الآية ٣٠ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٣٠ من سورة ق

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍۢ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة : هل امتلأت ؟

وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين ، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها ، ويلقى وهي تقول : ( هل من مزيد ) أي : هل بقي شيء تزيدوني ؟

هذا هو الظاهر من سياق الآية ، وعليه تدل الأحاديث : قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا عبد الله بن أبي الأسود ، حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يلقى في النار ، وتقول : هل من مزيد ، حتى يضع قدمه فيها ، فتقول قط قط " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟

حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط قط ، وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم في فضول الجنة " .

ثم رواه مسلم من حديث قتادة ، بنحوه .

ورواه أبان العطار وسليمان التيمي ، عن قتادة ، بنحوه .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا محمد بن موسى القطان ، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي ، حدثنا عوف ، عن محمد عن أبي هريرة - رفعه ، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان - : " يقال لجهنم : هل امتلأت ، وتقول : هل من مزيد ، فيضع الرب عز وجل قدمه عليها ، فتقول : قط قط " .

رواه أيوب وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، به .

طريق أخرى : قال البخاري : وحدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين .

وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم .

قال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي .

وقال للنار : إنما أنت عذابي ، أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله ، فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا آخر " .

حديث آخر : قال مسلم في صحيحه : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " احتجت الجنة والنار ، فقالت النار : في الجبارون والمتكبرون .

وقالت الجنة : في ضعفاء الناس ومساكينهم .

فقضى بينهما ، فقال للجنة : إنما أنت رحمتي ، أرحم بك من أشاء من عبادي .

وقال للنار : إنما أنت عذابي ، أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها " انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى ، عن أبي سعيد بأبسط من هذا السياق فقال : حدثنا حسن وروح قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد الخدري ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " افتخرت الجنة والنار ، فقالت النار : يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف .

وقالت الجنة : أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين .

فيقول الله عز وجل ، للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء .

وقال للجنة : أنت رحمتي وسعت كل شيء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فيلقى في النار أهلها فتقول : هل من مزيد ؟

قال : ويلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟

ويلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟

حتى يأتيها عز وجل ، فيضع قدمه عليها ، فتزوى وتقول : قدني ، قدني .

وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى ، فينشئ الله لها خلقا ما يشاء " .

حديث آخر : وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس ، حدثنا عبد الغفار بن القاسم ، عن عدي بن ثابت ، عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يعرفني الله عز وجل ، نفسه يوم القيامة ، فأسجد سجدة يرضى بها عني ، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني ، ثم يؤذن لي في الكلام ، ثم تمر أمتي على الصراط - مضروب بين ظهراني جهنم - فيمرون أسرع من الطرف والسهم ، وأسرع من أجود الخيل ، حتى يخرج الرجل منها يحبو ، وهي الأعمال .

وجهنم تسأل المزيد ، حتى يضع فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قط قط !

وأنا على الحوض " .

قيل : وما الحوض يا رسول الله ؟

قال : " والذي نفسي بيده ، إن شرابه أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وأطيب ريحا من المسك .

وآنيته أكثر من عدد النجوم ، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدا ، ولا يصرف فيروى أبدا " .

وهذا القول هو اختيار ابن جرير .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى الحماني عن نضر الخزاز ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قال : ما امتلأت ، قال : تقول : وهل في من مكان يزاد في .

وكذا روى الحكم بن أبان عن عكرمة : ( وتقول هل من مزيد ) : وهل في مدخل واحد ، قد امتلأت .

[ و ] قال الوليد بن مسلم ، عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدا يقول : لا يزال يقذف فيها حتى تقول : قد امتلأت فتقول : هل [ في ] من مزيد ؟

وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا .

فعند هؤلاء أن قوله تعالى : ( هل امتلأت ) ، إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه ، فتنزوي وتقول حينئذ : هل بقي في [ من ] مزيد ؟

يسع شيئا .

قال العوفي ، عن ابن عباس : وذلك حين لا يبقى فيها موضع [ يسع ] إبرة .

فالله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ) يقول: وما أنا بظلام للعبيد في ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ ) وذلك يوم القيامة, ويوم نقول من صلة ظلام.

وقال تعالى ذكره لجهنم يوم القيامة : ( هَلِ امْتَلأْتِ ) ؟

لما سبق من وعده إياها بأنه يملأها من الجِنَّة والناس أجمعين.

أما قوله ( هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله, فقال بعضهم: معناه: ما من مزيد.

قالوا: وإنما يقول الله لها: هل امتلأت بعد أن يضع قدمه فيها, فينـزوي بعضها إلى بعض, وتقول: قطِ قطِ, من تضايقها; فإذا قال لها وقد صارت كذلك: هل امتلأت؟

قالت حينئذ: هل من مزيد: أي ما من مزيد, لشدّة امتلائها, وتضايق بعضها إلى بعض.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) قال ابن عباس: " إن الله الملك تبارك وتعالى قد سبقت كلمته: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فلما بعث الناس وأحضروا, وسيق أعداء الله إلى النار زمرا, جعلوا يقتحمون في جهنم فوجا فوجا, لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها, ولا يملأها شيء, قالت: ألستَ قد أقسمت لتملأني من الجِنَّة والناس أجمعين؟

فوضع قدمه, فقالت حين وضع قدمه فيها: قدِ قدِ, فإني قد امتلأت, فليس لي مزيد, ولم يكن يملأها شيء, حتى وَجَدَتْ مسّ ما وُضع عليها, فتضايقت حين جعل عليها ما جعل, فامتلأت فما فيها موضع إبرة ".

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) قال: وعدها الله ليملأنها, فقال: هلا وفيتك؟

قالت: وهل من مَسلك.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) كان ابن عباس يقول: " إن الله الملك, قد سبقت منه كلمة لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ لا يلقى فيها شيء إلا ذهب فيها, لا يملأها شيء, حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها, وهي لا يملأها شيء, أتاها الربّ فوضع قدمه عليها, ثم قال لها: هل امتلأت يا جهنم؟

فتقول: قطِ قطِ; قد امتلأت, ملأتني من الجنّ والإنس فليس في مزيد; قال ابن عباس: ولم يكن يملأها شيء حتى وجدت مسّ قدم الله تعالى ذكره, فتضايقت, فما فيها موضع إبرة ".

وقال آخرون: بل معنى ذلك: زدني, إنما هو هل من مزيد, بمعنى الاستزادة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين بن ثابت, عن أنس, قال: " يلقى في جهنم وتقول: هل من مزيد ثلاثا, حتى يضع قدمه فيها, فينـزوي بعضها إلى بعض, فتقول: قطِ قطِ, ثلاثا ".

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) لأنها قد امتلأت, وهل من مزيد: هل بقي أحد؟

قال: هذان الوجهان في هذا, والله أعلم, قال: قالوا هذا وهذا.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو بمعنى الاستزادة, هل من شيء أزداده؟

وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بما حدثني أحمد بن المقدام العجلي, قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاويّ, قال: ثنا أيوب, عن محمد, عن أبي هُريرة, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إِذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ, لَمْ يَظْلِمِ اللّهُ أحَدًا مِنْ خَلْقِهِ شَيْئا, وَيُلْقِي فِي النَّارِ, تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ, حتى يَضَعَ عَلَيْها قَدَمَهُ, فَهنالكَ يَمْلأها, وَيُزْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ".

حدثنا أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة, عن أنس, قال: " ما تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟

حتى يضع الله عليها قدمه, فتقول: قدِ قدِ, وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا, فيُسكنه فضول الجنة ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا أيوب وهشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن أبي هُريرة, قال: " اختصمت الجنة والنار , فقالت الجنة: ما لي إنما يدخلني فقراء الناس وسقطهم; وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون, فقال: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء, وأنت عذابي أصيب بك من أشاء, ولكل واحدة منكما ملؤها.

فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء.

وأما النار فيُلقون فيها وتقول: هل من مزيد؟

ويلقون فيها وتقول هل من مزيد, حتى يضع فيها قدمه, فهناك تملأ ويزوى بعضها إلى بعض, وتقول: قط, قط" (11) .

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن ثور, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " احْتَجَّت الجَنَّةُ والنَّارُ, فَقالَتِ الجَنَّةُ: مالي لا يَدخُلُنِي إلا فُقَرَاءُ النَّاسِ؟

وَقالَتِ النَّارُ: مالي لا يَدْخُلُنِي إلا الجَبَّارُون والمُتَكَبِّرُونَ؟

فَقالَ للنَّار: أنْت عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ; وَقالَ للْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ, وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها; فأمَّا الجَنَّةُ فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا ما شاء; وأمَّا النَّارَ فَيُلْقَوْنَ فِيها وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ, حتى يَضَعَ قَدمَهُ فيها, هُنالكَ تَمْتَلِئ , وَيَنـزوي بَعْضُها إلى بَعْضٍ, وَتَقُولُ: قَطْ, قَطْ".

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيها وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حتى يَضَعَ رَبُّ العَالمِينَ قَدَمَهُ, فَيَنـزوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَدْ, قَدْ, بِعِزَّتِك وكَرَمِكَ, وَلا يَزَالُ فِي الجَنَّة فَضْلٌ حتى يُنْشئ اللّهُ لَهَا خَلْقا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ ".

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الصمد, قال: ثنا أبان العطار, قال: ثنا قتادة, عن أنس, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قال: " لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حتى يَضَعَ رَبُّ العَالمِينَ فيها قَدَمَه, فَيَنـزوِي بَعْضُها إلى بَعْض, فَتَقُولُ: بِعِزَّتِكَ قَطْ, قَطْ; وَما يَزَالُ فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ حتى يُنْشِئَ اللّهُ خَلْقا فَيُسْكِنَه في فَضْلِ الجَنَّةِ ".

قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: ثنا قتادة, عن أنس, قال: ما تزال جهنم تقول: هل من مزيد فذكر نحوه " غير أنه قال: أو كما قال.

حدثنا زياد بن أيوب, قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف, عن سعيد, عن قتادة, عن أنس, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قال: " احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ, فَقالَتِ النَّارُ: يَدْخُلُنِي الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ; وَقالَتِ الجنَّةُ: يَدخُلُنِي الفُقَرَاءُ وَالمَساكِينُ; فأَوْحَى اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى الجَنَّة: أنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ; وأَوْحَى إلى النَّار: أنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ, وَلِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها; فأمَّا النَّارُ فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟

حتى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيها, فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ".

ففي قول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ " دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي, لأن قوله: " لا تزال " دليل على اتصال قول بعد قول.

------------------ الهوامش : (11) قط قط ، وتقدم قبله : قد قد .

وهما بمعنى : كفى كفى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد قرأ نافع وأبو بكر " يوم يقول " بالياء اعتبارا بقوله : لا تختصموا لدي .

الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى وهي نون العظمة .

وقرأ الحسن " يوم أقول " .

وعن ابن مسعود وغيره " يوم يقال " .

وانتصب يوم على معنى ما يبدل القول لدي يوم .

وقيل : بفعل مقدر معناه : وأنذرهم يوم نقول لجهنم هل امتلأت لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها .

وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره ، والتحقيق لوعده ، والتقريع لأعدائه ، والتنبيه لجميع عباده .

وتقول جهنم هل من مزيد أي : ما بقي في موضع للزيادة ; كقوله عليه السلام : ( هل ترك لنا عقيل من ربع [ ص: 18 ] أو منزل ) أي : ما ترك ; فمعنى الكلام الجحد .

ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة ; أي : هل من مزيد فأزداد ؟

.

وإنما صلح هذا للوجهين ; لأن في الاستفهام ضربا من الجحد .

وقيل : ليس ثم قول وإنما هو على طريق المثل ; أي : إنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك ; كما قال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد وغيره .

أي : هل في من مسلك قد امتلأت .

وقيل : ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح .

وهذا أصح على ما بيناه في سورة " الفرقان " ، وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " لفظ مسلم .

وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة : وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا .

قال علماؤنا رحمهم الله : أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم الله إلى النار ، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار .

وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم ; يقال : رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد ، قال الشاعر : فمر بنا رجل من الناس وانزوى إليهم من الحي اليمانين أرجل قبائل من لخم وعكل وحمير على ابني نزار بالعداوة أحفل ويبين هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود أنه قال : ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع [ ص: 19 ] ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه ، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته ، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة : قط قط حسبنا حسبنا !

أي : اكتفينا اكتفينا ، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر .

فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم ; ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث : ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة وقد زدنا هذا المعنى بيانا ومهدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله .

وقال النضر بن شميل في معنى قوله عليه السلام : حتى يضع الجبار فيها قدمه أي : من سبق في علمه أنه من أهل النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى، مخوفًا لعباده: { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ } وذلك من كثرة ما ألقي فيها، { وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } أي: لا تزال تطلب الزيادة، من المجرمين العاصين، غضبًا لربها، وغيظًا على الكافرين.وقد وعدها الله ملأها، كما قال تعالى { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه، فينزوي بعضها على بعض، وتقول: قط قط، قد اكتفيت وامتلأت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يوم نقول لجهنم ) قرأ نافع وأبو بكر " يقول " بالياء ، أي : يقول الله ، لقوله : " قال لا تختصموا " ، وقرأ الآخرون بالنون ( هل امتلأت ) وذلك لما سبق لها من وعده إياها أنه يملؤها من الجنة والناس ، وهذا السؤال من الله - عز وجل - لتصديق خبره وتحقيق وعده ( وتقول ) جهنم ( هل من مزيد ) قيل : معناه قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلئ ، فهو استفهام إنكار ، هذا قول عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان .

وقيل : هذا استفهام بمعنى الاستزادة ، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح ، وعلى هذا يكون السؤال بقوله : " هل امتلأت " ، قبل دخول جميع أهلها فيها ، وروي عن ابن عباس : أن الله تعالى سبقت كلمته " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " ( السجدة - 13 ) ، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها شيء ، فتقول : ألست قد أقسمت لتملأني ؟

فيضع قدمه عليها ، ثم يقول : هل امتلأت ؟

فتقول : قط قط قد امتلأت فليس في مزيد .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أخبرنا [ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ] حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي ، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد ، حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فتقول قط قط وعزتك ، ويزوي بعضها إلى بعض ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنه فضول الجنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يوم» ناصبه ظلام «نقول» بالنون والياء «لجهنم هل امتلأت» استفهام لوعده بمثلها «وتقول» بصورة الاستفهام كالسؤال «هل من مزيد» أي لا أسع غير ما امتلأت به، أي قد امتلأت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكر -أيها الرسول- لقومك يوم نقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟

وتقول جهنم: هل من زيادة من الجن والإنس؟

فيضع الرب -جل جلاله- قدمه فيها، فينزوي بعضها على بعض، وتقول: قط، قط.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) أى : اذكر - أيها العاقل - لتتعظ وتعتبر - يوم نقول لجهنم هل امتلأت من كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب ، واكتفيت من كل من جعل معى إلها آخر .

.فترد جهنم وتقول : يا إلهى ( هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) أى : يا إلهى هل بقى شئ منى لم يملتئ من هؤلاء الكافرين؟

أنت تعلم يا خالقى أنى قد امتلأت ، ولم يبق منى موضع لقدم .قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر الله - تعالى - أنه يقول لجهنم يوم القيامة : هل امتلأت؟

وذلك أنه وعدها أنه سيملؤها من الجِنَّة والناس أجمعين ، فهو - سبحانه - يأمر بمن يأمر به إليهان ويلقى فيها وهى تقول : ( هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) أى : هل بقى شئ تزيدونى؟

.هذا هو الظاهر من سياق الآية ، وعليه تدل الأحاديث ، فقد أخرج البخارى عن أنس بن مالك .

عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " يُلْقَى فى النار - الكفرة - وتقول : هل من مزيد ، حتى يضع - سبحانه - فيها قدمه فتقول : قَطْ قَطْ - أى : حسبى حسبى " .وعن ابن عباس قوله : ( وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) أى : وهل فِيَّ من مكان يزاد فِيَّ .وعن عكرمة قوله : وتقول : ( هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) وهل فىَّ مدخل واحد؟

قد امتلأت .وقال الشوكانى : وهذا الكلام على طريق التخييل والتمثيل ولا سؤال ولا جواب .

كذا قيل : والأَوْلَى أنه على طريقة التحقيق ، ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع .قال الواحدى : أرادها الله تصديق قوله : ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ ) .

فلما امتلأت قال لها : ( هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) أى : قد امتلأت ولم يبق فى موضع لم يمتلئ .

وقيل : إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة .

أى : إنها تطلب الزيادة على منقد صار فيها ..

والمزيد إما مصدر كالمحيد .

أو اسم مفعول كالمنيع ، فالأولى بمعنى : له من زيادة .

والثانى بمعنى هل من شئ تزيدونيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

العامل في ﴿ يَوْمٍ ﴾ ماذا؟

فيه وجوه: الأول: ما أنا بظلام مطلقاً.

والثاني: الوقت، حيث قال ما أنا يوم كذا، ولم يقل: ما أن بظلام في سائر الأزمان، وقد تقدم بيانه، فإن قيل فما فائدة التخصيص؟

نقول النفي الخاص أقرب إلى التصديق من النفي العام لأن المتوهم ذلك، فإن قاصر النظر يقول: يوم يدخل الله عبده الضعيف جهنم يكون ظالماً له، ولا يقول: بأنه يوم خلقه يرزقه ويربيه يكون ظالماً، ويتوهم أنه يظلم عبده بإدخاله النار، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده المذكورين، ويتوهم أنه من يدخل خلقاً كثيراً لا يجوزه حد، ولا يدركه عد النار، ويتركهم فيها زماناً لا نهاية له كثير الظلم، فنفى ما يتوهم دون ما لا يتوهم، وقوله: ﴿ هَلِ امتلأت ﴾ بيان لتصديق قوله تعالى: ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه لبيان استكثارها الداخلين، كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً، أو يشتمه شتماً قبيحاً فاحشاً، ويقول المضروب: هل بقي شيء آخر!، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ لأْمْلاَنَّ ﴾ لأن الامتلاء لابد من أن يحصل، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد.

والثاني: هو أنها تطلب الزيادة، وحينئذ لو قال قائل فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى: ﴿ لأَمْلاَنَّ ﴾ ؟

نقول: الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل، وفيه لطيفة، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجاً، فيدخل العاصي من المؤمنين، فيبرد إيمانه حرارتها، ويسكن إيقانه غيظها فتسكن، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار، أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله.

الثاني: أن تكون جهنم تطلب أولاً سعة في نفسها، ثم مزيداً في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار.

الثالث: أن الملء له درجات، فإن الكيل إذا ملئ من غير كبس صح أن يقال: ملئ وامتلأ، فإذا كبس يسع غيره ولا ينافي كونه ملآن أو لا، فكذلك في جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة تضييقاً للمكان عليهم وزيادة في التعذيب، والمزيد جاز أن يكون بمعنى المفعول، أي هل بقي أحد تزيد به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ نقول ﴾ بالنون والياء.

وعن سعيد بن جبير: يوم يقول الله لجهنم.

وعن ابن مسعود والحسن: يقال.

وانتصاب اليوم بظلام أو بمضمر.

نحو: أذكر وأنذر.

ويجوز أن ينتصب بنفخ، كأنه قيل: ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم.

وعلى هذا يشار بذلك إلى يوم نقول، ولا يقدّر حذف المضاف.

وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان، أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء ولا يزاد على امتلائها، لقوله تعالى: ﴿ لأَ مْلاَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ [السجدة: 13] والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع للمزيد.

ويجوز أن يكون ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ استكثاراً للداخلين فيها واستبداعاً للزيادة عليهم لفرط كثرتهم.

أو طلباً للزيادة غيظاً على العصاة.

والمزيد: إما مصدر كالمحيد والمميد، وإما اسم مفعول كالمبيع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ سُؤالٌ وجَوابٌ جِيءَ بِهِما لِلتَّخْيِيلِ والتَّصْوِيرِ، والمَعْنى أنَّها مَعَ اتِّساعِها تُطْرَحُ فِيها الجِنَّةُ والنّاسُ فَوْجًا فَوْجًا حَتّى تَمْتَلِئَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ أوْ أنَّها مِنَ السِّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها بَعْدُ فَراغٌ، أوْ أنَّها مِن شِدَّةِ زَفِيرِها وحِدَّتِها وتَشَبُّثِها بِالعُصاةِ كالمُسْتَكْثِرَةِ لَهم والطّالِبَةِ لِزِيادَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ يَقُولُ بِالياءِ وال ( مَزِيدٍ ) إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ أوْ مَفْعُولٌ كالمَبِيعِ، ويَوْمَ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِ نُفِخَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِ فَلا يَفْتَقِرُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يوم} نصب بظلام او بمضمر هو اذكر وانذر {يقول} نافع واو بكرى أي يقول الله {لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} وهو مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد اى هل تقى فيّ موضع لم يمتليء يعني قد امتلأت أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وهذا على تحقيق القول من جهنم وهو غير مستنكر كانطاق الجوارح والسؤال لتوبخ الكفرة لعلمه

تعالى بأنها امتلأت أم لا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ ﴾ أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْ يَوْمَ إلَخْ.

فَيَوْمٌ.

مَفْعُولٌ بِهِ لِمُقَدَّرٍ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ.

لِظَلّامٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ نُفِخَ.

كَأنَّهُ قِيلَ: ونُفِخَ في الصُّورِ يَوْمَ، وعَلَيْهِ يُشارُ بِذَلِكَ إلى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما بَعْدُ جائِزَةٌ لا سِيَّما إذا كانَتْ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ اليَوْمُ أيْ يَوْمُ القَوْلِ يَوْمُ الوَعِيدِ، ولا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ عَلى ما مَرَّ في الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى النَّفْخِ.

وهَذا الوَجْهُ كَما قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ بُعْدٌ لِبُعْدِهِ عَنِ العامِلِ وتَخَلُّلِ ما لا يَصْلُحُ اعْتِراضًا عَلى أنَّ زَمانَ النَّفْخِ لَيْسَ يَوْمَ القَوْلِ إلّا عَلى سَبِيلِ فَرْضِهِ مُمْتَدًّا واقِعًا ذَلِكَ في جُزْءٍ مِنهُ وهَذا في جُزْءٍ وكُلٌّ خِلافُ الظّاهِرِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعَتْ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هو بَعِيدٌ جِدًّا قَدْ فَصَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ فَلا يُناسِبُ فَصاحَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ وبَلاغَتَهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وكَذا في نَظِيرِ ذَلِكَ مِنِ اشْتِكاءِ النّارِ والإذْنُ لَها بِنَفَسَيْنِ وتُحاجُّ النّارُ والجَنَّةُ، ونَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِاعْتِقادِ الظّاهِرِ ما لَمْ لا يَمْنَعُ مانِعٌ ولا مانِعَ هاهُنا، فَإنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ والعَقْلَ مُجَوِّزٌ والظَّواهِرُ قاضِيَةٌ بِوُقُوعِ ما جَوَّزَهُ العَقْلُ، وأُمُورُ الآخِرَةِ لا يَنْبَغِي أنْ تُقاسَ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ نَقُولُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ والمَعْنى أنَّها مَعَ اتِّساعِها وتَباعُدِ أقْطارِها نَطْرَحُ فِيها مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ حَتّى تَمْتَلِئَ ولا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ لا مَزِيدَ عَلى امْتِلائِها ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وجُوِّزَ في نَفْيِ الزِّيادَةِ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ وأنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنِ الِاسْتِكْثارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها مِنَ السِّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها فَراغٌ وخُلُوٌّ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ فِيها مَوْضِعٌ لِلْمَزِيدِ لِسِعَتِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ غَيْظِها عَلى العُصاةِ كَأنَّها طالِبَةٌ لِزِيادَتِهِمْ.

واسْتَشْكَلَ دَعْوى أنَّ فِيها فَراغًا بِأنَّهُ مُنافٍ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ الآيَةَ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ لِأنَّ الِامْتِلاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ لا يَخْلُو طَبَقَةٌ مِنها عَمَّنْ يَسْكُنُها وإنْ كانَ فِيها فَراغٌ كَثِيرٌ كَما يُقالُ: إنَّ البَلْدَةَ مُمْتَلِئَةٌ بِأهْلِها لَيْسَ فِيها دارٌ خالِيَةٌ مَعَ ما بَيْنَها مِنَ الأبْنِيَةِ والأفْضِيَةِ أوْ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ فالفَراغُ في أوَّلِ الدُّخُولِ فِيها ثُمَّ يُساقُ إلَيْها الشَّياطِينُ ونَحْوُهم فَتَمْتَلِئُ، هَذا ويَدُلُّ غَيْرُ ما حَدِيثٍ أنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ حَقِيقَةً إلّا أنَّهُ لا يَدْرِي حَقِيقَةَ ما يُوضَعُ فِيها حَتّى تَمْتَلِئُ إذِ الأحادِيثُ في ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي لا يُرادُ بِها ظَواهِرُها عِنْدَ الأكْثَرِينَ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ فَيَزْوِيَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولَ قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنُهم في فُضُولِ الجَنَّةِ)».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَحاجَّتِ الجَنَّةُ والنّارُ فَقالَتِ النّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ والمُتَجَبِّرِينَ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقَطُهم فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي وقالَ لِلنّارِ: إنَّما أنْتِ عَذابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنكُما مِلْؤُها فَأمّا النّارُ فَلا تَمْتَلِئُ حَتّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُناكَ تَمْتَلِئُ ويَزْوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ ولا يَظْلِمُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ أحَدًا وأمّا الجَنَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْشِئُ لَها خَلْقًا)».

وأوَّلَ أهْلُ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنَّ القَدَمَ الكُفّارُ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى دُخُولُهُمُ النّارَ والقَدَمُ تَكُونُ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ وظاهِرُ الحَدِيثِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي دُخُولَ غَيْرِ الكُفّارِ قَبْلَهم وهو في غايَةِ البُعْدِ ولَعَلَّ في الأخْبارِ ما يُنافِيهِ.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: قَدَمَهُ أيِ الَّذِينَ قَدَّمَهم لَها مِن شِرارِ خَلْقِهِ فَهم قَدَمُ اللَّهِ تَعالى لِلنّارِ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ قَدَمُهُ لِلْجَنَّةِ والقَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو كَما تَرى، ويُبْعِدُهُ ما في حَدِيثِ أحْمَدَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «(فَيُلْقى فِيها، أيِ النّارِ، أهْلُها فَتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ ويُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَأْتِيَها عَزَّ وجَلَّ فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَتَنْزَوِيَ وتَقُولُ: قَدْنِي قَدْنِي)».

وأوَّلُوا الرِّجْلَ بِالجَماعَةِ ومِنهُ ما جاءَ في أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِن جَرادٍ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى تُبْعِدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: وضْعُ القَدَمِ أوِ الرِّجْلِ عَلى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّدْعِ والقَمْعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَأْتِيها أمْرُ اللَّهِ تَعالى فَيَكُفُّها مِن طَلَبِ المَزِيدِ.

وقَرِيبٌ مِنهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ القَدَمَ يُكَنّى بِها عَنْ صِفَةِ الجَلالِ كَما يُكَنّى بِها عَنْ صِفَةِ الجَمالِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ تَسْكِينُ فَوْرَتِها كَما يُقالُ لِلْأمْرِ تُرِيدُ إبْطالَهُ: وضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمِي أوْ تَحْتَ رِجْلِي، وهَذانِ القَوْلانِ أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَحِيدِ أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ أُعِلَّ إعْلالَ المَبِيعِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ (يَوْمَ يَقُولُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والأعْمَشُ أيْضًا (يُقالُ) .

مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ قَرِينُهُ يعني: ملكه الذي كان يكتب عمله هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ يعني: هذا الذي وكلتني به قد أتيتك به، وهو حاضر يقول الله عز وجل أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ يعني: يقول للملكين ألقيا في جهنم كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ وقال بعضهم هذا أمر للملك الواحد بلفظ الاثنين، وقال الفراء: يرى أصل هذا أن أن الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة نفر، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء: قيلاً يا صاحبي، ويا خليلي، قال الشاعر: فقلت لصاحبي لا تحبساني، وأدنى ما يكون الأمر والنهي في الإعراب اثنان، فجرى كلامهم على ذلك ومثل هذا قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ويقال: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ، على معنى تكرير الأمر، يعني: ألق ألق، وهو على معنى التأكيد، وكذلك في قوله: قفا، معناه قف قف.

وقال الزجاج: عندي أن قوله أَلْقِيَا أَمر للملكين، وقال بعضهم: الأمر للواحد بلفظ الاثنين واقع في إطلاق العرب، وكان الحجاج يقول: يا حرسي اضربا عنقه كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، يعني: كل جاحد بتوحيد الله تعالى معرض عن الإيمان، وقال مقاتل: يعني: الوليد بن المغيرة.

ويقال هذا في جميع الكفار الذين ذكر صفتهم في هذه الآية، وهي قوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا يخرج حق الله من ماله، ويقال: «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» يعني يمتنع عن الإسلام مُعْتَدٍ مُرِيبٍ المعتدي هو الظلوم الغشوم، والمريب الشاك في توحيد الله تعالى قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: أشرك بالله عز وجل فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ يعني: في النار قالَ قَرِينُهُ يعني: شيطانه رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ يعني: لم يكن لي قوة أن أضله وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ يعني: في خطأ طويل بعيد عن الحق، يقول الله تعالى لابن آدم وشيطانه قالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي لا تختصموا عندي وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ يعني: أخذت عليكم الحجة، وأخبرتكم بالكتاب والرسول مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ يعني: لا يغير قضائي وحكمي الذي حكمت، ويقال: لا يكذب وعيدي وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعني: لا أعذب أحداً بغير ذنب، ويقال: مَا يُبَدِّلُ القول لدى، يعني: لا يغير عن جهته، ولا يحذف منه، ولا يزاد فيه، لأني أعلم كيف ضلوا، وكيف أضللتموهم، وروى سالم عن أبيه عن النبيّ  أنه قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وُكِّلَ بِهِ قَرِيُنُه مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ» ، قالوا: وإياك يا رسول الله  » ؟

قال: «وَإيَّايْ وَلَكِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأمُرُنِي إلاَّ بِخَيرٍ» ، وعن الربيع، عن أنس، قال: سألت أبا العالية عن قوله عز وجل: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: 31] وهاهنا يقول: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فقال: لا تختصموا لدي في أهل النار، والأخرى في المؤمنين في المظالم، فيما بينهم، وقال مجاهد: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: 29] يعني: لقد قضيت ما أنا قاض قوله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر يِقُولُ بِاليَاء يعني: يقول الله تعالى، قرأ الباقون بالنون، ومعناه كذلك يوم صار نصباً على معنى مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذلك اليوم، ويقال على معنى أنذرهم يوم، كقوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم: 39] ثم قال: هَلِ امْتَلَأْتِ يعني: هل أوفيتك ما وعدتك، وهو قوله لأَملأن جَهَنَّمَ فَتَقُولُ النار هَلْ مِنْ مَزِيدٍ يعني: هل من زيادة وقال عطية: هل من موضع، ويقال معناه هل امتلأت، أي قد امتلأت، فليس من مزيد، ويقال: أنا طلبت الزيادة تغيظاً لمن فيها، وروى وكيع بإسناده عن أبي هريرة قال: «لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَسَأَل الزِّيَادَة حتى يضع الله فيها قدمه فَتَقُولُ جَهَنَّمَ يَا رَبَّ قط قط» أي حسبي حسبي، وقال في رواية الكلبي نحو هذا، ويقال تضيق بأهلها حتى لا يكون فيها مدخل لرجل واحد.

قال أبو الليث: قد تكلم الناس في مثل هذا الخبر قال بعضهم: نؤمن به ولا نفسره، وقال بعضهم: نفسره على ما جاء بظاهر لفظه، وتأوله بعضهم وقال: معنى الخبر بكسر القاف يضع قدمه وهم أقوام سالفة فتمتلئ بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ ...

الآية، يحتمل أنْ يكون الَّذِي بدلاً من كَفَّارٍ، أو صفةً له، وَيَقْوَى عندي أَنْ يكونَ الَّذِي ابتداءً ويتضمن القولُ حينئذ بني آدم والشياطينَ المغوينَ لهم في الدنيا، ولذلك تَحَرَّكَ القرينُ، الشيطانُ المُغْوِي، فرام أَنْ يُبْرِىءَ نفسه ويخلصها بقوله: رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ.

وقوله: رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ ليست بحجة لأَنَّهُ كَذَبَ أَنْ نفى الإطغاء عن نفسه جملةً، وهو قد أطغاه بالوسوسة والتزيينِ، وأَطغاه اللَّه بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، سبحانه لا رَبَّ غيرُه.

وقوله سبحانه: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ معناه: قال اللَّه: لا تختصموا لديَّ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئاً وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وهو ما جاءت به الرسلُ والكتب، وجُمِعَ الضمير لأَنَّه مخاطبة لجميع القرناء إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط.

وقوله سبحانه: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي: لا ينقض ما أبرمه كلامي من تعذيب الكفرة، ثم أزال سبحانه موضعَ الاعتراض بقوله: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي: هذا عدل فيهم لأَنِّي أنذرت، وأمهلت، وأنعمتُ، وقرأ الجمهور: «يَوْمَ نَقُولُ» بالنون، وقرأ نافعٌ وعاصم في رواية أبي بَكْر بالياء، وهي قراءة أهل المدينة «١» ، قال ع «٢» : والذي يترجَّحُ في قول جهنم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أَنَّها حقيقة، وأَنَّها قالت ذلك، وهي غير ملأى، وهو قول أنس بن مالك، ويبين ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يَقُولُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلأْتِ؟

وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟!

حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ» «٣» ولفظ البخاريِّ عن أبي هريرةَ قال: قَالَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَوْمَ نَقُولُ" بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ.

[وَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَوْمَ يَقُولُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ] .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ يُقالُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ القافِ وإثْباتِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وانْتِصابُ "يَوْمٍ" عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ.

فَأمّا فائِدَةُ سُؤالِهِ إيّاها، وقَدْ عَلِمَ هَلِ امْتَلَأتْ أمْ لا، فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] وفي قَوْلِها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ قَوْلانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فالمَعْنى: هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟

أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ.

والثّانِي: أنَّها تَقُولُ تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى اللَّهَ تَعالى، وجَعَلَ اللَّهُ فِيها أنَّ تُمَيِّزَ وتُخاطِبَ، كَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ  ﴾ وفي المَخْلُوقاتِ أنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ [الشِّرْكَ] (غَيْرَ بَعِيدٍ) أيْ: جُعِلَتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ حَيْثُ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ، ويُقالُ لَهُمْ: "هَذا" الِذِي تَرَوْنَهُ ﴿ ما تُوعَدُونَ ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ ﴿ لِكُلِّ أوّابٍ ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] .

وفي ﴿ حَفِيظٍ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في [الأنْبِياءِ: ٤٩] ﴿ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

﴿ ادْخُلُوها ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴿ بِسَلامٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَلِمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلِمُوا فِيها مِنَ الغُمُومِ والتَّغَيُّرِ والزَّوالِ، وسَلَّمَ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِمْ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا زَوالَ.

﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ حَتّى تَنْتَهِيَ مَسائِلُهُمْ، فَيُعْطَوْنَ ما شاؤُوا، ثُمَّ يَزِيدُهم ما لَمْ يَسْألُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ .

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المَزِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ رَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ قالَ: يَتَجَلّى لَهم.» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ : يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَعالى في كُلِّ جُمْعَةٍ.

والثّانِي: أنَّ السَّحابَ يَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ، فَيُمْطِرُهُمُ الحُورَ، فَتَقُولُ الحُورُ: نَحْنُ اللَّواتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ عَلى ما تَمَنَّوْهُ وسَألُوا مِمّا لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَنَقَّبُوا " بِفَتْحِ النُّونِ والقافِ مَعَ تَشْدِيدِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ.

كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا القافَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ تَهَدُّدًا.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها.

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى "فَنَقَبُوا" سارُوا في البِلادِ، فَهَلْ كانَ لَهم مِنَ المَوْتِ "مِن مَحِيصٍ" فَأُضْمِرَتْ "كانَ" ها هُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ  ﴾ أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم ناصِرٌ.

ومَن قَرَأ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ، فَإنَّهُ كالوَعِيدِ؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا في البِلادِ وجِيئُوا فَهَلْ مِنَ المَوْتِ مِن مَحِيصٍ؟!

وقالَ الزَّجّاجُ: "نَقِّبُوا": طَوِّقُوا وفَتِّشُوا، فَلَمْ تَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ فَأمّا المَحِيصُ: فَهو المَعْدِلُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَهُ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٢١ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرَهُ مِن إهْلاكِ القُرى ﴿ لَذِكْرى ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً وعِظَةً ﴿ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَقْلٌ.

قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ أنْ تَقُولَ: ما لَكَ قَلْبٌ، وما مَعَكَ قَلْبُكَ، تُرِيدُ العَقْلَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا كانَ القَلْبُ مَوْضِعًا لِلْعَقْلِ كَنّى بِهِ [عَنْهُ] .

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِمَن صَرَفَ قَلْبَهُ إلى التَّفَهُّمِ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ ﴾ أيِ: اسْتَمَعَ مِنِّي ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: وقَلْبُهُ فِيما يَسْمَعُ.

وقالَ الفَرّاءُ: "وَهُوَ شَهِيدٌ" أيْ: شاهِدٌ لَيْسَ بِغائِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، آخِرُها يَوْمُ الجُمْعَةِ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلِذَلِكَ لا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ أيْ: مَن بَهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ونُسِخَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: صَلِّ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّكَ والتَّنْزِيهِ [لَهُ] مِمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴾ وهي صَلاةُ الفَجْرِ ﴿ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ فافْعَلُوا.

وقَرَأ: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أيَّ وقْتٍ صَلّى مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: صَلاةُ العِشاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ ألِفِ "أدْبارٍ" فَهو جَمْعُ دُبُرٍ، ومَن كَسَرَها فَهو مَصْدَرُ: أدْبَرَ يُدْبِرُ إدْبارًا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ في آخَرِينَ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ،قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ في أدْبارِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ في جَمِيعِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ ﴾ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ ﴾ ﴿ مَن خَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ المَعْنى: قَدْ قَدَّمْتُ بِالوَعِيدِ أنِّي أُعَذِّبُ الكُفّارَ في نارِي فَلا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ولا يَنْقُصُ ما أبْرَمَهُ كَلامِي، ثُمَّ أزالَ مَوْضِعَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ، أيْ: هَذا عَدْلٌ فِيهِمْ؛ لِأنِّي أعْذَرْتُ وأمْهَلْتُ وأنْعَمْتُ بِالإدْراكاتِ وهَدَيْتُ السَبِيلَ والنَجْدَيْنِ وبَعَثْتُ الرُسُلَ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ أيْ: ما يُكَذَّبُ لَدَيَّ لِعِلْمِي بِجَمِيعِ الأُمُورِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ -عَلى هَذا- إلى كَذِبِ الَّذِي قالَ: "مآأطْغَيْتُهُ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ ، يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في الظَرْفِ قَوْلُهُ تَعالى: "بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ"، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نَقُولُ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وَرَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "قَدَّمْتُ" وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَما أنا"، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "يَقُولُ"، عَلى مَعْنى: يَقُولُ اللهُ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "يُقالُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ: "هَلِ امْتَلَأْتِ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، واخْتَلَفَ الناسُ هَلْ وقَعَ هَذا التَقْرِيرُ فامْتَلَأتْ أو هي لَمْ تَمْتَلِئْ؟

فَقالَ بِكُلِّ وجْهِ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ تَأوَّلُوا قَوْلَها: "هَلْ مِن مَزِيدٍ"، فَمَن قالَ إنَّها امْتَلَأتْ جَعَلَ قَوْلَها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ ونَفْيَ المَزِيدِ، أيْ: وهَلْ عِنْدِي مَوْضِعٌ يُزادُ فِيهِ شَيْءٌ؟

ونَحْوُ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مَنزِلًا"،» وهو تَأْوِيلُ الحَسَنِ، وعَمْرٍو، وواصِلٍ.

ومَن قالَ إنَّها كانَتْ غَيْرَ مَلْأى جَعَلَ قَوْلَها: "هَلْ مِن مَزِيدٍ" عَلى مَعْنى السُؤالِ والرَغْبَةِ في الزِيادَةِ، قالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: المَعْنى وتَقُولُ خَزَنَتُها، والقَوْلُ إنَّها القائِلَةُ أظْهَرُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِ جَهَنَّمَ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟

أيْ: حالُها حالُ مَن لَوْ نَطَقَ لَقالَ كَذا وكَذا، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى: شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُرى وَمَجْرى قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .............

∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهُ.

والَّذِي يَتَرَجَّحُ في قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ أنَّها حَقِيقَةٌ، وأنَّها قالَتْ ذَلِكَ وهي غَيْرُ مَلْأى، وهو قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ المُتَواتِرُ، قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يَقُولُ اللهُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأتِ؟

فَتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ؟

حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ، قَطْ، ويَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ"،» وقَدِ اضْطَرَبَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، وذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّهُ يُرِيدُ المُتَجَبِّرِينَ مِن بَنِي آدَمَ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَعُدُّ مِنَ الجَبابِرَةِ طائِفَةً يَمْلَأُ بِهِمْ جَهَنَّمَ آخِرًا، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ جِلْدَةَ الكافِرِ يَصِيرُ غِلَظُها أرْبَعِينَ ذِراعًا،» ويَعْظُمُ بَدَنُهُ عَلى هَذِهِ النِسْبَةِ، وهَذا كُلُّهُ مِن مِلْءِ جَهَنَّمَ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الجَبّارَ اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا هو الصَحِيحُ، فَإنَّ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ « "فَيَضَعُ رَبُّ العالَمِينَ فِيها قَدَمَهُ"،» وتَأْوِيلُ هَذا أنَّ "القَدَمَ" ما قُدِّمَ لَها مِن خَلْقِهِ وجَعَلَهم في عِلْمِهِ مِن ساكِنِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، فالقَدَمُ ما قُدِّمَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صِلْ لِرَبِّكَ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَلَلِ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ......................

∗∗∗ ويُنْشِئُ المُلْكَ لِمَلْكٍ ذِي قَدَمِ أيْ: ذِي شَرَفٍ مُتَقَدِّمٍ، وهَذا التَأْوِيلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، وعَنِ النَضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ، وفي كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ: « "فَيَضَعُ الجَبّارُ فِيها رِجْلَهُ"،» ومَعْناهُ الجَمْعُ الَّذِي أعَدَّ لَها، يُقالُ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ: "رِجْلٌ" تَشْبِيهًا بِرِجْلِ الجَرادِ، قالَ الشاعِرُ: فَمَرَّ بِها رِجْلٌ مِنَ الناسِ وانْزَوى ∗∗∗ إلَيْهِمْ مِنَ الحَيِّ اليَمانِيِّ أرْجُلُ.

وَمَلاكُ النَظَرِ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ الجارِحَةَ والتَشْبِيهَ وما جَرى مَجْراهُ مُنْتَفٍ كُلَّ ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا إخْراجُ ألْفاظٍ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ السائِغَةِ في كَلامِ العَرَبِ.

و"أُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَيْرَ بَعِيدٍ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ أنَّ هَذا التَقْرِيبَ هو في المَسافَةِ، لِأنَّ "قُرِّبَتْ" كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوَعْدِ والإخْبارِ، فَرَفَعَ الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: "غَيْرَ بَعِيدٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا ما تُوعَدُونَ" الآيَةُ.

يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدَ إزْلافِ الجَنَّةِ: هَذا هو الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، أيْ: هَذا هو الَّذِي تُوعَدُونَ بِهِ أيُّها الناسُ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ، و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى الطاعَةِ وإلى مَراشِدِ نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ: الأوّابُ المُسَبِّحُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ، وقالَ المُحاسَبِيُّ: هو الراجِحُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ تَعالى، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ الَّذِي إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ تَعالى مِمّا جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ، وكَذَلِكَ كانَ النَبِيُّ  يَفْعَلُ.

و"الحَفِيظُ" مَعْناهُ: لِأوامِرِ اللهِ تَعالى فَيَمْتَثِلُها، ولِنَواهِيهِ فَيَتْرُكُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَفِيظٌ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن خَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ "الأوّابِ" أو بَدَلًا مِن "كُلِّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: يُقالُ لَهُمْ: "ادْخُلُوها بِسَلامٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً فَيَكُونُ الجَوابُ: يُقالُ لَهُمْ: "ادْخُلُوها بِسَلامٍ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالغَيْبِ" مَعْناهُ: غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهُ، إنَّما يُصَدِّقُ رَسُولَهُ ويَسْمَعُ كِتابَهُ، وجاءَ مَعْناهُ: يَوْمُ القِيامَةِ، و"المُنِيبُ" الراجِعُ إلى الخَيْرِ والمائِلُ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ادْخُلُوها" تَقْدِيرٌ يُقالُ لَهُمْ، أو فَيُقالُ لَهُمْ، عَلى ما تَقَدَّمَ.

و"سَلامٍ" مَعْناهُ: بِأمْنٍ وسَلامَةٍ مِن جَمِيعِ الآفاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ في أمْرِ الكُفّارِ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ خَبَرٌ بِأنَّهم يُعْطُونَ آمالَهم أجْمَعَ، ثُمَّ أبْهَمَ تَعالى الزِيادَةَ الَّتِي عِنْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُنَعَّمِينَ، وكَذَلِكَ هي مُبْهَمَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ  ﴾ ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ قَوْلُهُ  : « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْ ما أطْلَعْتُهم عَلَيْهِ"،» وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في تَعْيِينِ هَذا المَزِيدِ أحادِيثَ مُطَوَّلَةً وأشْياءَ ضَعِيفَةً؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ  ﴾ وهم يُعِينُونَها تَكَلُّفًا وتَعَشُّقًا، ورُوِيَ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وأنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَزِيدَ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ تَعالى بِلا كَيْفٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ظرف متعلق ب ﴿ قال لا تختصموا لدى ﴾ [ق: 28].

والتقدير: قال لهم في ذلك القول يوم يقول قولاً آخر لجهنم ﴿ هل امتلأت ﴾ .

ومناسبته تعليقه به أن هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها، فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليماً لأهل القرآن المؤمنين ولذلك استوت قراءة ﴿ يقول ﴾ بالياء، وهي لنافع وأبي بكر عن عاصم جريا على مقتضى ظاهر ما سبقه من قوله: ﴿ قال لا تختصموا لدى ﴾ .

وقراءة الباقين بالنون على الالتفات بل هو التفات تابع لتبديل طريق الإخبار من الحديث عن غائب إلى خطاب حاضر.

والقول الأول حقيقي وهو كلام يصدر من جانب الله بمحض خلقه دون واسطة.

فلذلك أسند إلى الله كما يقال القرآن كلام الله.

والاستفهام في ﴿ هل امتلأت ﴾ مستعمل في تنبيه أهل العذاب إلى هذا السؤال على وجه التعريض.

وأما القول لجهنم فيجوز أن يكون حقيقة بأن يخلق الله في أصوات لهيبها أصواتاً ذات حروف يلتئم منها كلام، ويجوز أن يكون مجازاً عن دلالة حالها على أنها تسع ما يلقى فيها من أهل العذاب بأن يكشف باطنها للمعروضين عليها حتى يروا سعتها كقول الراجز: امتلا الحوض وقال: قطني *** والاستفهام في ﴿ هل من مزيد ﴾ مستعمل للتشويق والتمنّي.

وفيه دلالة على أن الموجودات مشوقة إلى الإيفاء بما خلقت له كما قال الشيطان ﴿ قال فبما أغويتني لأقعُدَنّ لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16].

وفيه دلالة على إظهار الامتثال لما خلقها الله لأجله، ولأنها لا تتلكّأ ولا تتعلل في أدائه على أكمل حال في بابه.

والمزيد: مصدر ميمي، وهو الزيادة مثل المجيد والحَمِيد.

ويجوز أن يكون اسم مفعول من زاد، أي هل من جماعة آخرين يُلقون فيَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: هَلْ يُزادُ إلى مَن أُلْقِيَ غَيْرُهُمْ؟

فالِاسْتِخْبارِ عَمَّنْ بَقِيَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: مَعْناهُ إنِّي قَدِ امْتَلَأْتُ، مِمَّنْ أُلْقِيَ فِيَّ، فَهَلْ أسَعُ غَيْرَهُمْ؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ هَلْ يُزادُ في سَعَتِي؟

لِإلْقاءِ غَيْرِ مَن أُلْقِيَ فِيَّ، قالَهُ مُعاذٌ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ زَبانِيَةَ جَهَنَّمَ قالُوا هَذا.

الثّانِي: أنَّ حالَها كالمُناطِقَةِ بِهَذا القَوْلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ ﴾ في الأوّابِ الحَفِيظِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الذّاكِرُ ذَنْبَهُ في الخَلاءِ، قالَهُ الحَكَمُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي إذا ذَكَرَ ذَنْبًا تابَ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنهُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا فَيَقُومُ حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

وَأمّا الحَفِيظُ هُنا فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُطِيعُ فِيما أُمِرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الثّانِي: الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ بِالقَبُولِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحافِظُ لِحَقِّ اللَّهِ بِالِاعْتِرافِ ولِنِعَمِهِ بِالشُّكْرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

وَرَوى مَكْحُولٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (مَن حافَظَ عَلى أرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن أوَّلِ النَّهارِ كانَ أوّابًا حَفِيظًا)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنَ الذُّنُوبِ في السِّرِّ كَما يَحْفَظُها في الجَهْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ التّائِبُ في السِّرِّ مِن ذُنُوبِهِ إذا ذَكَرَها، كَما فَعَلَها سِرًّا.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الَّذِي يَسْتَتِرُ بِطاعَتِهِ لِئَلّا يُداخِلَها في الظّاهِرِ رِياءٌ.

وَوَجَدْتُ فِيهِ لِبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ رابِعًا: أنَّهُ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ بِالأدِلَّةِ ولَمْ يَرَهُ.

﴿ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُنِيبُ المُخْلَصُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُقْبِلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ التّائِبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ لَهم ما يَشاءُونَ ﴾ يَعْنِي ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم.

﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَزِيدَ مَن يُزَوَّجُ بِهِنَّ مِنَ الحُورِ العِينِ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: أنَّها الزِّيادَةُ الَّتِي ضاعَفَها اللَّهُ مِن ثَوابِهِ بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها.

وَرَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَهُ: أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يُدْعى في الآخِرَةِ يَوْمَ المَزِيدِ.

» وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِزِيادَةِ ثَوابِ العَمَلِ فِيهِ.

الثّانِي: لِما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ قال: غمرة الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» .

وأخرج الحاكم وصححه عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه تلا ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ فقال: حدثتني أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» .

وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه قال: لما مات الوليد بن الوليد بكته أم سلمة فقالت: يا عين فأبكي للوليد ** بن الوليد بن المغيرة كان الوليد بن الوليد ** أبا الوليد فتى العشيرة «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة قلت: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال أبو بكر رضي الله عنه بل ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ قدم الحق وأخر الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: صبحت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل منزلاً قام شطر الليل، فسئل: كيف كانت قراءته؟

قال: قرأ ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ فجعل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح.

وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمني مولى الزبير بن العوّام قال: لما حضر أبو بكر تمثلت عائشة بهذا البيت.

أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ .

أخرج الطبراني عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني فخرج خصاص فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» .

أما قوله تعالى: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ .

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: سائق يسوقها إلى أمر الله وشهيد يشهد عليها بما عملت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: السائق الملك والشهيد العمل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل والملائكة أيضاً شهداء عليهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: الملكان كاتب وشهيد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه، أكتب أثره، أكتب أجله، أكتب شقياً أم سعيداً، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك، ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع الملكان، وجاء ملك الموت ليقبض روحه، فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فبسطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضر معه واحد سائق وآخر شهيد، ثم قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قدامكم لأمراً عظيماً لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ قال: هو الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ قال: الحياة بعد الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ﴾ قال: عاين الآخرة فنظر إلى ما وعده الله فوجده كذلك.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فبصرك اليوم ﴾ قال: إلى لسان الميزان حديد، قال: حديد النظر شديد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج الفريابي عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان الذي قيض له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: ملكه ﴿ هذا ما لديّ عتيد ﴾ قال: الذي عندي عتيد للإِنسان حفظته حتى جئت به وفي قوله: ﴿ قال قرينه ربنا ما أطغيته ﴾ قال: هذا شيطانه.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في قوله: ﴿ كل كفار عتيد ﴾ قال: مناكب عن الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ قال: كفار بنعم الله عنيد عن طاعة الله وحقه مناع للخير، قال: الزكاة المفروضة ﴿ معتد مريب ﴾ قال: معتد في قوله وكلامه آثم بربه، فقال هذا المنافق الذي جعل مع الله إلها آخر، هذا المشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن منصور قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ قال: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله عليهم حجتهم ورد عليهم قولهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال لا تختصموا لديّ ﴾ قال: عندي ﴿ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ قال: على لسان الرسل أن من عصاني عذبته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: قلت لأبي العالية قال الله: ﴿ لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ وقال: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فكيف هذا؟

قال: نعم، أما قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ فهؤلاء أهل الشرك، وقوله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فهؤلاء أهل القبلة يختصمون في مظالمهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: قد قضيت ما أنا قاض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: هاهنا القسم.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به الصلاة خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أنا بظلام للعبيد ﴾ قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم والله تعالى أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ قال: وهل فيَّ من مكان يزاد فيَّ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: حتى تقول فهل من مزيد؟.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: وعدها الله ليملأنها فقال أوفيتك فقالت: وهل من مسلك؟.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في قصور الجنة» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة رفعه: «يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد فيضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟

قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء المساكين، فيقول الله للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقى فيها أهلها، فتقول هل من مزيد، ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتزوي، وتقول قدني قدني، وأما الجنة فيلقى فيها ما شاء الله أن يلقى فينشئ لها خلقاً ما يشاء» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعرفني الله نفسه يوم القيامة فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني.

ثم يؤذن لي في الكلام ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أُبيّ كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة؟

قال: يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك، فيه من الآنية عدد نجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً، ثم يعرض الناس على الصراط، فيمر أوائلهم كالبرق، ثم يمرون كالريح، ثم يمرون كالطرف، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب، وعلى كل حال وهي الأعمال، والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم، فسالم ناج، ومخدوش ناج، ومرتبك في النار، وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿ يَوْمَ ﴾ على وجهين: على معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم.

وعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾ (١) وقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله.

وقراءة العامة (٢) ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله (٣) وقوله: ﴿ هَلِ امْتَلَأْتِ ﴾ قال جماعة علماء التأويل (٤) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿ هَلِ امْتَلَأْتِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ  ﴾ (٥) قوله تعالى: ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة.

وقد ضاقت بأهلها (٦) (٧) (٨) وروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد.

تقول: ليس فيّ سَعَة (٩) ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ الإنكار (١٠) وقال ابن عباس في رواية أبي صالح (١١) ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ مسألة للزيادة (١٢) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ وجوه: أحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها (١٣) والآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها (١٤) وقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة (١٥) (١٦) (١) من آية (39) من سورة مريم.

وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.

(٢) قرأ نافع وأبو بكر (يقول) بالياء.

وقرأ الباقون (نقول) بالنون.

انظر: "حجة القراءات" ص 678، "النشر" 2/ 376، "الإتحاف" ص 398.

(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 213.

(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 105، "القرطبي" 17/ 18.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47.

والمؤلف رحمه الله تصرف في عبارة الزجاج، ونصها: ووجه مخاطبتها أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- جعل فيها ..

(٦) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، من طريق الكلبي، "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 224.

(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105.

(٨) انظر: "الدر المنثور" 6/ 107، ونسب إخراجه لسعيد بن منصور وابن المنذر.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب.

(١٠) قلت: قول المؤلف رحمه الله: ومعنى الاستفهام الإنكار هو من كلام شيخه الثعلبي، ولا يليق بهذا المقام على القراءتين إذ لا يتصور إنكار من مخلوق على الله تعالى وبخاصة في يوم القيامة، بل الاستفهام فيه من الضعف والاستصغار أمام عظمة الله تعالى ما يرد وصفه بالإنكار والله أعلم.

(١١) باذام أو باذان مولى أم هانئ.

وثقه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، واختار الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، == وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس.

انظر: "تهذيب الكمال" 1/ 137، "الجرح والتعديل" 1/ 432، "مسند الإمام أحمد" بتحقيق شاكر 3/ 323، "تهذيب التهذيب" 1/ 416، "ميزان الاعتدال" 1/ 296.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 26/ 106، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168.

قلت: والقول بأن قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ معنى: هل بقي شيء تزيدوني، هو الظاهر من السياق وعليه تدل الأحاديث الصحيحة.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وتقول هل من مزيد، 6/ 173، "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: النار يدخله الجبارون 4/ 2186، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 224 (١٤) انظر: "التفسير الكبير" 28/ 174، "فتح القدير" 5/ 77.

(١٥) (ك): (فازادة).

(١٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ ﴾ أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل لذلك، وقيل: معناه لا يكذب أحد لدي لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا إلى قول القرين ما أطغيته ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ الفعل مسند إلى جهنم، وقيل: إلى خزنتها من الملائكة، والأول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة أو مجازاً بلسان الحال؟

والأظهر أنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ومعنى قوله: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ إنما تطلب الزيادة وكانت لم تمتلئ.

وقيل: لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد امتلأت والأول أظهر وأرجح، لما ورد في الحديث: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى يلقى فيها الجبار قدمه» ، وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه، وإن كان اسم معفول فوزنه مفعول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ قال أبو عو سجة: ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ﴾ أي: شدته.

يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.

ثم الآية ترخج على وجهين: أحدهما: أن تُجْرِى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة ﴿ جَاءَتْ ﴾ أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين و لامستعدين له، والله أعلم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ بمعنى تجيء، وكذلك ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ ﴾ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟

أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟

وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمناً وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافراً وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.

ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ  ﴾ يقل: لم يخلق الخلق للخلود وفي الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد م نالمت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ يحتمل وجهين: أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكره، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.

والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.

ثم الحيد: الميل والكراهة.

وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيداً فهو حائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ .

يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.

ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.

ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضاً هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ .

قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.

وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.

وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشيهد هو عمله الذي عمل في الدنيا.

وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله  : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

واصله ما ذكر في قوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ  ﴾ ، و ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ  ﴾ ، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ ، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان خيراً فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ .

يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.

أو في غفلة عما أوعدت من المواعد والشدائد التي عاينتها ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾ أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له ﴿ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي: ثاقب نيّر، يبصر الحق؛ كقوله -  -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  ﴾ .

وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ماعمل فه وعندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة على هذا القول.

ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: ﴿ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم حاضر.

ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ  ﴾ على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.

وجائز أن يكونا يكتبان جميعاً بقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ الانفطار: 11] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ أي: كل واحد منهما قعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب بقوله -  -: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ كأن الأمر بذلك لهما.

ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ لكن قال: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لوجهين: أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.

والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله ﴿ أَلْقِيَا ﴾ أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله -  -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ \[المؤمنون: 36\] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ كل كفار لنعم الله -  - حيث صرف شكرها إلى غيره.

أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غيرٍ: إلها.

والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنوداً، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.

وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.

وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.

والثان]: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي: منع ماعنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.

وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ فلا معنى لتخصيص واحد به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴾ المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله -  - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعاً.

ثم نعت ذلك الإنسان فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ ، أي: وصف وذكر مع الله إلهاً آخر، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً  ﴾ أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله -  -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ قرِينُهُ ﴾ أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.

ثم هذا القول من قرينه إنما بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، فيقول رفيقه: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحياناً ينكرون الشرك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ، وأحياناً يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحياناً يلعن بعضهم بعضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.

وقال بعض اهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ .

لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى انه قال: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله -  - ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ  قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله - عز جل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ : خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ وما ذكر من لعن بعضهم بعضاً ومن تبري بعض عن بعض، فقال -  عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.

كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.

فإن قيل: قال هاهنا: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ ، وقا ل في موض آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ قيل: هو يخرج على جوه: أحدها: أن قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.

والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والآخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعاً بين الآيتين، وهو كقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وقال في آية أخرى: ﴿ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ  عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا.

والثالث: جائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ فيما بين أنفسهم في المظالم والمغرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.

والثاني: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ يتمل أنه أراد به قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ...

﴾ الآية، فأما الأيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القول من الله -  - لجهنم: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ، وذلك جائز أن ينطلق الله -  - جهنم حتى تجيب له بما ذكر ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تدقير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم.

والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ وعلى تحقيق الإجابة منها ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ولكن على التمثيل؛ لوجهين: أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت ل ها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، فتقول: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ؟

يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم.

والثاني: وصف لها بالعظم والسعة وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: هل يبقى من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فىَّ سعة تحتمل غيرهم.

والثاني: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق امتلئ بها؟

لأن الله -  - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة -  - عن النبي  في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأنه الله - عز وجل - قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.

ثم ذكر البلحي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خوفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس -  - عن رسول الله  أنه قال: "يأتي الله -  - يبشر فيضع في النار حتى تمتلئ" فهذا يحتمل نلا ما رووا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: قربت، وذكر في آية آخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً  ﴾ ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين: أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخرة قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.

ويتحمل أن يكون إخباراً عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز الظهور بقوله -  -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر الله -  - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم.

والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم.

ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ الأواب الرجاع، من الآوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله -  - في كل وقت، أو رجاع إلى أمره وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَفِيظٍ ﴾ أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّاً وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: خاف وحذر بما أوعد.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.

والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد، وخافه وهو كقوله -  -: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ أي: عقوبته ونقمته، والله أعلم.

وقوله -0 عزو جل -: ﴿ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ والمنيب: هو المقبل على الله  بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ  ﴾ .

والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله  فيقال لهم: ادخلوها باسم الله  عل ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله  ؛ امتثالا لحديث رسول الله  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقال بعضهم: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ ، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ عن الخوف والحزن.

ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله  والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله  : ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله  وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما رواء ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ﴾ : يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة العذاب.

ويحتملم: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا ﴾ ، أي: لهم ما يختارون فيه، لا يبجرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.

وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.

وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة فتنفطر لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.

لكن يحتمل وجهين: أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله  -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ قيل: الزيادة هي رؤية الله  في الجنة.

ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله -  - في صفة نعيم الجنة: "ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ؛ لأن لأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوم نقول لجهنم: هل امتلأت بمن ألقي فيك من الكفار والعصاة؟

فتجيب ربها: هل من مزيد؟

طلبًا للزيادة؛ غضبًا لربها.

<div class="verse-tafsir" id="91.2jZXK"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.3 / 29.5
الإضاءة 97%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر