّما تَشْهَدُ بِالمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُّ نَفْسٍ" يَعُمُّ الصالِحِينَ، فَإنَّما مَعْناهُ: وشَهِيدٌ بِخَيْرِهِ، وشَرِّهِ، ويَقْوى فِي: "شَهِيدٌ" اسْمُ الجِنْسِ، فَتَشْهَدُ بِالخَيْرِ المَلائِكَةُ والبِقاعُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ ولا جِنٌّ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"،» وكَذَلِكَ تَشْهَدُ بِالشَرِّ المَلائِكَةُ والبِقاعُ والجَوارِحُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السائِقُ شَيْطانٌ، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ في كِتابِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يتعلق ﴿ إذْ ﴾ بقوله ﴿ أقرب ﴾ [ق: 16] لأن اسم التفضيل يعمل في الظرف وإن كان لا يعمل في الفاعل ولا في المفعول به واللغة تتوسع في الظروف والمجرورات ما لا تتوسع في غيرها، وهذه قاعدة مشهورة ثابتة والكلام تخلص للموعظة والتهديد بالجزاء يوم البعث والجزاء من إحصاء الأعمال خيرها وشرها المعلومة من آيات كثيرة في القرآن.

وهذا التخلص بكلمة ﴿ إذ ﴾ الدالة على الزمان من ألطف التخلص.

وتعريف ﴿ المُتَلَقِّيان ﴾ تعريف العهد إذا كانت الآية نزلت بعد آيات ذُكر فيها الحفظة، أو تعريفُ الجنس، والتثنية فيها للإشارة إلى أن هذا الجنس مقسم اثنين اثنين.

والتلقّي: أخذ الشيء من يد معطيه.

استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس.

وحذف مفعول ﴿ يتلقى ﴾ لدلالة قوله: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ .

والتقدير: إذ تحصى أقوالهم وأعمالهم.

فيؤخذ من الآية أن لكل إنسان ملَكيْن يحصيان أعماله وأن أحدهما يكون من جهة يمينه والآخر من جهة شماله.

وورد في السنة بأسانيد مقبولة: أن الذي يَكون عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وورد أنهما يلازمان الإنسان من وقت تكليفه إلى أن يموت.

وقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ يجوز أن يكون ﴿ قعيد ﴾ بدلاً من ﴿ المتلقِّيان ﴾ بدل بعض، و ﴿ عن اليمين ﴾ متعلق ب ﴿ قعيد ﴾ ، وقدم على متعلَّقه للاهتمام بما دل عليه من الإحاطة بجانبيه وللرعاية على الفاصلة.

ويجوز أن يكون ﴿ عن اليمين ﴾ خبراً مقدماً، و ﴿ قعيد ﴾ مبتدأ وتكون الجملة بياناً لجملة ﴿ يتلقى المتلقيان ﴾ .

وعطف قوله: ﴿ وعن الشمال ﴾ على جملة ﴿ يتلقى ﴾ وليس عطفاً على قوله: ﴿ عن اليمين ﴾ لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين، بل كل من الجهتين قعيد مستقل بها.

والتقدير: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد آخر.

والتعريف في ﴿ اليمين ﴾ و ﴿ الشمال ﴾ تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف إليه، أي عن يمين الإنسان وعن شماله.

والقعيد: المُقَاعد مثل الجَليس للمجالس، والأكيل للمؤاكل، والشَّرِيب للمشارب، والخليطِ للمخالط.

والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول، فلمّا كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معاً، جاز مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلاً على القرينة، ولذلك قالوا لامرأة الرجل قعيدته.

والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كمَا أطلقوا القعيد على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه.

وجملة ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الخ مبينة لجملة ﴿ يتلقى المتلقيان ﴾ فلذلك فصلت.

و ﴿ ما ﴾ نافية وضمير ﴿ يلفظ ﴾ عائد للإنسان.

واللفظ: النطق بكلمةٍ دالة على معنى ولو جزء معنى، بخلاف القول فهو الكلام المفيد معنى.

و ﴿ مِن ﴾ زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ لديه رقيب عتيد ﴾ استثناء من أحوال عامة، أي ما يقول قولاً في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه.

والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله: ﴿ إلا لديه رقيب عتيد ﴾ لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شرّ ليكون عليه الجزاء فلا يَكتب الحفظة إلاّ ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة.

وقال الحسن: يكتبان كل ما صدر من العبد، قال مجاهد وأبو الجوزاء: حتى أنينه في مرضه.

وروي مثله عن مالك بن أنس.

وإنما خص القولُ بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم.

وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم، أو من أثر أذى النبي عليه الصلاة والسلام كإلقاء سلا الجذور عليه في صلاته، ونحو ذلك، فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها.

ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل بإلقاء الشُبَه، وتغرير الأغرار، ونحو ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم "، على أنه من المعلوم بدلالة الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك الدلالة كافية في تذكير المؤمنين.

وجملة ﴿ إلاّ لديه رقيب عتيد ﴾ في موضع الحال، وضمير ﴿ لديه ﴾ عائد إلى ﴿ الإنسان ﴾ [ق: 16]، والمعنى: لدى لفظه بقوله.

و ﴿ عتيد ﴾ فعيل من عتَد بمعنى هَيّأ، والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله عديد، أي مُعَدّ كما في قوله تعالى: ﴿ وأعتدَتْ لهن مُتَّكأ ﴾ [يوسف: 31].

وعندي أن ﴿ عتيد ﴾ هنا صفة مشبهة من قولهم (عَتُد) بضم التاء إذا جَسم وضَخم كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي ﴿ هذا ما لديّ عتيد ﴾ [ق: 23] ويحصل محسّن الجناس التام بين الكلمتين.

وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقّي في قوله: ﴿ المتلّقيان ﴾ بأنه تلّقي الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيراً حائماً حول جعل المفعول المحذوف لفعل ﴿ يتلقّى ﴾ ما دل عليه قوله بعده ﴿ ما يلفِظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء.

فالتقدير عندهم: إذ يتلقى المتلقيان عَمل الإنسان وقوله، فتكون هذه الجملة على تقديرهم منفصلة عن جملة ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ [ق: 19] كما سنبينه.

ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور قال: «ويحتمل أن يقال التلقّي الاستقبال، يقال: فلان تلقى الركب، وعلى هذا الوجه يكون معناه: وقت ما يتلقاه المتلقّيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من مَلَك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور، أي وقت تلقيهما وسؤالهما أنه من أي القبيلَيْن يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ملكان ينزلان، وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿ سائق وشهيد ﴾ [ق: 21].

فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى روحه من ملَك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة، وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم» اه.

وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ﴾ [الواقعة: 83 85].

ولا نوقف في سداد هذا التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملَك الموت عند قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها.

والمظنون بفخر الدين أنه اطلع على ذلك، وقد يؤيده ما ذكره القرطبي في «التذكرة» عن «مسند الطيالسي» عن البراء.

وعن كتاب «النسائي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حُضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى رَوْح وريحان وربّ راضضٍ غير غضبان، فإذا قبضه الملَك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء " وساق الحديث إلا أن في الحديث ملائكة جمعاً وفي الآية ﴿ المتلقيان ﴾ تثنية.

وعلى هذا الوجه يكون مفعول ﴿ يتلقى ﴾ ما دل عليه قوله بعده ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ .

والتقدير: إذ يتلقى المتلقّيان روح الإنسان.

ويكون التعريف في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ عوضاً عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد، وهو على التوزيع، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر.

ويكون ﴿ قعيد ﴾ مستعملاً في معنى: قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول، كقول الأزرق بن طرفة: رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريئاً ومن أجل الطّويّ رماني والاقتصار على ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ حينئذٍ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجّر أو أنين أو شهادة بالتوحيد، أو ضدها، ومن ذلك الوصايا والإقرارات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ الوَسْوَسَةُ كَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ بِما لا يَتَحَصَّلُ في خَفاءٍ وإسْرارٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ.

..

...

...

﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَبْلٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والأصَمُّ وهو الوَتِينُ.

الثّانِي: أنَّهُ عِرْقٌ في الحَلْقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِرْقُ العُنُقِ ويُسَمّى حَبْلُ العاتِقِ، وهُما ورِيدانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وسُمِّيَ ورِيدًا، لِأنَّهُ العِرْقُ الَّذِي يُنْصَبُ إلَيْهِ ما يُرَدُّ مِنَ الرَّأْسِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ الَّذِي هو مِنهُ.

الثّانِي: ونَحْنُ أمْلَكُ بِهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ اسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ونَحْنُ أعْلَمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، الَّذِي هو مِن نَفْسِهِ، لِأنَّهُ عِرْقٌ يِخالِطُ القَلْبَ، فَعِلْمُ الرَّبِّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ القَلْبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ الآيَةَ.

قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ، يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.

قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ عَمَلِكَ وقِيلَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ عَدَلَ واللَّهِ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَفي ﴿ قَعِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاعِدَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: المُرْصِدُ الحافِظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القُعُودِ.

قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: مَلَكانِ بِالنَّهارِ ومَلَكانِ بِاللَّيْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ أيْ ما يُتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن لَفَظَ الطَّعامَ، وهو إخْراجُهُ مِنَ الفَمِ.

﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ.

الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي ﴿ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحاضِرُ الَّذِي لا يَغِيبُ.

الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ المُعَدُّ إمّا لِلْحِفْظِ وإمّا لِلشَّهادَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَراهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ فِيما كانَ اَللَّهُ قَدْ أوْعَدَهُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو المَوْتَ، سُمِّيَ حَقًّا، إمّا لِاسْتِحْقاقِهِ، وإمّا لِانْتِقالِهِ إلى دارِ الحَقِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

وَتَقْدِيرُهُ: وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، ووَجَدْتُها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ.

﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَحِيدُ مِنَ المَوْتِ، فَجاءَهُ المَوْتُ.

الثّانِي: أنَّهُ يَحِيدُ مِنَ الحَقِّ، فَجاءَهُ الحَقُّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

وَفِي مَعْنى التَّحَيُّدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

(الثّانِي): العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَقَدْ قُلْتُ حِينَ لَمْ يَكُ عَنْهُ ∗∗∗ لِي ولا لِلرِّجالِ عَنْهُ مَحِيدٌ.

فَرَوى عاصِمُ بْنُ أبِي بَهْدَلَةَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّ عائِشَةَ قالَتْ عِنْدَ أبِيها وهو يَقْضِي لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وضاقَ بِها الصَّدْرُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: [هَلّا قُلْتِ كَما قالَ اللَّهُ] ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ أمّا السّائِقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ يَسُوقُهُ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَأمّا الشَّهِيدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهَذا قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ والحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ الإنْسانُ، يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِعَمَلِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في الكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ الكافِرُ، كانَ في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، كانَ في غَفْلَةٍ عَنِ الرِّسالَةِ مَعَ قُرَيْشٍ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَقَدْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في غَفْلَةٍ عَنْ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ لِأنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا بِالنُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إذا كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وقْتُ العَرْضِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نُزُولُ الوَحْيِ وتَحَمُّلُ الرِّسالَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بَصِيرَةُ القَلْبِ لِأنَّهُ يُبْصِرُ بِها مِن شَواهِدِ الأفْكارِ، ونَتائِجِ الِاعْتِبارِ ما تُبْصِرُ العَيْنُ ما قابَلَها مِن قِبَلِها مِنَ الأشْخاصِ والأجْسامِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَرِيعٌ كَسُرْعَةِ مَوْرِ الحَدِيدِ.

الثّانِي: صَحِيحٌ كَصِحَّةِ قَطْعِ الحَدِيدِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ بَصَرُ العَيْنِ وهو الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بَصِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَماذا يُدْرِكُ البَصَرُ؟

فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعايِنُ الآخِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِسانُ المِيزانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: ما أُمِرَ بِهِ مِن طاعَةٍ وحُذِّرَهُ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

الخامِسُ: العَمَلُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ يتلقى المتلقيان ﴾ قال: مع كل إنسان ملكان ملك عن يمينه وآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر.

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً أن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: إسم صاحب السيئات قعيد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الآية، قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ [ الرعد: 39] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ قال: إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني الماء.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لا يكتب إلا ما يؤجر عليه ويؤزر فيه، لو قال رجل لامرأته تعالي حتى نفعل كذا وكذا كان يكتب عليه شيء.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يلفظ من قول ﴾ الآية، قال: كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب السيئات عن يساره، فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر، فإذا كان يوم الخميس كتب ما يجزى به من الخير والشر، ويلقى ما سوى ذلك، ثم يعرض على أم الكتاب فيجده بجملته فيه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن علي رضي الله عنه قال: لسان الإِنسان قلم الملك وريقه مداده.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر عن الأحنف بن قيس في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ قال: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها، وإن أبى إلا أن يصر كتبها.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق ابن المبارك عن ابن جريج قال: ملكان أحدهما على يمينه يكتب الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.

