الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٢٩ من سورة النجم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ) أي : أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره .
وقوله : ( ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) أي : وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا ، فذاك هو غاية ما لا خير فيه .
ولذلك قال :
وقوله ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فدع من أدبر يا محمد عن ذكر الله ولم يؤمن به فيوحده.
وقوله ( وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) يقول: ولم يطلب ما عند الله في الدار الآخرة, ولكنه طلب زينة الحياة الدنيا, والتمس البقاء فيها.
قوله تعالى : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا يعني القرآن والإيمان .
وهذا منسوخ بآية السيف .
ولم يرد إلا الحياة الدنيا نزلت في النضر .
وقيل : في الوليد .
ولما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم، والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهذا منتهى إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا للشيء الذي يريده،
" فأعرض عن من تولى عن ذكرنا "، يعني القرآن.
وقيل: الإيمان، " ولم يرد إلا الحياة الدنيا ".
«فأعرض عن من تولى عن ذكرنا» أي القرآن «ولم يُرد إلا الحياة الدنيا» وهذا قبل الأمر بالجهاد.
فأعْرِضْ عمَّن تولى عن ذكرنا، وهو القرآن، ولم يُرِدْ إلا الحياة الدنيا.
ذلك الذي هم عليه هو منتهى علمهم وغايتهم.
إن ربك هو أعلم بمن حادَ عن طريق الهدى، وهو أعلم بمن اهتدى وسلك طريق الإسلام.
وفي هذا إنذار شديد للعصاة المعرضين عن العمل بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، المؤثرين لهوى النفس وحظوظ الدنيا على الآخرة.
وبعد هذا البيان الحكيم الذى يحق الحق ، ويبطل الباطل ، أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أى يمضى فى طريقه الذى رسمه - سبحانه - له ، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين لله - تعالى - الذى يجازى كل نفس بما كسبت ، والذى يعلم السر وأخفى ، والذى رحمته وسعت كل شىء .
.
.
فقال - تعالى - : ( فَأَعْرِضْ عَن .
.
.
) .الفاء فى قوله : ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا ) للإفصاح .
وأصل الإعراض : لفت الوجه عن الشىء ، لأن الكاره لشىء يعرض بصفحة خده عنه .والمراد به هنا : ترك هؤلاء المشركين ، وعدم الحرص على إيمانهم ، بعد أن وصلتهم دعوة الحق .
.
.
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن هؤلاء المشركين ، ما يتبعون فى عقائدهم إلى الظن الباطل ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم .
.فاترك مجادلتهم ولا تهتم بهم ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك .
.
.
فإنهم قوم قد أصروا على عنادهم .
وعلى الإدبار عن وحينا وقرآننا الذى أنزلناه إليك ، ولم يريدوا من حياتهم إلا التشبع من زينة الحياة الدنيا ، ومن شهواتها ومتعها .ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه ، لأنه آثر الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية .
وجىء بالاسم الظاهر فى مقام الإضمار ، فقيل : ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا ) ولم يقل : فأعرض عنهم .
.
.
لبيان ما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم ، وهى أنهم قوم أعرضوا عن الوحى ، ولم يريدوا سوى متع دنياهم ، وأما ما يتعلق بالآخرة فهم فى غفلة عنه .
أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك، وأكثر المفسرين يقولون: بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرَضَ ﴾ منسوخ بآية القتل وهو باطل، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال، فكيف ينسخ به؟
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ ثم لما لم ينفع، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة، فكيف يكون منسوخاً، والإعراض من باب أشكاه والهمزة فيه للسلب، كأنه قال: أزل العرض، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمراً، وقوله تعالى: ﴿ عن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا ﴾ لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة، لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه؟
وفي ﴿ ذِكْرِنَا ﴾ وجوه: الأول: القرآن الثاني: الدليل والبرهان الثالث: ذكر الله تعالى، فإن من لا ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته؟
وهم كانوا يقولون: نحن لا نتفكر في آلاء الله لعدم تعلقنا بالله، وإنما أمرنا مع من خلقنا، وهم الملائكة أو الدهر على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا ﴾ إشارة إلى إنكارهم الحشر، كما قالوا: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا ﴾ يعني لم يثبتوا وراءها شيئاً آخر يعملون له، فقوله: ﴿ عن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا ﴾ إشارة إلى إنكارهم الحشر، لأنه إذا ترك النظر في آلاء الله تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه.
وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه، فلا يبقى إذن فائدة في الدعاء، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طبيب القلوب، فأتى على ترتيب الأطباء، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي وقيل آخر الدواء الكي، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولاً أمر القلوب بذكر الله فحسب فإن بذكر الله تطمئن القلوب كما أن بالغذاء تطمئن النفوس، فالذكر غذاء القلب، ولهذا قال أولاً: قولوا لا إله إلا الله أمر بالذكر لمن انتفع مثل أبي بكر وغيره ممن انتفع، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل، وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ ﴿ قُلِ انظروا ﴾ ﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ ﴾ إلى غير ذلك، ثم أتى بالوعيد والتهديد، فلما لم ينفعهم قال: أعرض عن المعالجة، واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيُسَمُّونَ الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تَسْمِيَةَ الأنثى ﴾ لأنهم إذا قالوا: الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى ﴿ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي بذلك وبما يقولون.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ بها ﴾ ، أي: بالملائكة.
أو التسمية ﴿ لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ يعني إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظنّ والتوهم ﴿ فَأَعْرِضْ ﴾ عن دعوة من رأيته معرضاً عن ذكر الله وعن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا، ولا تتهالك على إسلامه، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، وأنت لا تعلم، فخفض على نفسك ولا تتعبها، فإنك لا تهدي من أحببت، وما عليك إلا البلاغ.
وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم ﴾ اعتراض أو فأعرض عنه ولا تقابله، إنّ ربك هو أعلم بالضال والمهتدي، وهو مجازيهما بما يستحقان من الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ فَإنَّ مَن غَفَلَ عَنِ اللَّهِ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ.
وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ مُنْتَهى هِمَّتِهِ ومَبْلَغَ عِلْمِهِ لا تَزِيدُهُ الدَّعْوَةُ إلّا عِنادًا وإصْرارًا عَلى الباطِلِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ أمْرُ الدُّنْيا أوْ كَوْنُها شَهِيَّةً.
﴿ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴾ لا يَتَجاوَزُهُ عِلْمُهم والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِقُصُورِ هِمَمِهِمْ بِالدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ أيْ إنَّما يَعْلَمُ اللَّهُ مَن يُجِيبُ مِمَّنْ لا يُجِيبُ فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ بَلَّغْتَ.
<div class="verse-tafsir"
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)
{فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا} فأعرض عمن رأيته معرضاً عن ذكر
الله أي القرآن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا}
﴿ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ﴾ أيْ عَنْهم ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِها أيْ فَأعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا المُفِيدِ لِلْعِلْمِ الحَقِّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ.
المُنْطَوِي عَلى بَيانِ الِاعْتِقاداتِ الحَقَّةِ.
المُشْتَمِلُ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
المُذَكِّرُ الآخِرَةَ وما فِيها مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبِ فِيها والمَرْهُوبِ عَنْها، والمُرادُ بِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما فِيهِ وعَدَمُ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما جاءَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإيمانُ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ والإعْراضُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ راضِيًا بِها قاصِرًا نَظَرَهُ عَلَيْها جاهِدًا فِيما يُصْلِحُها كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المَذْكُورِ النَّهْيُ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِرْصِ عَلى هُداهم كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبالِغْ في الحِرْصِ عَلى هُدى مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ مُنْتَهى هِمَّتِهِ وقُصارى سَعْيِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قال عز وجل: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني: ليس لهم حجة على مقالتهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن يعني: على غير يقين وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يعني: لا يمنعهم من عذاب الله شيئا فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني: اترك من أعرض عن القرآن، ولا يؤمن به.
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: لم يرد بعلمه الدار الآخرة، إنما يريد به منفعة الدنيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني: غاية علمهم الحياة الدنيا.
ويقال: ذلك منتهى علمهم، لا يعلمون من أمر الآخرة شيئاً، وهذا كقوله: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.
ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو أعلم بمن ترك طريق الهدى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يعني: من تمسك بدين الإسلام، ومعناه: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، ولا تعاقبهم، فإن الله عليم بعقوبة المشركين، وبثواب المؤمنين، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا يعني: ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا، وعملوا المعاصي وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى يعني: ويثيب الذين آمنوا، وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم.
ثم نعت المحسنين فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ قرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان، والمراد به: الجنس.
والباقون: كَبائِرَ الْإِثْمِ بلفظ الجماعة.
قال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ يعني: الشرك بالله، وَالْفَواحِشَ يعني: المعاصي.
وقال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ بمعنى واحد، لأن كل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة.
وروي عن النبيّ أنه قال «الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الشِّرْكُ بِالله، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» .
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر سبعة.
فبلغ ذلك إلى عبد الله بن عباس، فقال: هي إلى السبعين أقرب.
ويقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.
وقيل: كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة، كما روي عن بعضهم أنه قال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
قال: إِلَّا اللَّمَمَ وقال بعضهم: اللَّمَمَ هو الصغائر من الذنوب.
يعني: إذا اجتنبت الكبائر، يغفر الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، وهو كقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: 31] قال مقاتل: نزلت في شأن نبهان التمار، وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر، فقال لها: ادخلي الحانوت، فعانقها، وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله .
وروى مسروق عن ابن مسعود: قال زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك الفرج، أو يكذبه.
فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمماً.
وقال عكرمة: اللَّمَمَ النظر، وحديث النفس، ونحو ذلك.
وروى طاوس، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي أنه قال: «إن الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى.
فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ نَظَرُ النَّاظِرِ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى، وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .
وقال عبد الله بن الزبير: اللَّمَمَ القبلة، واللمس باليد.
وقال بعضهم: اللَّمَمَ كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه.
وروى منصور، عن مجاهد قال: في قوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو الرجل يذنب الذنب، ثم ينزع عنه.
وروي عن أبي هريرة: قال: اللَّمَمَ النكاح.
وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال: صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية.
يقول الله تعالى في كتابه وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 23] .
وروي عن الحسن أنه قال: اللَّمَمَ هو أن يصيب النظرة من المرأة، والشربة من الخمر.
ثم ينزع عنه.
وروي عن مجاهد أنه قال: الذي يلم بالذنب، ثم يدعه.
وقد قال الشاعر: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ...
وَأيّ عَبْدِ للَّه لا أَلَمَّا وقال بعضهم: إِلَّا اللَّمَمَ ومعناه: ولا اللمم.
ومعناه: أن تجتنبوا صغائر الذنوب، وكبائرها، كما قال القائل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير، والعيش.
يعني: ولا اليعافير، ولا العيس.
وروي عن رسول الله أنه قال: «إيَّاكُمْ وَالمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وسئل زيد بن ثابت عن قوله: إِلَّا اللَّمَمَ قال: حرم الله الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وما بطن.
ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يعني: واسع الفضل، غافر الذنوب للذين يتوبون.
ويقال: معناه رحمته واسعة على الذين يجتنبون الكبائر.
ثم قال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ هو أعلم بحالكم منكم إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني: إذ هو خلقكم مّنَ الأرض.
يعني: خلق آدم من تراب، وأنتم من ذريته.
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ يعني: كنتم صغاراً فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله، فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ يعني: لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب، ولا تمدحوها.
ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا يمدح بعضكم بعضاً.
وروي عن النبي أنه قال: «إذا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» .
والمدح على ثلاثة أوجه: أوله أن يمدحه في وجهه، فهو الذي نهي عنه.
والثاني: أن يمدحه بغير حضرته، ويعلم أنه يبلغه، فهو أيضاً منهي عنه.
والثالث: أن يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه، ويمدحه بما هو فيه، فلا بأس بهذا.
ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا تطهروا أنفسكم من العيوب.
وهذا كما قال النبي : «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَاحِلَةً» .
بِمَنِ اتَّقى يعني: من يستحق المدح، ومن لا يستحق المدح.
<div class="verse-tafsir"
أضافوا إلى ذلك مَنَاةَ الثالثة الأخرى الحقيرة، وكُلُّ أصنامهم حقير، انتهى.
ثم قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ يعني: إنْ هذه الأوصافُ من أَنَّها إناث، وَأَنَّها آلهة تعْبَدُ، ونحو هذا- إلاَّ أَسماءٌ، أي: تسميات اخترعتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل اللَّه بها برهاناً ولا حُجَّةً، وما هو إلاَّ اتِّباعُ الظن، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وهَوَى الأنفس هو إرادتها الملذة لها، وإِنَّما تجد هوى النفس أبداً في ترك الأفضل لأَنَّها مجبولةٌ بطبعها على حُبِّ الملذ، وإِنَّما يَرْدَعُها وَيَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقبة العقلُ والشرع.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى فيه توبيخ لهم، إِذْ يفعلون هذه القبائِحَ والهدى حاضر، وهو محمد وشرعه، والإنسان في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ اسم جنس، كأَنَّه يقول: ليست الأشياءُ بالتمني والشهوات، وإِنَّما الأمر كُلُّه للَّه، والأعْمَالُ جاريةٌ على قانون أمره ونهيه، فليس لكم- أَيُّهَا الكَفَرَةُ- مُرَادُكُمْ في قولكم: هذه آلهتنا، وهي تشفعُ لنا، وتُقَرِّبُنَا إِلى اللَّه زُلْفَى، ونحو هذا فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى أي: له كل أمرهما:
مُلْكاً، ومقدوراً، وتَحْتَ سلطانه، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : ومن عيوب النفس كثرةُ التَّمَنِّي، والتَّمَنِّي هو الاعتراضُ على اللَّه عَزَّ وجلَّ في قضائه وقَدَرِهِ، ومداواتُها/ أَنْ يعلم أَنَّه لا يدري ما يعقبه التمني، أيجرُّهُ إلى خير أو إلى شَرٍّ؟
فإذا تَيَقَّنَ إبهام عاقبة تمنيه، أَسْقَطَ عن نفسه ذلك، ورَجَعَ إلى الرِّضَا والتسليم، فيستريح، انتهى.
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)
وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ...
الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، وَكَمْ للتكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء، والخبر لاَ تُغْنِي والغِنَى جَلْبُ النفع ودَفْعُ الضُّرِّ بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: كفّار العرب.
وقوله: وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي: في المُعْتَقَدَاتِ، والمواضع التي يريد الإنسان أن يحرّر ما يَعْقِلُ ويعتقد فَإنَّهَا مواضع حقائق، لا تنفعُ الظنونُ فيها، وَأَمَّا في الأحكام وظواهرها فيجتزئ فيها بالمظنونات.
ثم سَلَّى سبحانه نَبِيَّه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكَفَرَةِ.
وقوله: عَنْ ذِكْرِنا قال الثعلبيُّ: يعني القرآن.
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الآية متصلة في معنى التسلية، ومتضمنة وعيداً للكافرين، ووعداً للمؤمنين، والحُسْنَى: الجنة ولا حسنى دونها، وقد تقدم نقلُ الأقوال في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وتحريرُ القول في الكبائر أَنَّها كُلُّ معصيةٍ يوجد فيها حَدٌّ في الدنيا أو تَوَعُّدٌ عليها بِالنَّارِ في الآخرة، أو لعنة، ونحو هذا.
وقوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو استثناء يَصِحُّ أنْ يكونَ مُتَّصِلاً، وإنْ قدرته مُنْقَطِعاً ساغ ذلك، وبِكُلٍّ قد قيل، واخْتُلِفَ في معنى اللَّمَمَ فقال أبو هريرة، وابن عباس، والشَّعْبِيُّ، وغيرهم «١» : اللمم: صِغَارُ الذنوب التي لا حَدَّ فيها ولا وَعِيدَ عليها لأَنَّ الناسَ لا يتخلَّصُونَ من مُوَاقَعَةِ هذه الصغائر، ولهم مع ذلك الحُسْنَى/ إذا اجتنبوا الكبائر، وتظاهر العلماءُ في هذا القول، وكَثُرَ المائِلُ إليه، وحُكِيَ عن ابن المُسَيِّبِ أَنَّ اللمم: ما خطر على القلب، يعني بذلك لمَّةَ الشيطان «٢» ، وقال ابن عباس «٣» : معناه: إلاَّ ما أَلَمُّوا به من المعاصي الفَلْتَةُ والسَّقْطَةُ دون دوام ثم يتوبون منه، وعنِ الحسن بن أبي الحسن «٤» أَنَّهُ قال:
في اللَّمَّةِ من الزنا، والسَّرِقَةِ، وشرب الخمر ثم لا يعود، قال ع «٥» : وهذا التأويلُ يقتضي الرِّفْقَ بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى إذ الغالب في المؤمنين مواقعة
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ﴾ وذَلِكَ حِينَ زَعَمُوا أنَّها بَناتُ اللَّهِ، ﴿ وَما لَهُمْ ﴾ بِذَلِكَ، ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها إناثٌ ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ أيْ: لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ؛ فالحَقُّ ها هُنا بِمَعْنى العِلْمِ.
﴿ فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعايِشِهِمْ، وقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
.
.
﴾ الآيَةُ؛ والمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ فَيُجازِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ﴾ ﴿ وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا ﴾ ﴿ فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ ﴾ مَعْناهُ: لَيَصِفُونَ المَلائِكَةَ بِأوصافِ الأُنُوثَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، وإنَّما هي ظُنُونٌ مِنهم لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَنِّ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي: في المُعْتَقَداتِ والمَواضِعِ الَّتِي يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُحَرِّرَ ما يَفْعَلُ ويَعْتَقِدُ، فَإنَّها مَواضِعُ حَقائِقَ لا تَنْفَعُ الظُنُونُ فِيها، وأمّا في الأحْكامِ وظَواهِرِها فَيُجْتَزَأُ فِيها بِالمَظْنُوناتِ.
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ وأمَرَهُ بِالإعْراضِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، وما في الآيَةِ مِن مُوادَعَتِهِمْ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُقُ بِغَيْرِها، وسَعْيُهُ وعَمَلُهُ إنَّما هو لِدُنْياهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴾ مَعْناهُ: هُنا انْتَهى تَحْصِيلُهم مِنَ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ أنَّ المَعْلُوماتِ مِنها ما هي مَعْقُولاتٌ نافِعَةٌ في الآخِرَةِ، ومِنها ما هي أُمُورٌ فانِيَةٌ وَأشْخاصٌ بائِدَةٌ كالفَلّاحَةِ وكَثِيرٌ مِنَ الصَنائِعِ وطَلَبُ الرِياسَةِ عَلى الناسِ بِالمُخْرِقَةِ، وكُلُّها مَعْلُوماتٌ ولَها عِلْمٌ، ومَبْلَغُ عِلْمِ الكَفَرَةِ إنَّما هو في هَذِهِ الدُنْياوِيّاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ...
مُتَّصِلٌ في مَعْنى التَسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ...
وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الضَلالَةَ والهُدى إلَيْهِمْ بِكَسْبِهِمْ وإنْ كانَ الجَمِيعُ خَلْقًا لَهُ واخْتِراعًا، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "ضَلَّ"، وبِقَوْلِهِ تَعالى: "اهْتَدى"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَصِيرَ أمْرُهم جَمِيعًا إلى أنْ يُجْزِيَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما في المَعْنى مِنَ التَقْدِيرِ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ولِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ لِيَجْزِيَ.
والنَظَرُ الأوَّلُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِن هَذا الإضْمارِ، وقالَ قَوْمٌ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ وهَذا بَعِيدٌ.
و: "الحُسْنى" هي الجَنَّةُ، ولا حُسْنى دُونَها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم ﴾ .
بعد أن وصف مداركهم الباطلة وضلالهم فَرَّع عليه أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بالإِعراض عنهم ذلك لأن ما تقدم من وصف ضلالهم كان نتيجة إعراضهم عن ذكر الله وهو التولّي عن الذكر فحق أن يكون جزاؤهم عن ذلك الإِعراض إعراضاً عنهم فإن الإِعراض والتولي مترادفان أو متقاربان فالمراد ب ﴿ من تولى ﴾ الفريق الذين أعرضوا عن القرآن وهم المخاطبون آنفاً بقوله: ﴿ ما ضل صاحبكم وما غوى ﴾ [النجم: 2] وقوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ [النجم: 19] والمخبر عنهم بقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ [النجم: 28] الخ وقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [النجم: 27] الخ.
والإِعراض والتولي كلاهما مستعمل هنا في مجازه؛ فأما الإِعراض فهو مستعار لترك المجادلة أو لترك الاهتمام بسلامتهم من العذاب وغضب الله، وأما التولي فهو مستعار لعدم الاستماع أو لعدم الامتثال.
وحقيقة الإِعراض: لفت الوجه عن الشيء لأنه مشتق من العارض وهو صفحة الخد لأن الكاره لشيء يصرف عنه وجهه.
وحقيقة التولي: الإِدبار والإِنصراف، وإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عنهم المأمور به مراد به عدم الاهتمام بنجاتهم لأنهم لم يقبلوا الإِرشاد وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بإدامة دعوتهم للإِيمان فكما كان يدعوهم قبل نزول هذه الآية فقد دعاهم غير مرة بعد نزولها، على أن الدعوة لا تختص بهم فإنها ينتفع بها المؤمنون، ومن لم يسبق منه إعراض من المشركين فإنهم يسمعون ما أنذر به المعرضون ويتأملون فيما تصفهم به آيات القرآن، وبهذا تعلم أن لا علاقة لهذه الآية وأمثالها بالمتاركة ولا هي منسوخة بآيات القتال.
وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ في سورة النساء (63) وقوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ في سورة الأنعام (106)، فضُم إليه ما هنا.
وما صدق ﴿ من تولى ﴾ القوم الذين تولوا وإنما جرى الفعل على صيغة المفرد مراعاة للفظ ﴿ مَن ﴾ ألا ترى قوله: ﴿ ذلك مبلغهم ﴾ بضمير الجمع.
وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإِضمار فقيل ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ﴾ دون: فأعرض عنهم لما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإِعراض عنهم ومن ترتب توليهم عن ذكر الله على ما سبق وصفه من ضلالهم إذ لم يتقدم وصفهم بالتولّي عن الذكر وإنما تقدم وصف أسبابه.
والذكر المضاف إلى ضمير الجلالة هو القرآن.
ومعنى ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ كناية عن عدم الإِيمان بالحياة الآخرة كما دل عليه قوله: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ لأنهم لو آمنوا بها على حقيقتها لأرادُوها ولو ببعض أعمالهم.
وجملة ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ اعتراض وهو استئناف بياني بيِّن به سبب جهلهم بوجود الحياة الآخرة لأنه لغرابته مما يسأل عنه السائل وفيه تحقير لهم وازدراء بهم بقصور معلوماتهم.
وهذا الاستئناف وقع معترضاً بين الجمل وعلتها في قوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ الآية.
وأعني حاصل قوله: ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ .
وقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور في الكلام السابق من قوله: ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ استعير للشيء الذي لم يعلموه اسم الحد الذي يبلغ إليه السائر فلا يعلم ما بعده من البلاد.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴾ .
تعليل لجملة ﴿ فأعرض عن من تولى ﴾ وهو تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم والخبر مستعمل في معنى أنه متولي حسابهم وجزائهم على طريقة الكناية، وفيه وعيد للضالّين.
والتوكيد المفاد ب ﴿ إنَّ ﴾ وبضمير الفصل راجع إلى المعنى الكنائي، وأما كونه تعالى أعلم بذلك فلا مقتضى لتأكيدها لما كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: هو أعلم منك بحالهم.
وضمير الفصل مفيد القصر وهو قصر حقيقي.
والمعنى: أنت لا تعلم دخائلهم فلا تتحسر عليهم.
وجملة ﴿ وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ تتميم، وفيه وعد للمؤمنين وبشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والباء في ب ﴿ من ضل ﴾ وفي ب ﴿ من اهتدى ﴾ لتعدية صفتي ﴿ أعلم ﴾ وهي للملابسة، أي هو أشد علماً ملابساً لمن ضل عن سبيله، أي ملابساً لحال ضلاله، وتقديم ذكر ﴿ من ضل ﴾ على ذكر ﴿ من اهتدى ﴾ لأن الضالّين أهمّ في هذا المقام، وأما ذكر المهتدين فتتميمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ ﴾ أمّا كَبائِرُ الإثْمِ فَفَيِها خَمْسَةُ أقاوِيلَ أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ ما زَجَرَ عَنْهُ بِالحَدِّ، حَكاهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ.
الثّالِثُ: ما لا يُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ما حَكاهُ شُرَحْبِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الكَبائِرِ فَقالَ: (أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ وأنْ تُزانِي حَلِيلَةَ جارِكَ)» الخامِسُ: ما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَبائِرِ أسَبْعٌ هِيَ؟
قالَ: إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعَةٍ، لا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفارٍ ولا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرارٍ، فَكَأنَّهُ يَذْكُرُ أنَّ كَبائِرَ الإثْمِ ما لَمْ يُسْتَغْفَرْ مِنهُ.
وَأمّا الفَواحِشُ فَفَيِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جَمِيعُ المَعاصِي.
الثّانِي: أنَّها الزِّنى.
وَأمّا اللَّمَمُ المُسْتَثْنى فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلّا اللَّمَمَ الَّذِي ألَمُّوا بِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّانِي: هو أنْ يَلُمَّ بِها ويَفْعَلُها ثُمَّ يَتُوبُ مِنها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هو أنْ يَعْزُمَ عَلى المُواقَعَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْها مُقْلِعًا وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا » الرّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ ما دُونَ الوَطْءِ مِنَ القُبْلَةِ والغَمْزَةِ والنَّظْرَةِ والمُضاجَعَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما رَأيْتُ أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : « (كَتَبَ اللَّهُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّها مِنَ الزِّنى أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنَيْنِ النَّظَرُ وزِنى اللِّسانِ المَنطِقُ وهي النَّفْسُ تُمَنِّي وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» الخامِسُ: أنَّ اللَّمَمَ الصَّغائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ.
السّادِسُ: أنَّ اللَّمَمَ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ في الدُّنْيا ولَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ عَذابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ النَّظْرَةُ الأُولى فَإنْ عادَ فَلَيْسَ بِلَمَمٍ، قالَهُ بَعْضُ التّابِعِينَ، فَجَعَلَهُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنَ الذُّنُوبِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ وما يَسْتَوِي مَن لا يَرى غَيْرَ لَمَّةٍ ∗∗∗ ومَن هو ناوٍ غَيْرَها لا يَرِيمُها والثّامِنُ: أنَّ اللَّمَمَ النِّكاحُ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ يُسَمّى نَبْهانُ التَّمّارُ كانَ لَهُ حانُوتٌ يَبِيعُ فِيهِ تَمْرًا، فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرٌا، فَقالَ لَها: إنَّ بِداخِلِ الدُّكّانِ ما هو خَيْرٌ مِن هَذا، فَلَمّا دَخَلَتْ راوَدَها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ وانْصَرَفَتْ، فَنَدِمَ نَبْهانُ وأتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ يَصْنَعُهُ الرَّجُلُ إلّا وقَدْ فَعَلْتُهُ إلّا الجِماعَ، فَقالَ: « (لَعَلَّ زَوْجُها غازٍ)» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي أنْشَأ آدَمَ.
﴿ وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ قالَ مَكْحُولٌ: في بُطُونِ أُمَّهاتِنا فَسَقَطَ مِنّا مَن سَقَطَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا يَفَعَةً فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شَبابًا فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شُيُوخًا لا أبا لَكَ فَما بَعْدَ هَذا تَنْتَظِرُ؟
﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي لا تُمادِحُوا، قالَهُ ابْنُ شَوْذَبٍ.
الثّانِي: لا تَعْمَلُوا بِالمَعاصِي وتَقُولُوا نَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: إذا عَمِلْتَ خَيْرًا فَلا تَقُلْ عَمِلْتُ كَذا وكَذا.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لا تُبادِلُوا قُبْحَكم حَسَنًا ومُنْكَرَكم مَعْرُوفًا.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: لا تُراؤُوا بِعَمَلِكُمُ المَخْلُوقِينَ لِتَكُونُوا عِنْدَهم أزْكِياءَ.
﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ قالَ الحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما هي عامِلَةٌ وما هي صانِعَةٌ وإلى ما هي صائِرَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: احذروا هذا الرأي على الدين، فإنما كان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً لأن الله كان يريه، وإنما هو هاهنا تكلف وظن ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ قال: رأيهم.
وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا» .
قوله تعالى: ﴿ ولله ما في السماوات ﴾ الآية.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ﴾ قال: أهل الشرك ﴿ ويجزي الذين أحسنوا ﴾ قال: المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (١) (٢) ثم صغر رأيهم وأزرى بهم.
(١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معالم التنزيل" 4/ 251، و"القرطبي" 17/ 105.
(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 201، و"نواسخ القرآن" 233.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى ﴾ يعني قولهم: إن الملائكة بنات الله، ثم ردّ عليهم بقوله: ﴿ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.
وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.
وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.
وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.
والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.
وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.
قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.
وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.
وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.
نجوم السماء وهويها غروبها.
وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.
وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.
وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.
وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.
ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.
والنبي تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.
قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.
قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.
والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.
قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ فكأنه نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.
وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.
ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.
وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.
قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.
ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.
وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.
فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.
ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.
ولو قال "علمه جبرائيل " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.
وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.
وفيه أن جبرائيل أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ وأخبر النبي عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.
والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.
ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.
والتنكير للتعظيم.
قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.
وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي .
يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.
ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.
هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل مثل "قاب قوسين".
والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.
والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.
وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.
وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.
وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.
وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.
وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.
وقيل: الضمير لمحمد أو لله والمراد قرب المكان بينهما.
وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.
دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.
أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.
قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد أو جبريل فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.
وقيل: أوحى إليه الصلاة.
وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.
وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.
ثانيها فأوحى الله إلى محمد ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.
وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.
أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.
ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.
رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد وغيره من الأنبياء قبله.
وفيه إشارة إلى أن جبريل أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.
خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إليه.
سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.
وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد .
قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.
ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.
وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.
والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ﴿ وما ربك بغافل ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به ﴾ فإنه لنفس الوقوع.
والظاهر أن فاعل رأى محمد وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد .
وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.
والثاني الآيات العجيبة الإلهية.
والثالث الرب والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي وذلك في أول "سبحان الذي".
ولعل القول الأول أصح.
يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.
ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.
ولا بد من تضمين معنى الغلبة.
﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.
أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي رأى ربه بقلبه مرتين.
والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.
وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.
وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي إليه.
ومعنى أخرى أنه تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.
أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.
"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.
فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.
ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.
وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.
والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.
وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.
فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.
وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.
وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".
وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.
وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.
وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.
قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.
والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.
وعن رسول الله " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.
وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.
والمحققون على أنها أنوار الله تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد .
قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.
فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.
أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى .
وفي الأول بيان أدب محمد ، وفي الثاني بيان مزيته.
وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.
والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.
ويحتمل أن يكون لمحمد أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.
قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.
قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.
وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.
ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.
وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.
نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه رأي الله ليلة المعراج.
وفيه خلاف تقديم.
قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.
أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟
قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.
والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.
زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.
وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.
والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي وأخبره بما فعل.
فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.
وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.
ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.
و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.
وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.
وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟
وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.
ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.
الثالثة.
وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.
وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.
بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.
ثم إنه حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.
ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.
قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.
وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.
والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.
قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.
وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.
وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.
ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.
وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.
ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.
قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.
لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.
وإذا قال: أعجبني ما تصنع.
شمل الحال والاستقبال.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.
وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.
والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.
ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.
قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد .
قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.
ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.
ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟
وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.
الأول توقيف الشفاعة على الإذن.
والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.
والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.
ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.
وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.
وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟
والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.
ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.
ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.
وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.
وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.
ثم بين الله قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.
بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.
وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.
ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.
ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.
والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.
واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.
والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.
عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.
وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.
وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.
قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.
وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.
وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.
دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.
فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.
والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.
وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟
فأجاب الله بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.
وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.
وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.
وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.
والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.
والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.
ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.
وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.
قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟
قال: أخاف.
ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.
فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.
يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.
ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟
وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد أمسك عن العمل به.
قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا .
وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح ﴾ وكل لوح صحيفة.
وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.
والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.
يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.
وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟
فقال: أما إليكم فلا.
قالا: فسل الله.
قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
وروي في الكشاف عن النبي وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.
وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟
كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟
فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.
وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.
وأورد عليه أن الله قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.
وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.
وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.
والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.
ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.
الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.
قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.
ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.
وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.
وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.
قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.
وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.
والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.
وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.
وعن أنس أن النبي قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي وفيه تسلية له.
ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.
يقال: منى وأمنى.
وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.
قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.
قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.
وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.
وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.
وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.
وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.
هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.
ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.
واعلم أنه في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.
ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.
وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.
وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.
وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.
وكانت قريش يقولون لرسول الله "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.
وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.
وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.
وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.
ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.
وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.
ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.
ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.
﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.
وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.
ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.
ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.
وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.
وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.
والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.
ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.
وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.
وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي غضاباً مبرطمين.
وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.
وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ .
أي: للإنسي ما تمنى.
ثم يحتمل تمنيهم شفاعة [ما] عبدوه.
أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله .
أو ما سموا واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على الله وادعوا أمره ورضاه في فعلهم، وغير ذلك مما كانوا يتمنون؛ يقول: ليس للإنسان ما تمنى أن يكون له؛ إنما يكون ذلك له بجعل الله الذي له الدنيا الآخرة، وذلك قوله - -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ .
يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أي: كم ملك له شفاعة لا تنفع شفاعته وإن يشفع إلا لمن ذكر.
والثاني: أي: كم من ملك في السماوات لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء الله ويرضى أن يشفع، وهو كقوله - -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: ليست لهم شفاعة تنفع.
وقال أبو بكر الأصم: إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا واستغفروا لهم؛ كقوله : ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقوله - -: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ...
﴾ الآية [غافر: 7]، وقولهم: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ﴾ ، وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ ﴾ وإنما يسمي ذلك فُؤُم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر؛ لأن الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى، والله أعلم.
ويجوز أن يذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي: ما لهم بما يسمون الملائكة تسمية الأنثى من علم، لأن العلم بمعرفة الأنثى من الذكر بطريقتين: أحدهما: المشاهدة، يشاهد ويعاين فيعرف الأنثى من الذكر، وهم لم يشاهدوا الملائكة، فكيف يعرفون ذلك؟
والثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهؤلاء قوم لا يؤمنون بالرسل.
ولا يعرف بالاستدلال وطريق العلم الثلاثة التي ذكرنا، فإذا كان حصل قولهم بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله : ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ ، أي: ما يتبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنهم ما ذكرنا.
ثم أخبر أن ظنهم لا يغنيهم من الحق شيئاً، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن الظن الذي ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتباع الحق ولزومه.
والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم.
والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم، فإنهم لا يؤمنون أبداً؛ فهو في قوم خاص علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا.
وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو كقوله : ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...
﴾ الآية [الإسراء: 19]، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها.
وقال بعضهم: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ أي: ذلك مبلغ رأيهم من العلم: أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .
مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أولئك الكفرة مع رسول الله وأصحابه، كأن أولئك الكفرة قالوا: نحن على الهوى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ ، أي: هو أعلم بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ فيجزيه جزاء الهدى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وهو غني عن عبادتكم، وإنما يأمركم وينهاكم، ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه.
والثاني: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: إنما أنشأ أهل السماوات والأرض؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذي أساءوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان، ولو كان على ما قال أولئك الكفرة: أن لا بعث ولا جزاء، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثاً باطلاً، وفي الحكمة التفريق بين المسيء والمحسن، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما، فدل ذلك على دار أخرى يفرق بينهما فيها.
ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة: في الدنيا: القهر، والدَّبرة، والهزيمة، وفي الآخرة: النار، وجزاء المحسن في الدنيا: النصر والظفر، وفي الآخرة: الجنة.
ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ .
ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد: أنها كبيرة، والفاحشة: ما يعرفها كل أحد أنها فاحشة، واللمم - على هذا - يجيء أن تكون [من] تلك الكبائر [و]الفواحش؛ لأنه استثناء؛ فيجب أن تكون من جنسها، لكنه استثناها وعفا عنها؛ لما يقعون فيها عن غفلة وسهو، أو عن غلبة شهوة، ونحوها، وهو الأشبه بتأويل الآية.
وقال أهل التأويل: الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: "زنا العين: النظر، وزنا الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم فهو زنا، وإلا فهو لمم" ، وفي رواية: "إن تقدم كان زنا، وإن تأخر كان لمماً" وعن ابن عباس - ما - قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" وعن أبي هريرة أنه النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة.
وعنه أنه اللمم: النكاح.
وعن ابن عباس: - - أنه قال: اللمم: لمم الجاهلية؛ كقوله - -: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وعن ابن عباس - -: هو أن يلم المرَّة.
وقيل: اللمم: اللهم بالخطيئة من جهة حديث النفس شيئاً من غير عزم.
وقيل: إن اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان النبي يقول: "لاَهُم إن تغفر تغفر جمّاً، وأى عبد لك لا ألما؟!" وقيل: اللمم: الصغير من الذنوب؛ لقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...
﴾ الآية [النساء: 31].
وقال القتبي: اللم: الصغار من الذنوب، وهو من ألم بالشيء: إذا لم يتعمق فيه، ولم يلزمه.
وقال بعضهم: اللمم: ما بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة؛ وهو قول ابن عباس - - وذلك يحتمل، والأول أقرب.
وقال أبو بكر الأسم: اللمم: التي يتوب عنها؛ فإنهم إذا تابوا عنها يتجاوز عنهم؛ فهو يجعل اللمم من تلك الكبائر والفواحش، لكنه يقول: إنما استثنى؛ لما يتوب عنها؛ لما يقعون فيها على السهو والغفلة، أو الغلبة شهوة على حسن الظن بربه؛ فيغفر له، أو يتوب عليه؛ فيعفوا عنها.
وعلى تأويل أهل التأويل: اللمم: ما دون الكبائر والفواحش.
وجائز أن تكون الكبائر والفواحش التي ذكر كبائر الشرك وفواحشه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...
﴾ الآية [آل عمران: 135]، وقوله - -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا ﴾ ؛ فيكون اللمم - على هذا -: ما دون الشرك فهو في مشيئة الله - - إن شاء الله عفا عنها، وإن شاء عذب عليها؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: هو أعلم بكم، وبأحوالكم، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة، عفا عنكم، أي: عن اللمم.
وعلى قول أبي بكر: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ لمن تاب عنها، و ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ تتوبون عنها.
وعندنا: أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء، تاب عنها أو لم يتب.
ثم إن كانت المغفرة هي الستر، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا، وإن كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ عندنا: هو اعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون فيها عن السهو والغفلة.
أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم، وما يكون منكم، ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا معنى الإنسان في ذلك، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين، والعينين، وغيرها من الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم.
ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله - -: ﴿ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ تحتمل وجهين: إما لخلق أصلنا من الأرض؛ كقوله: ﴿ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ، ونحوه.
أو لجعل أقواتنا منها؛ لقوله - -: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ﴾ ؛ إذ لا قوام لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ في ظاهر الآية نهى عن التزكية، وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها؛ حيث قال: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها فعلا، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح والتقى والبراءة، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة.
أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة، والله أعلم.
فإن قيل: إن الله - - لما نهانا عن التزكية، فكيف جاز لنا أن نقول لأنفسنا: إنا مؤمنون ومسلمون؛ إذ ذلك مدح وتزكية.
قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال: ﴿ قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 136]، وقوله: ﴿ وَأَسْلِمُواْ ﴾ ، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من الطاعات.
والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، كافرون بشيء، بقوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ ﴾ ، وقول أولئك: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ ﴾ ، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.
وقيل: ﴿ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، وذلك محتم يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كلاًّ في نفسه أن يزكي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ أي: اتقى محارم الله ومناهيه.
ويحتمل: أي: اتقى الكفر بالله والشرك به.
<div class="verse-tafsir"
فأعرض -أيها الرسول- عمن أدبر عن ذكر الله ولم يعبأ به، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهو لا يعمل لآخرته؛ لأنه لا يؤمن بها.
<div class="verse-tafsir" id="91.pqr5w"