قال ابن المبارك: وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ رقيب عتيد ﴾ قال: رصيد.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حجاج بن دينار قال: قلت لأبي معشر: الرجل يذكر الله في نفسه كيف تكتبه الملائكة؟

قال: يجدون الريح.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن الملائكة تصف بكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر فينادي الملك ألقِ تلك الصحيفة وينادي الملك الآخر ألقِ تلك الصحيفة، فيقولون ربنا قالوا خيراً وحفظنا عليهم فيقول إنهم لم يريدوا به وجهي وإني لا أقبل إلا ما أريد به وجهي وينادي الملك الآخر أكتب لفلان بن فلان كذا وكذا فيقول: يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه، وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في الإِخلاص وأبو الشيخ في العظمة عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من عباد الله فيكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين، قال: ويصعدون بعمل العبد من عباد الله فيستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيئاً، وإن لم يستغفر الله كتب عليه سيئة واحدة» .

وأخرج أبو الشيخ في التفسير عن حسان بن عطية قال: تذاكروا مجلساً فيه مكحول وابن أبي زكريا أن العبد إذا عمل خطيئة لم تكتب عليه ثلاث ساعات، فإن استغفر الله وإلا تكتب عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: إن من كان قبلكم كان يكره فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن يقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وأن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها.

أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، وأن عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟

أما يستحي أحدكم لو نشر صحيفته التي ملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به، فقال: تعست، فقال صاحب اليمين: ما هي بحسنة فأكتبها، وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فأكتبها، فنودي صاحب الشمال أن ما ترك صاحب اليمين فأكتبه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن بكر بن ماعز قال: جاءت بنت الربيع بن خيثم وعنده أصحاب له فقال: يا أبتاه أذهب ألعب.

قال: لا.

قال له أصحابه: يا أبا يزيد اتركها.

قال: لا يوجد في صحيفتي أني قلت لها: إذهبي فالعبي لكن إذهبي فقولي خيراً وافعلي خيراً.

وأخرج البيهقي في الشعب عن حذيفة بن اليمان أن الكلام بسبعة أغلاق إذ أخرج منها كتب، وإذا لم يخرج لم يكتب القلب واللهاة والحنكين والشفتين.

وأخرج الخطيب في رواة مالك وابن عساكر عن مالك أنه بلغه أن كل شيء يكتب حتى أنين المريض.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: يكتب على ابن آدم كل شيء يتكلم به حتى أنينه في مرضه.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن الفضيل بن عيسى قال: إذا احتضر الرجل قيل للملك الذي كان يكتب له كف قال: لا وما يدريني لعله يقول لا إله إلا الله فأكتبها له.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: يكتب من المريض كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين: اكتبوا لعبدي مثل الذي كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: إذا مرض العبد قال الملك يا رب إبتليت عبدك بكذا فيقول: ما دام في وثاقي فاكتبوا له مثل عمله الذي كان يعمل.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ قال: إذا إبتلى الله العبد بالسقم قال لصاحب الشمال إرفع، وقال لصاحب اليمين أكتب لعبدي ما كان يعمل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن النضر بن أنس قال: كنا نتحدث منذ خمسين سنة، أنه ما من عبد يمرض إلا قال الله لكاتبيه أكتبا لعبدي ما كان يعمل في صحته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: إذا مرض الرجل على عمل صالح أجرى له ما كان يعمل في صحته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال إذا مرض الرجل رفع له كل يوم ما كان يعمل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت بن مسلم بن يسار قال: إذا مرض العبد كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته.

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة فقال أكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدوداً في وثاقي» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مرض أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتلى الله المؤمن ببلاء في جسده قال للملك: أكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وُكِّلاَ به: قد مات فائذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان: أنقيم في الأرض؟

فيقول الله: أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني، فيقولان: فأين؟

فيقول: قوما على قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وأكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن عمر بن ذر عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ﴾ معني اللفظ في اللغة: الرمي من الفم.

يقال: لفظ الكلامَ، إذا رماه من أنفه وفمه.

والأرض تلفظ الميت إذا لم تقبله، والبحر يلفظ الشيء إذا رَمَى به إلى الساحل (١) ﴿ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ حافظ.

يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال.

قوله: ﴿ عَتِيدٌ ﴾ قال الكلبي: حاضر معه يحفظ عمله (٢) وقال الزجاج: ثابت لازم (٣) ﴿ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  ﴾ (٤) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 381، "المفردات" (452) (الفظ).

(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 165، "معالم التنزيل" 4/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 11، ولم ينسبوه لقائل.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.

(٤) ومما قال عند تفسيره الآية: يقال اعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عند الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، قاله الليث.

قال: ومن هنالك سميت العتيدة التي فيها طيب الرجل وأدهانه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ العتيد: الحاضر، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مقعد الملكين على الشفتين قلمهما اللسان ومدادهما الريق، وعموم الآية يقتضي أن الملكين يكتبان جميع أعمال العبد، ولذلك قال الحسن وقتادة: يكتبان جميع الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك، وقال عكرمة: إنما تكتب الحسنات والسيئات لا غير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ذكر هذه الأنباء لوجهين: أحدهما: يصبّر رسوله على أذى قومه وتكذيبهم أياه كما صبر أولئك يقول: إنك لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ فاصبر - أيضاً - وهو كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.

وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم.

ثم أصحاب الرس اختلف في الرس: [قيل]: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله  .

وقل: الرس: هو الوادي.

وقال بعضهم: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم،  .

وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم -  - في البئر.

وقال بعضهم: هم قوم الرسل الذين ذكره في سورة يس بقوله -  -: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ  ﴾ .

وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خدّ فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدّاً؛ لجري الدمع عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴾ أي: قوم لوط.

وقوله: ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾ قيل: إنه كان رجلا مسلماً صالحاً، مدحه الله -  - وذم قومه، سمي: تبعاً؛ لكثرة أتباعه.

ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه من كان؟

وما اسمه؟

كما ذكر بعض أهل التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر؛ احترازاً عن الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ يخوف أهل مكة أو أولئك الذين ذكرهم جميعاً قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق علهيم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟!

والثاني: ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾ أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة؟!

ثم قال بعضهم: الخلق الأول هو آدم،  .

وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي: هم في شك واختلاط من خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ هو يخرج- على وجهين: أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى مايدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله -  - ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ  ﴾ وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال الله -  -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ ، وقال في أية أخرى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ونحوه كثير من القرآن.

والثاني: يذكر ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله -  - هو العلم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَاماً كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهراً، أما ما يسرون في قلوبهم فالله هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ \[لا\] يفهم من قرب الرب -  - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى الله -  - وإنما يكون قرب العبد إلى الله -  - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله -  - لا قرب شيء [من شيء] آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب الله -  - إلى العبد للإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.

ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهراً وباطناً، والله أعلم.

وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكرب من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  ﴾ وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله -  -: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ  ﴾ يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي  : "من تقرب إلى [الله] شبراً تقرب منه شبرين" على ما ذكرنا من قرب الطاعة له, وقرب الرب إليه: بالنصر والمعوننة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾ قال بعضم: عرق العنق، والوريد: العنق.

وقال بعضهم: هو عرق بين القلب والحلقوم.

وقال بعضهم: هو عرف القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتقليين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظاً ورقيباً، وإن كان هو -  - حافظاً لجميع أفعالهم وأقوالهم، عالماً بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ذلك بمنزلة [واحدة] في حق الله -  - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة: أحدها: ليكونوا على حذر أبداً مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظاً ورقيباً في أمر يكون أبداً على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظاً ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله -  - فيستحي من ذلك أشد الأستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان إحصاء ذلك على الله -  - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى  ﴾ ، والله أعلم.

والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقولهم، وكتابة ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء السجود، ومن شاء بحمل العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك، ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟

وفيم شاء؟

ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم.

والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ومن محنة بن آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذا لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل محتمل.

والثالث:: وهو أن الله -  - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى كتابهم، ولا سمع سوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ليعلموا بذلك قدرة الله -  - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل خلق الله -  - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجساماً مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضاً.

ثم أخبر وقال: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً  ﴾ أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في الآخرة.

وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله -  - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك رؤية الله.

ثم قراءة العامة: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ ، وقرأ ابن مسعود -  -: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ ﴾ فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا.

[و] على قراءة العامة يخرج على وجهين: أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل.

والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما روي عن أبي أمامة -  - أنه قال: قال رسول الله  : "صاحب اليمين [أمير] على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر الله -  - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة" ويجوز أن يكون أحدهما كاتباً دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد  ﴾ ، ولم يقرأ: قال: قريناهز ويجوز أن يكون المتقليان جميعاً يكتبان؛ على ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك.

وروي - أيضاً - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ، وما سوى ذلك فلا.

ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله -  -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم، وكما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ أي: لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .

في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا [ما] في الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله -  - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ قال القتبي: أراد ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر، و ﴿ قَعِيدٌ ﴾ بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، ﴿ قَعِيدٌ ﴾ ؛ أي: مقاعد؛ وبه قال أبو عوسجة: ﴿ قَعِيدٌ ﴾ من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي وجليسي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ الرقيب: الحفيظ، والعتيد، الحاضر، أي: ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، و الله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما يقول من قول إلا لديه ملك رقيب على ما يقوله حاضر.

<div class="verse-tafsir" id="91.Xza1o"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.3 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر