الآية ٣٩ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٣٩ من سورة النجم

وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) أي : كما لا يحمل عليه وزر غيره ، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه .

ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى ; لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ; ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته ولا حثهم عليه ، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء ، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع عليهما .

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : من ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به " ، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله ، كما جاء في الحديث : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه " .

والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه ، وقد قال تعالى : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) الآية [ يس : 12 ] .

والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله ، وثبت في الصحيح : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) يقول جلّ ثناؤه: أوَ لم يُنَبأ أنه لا يُجَازي عامل إلا بعمله, خيرا كان ذلك أو شرّا.

كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) , وقرأ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى قال: أعمالكم.

وذُكر عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية منسوخة.

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن &; 22-547 &; ابن عباس, قوله ( وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) قال: فأنـزل الله بعد هذا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فأدخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى روي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء ; يدل على ذلك قوله تعالى : آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا .

.

وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد ، وأجمعوا أن لا يصلي أحد عن أحد .

ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت ، إلا أنه قال : إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه .

وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه .

وروي أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي توفيت أفأتصدق عنها ؟

قال : نعم ، قال : فأي الصدقة أفضل ؟

قال : سقي الماء .وقد مضى جميع هذا مستوفى في ( البقرة ) و ( آل عمران ) و ( الأعراف ) .

وقد قيل : إن الله عز وجل إنما قال : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى ، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له ، كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل .

وقال [ ص: 106 ] الربيع بن أنس : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره .قلت : وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول ، وأن المؤمن يصل إلى ثواب العمل الصالح من غيره ، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها ، وليس في الصدقة اختلاف ، كما في صدر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك .

وفي الصحيح : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث وفيه : أو ولد صالح يدعو له وهذا كله تفضل من الله عز وجل ، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه ، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة ; كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فقال سمعته يقول : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة فهذا تفضل .

وطريق العدل أن ليس للإنسان إلا ما سعى .قلت : ويحتمل أن يكون قوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى خاص في السيئة ; بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة .

وقال أبو بكر الوراق : إلا ما سعى إلا ما نوى ; بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) أي : عمل ، كقوله : " إن سعيكم لشتى " ، ( الليل - 4 ) وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى .

وقال ابن عباس : هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة ، بقوله : " ألحقنا بهم ذريتهم " ، ( الطور - 21 ) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء .

وقال عكرمة : كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى ، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم ، لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟

قال : " نعم ، ولك أجر " .

وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أمي افتلتت نفسها ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟

قال : " نعم " .

وقال الربيع بن أنس : " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " يعني الكافر ، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له .

وقيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو ، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير ويروى أن عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه ، فلما مات أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه ليكفنه فيه ، فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأن» بأنه «ليس للإنسان إلا ما سعى» من خير فليس له من سعي غيره الخير شيء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أنه لا تؤخذ نفس بمأثم غيرها، ووزرها لا يحمله عنها أحد، وأنه لا يحصل للإنسان من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه بسعيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى .

.

.

)أى : كما أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس اخرى ، فكذلك لا يحصل الإنسان إلا على نتيجة عمله الصالح ، لا على نتيجة عمل غيره .فالمراد بالسعى فى الآية .

السعى الصالح ، والعمل الطيب ، لأنه قد جاء فى مقابلة الحديث عن الأوزار والذنوب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى * وإبراهيم الذي وفى ﴾ حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي وهو الجهل المطلق فإن من علم الشيء علماً تاماً لا يؤمر بتعلمه، والذي جهله جهلاً مطلقاً وهو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضاً لا يؤمر فقال: هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي أولم يسمع شيئاً وما بلغه دعوة أصلاً فيعذر، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو في التولي غير معذور، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ بِمَا وفى ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها، فكأنه تعالى يقول: أم لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغير ذلك، وهذه أمور مذكورة في صحف موسى، مثال: يقول القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبي صلى الله عليه وسلم بما في صحف موسى ثانيهما: أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به.

المسألة الثانية: صحف موسى وإبراهيم، هل جمعها لكونها صحفاً كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ ؟

الظاهر أنها كثيرة، قال الله تعالى: ﴿ وَأَخَذَ الألواح  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَلْقَى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

المسألة الثالثة: ما المراد بالذي فيها؟

نقول قوله تعالى: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى * وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ وما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ويقول: ﴿ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى  ﴾ ففيه وجوه: أحدها: هو ما ذكر بقوله: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ وهو الظاهر، وإنما احتمل غيره، لأن صحف موسى وإبراهيم ليس فيها هذا فقط، وليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها: هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ ثالثها: أصول الدين كلها مذكورة في الكتب بأسرها، ولم يخل الله كتاباً عنها، ولهذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ وليس المراد في الفروع، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك.

المسألة الرابعة: قدم موسى هاهنا ولم يقل كما قال في ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى  ﴾ فهل فيه فائدة؟

نقول: مثل هذا في كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة، بل التقديم والتأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على هذا الجواب، ويمكن أن يقال: إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وهاهنا المقصود بيان انتفاء الأعذار، فذكر هناك على ترتيب الوجود صحف إبراهيم قبل صحف موسى في الإنزال، وأما هاهنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم اليهود فقدم كتابهم، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق، وأرسل من قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التي فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها.

المسألة الخامسة: كثيراً ما ذكر الله موسى فأخر ذكره عليه السلام لأنه كان مبتلى في أكثر الأمر بمن حواليه وهم كانوا مشركين ومتهودين والمشركون كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم، وأما قوله تعالى: ﴿ وفى ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه الوفاء الذي يذكر في العهود وعلى هذا فالتشديد للمبالغة يقال وفى ووفى كقطع وقطع وقتل وقتل، وهو ظاهر لأنه وفى بالنذر وأضجع ابنه للذبح، وورد في حقه: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين  ﴾ وثانيهما: أنه من التوفية التي من الوفاء وهو التمام والتوفية الإتمام يقال وفاه أي أعطاه تاماً، وعلى هذا فهو من قوله: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ وقيل: ﴿ وفى ﴾ أي أعطى حقوق الله في بدنه، وعلى هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه: ﴿ وأعطى قَلِيلاً وأكدى ﴾ مدح إبراهيم ولم يصف موسى عليه السلام، نقول: أما بيان توفيته ففيه لطيفة وهي أنه لم يعهد عهداً إلا وفى به، وقال لأبيه: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ فاستغفر ووفى بالعهد ولم يغفر الله له، فعلم ﴿ أن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ وأن وزره لا تزره نفس أخرى، وأما مدح إبراهيم عليه السلام فلأنه كان متفقاً عليه بين اليهود والمشركين والمسلمين ولم ينكر أحد كونه وفياً، وموفياً، وربما كان المشركون يتوقفون في وصف موسى عليه السلام، ثم قال تعالى: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الملائكة، والذي يحسن بهذا الموضع مسائل: الأولى: أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله: ﴿ بِمَا فِي صُحُفِ موسى ﴾ هو ما بينه بقوله: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ ﴾ فيكون هذا بدلاً عن ما وتقديره أم لم ينبأ بألا تزر وذكرنا هناك وجهين: أحدهما: المراد أن الآخرة خير وأبقى وثانيهما: الأصول.

المسألة الثانية: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ ﴾ أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال: أنه لا تزر وتخفيف الثقيلة لازم وغير لازم جائز وغير جائز، فاللازم عندما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل، ولزم فيها التخفيف، لأنها مشبهة بالفعل في اللفظ والمعنى، والفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن شبه الفعل إلى صورة تكون حرفاً مختصاً بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه.

المسألة الثالثة: إن قال قائل: الآية مذكورة لبيان أن وزر المسيء لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئاً ولو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت، وذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر والحمل لا التي وزرت وحملت كما يقال: شقاني الحمل، وإن لم يكن عليه في الحال حمل، وإذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعاً ومن لم يعمل صالحاً لا ينال خيراً فيكمل بها ويظهر أن المسيء لا يجد بسبب حسنة الغير ثواباً ولا يتحمل عنه أحد عقاباً، وفيه أيضاً مسائل: الأولى: ﴿ لَّيْسَ للإنسان ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عام وهو الحق وقيل عليه بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت والدعاء أيضاً نافع فللإنسان شيء لم يسمع فيه، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ وهي فوق ما سعى، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى، وأما الزيادة فنقول: الله تعالى لما وعد المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجياً أن يؤتيه الله ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال، فإن قيل: أنتم إذن حملتم السعي على المبادرة إلى الشيء، يقال: سعى في كذا إذا أسرع إليه، والسعي في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا سعى ﴾ معناه العمل يقال: سعى فلان أي عمل، ولو كان كما ذكرتم لقال: إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعاً: لابد من زيادة فإن قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ ليس المراد منه أن له عين ما سعى، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى، أو إلا أجر ما سعى، أو يقال: بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم القيامة الوجه الثاني: أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف، وقيل بأن قوله: ﴿ لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ كان في شرع من تقدم، ثم إن الله تعالى نسخه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بان الحق، وعلى ما ذكر فقوله: ﴿ مَا سعى ﴾ مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ .

المسألة الثانية: أن ﴿ مَا ﴾ خبرية أو مصدرية؟

نقول: كونها مصدرية أظهر بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى ﴾ أي سوف يرى المسعي، والمصدر للمفعول يجيء كثيراً يقال: هذا خلق الله أي مخلوقه.

المسألة الثالثة: المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل عمل، نقول: المشهور أنهما لكل عمل فالخير مثاب عليه والشر معاقب به والظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام في قوله تعالى: ﴿ للإنسان ﴾ فإن اللام لعود المنافع وعلى لعود المضار تقول: هذا له، وهذا عليه، ويشهد له ويشهد عليه في المنافع والمضار، وللقائل الأول أن يقول: بأن الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل كجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع الذكور، وأيضاً يدل عليه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ الجزاء الأوفى  ﴾ والأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة، وأما في السيئة فالمثل أو دونه العفو بالكلية.

المسألة الرابعة: ﴿ إِلاَّ مَا سعى ﴾ بصيعة الماضي دون المستقبل لزياد الحث على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال: ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس إني أصلي غداً كذا ركعة وأتصدق بكذا درهماً، ثم يجعل مثبتاً في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه، فقال: ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وأكدى ﴾ قطع عطيته وأمسك، وأصله: من إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية: وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر، ونحوه: أجبل الحافر، ثم استعير فقيل: أجبل الشاعر إذا أفحم.

روى: أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي ما له في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقي لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء.

فنزلت.

ومعنى ﴿ تولى ﴾ ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل ﴿ فَهُوَ يرى ﴾ فهو يعلم أن ما قاله له أخوه من احتمال أو زاره حق ﴿ وفى ﴾ قرئ مخففاً ومشدّداً، والتشديد مبالغة في الوفاء.

أو بمعنى: وفر وأتم، كقوله تعالى: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ [البقرة: 124] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية، من ذلك: تبليغه الرسالة، واستقلاله بأعباء النبوّة، والصبر على ذبح ولده وعلى نار نمروذ، وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم.

وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به.

وعن الهزيل بن شرحبيل: كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره، ويقتل بأبيه وابنه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيده؛ فأوّل من خالفهم إبراهيم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً، فلما قذف في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال.

أمّا إليكما فلا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «وفّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى» وروى: ألا أخبركم لم سمى الله خليله ﴿ الذى وفى ﴾ ؟

كان يقول إذا أصبح وأمسى: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ...

﴾ إلى ﴿ ...

حِين تُظْهِرُونَ ﴾ [الروم: 17] وقيل: وفي سهام الإسلام: وهي ثلاثون: عشرة في التوبة (التائبون..) وعشرة في الأحزاب: ﴿ إِنَّ المسلمين...

﴾ وعشرة في المؤمنين ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون..

﴾ وقرئ: ﴿ في صحف ﴾ ، بالتخفيف ﴿ أَلاَّ تَزِرُ ﴾ أن مخففة من الثقيلة.

والمعنى: أنه لا تزر، والضمير ضمير الشأن، ومحل أن وما بعدها: الجر بدلاً من ما في صحف موسى.

أو الرفع على: هو أن لا تزر، كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم، فقيل: أن لا تزر ﴿ إِلاَّ مَا سعى ﴾ إلا سعيه.

فإن قلت: أما صح في الأخبار: الصدقة عن الميت، والحج عنه، وله الإضعاف؟

قلت: فيه جوابان، أحدهما: أن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً وكذلك الإضعاف كأن سعى غيره كأنه سعى نفسه، لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه.

والثاني؛ أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ ﴾ ثم يجزى العبد سعيه، يقال: أجزاه الله عمله وجزاه على عمله، بحذف الجار وإيصال الفعل.

ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ أو أبدله عنه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ، ﴿ وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المنتهى (42) ﴾ قرئ بالفتح على معنى: أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء، وكذلك ما بعده.

والمنتهى: مصدر بمعنى الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه، كقوله تعالى: ﴿ إِلَى الله المصير ﴾ [فاطر: 18] .

﴿ أَضْحَكَ وأبكى ﴾ خلق قوتي الضحك والبكاء ﴿ إِذَا تمنى ﴾ إذا تدفق في الرحم، يقال: منى وأمنى.

وعن الأخفش: تخلق من منى الماني، أي قدر المقدّر: قرئ: ﴿ النشأة ﴾ ﴿ النشاءة ﴾ بالمد.

وقال: (عليه) لأنهاواجبة عليه في الحكمة، ليجازى على الإحسان والإساءة ﴿ وأقنى ﴾ وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك ﴿ الشعرى ﴾ مرزم الجوزاء: وهي التي تطلع وراءها، وتسمى كلب الجبار، وهما شعريان الغميصاء والعبور وأراد العبور.

وكانت خزاعة تعبدها، سنّ لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو كبشة، تشبيهاً له به لمخالفته إياهم في دينهم، يريد: أنه رب معبودهم هذا.

عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم.

وقيل: الأولى القدماء؛ لأنهم أوّل الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، أو المتقدمون في الدنيا الأشراف.

وقرئ: ﴿ عاد لولي ﴾ وعاد لولى، بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ونقل ضمتها إلى لام التعريف (وثمودا) وقرئ: وثمود ﴿ أَظْلَمَ وأطغى ﴾ لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وما أثر فيهم دعاؤه قريباً من ألف سنة ﴿ والمؤتفكة ﴾ والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهم قوم لوط، يقال: أفكه فائتفك: وقرئ: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ﴿ أهوى ﴾ رفعها إلى السماء على جناج جبريل، ثم أهواها إلى الأرض أي: أسقطها ﴿ مَا غشى ﴾ تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ إلّا سَعْيُهُ أيْ كَما لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ الغَيْرِ لا يُثابُ بِفِعْلِهِ، وما جاءَ في الأخْبارِ مِن أنَّ الصَّدَقَةَ والحَجَّ يَنْفَعانِ المَيِّتَ فَلِكَوْنِ النّاوِي لَهُ كالنّائِبِ عَنْهُ.

﴿ وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى أيْ يُجْزى العَبْدُ سَعْيَهُ بِالجَزاءِ الأوْفَرِ فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ تَكُونَ الهاءُ لِلْجَزاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ يُجْزى والجَزاءَ بَدَلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} إلا سعيه وهذه ايضا مما في صحق إبراهيم وموسى وأما ما صح في الأخبار من الصدقة من الميت والحج عنه فقد قيل إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سى نفسه وهو أن يكون مؤمناً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ إثابَةِ الإنْسانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ( وأنْ ) كَأُخْتِها السّابِقَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً أيْ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ، أوْ إلّا الَّذِي سَعى بِهِ وفَعَلَهُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ ورَدَتْ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ بِنَفْعِ الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ، مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسُها وأظُنُّها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها ؟

قالَ: نَعَمْ» وكَذا بِنَفْعِ الحَجِّ» .

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ لَأنْ تَحُجَّ وأنَّها ماتَتْ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟

قالَ: نَعَمْ قالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ»» وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْرَ لَمّا نَوى ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ عَنْهُ القائِمِ مَقامَهُ شَرْعًا فَكَأنَّهُ بِسَعْيِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أوِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ فَكَأنَّهُ سَعْيُهُ، ودَلَّ عَلى بِنائِهِ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ العاصِ بْنَ وائِلٍ نَذَرَ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وأنَّ هِشامًا ابْنَهُ نَحْوَ حِصَّتِهِ خَمْسِينَ وأنَّ عَمْرًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «وأمّا أبُوكَ فَلَوْ كانَ أقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ»» وأُجِيبَ بِهَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ تَضْعِيفَ الثَّوابِ الوارِدَ في الآياتِ يُنافِي أيْضًا القَصْرَ عَلى سَعْيِهِ وحْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في الجَوابِ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ إنَّهُ ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما هو قَطْعِيٌّ في حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِعَمَلِ الغَيْرِ وهو يُنافِي ظاهِرَ الآيَةِ فَتُقَيَّدُ بِما لا يَهَبُهُ العامِلُ، وسَألَ والِي خُراسانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ فَقالَ: لَيْسَ لَهُ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى ولَهُ بِالفَضْلِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَبَّلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ هَذا الحُكْمُ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلِلْإنْسانِ مِنها سَعْيُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ «حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ «هَلْ لِأُمِّي إذا تَطَوَّعْتُ عَنْها ؟

قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ»» وقالَ الرَّبِيعُ: الإنْسانُ هُنا الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ  ﴾ وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ما يُشْعِرُ بِهِ أبُو داوُدَ والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ رِوايَةَ النَّسْخِ بِأنَّها لا تَصِحُّ لِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَكْلِيفًا ولا نَسْخَ في الأخْبارِ.

وما يُتَوَهَّمُ جَوابًا مِن أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في شَرِيعَةِ مُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ لا يَجْعَلَ الثَّوابَ لِغَيْرِ العامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَن بَعْدَهم مِن أهْلِ شَرِيعَتِنا مَرْجِعُهُ إلى تَقْيِيدِ الأخْبارِ لا إلى النَّسْخِ إذْ حَقِيقَتُهُ أنْ يُرادَ المَعْنى، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ إرادَتُهُ، وهَذا تَخْصِيصُ الإرادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الشَّرائِعِ فافْهَمْهُ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ لَيْسَ عَلى الإنْسانِ غَيْرُ سَعْيِهِ، وهو بَعِيدٌ مِن ظاهِرِها ومِن سِياقِ الآيَةِ أيْضًا فَإنَّها وعْظٌ لِلَّذِي تَوَلّى وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ الحُسَيْنِ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ: والتَّحْرِيرُ عِنْدِي في هَذا الآيَةِ أنَّ مِلاكَ المَعْنى هو اللّامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِلْإنْسانِ ) فَإذا حَقَّقْتَ الشَّيْءَ الَّذِي حَقَّ الإنْسانِ أنْ يَقُولَ فِيهِ لِي كَذا لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ وما يَكُونُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةِ، أوْ رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ، أوِ ابْنٍ صالِحٍ، أوْ تَضْعِيفِ حَسَناتٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ لِي كَذا وكَذا إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وإلْحاقٍ بِما هو حَقِيقَةٌ انْتَهى.

ويُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا جَعَلَ ثَوابَ عَمَلِهِ أيَّ عَمَلٍ كانَ لِغَيْرِهِ لا يَنْجَعِلُ ويَلْغُو جَعْلُهُ غَيْرُ تامٍّ وكَذا اسْتِدْلالُ الإمامِ الشّافِعِيِّ بِها عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا تَلْحَقُ الأمْواتَ - وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ - بَلْ قالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ لا يَقُولانِ بِوُصُولِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ كالصَّلاةِ والتِّلاوَةِ بَلْ غَيْرُها كالصَّدَقَةِ والحَجِّ، وفي الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةٍ أنَّها لا تَصِلُ، وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ إلى أنَّهُ تَصِلُ، فالِاخْتِيارُ أنْ يَقُولَ القارِئُ بَعْدَ فَراغِهِ اللَّهُمَّ أوْصِلْ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ إلى فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ ونَحْوَهُ كَوَهَبْتُ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ لِفُلانٍ بِقَلْبِهِ كَفى، وعَنْ بَعْضِهِمُ اشْتِراطُ نِيَّةِ النِّيابَةِ أوَّلَ القِراءَةِ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ القِراءَةُ بِأُجْرَةٍ أمّا إذا كانَتْ بِها كَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ اليَوْمَ فَإنَّهم يُعْطُونَ حَفَظَةَ القُرْآنِ أُجْرَةً لَيَقْرَؤُوا لِمَوْتاهم فَيَقْرَؤُونَ لِتِلْكَ الأُجْرَةِ فَلا يَصِلُ ثَوابُها إذْ لا ثَوابَ لَها لِيَصِلَ لِحُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَحْرُمْ عَلى تَعْلِيمِهِ كَما حَقَّقَهُ خاتِمَةُ الفُقَهاءِ المُحَقِّقِينَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِينُ بْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي الهِدايَةِ مِن كِتابِ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ إطْلاقُ صِحَّةِ جَعْلِ الإنْسانِ عَمَلَهُ لِغَيْرِهِ ولَوْ صَلاةً وصَوْمًا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وفِيهِ ما عَلِمْتَ ما مَرَّ آنِفًا.

وقالَ الخَفاجِيُّ: هو مُحْتاجٌ إلى التَّحْرِيرِ وتَحْرِيرُهُ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ هَلْ تُقْبَلُ النِّيابَةُ فَتَسْقُطُ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ فِعْلَ غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ بِإذْنِهِ أوْ لا بَعْدَ حَياتِهِ أمْ لا فَهَذا وقَعَ في الحَجِّ كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، أمّا الصَّوْمُ فَلا، وما ورَدَ في حَدِيثِ ««مَن ماتَ وعَلَيْهِ صِيامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ العِباداتِ فَقالَ الطَّحاوِيُّ: إنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ولَيْسَ الكَلامُ في الفِدْيَةِ وإطْعامِ الطَّعامِ فَإنَّهُ بَدَلٌ وكَذا إهْداءُ الثَّوابِ سَواءٌ كانَ بِعَيْنِهِ أوْ مِثْلِهِ فَإنَّهُ دُعاءٌ وقَبُولُهُ بِفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ كالصَّدَقَةِ عَنِ الغَيْرِ فاعْرِفْهُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.

﴿ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ أيْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُكْشَفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في صَحِيفَتِهِ ومِيزانِهِ مِن أرَيْتُهُ الشَّيْءَ، وفي البَحْرِ يَراهُ حاضِرُو القِيامَةِ ويَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ تَشْرِيفًا لِلْمُحْسِنِ وتَوْبِيخًا لِلْمُسِيءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى يعني: أعرض عن الحق، وهو الوليد بن المغيرة، ومن كان في مثل حاله وَأَعْطى قَلِيلًا يعني: وأنفق قليلاً من ماله وَأَكْدى يعني: هو أمسك عن النفقة.

قال مقاتل: أنفق الوليد بن المغيرة على أصحاب محمد  نفقة قليلة، ثم انتهى عن ذلك.

وقال القتبي: وَأَكْدى أصله من كديه الدكية وهي الصلابة فيها.

فإذا بلغها الحافر، يبس حفرها، فقطع الحفرة.

يعني: تركها.

فقيل: لمن طلب شيئاً، ولم يدرك أخره، وأعطى شيئاً، ولم يتم وأكدى.

ثم قال عز وجل: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى يعني: أعنده علم الآخرة فَهُوَ يَرى صنيعه.

وقيل: يعلم ما في اللوح المحفوظ، فيرى صنيعه.

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني: ألم يخبر بما بيّن الله تعالى في صحف موسى.

قال بعضهم: صُحُفِ مُوسى يعني: التوراة.

وقال بعضهم: هو كتاب أنزل عليه قبل التوراة وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يعني: في كتاب إبراهيم الَّذِي وَفَّى يعني: بلغ الرسالة.

ويقال: وَفَّى بمعنى عمل ما أمر به.

وذلك أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعثمان: إنك تنفق مالك، فعن قريب تفتقر.

فقال عثمان: إن لي ذنوباً.

فقال الوليد: ادفع إلي بعض المال حتى أدفع ذنوبك، فدفع إليه، فأنزل الله تعالى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني: ألم يبين الله تعالى في كتاب موسى، وكتاب إبراهيم، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى.

ويقال: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يعني: بما ابتلاه الله تعالى بعشر كلمات.

ويقال: بذبح الولد.

ويقال: كان يصلي كل غداة أربع ركعات، صلاة الضحى فسماه وفياً.

ثم قال عز وجل: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى يعني: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا مِنْ خَيْرٍ أو شر وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى يعني: يرى ثواب عمله في الآخرة.

قوله عزَّ وجلَّ: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى يعني: يعطى ثوابه كاملاً وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى يعني: إليه ينتهي أعمال العباد، وإليه يرجع الخلق كلهم، فهذا كله في مصحف موسى، وإبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نزلت في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ وذلك أنّه سمع قراءة النبي صلّى الله عليه وسلّم ووعظه فقرب من الإسلام، وطمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في إسلامه، ثم إنَّه عاتبه رجلٌ من المشركين، وقال له: أتترك ملّة آبائك؟!

ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأَنا أتَحَمَّلُ لك بكلِّ شيء تخافه في الآخرة، لكن على أَنْ تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عَمَّا هَمَّ به من الإسلام، وأعطى بعضَ ذلك المالَ لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشَحَّ، فنزلت الآية فيه، وقال السُّدِّيُّ «١» : نزلت في العاصي بن وائل قال ع «٢» : فقوله: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى على هذا- هو في المال، وقال مقاتل «٣» في كتاب الثعلبيِّ: المعنى: أعطى الوليدُ قليلا من الخير بلسانه، ثم أَكْدى، أي: انقطع ما أعطى، وهذا بَيِّنٌ من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية، وتَوَلَّى معناه: أدبر وأعرض عن أمر اللَّه، وأَكْدى معناه: انقطع عطاؤه، وهو مشبه بالذي/ يحفر في الأرض فإنَّه إذا انتهى في حفر بئر ونحوه إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ من الأرض- يَئِسَ من الماء، وانقطع حفرُهُ، وكذلك أجبل إذا انتهى في الحفر إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع: عمله أكدى وأجبل.

ت: قال الثعلبيُّ: وأصله من الكُدْيَةِ، وهو حجر في البئر يؤيس من الماء قال الكسائِيُّ: تقول العرب: أَكْدَى الحَافَرُ وأَجْبَلَ: إذا بَلَغَ في الحَفْرِ إلى الكُدْيَةِ والجَبَلِ، انتهى.

وقوله عز وجل: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى معناه: أَعَلِمَ من الغيب أَنَّ مَنْ تحمَّل ذنوبَ آخر انتفع بذلك المُتَحَمَّلُ عنه فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة؟!

أم هو جاهل، لم يُنَبَّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وَفَّى بما أُرْسِلَ بِه، من أَنَّهُ لا تَزِرُ وازرة، أي: لا تحملُ حَامِلَةٌ حَمْلَ أخرى وفي البخاري وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى: وفى ما فُرِضَ عليه «٤» ، انتهى.

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)

وقوله سبحانه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى وما بعده، كل ذلك معطوف على قوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى والجمهور أَنَّ قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ  عَلى دِينِهِ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وقالَ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلَتْهُمْ؟

قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَفَعَلَ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ ومَنَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى بَعْضَ الفُقَراءِ المُسْلِمِينَ خَمْسَ قَلائِصَ حَتّى ارْتَدَّ عَنْ إسْلامِهِ، وضَمِنَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ إثْمَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانَ رُبَّما وافَقَ رَسُولَ اللَّهِ  في بَعْضِ الأُمُورِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَمَعْنى "تَوَلّى": أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ.

﴿ وَأعْطى قَلِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِماعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الخَيْرِ بِلِسانِهِ ثُمَّ قَطَعَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى "أكْدى": قَطَعَ، وهو مَن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وهي الصَّلابَةُ فِيها، وإذا بَلَغَها الحافِرُ يَئِسَ مِن حَفْرِها، فَقَطَعَ الحَفْرَ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن طَلَبَ شَيْئًا فَلَمْ يَبْلُغْ آخِرَهُ، أوْ أعْطى ولَمْ يُتِمَّ: أكْدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَهو يَرى حالَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: فَهو يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ أيْ: وصُحُفِ إبْراهِيمَ.

وفي حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ عَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي وفّى ﴾ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "وَفى" بِتَخْفِيفِ الفاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: "وَفّى" أبْلَغُ مِن "وَفى" لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في الَّذِي وفّى عَشْرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ وفّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ وفّى في كَلِماتٍ كانَ يَقُولُها.

رَوى سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ [الَّذِي وفّى]؟

لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ.

.

.

 ﴾ وخَتَمَ الآيَةَ.» والثّالِثُ: أنَّهُ وفّى الطّاعَةَ فِيما فَعَلَ بِابْنِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ القُرَظِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ وفّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرائِعِ الإسْلامِ، رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ وفّى ما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّهُ عَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: وفّى ما فُرِضَ عَلَيْهِ.

والسّابِعُ: أنَّهُ وفّى بِتَبْلِيغِ هَذِهِ الآياتِ، وهِيَ: ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ وما بَعْدَها، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ.

والثّامِنُ: وفّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والتّاسِعُ: أنَّهُ عاهَدَ أنْ لا يَسْألُ مَخْلُوقًا شَيْئًا، فَلَمّا قُذِفَ في النّارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ألَكَ حاجَةٌ؟

فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَوَفّى بِما عاهَدَ، ذَكَرَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.

والعاشِرُ: أنَّهُ أدّى الأمانَةَ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما في صُحُفِهِما فَقالَ: ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى؛ والمَعْنى: لا تُؤْخَذُ بِإثْمِ غَيْرِها.

﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا في صُحُفِهِما أيْضًا.

ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ( وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتهمْ بِإيمان) [الطَّوْرِ: ٢١] فَأُدْخِلَ الأبْناءُ الجَنَّةَ بِصَلاحِ الآباءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ خَبَرٍ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ لِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَهم ما سَعَوْا وما سَعى غَيْرُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ  لِلْمَرْأةِ الَّتِي سَألَتْهُ: «إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، فَقالَ: "حُجِّي عَنْهُ" .» والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ، فَأمّا المُؤْمِنُ، فَلَهُ ما سَعى وما سُعِيَ لَهُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى مِن طَرِيقِ العَدْلِ، فَأمّا مِن بابِ الفَضْلِ، فَجائِزٌ أنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَشاءُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والخامِسُ: أنَّ مَعْنى ﴿ ما سَعى ﴾ : ما نَوى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والسّادِسُ: لَيْسَ لِلْكافِرِ مِنَ الخَيْرِ إلّا ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا، فَيُثابُ عَلَيْهِ فِيها حَتّى لا يَبْقى لَهُ في الآخِرَةِ خَيْرٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى "عَلى" فَتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ عَلى الإنْسانِ إلّا ما سَعى.

والثّامِنُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ غَيْرَ أنَّ الأسْبابَ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يَكُونُ سَعْيُهُ في تَحْصِيلِ قَرابَةٍ ووَلَدٍ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وصَدِيقٍ، وتارَةً يَسْعى في خِدْمَةِ الدِّينِ والعِبادَةِ، فَيَكْتَسِبُ مَحَبَّةَ أهْلِ الدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا حَصَلَ بِسَعْيِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الزّاغُونِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: سَوْفَ يُعْلَمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: سَوْفَ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى عَمَلَهُ في مِيزانِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يُجْزاهُ ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى السَّعْيِ ﴿ الجَزاءَ الأوْفى ﴾ أيِ: الأكْمَلَ الأتَمَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ ﴿ وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى ﴾ ﴿ وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْ لَيْسَ"، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأنَّ، وأنَّهُ" مَعْطُوفٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلى "أنْ" المَقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ"، وهي كُلُّها بِفَتْحِ الألِفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ قُعْنُبٌ: "وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيها وفِيما بَعْدَها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ  ﴾ ، وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يُنْسَخُ، ولِأنَّ شُرُوطَ النَسْخِ لَيْسَتْ هُنا، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ النَسْخِ لِيَفْهَمَ سائِلًا.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هَذا الحُكْمُ كانَ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَها سَعْيُ غَيْرِها، والدَلِيلُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: هَلْ لِأُمِّي إنْ تَطَوَّعْتُ عنها أجْرٌ؟

قالَ: نَعَمْ،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذا الإنْسانُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وسَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طاهِرِ بْنِ الحُسَيْنِ والِي خُراسانَ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى، ولَهُ بِفَضْلِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، فَقَبَّلَ عَبْدُ اللهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والتَحْرِيرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُلّاكَ المَعْنى هو في اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْإنْسانِ"، فَإذا حَقَّقْتَ الشَيْءَ الَّذِي هو حَقُّ الإنْسانِ يَقُولُ فِيهِ: "لِي كَذا" لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ، وما تَمَّ بَعْدُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةٍ أو رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ أوِ ابْنٍ صالِحٍ أو تَضْعِيفِ حَسَناتٍ أو تَغَمُّدٍ بِفَضْلٍ ورَحْمَةٍ دُونَ هَذا كُلِّهِ، فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: "لِي كَذا وكَذا" إلّا عَلى تَجَوُّزٍ وإلْحاقٍ بِما هو لَهُ حَقِيقَةً، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى أنَّهُ لا يَعْمَلُ أحَدٌ عن أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَدَنٍ ولا مالٍ، وفَرَّقَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ البَدَنِ والمالِ، وهي عِنْدِي كُلُّها فَضائِلُ لِلْعامِلِ وحَسَناتٌ تُذْكَرُ لِلْمَعْمُولِ عنهُ، وقَدْ أمَّرَ رَسُولُ اللهِ  سَعْدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالصَدَقَةِ عن أُمِّهِ، والسَعْيُ: الكَسْبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُرى" فاعِلُهُ حاضِرٌ والقِيامَةُ، أيْ يَراهُ اللهُ ومَن شاهَدَ الأمْرَ، وفي عَرْضِ الأعْمالِ عَلى الجَمِيعِ تَشْرِيفٌ لِلْمُحْسِنِينَ وتَوْبِيخٌ لِلْمُسِيئِينَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَمِعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

و"المُنْتَهى": يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحَشْرَ والمَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو مُنْتَهى بِالإضافَةِ إلى الدُنْيا وإنْ كانَ بَعْدَهُ مُنْتَهًى آخَرَ وهو الجَنَّةُ أوِ النارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُنْتَهى الجَنَّةَ أوِ النارَ، فَهو مُنْتَهًى عَلى الإطْلاقِ، لَكِنَّ في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى عَذابِ رَبِّكَ أو رَحْمَتِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قالَ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ "لا فِكْرَةَ في الرَبِّ"،» ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إذا ذُكِرَ الرَبُّ فانْتَهُوا"،» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  يَوْمًا عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: "فِيمَ أنْتُمْ"؟

قالُوا: نَتَفَكَّرُ في الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ؛ فَإنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ"...» الحَدِيثُ، وذَكَرَ تَعالى الضَحِكَ والبُكاءَ لِأنَّهُما صِفَتانِ تَجْمَعانِ أصْنافًا كَثِيرَةً مِنَ الناسِ؛ إذِ الواحِدَةُ دَلِيلُ السُرُورِ والأُخْرى دَلِيلُ الحُزْنِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى هاتَيْنِ الخاصَّتَيْنِ اللَتَيْنِ هُما لِلْإنْسانِ وحْدَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النارِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ في هَذا أقْوالًا اسْتِعارِيَّةً كَمَن قالَ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَباتِ وأبْكى السَماءَ بِالمَطَرِ، ونَحْوَهُ، و"أماتَ وأحْيا" بَيِّنٌ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا إنَّهُ أحْيا بِالإيمانِ وأماتَ بِالكُفْرِ.

و"الزَوْجَيْنِ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرِيدُ بِهِ المُصْطَحِبِينَ مِنَ الناسِ، مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وما ضارَعَ مِنَ الحَيَوانِ، والخُنْثى مُتَمَيِّزٌ ولا بُدَّ لِأحَدِ الجِهَتَيْنِ.

و"النُطْفَةُ" في اللُغَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الماءِ كانَتْ يَسِيرَةً أو كَثِيرَةً، ويُرادُ بِها هُنا الذُكْرانُ.

وقَوْله: "تَمَنّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ" إذا خَرَجَ مِنهُ المَنِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنّى اللهُ الشَيْءَ" إذا خَلَقَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ.

و"النَشْأةَ الأُخْرى" هي إعادَةُ الأجْسامِ إلى الحَشْرِ بَعْدَ البِلى في التَرْكِيبِ، وقَرَأ الناسُ: "النَشْأةَ" بِسُكُونِ الشِينِ وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ: "النَشاءَةَ" مَمْدُودَةً، و"أقْنى" مَعْناهُ: أكْسَبُ، تَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ، وتَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ إقْلالِ وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أقْنى" بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: أقْنى مَعْناهُ: اكْتَسَبَ ما يَقْتَنِي، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أرْضى وأغْنى، وقالَ حَضْرَمِيُّ: مَعْناهُ: أغْنى نَفْسَهُ و"أقْنى" أفْقَرَ عِبادَهُ إلَيْهِ، وقالَ الأخْفَشُ: أغْنى: أفْقَرُ، وهَذِهِ عِباراتٌ لا تَقْتَضِيها اللَفْظَةُ، والوَجْهُ فِيها بِحَسَبِ اللُغَةِ: أكْسَبُ ما يُقْتَنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقْنى: أقْنَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَناعَة خَيْرُ قَنْيَةٍ، والغِنى عَرَضٌ زائِلٌ، فَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و"الشِعْرى": نَجْمٌ في السَماءِ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو مَرْزَمُ الجَوْزاءِ، وهُما شِعْرِيّانِ: إحْداهُما: الغُمَيْصاءُ والأُخْرى العُبُورُ، لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الشِعْرى، ومِنهم أبُو كَبْشَةَ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ والثَعْلَبِيُّ، واسْمُهُ عَبْدُ الشِعْرى، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِكْرِ، أيْ: وهو رَبُّ هَذا المَعْبُودِ الَّذِي هو لَكم.

و"عادٌ": قَوْمُ هُودٍ، واخْتَلَفَ في مَعْنى وصْفِها بِالأُولى، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ذَلِكَ لِأنَّها في وجْهِ الدَهْرِ وقَدِيمِهِ، فَهي أولى بِالإضافَةِ إلى الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِالأُولى لِأنَّ ثُمَّ عادًا أخِيرَةً -وَهِيَ قَبِيلَةٌ- كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأخِيرَةُ هي ثَمُودُ، والدَلِيلُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ..............

∗∗∗ كَأحْمَرَ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ الأخِيرَةُ: الجَبّارُونَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا" مُنَوَّنَةً "الأُولى" مَهْمُوزَةً، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا الأولى" بِإزالَةِ التَنْوِينِ والهَمْزِ، وهَذا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: "أحَدٌ اللهُ"، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............

∗∗∗ ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قَلِيلًا وقَرَأ قَوْمٌ: "عادٌ الأُولى"، والنُطْقُ بِها "عادَنِ الأُولى"، واجْتَمَعَ سُكُونُ نُونِ التَنْوِينِ وسُكُونُ لامِ التَعْرِيفِ فَكُسِرَتِ النُونُ لِلِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا تَرَكُ الهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو بِالوَصْلِ والإدْغامِ: "عادًا لِوَلى" بِإدْغامِ النُونِ في اللامِ ونَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللامِ، وعابَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالا: إنَّ هَذا النَقْلَ لا يُخْرِجُ اللامَ عن حَدِّ السُكُونِ، وحَقُّ ألِفِ الوَصْلِ أنْ تَبْقى كَما تَقُولُ العَرَبُ إذا نُقِلَتِ الهَمْزَةُ مِن قَوْلِهِمْ: "الأحْمَرُ" فَإنَّهم يَقُولُونَ: "الحَمْرُ جاءَ" فَكَذَلِكَ يُقالُ هُنا "عادًا لْلُولى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِراءَةُ سائِغَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "لَحَمَرُ جاءَ" فَيُحْذَفُ الألِفُ مَعَ النَقْلِ ويُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ اللامِ ولا يَراها في حُكْمِ السُكُونِ، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا اللُؤْلى" بِهَمْزِ "اللُؤْلى"،يَهْمِزُ الواوَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الواوِ والضَمَّةِ حائِلٌ يَحْمِلُ الهَمْزَةَ فَهَمَزَها كَما تُهْمَزُ الواوُ المَضْمُومَةُ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن قَرَأ: "عَلى سُؤْقِهِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗.....................

وهِيَ لُغَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَثَمُودًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "عادًا"، وقَرَأ عاصِمٌ، والحَسَنُ، وعِصْمَةٌ: "وَثَمُودُ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الدالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَما أبْقى" ظاهِرُهُ: فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، وتَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: فَما أبْقى مِنهم عَيْنًا تُطْرَفُ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ الحَجّاجُ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنْ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: بَقِيَ مِنهم باقِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [النجم: 38]، فيصح أن تكون عطفاً على المجرور بالباء فتكون (أنْ) مخففة من الثقيلة، ويصح أن تكون عطفاً على ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى فتكون أَنْ ﴾ تفسيرية، وعلى كلا الاحتمالين تكون ﴿ أنْ ﴾ تأكيداً لنظيرتها في المعطوف عليها.

وتعريف ﴿ الإِنسان ﴾ تعريف الجنس، ووقوعه في سياق النفي يفيد العموم، والمعنى: لا يختص به إلا ما سعاه.

والسعي: العمل والاكتساب، وأصل السعي: المشي، فأطلق على العمل مجازاً مرسلاً أو كنايةً.

والمراد هنا عمل الخير بقرينة ذكر لام الاختصاص وبأن جعل مقابلاً لقوله: ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [النجم: 38].

والمعنى: لا تحصل لأحد فائدة عَمل إلا ما عمله بنفسه، فلا يكون له عملُ غيره، ولام الاختصاص يرجح أن المراد ما سَعاه من الأعمال الصالحة، وبذلك يكون ذكر هذا تتميماً لمعنى ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ، احتراساً من أن يخطُر بالبال أن المدفوع عن غير فاعله هو الوزر، وإنّ الخير ينال غيرَ فاعله.

ومعنى الآية محكي في القرآن عن إبراهيم في قوله عنه: ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ [الشعراء: 89].

وهذه الآية حكاية عن شرعيْ إبراهيم وموسى، وإذ قد تقرر أن شرع مَن قَبْلنَا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، تدل هذه الآية على أن عمل أحد لا يجزئ عن أحد فرضاً أو نفلاً علَى العين، وأما تحمل أحد حِمالة لفعل فعله غيره مثل دِيَات القتل الخطأ فذلك من المؤاساة المفروضة.

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ومحملها: فعن عكرمة أن قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ حكاية عن شريعة سابقة فلا تلزم في شريعتنا يريد أن شريعة الإِسلام نسخت ذلك فيكون قبول عمل أحد عن غيره من خصائص هذه الأمة.

وعن الربيع بن أنس أنه تأول (الإِنسان) في قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ بالإِنسان الكافر، وأما المؤمن فله سعيه ومَا يسعى له غيره.

ومن العلماء من تأول الآية على أنها نفت أن تكون للإِنسان فائدة ما عمله غيره إذا لم يجعل الساعي عمله لغيره.

وكأنَّ هذا ينحو إلى أن استعمال ﴿ سعى ﴾ في الآية من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه العقليين.

ونقل ابن الفرس: أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها وأنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، ويؤخذ من كلام ابن الفرس أن ممن قال بذلك الشافعي في أحد قوليه بصحة الإِجارَة على الحج.

واعلم أن أدلة لحاق ثواب بعض الأعمال إلَى غير من عملها ثابتة على الجملة وإنما تتردد الأنظار في التفصيل أو التعميم، وقد قال الله تعالى: ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ﴾ [الطور: 21]، وقد بيناه في تفسير سورة الطور.

وقال تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾ [الزخرف: 70]، فجعل أزواج الصالحين المؤمناتتِ وأزواج الصالحاتتِ المؤمنين يتمتعون في الجنة مع أن التفاوت بين الأزواج في الأعمال ضروري وقد بيناه في تفسير سورة الزخرف.

وفي حديث مسلم " إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا مِن صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له " وهو عام في كل ما يعمله الإِنسان، ومعيار عمومه الاستثناء فالاستثناء دليل على أن المستثنيات الثلاثة هي من عمل الإِنسان.

وقال عياض في «الإِكمال» هذه الأشياء لما كان هو سببها فهي من اكتسابه.

قلت: وذلك في الصدقة الجارية وفي العلم الذي بثه ظاهر، وأما في دعاء الولد الصالح لأحد أبويه فقال النووي لأن الولد من كسبه.

قال الأبي: الحديث " ولد الرجل من كسبه " فاستثناء هذه الثلاثة متصل.

وثبتت أخبار صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عمل أحد عن آخر يُجزي عن المنوب عنه، ففي «الموطأ» حديث الفضل بن عباس «أن امرأة من خثعم سألت رسول الله فقالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزئ أن أحج عنه؟

قال: نعم حُجّي عنه».

وفي قولها: لا يثبت على الراحلة دلالة على أن حجها عنه كان نافلة.

وفي «كتاب أبي داود» حديثُ بريدَة «أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزئ أو يَقضي عنها أن أصوم عنها؟

قال: نعم.

قالت: وإنها لم تحج أفيجزئ أو يقضي أن أحج عنها؟

قال: نعم».

وفيه أيضاً حديث ابن عباس «أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟

قال: نعم».

وفيه حديث عمرو بن العاص وقد أعتق أخوه هشام عن أبيهم العاص بن وائل عبيداً فسأل عَمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَن يفعل مثل فعل أخيه فقال له «لو كان أبوكَ مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك».

وروي أن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمان بعد موته رقاباً واعتكفت عنه.

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عُمر وابن عباس «أنهما أفتيا امرأة جعلت أمُّها على نفسها صلاة بمسجد قباء ولم تف بنذرها أن تصلي عنها بمسجد قباء».

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يقضي نذراً نذرته أمه، قيل كان عتقاً، وقيل صدقة، وقيل نذراً مطلقاً.

وقد كانت هذه الآية وما ثبت من الأخبار مجالاً لأنظار الفقهاء في الجمع بينهما والأخذِ بظاهر الآية وفي الاقتصار على نوع ما ورد فيه الإِذن من النبي صلى الله عليه وسلم أو القياس عليه.

ومما يجب تقديمه أن تعلم أن التكاليف الواجبة على العين فرضاً أو سنة مرتّبة المقصد من مطالبة المكلف بها ما يحصل بسببها من تزكية نفسه ليكون جزءاً صالحاً فإذا قام بها غيره عنه فات المقصود من مخاطبة أعيان المسلمين بها، وكذا اجتناب المنهيات لا تتصور فيها النيابة لأن الكف لا يقبل التكرر فهذا النوع ليس للإِنسان فيه إلا ما سعى ولا تجزئ فيه نيابة غيره عنه في أدائها، فأما الإِيمان فأمره بَينّ لأن ماهية الإِيمان لا يتصور فيها التعدد بحيث يؤمن أحد عن نفسه ويؤمن عن غيره لأنه إذا اعتقد اعتقاداً جازماً فقد صار ذلك إيمانه.

قال ابن الفرس في «أحكام القرآن»: «أجمعوا على أنه لا يؤمن أحد عن أحد».

وأما ما عدا الإِيمان من شرائع الإسلام الواجبة فأما ما هو منها من عمل الأبدان فليس للإِنسان إلا ما سعى منه ولا يجزئ عنه سعي غيره لأن المقصود من الأمور المعيَّنة المطالببِ بها المرءُ بنفسه هو ما فيها من تزكية النفس وارتياضها على الخير كما تقدم آنفاً.

ومثل ذلك الرواتب من النوافل والقربات حتى يصلح الإِنسان ويرتاض على مراقبة ربه بقلبه وعمله والخضوع له تعالى ليصلح بصلاح الأفراد صلاح مجموع الأمة والنيابة تفيت هذا المعنى.

فمَا كان من أفعال الخير غير معينَّ بالطلب كالقُرَب النافلة فإن فيه مقصدين مقصد ملحق بالمقصد الذي في الأعمال المعيّنة بالطلب، ومقصد تكثير الخير في جماعة المسلمين بالأعمال والأقوال الصالحة وهذا الاعتبار الثاني لا تفيته النيابة.

والتفرقة بين ما كان من عمل الإِنسان ببدنه وما كان من عمله بماله لا أراهُ فرقاً مؤثراً في هذا الباب، فالوجه اطراد القول في كلا النوعين بقبول النيابة أو بعدم قبولها: من صدقات وصيام ونوافل الصلوات وتجهيز الغزاة للجهاد غير المتعينّ على المسلم المجهِّز (بكسر الهاء) ولا على المجهَّز (بفتح الهاء)، والكلمات الصالحة من قراءة القرآن وتسبيح وتحميد ونحوهما وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا يكون تحرير محل ما ذكره ابن الفرس من الخلاف في نقل عمل أحد إلى غيره.

قال النووي: «الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مُجمَع عليهما.

وكذلك قضاء الدين» اه.

وحكى ابن الفرس مثل ذلك، والخلاف بين علماء الإسلام فيما عدا ذلك.

وقال مالك: «يتطوع عن الميت فيتصدق عنه أو يعتق عنه أو يهدي عنه، وأما ما كان من القُرَب الواجبة مركَّباً من عمل البدن وإنفاق المال مثل الحج والعمرة والجهاد» فقال الباجي: «حكى القاضي عبد الوهاب عن المذهب أنها تصح النيابة فيها» وقال ابن القصار: «لا تصح النيابة فيها».

وهو المشتهر من قول مالك ومبنى اختلافهما أن مالكاً كره أن يحج أحد عن أحد إلا أنه إن أوصى بذلك نفذت وصيته ولا تسقط الفرض.

ورجح الباجي القول بصحة النيابة في ذلك بأن مالكاً أمضى الوصية بذلك، وقال: لا يُستأجَر له إلا من حَجَّ عن نفسه فلا يحج عنه ضَرُرَوة، فلولا أن حج الأجير على وجه النيابة عن الموصي لما اعتُبرت صفة المباشر للحج.

قال ابن الفرس: «أجاز مالك الوصية بالحج الفرض، ورأى أنه إذا أوصى بذلك فهو من سعيه والمحرر من مذهب الحنفية صحة النيابة في الحج لغير القادر بشرط دوام عجزه إلى الموت فإن زال عجزه وجب عليه الحج بنفسه، وقد ينقل عن أبي حنيفة غير ذلك في كتب المالكية.

وجوز الشافعي الحج عن المِّيت ووصية الميت بالحج عنه.

قال ابن الفرس: «وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز واحتج بقوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ اه.

ومذهب أحمد بن حنبل جوازه ولا تجب عليه إعادة الحج إن زال عذره.

وأما القُرَب غير الواجبه وغيرُ الرواتب من جميع أفعال البر والنوافل؛ فأما الحج عن غير المستطيع فقال الباجي: «قال ابن الجلاب في «التفريع» يكره أن يستأجر من يحجّ عنه فإن فعل ذلك لم يفسخ» وقال ابن القصار: «يجوز ذلك في الميت دون المعضوب» (وهو العاجز عن النهوض).

وقال ابن حبيب: «قد جاءت الرخصة في ذلك عن الكبير الذي لا ينهض وعن الميت أنه يُحج عنه ابنه وإن لم يوص به».

وقال الأُبيّ في «شرح مسلم»: «ذكر أن الشيخ ابن عرفة عام حجّ اشترى حجة للسلطان أبي العباس الحفصي على مذهب المخالف»، أي خلافاً لمذهب مالك.

وأما الصلاة والصيام، فسئل مالك عن الحج عن الميت فقال: «أما الصلاة والصيام والحج عنه فلا نرى ذلك».

وقال في «المدونة»: «يتطوع عنه بغير هذا أحب إليّ: يُهدى عنه، أو يُتصدق عنه، أو يُعتق عنه».

قال الباجي: «ففصل بينها وبين النفقات».

وقال الشافعي في أحد قوله: لا يصله ثواب الصلوات التطوع وسائر التطوعات.

قال صاحب «التوضيح» من الشافعية: «وعندنا يجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين»، وقال أحمد: «يصله ثواب الصلوات وسائر التطوعات».

والمشهور من مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لا يصله ثوابها، وقال أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب الشافعي: يصله ثوابها.

وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك: أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر.

وقد ورد في حديث عائشة قالت: «كان رسول الله يعوّذ نفسه بالمعوذات فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها» فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه، فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة.

واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة، وأما الاستئجار على النيابة في القُرب: فأما الحج فقد ذكروا فيه جوازَ الاستئجار بوصية، أو بغيرها، لأن الإِنفاق من مقومات الحج، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرةً على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها، وأن القرب التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم فِعل الذين أَخذوا أجراً على رُقية الملدوغ بفاتحة الكتاب.

وإذا علمَت هذا كله فقوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ هو حكم كان في شريعة سالفة، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من الأخبار بصحة النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضَى الآية، والقائلون بأن شرع غيرنا شَرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول الأخبار المعارضة لها بالخصوصية، ومنهم من جعلها مخصِّصَةً للعموم، أو ناسخةً، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على عمله، أو تأول السعي بالنية.

وتأول اللام في قوله: ﴿ للإنسان ﴾ بمعنى (على)، أي ليس عليه سيئات غيره.

وفي تفسير سورة الرحمان من «الكشاف»: أن عبد الله بنَ طَاهر قال للحُسين بن الفَضل: أشكلتْ عليّ ثلاث آيات.

فذكر له منها قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ فما بال الأضعاف، أي قوله تعالى: ﴿ فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ [البقرة: 245]، فقال الحسين: معناه أنه ليس له إلا ما سعى عَدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ  وأبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْمَعُ ما يَقَوْلانِ ثُمَّ يَتَوَلّى عَنْهُما.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أعْطى خَمْسَ قَلائِصَ لِفَقِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ حِينَ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ وضَمِنَ لَهُ أنْ يَتَحَمَّلَ مَأْثَمَ رُجُوعِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أعْطى قَلِيلًا مِن نَفْسِهِ بِالِاسْتِمْتاعِ ثُمَّ أكْدى بِالِانْقِطاعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أطاعَ قَلِيلًا ثُمَّ عَصى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أعْطى قَلِيلًا مِن مالِهِ ثُمَّ مَنَعَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أعْطى بِلِسانِهِ وأكْدى بِقَلْبِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفي " أكْدى " وجْهانِ: أحَدُهُما: قَطَعَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: مَنَعَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أعْلِمَ الغَيْبَ فَرَأى أنَّ ما سَمِعَهُ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ فَرَأى ما صَنَعَهُ حَقًّا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أعَلِمَ أنْ لا بَعْثَ، فَهو يَرى أنْ لا جَزاءَ.

﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وفّى عَمَلَ كُلَّ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ، رَواهُ الهَيْثَمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّانِي: أنْ يَقُولَ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ الآيَةَ.

رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذٍ عَنْ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: وفِيما أمَرَ بِهِ مِن طاعَةِ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ ابْنِهِ وأبِيهِ فَأوَّلُ مَن خالَفَهم إبْراهِيمُ، قالَهُ الهُذَيْلُ.

السّادِسُ: أنَّهُ ما أمَرَ بِأمْرٍ إلّا أدّاهُ ولا نَذَرَ إلّا وفّاهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

السّابِعُ: وفي ما امْتَحَنَ بِهِ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ وإلْقائِهِ في النّارِ وتَكْذِيبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردوية عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ والنجم ﴾ فبلغ ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ قال: وفى ﴿ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ إلى قوله: ﴿ من النذر الأولى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ قال: أدى عن ربه ﴿ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم فقال الله: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ قال: بلغ وأدى ﴿ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ قال: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالمولى حتى كان إبراهيم فبلغ ﴿ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ لا يؤخذ أحد بذنب غيره.

وأخرج ابن المنذر عن هذيل بن شرحبيل قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره فيما بين نوح إلى إبراهيم حتى جاء إبراهيم ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى ﴾ .

أخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن جرير وابن المنذر وابن مردوية عن ابن عباس قال: ﴿ وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى ﴾ فأنزل الله بعد ذلك ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ [ الطور: 21] فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء.

وأخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ﴿ وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ استرجع واستكان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ عطف على قوله: ﴿ أَلَّا تَزِرُ ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل (١) قال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا (٢) ثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ  ﴾ الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة (٣) (٤)  -: إن أبي مات ولم يحج، قال: "فحجي عنه" (٥) (٦) وقال الحسين بن الفضل (٧) (٨) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 44، و"الكشف والبيان" 12/ 16 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 16 أ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 254.

(٥) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل 3/ 23، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت 2/ 974.

(٦) انظر: "الأم" 2/ 104، و"الحاوي الكبير" 4/ 17.

(٧) تقدمت ترجمه في سورة البقرة.

(٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 17 أ، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" == 27/ 66.

قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 423.

وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 114، و"فتح القدير" 5/ 114.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ ذكر فيما تقدم، وهذه الجملة لما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى ﴾ السعي هنا بمعنى العمل، وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام، واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعتق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى من فعلت عنه، واختلفوا في الأعمال كالصلاة والصيام وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ [الطور: 21] والصحيح أنها مُحكمة لأنها خبر: والأخبار لا تنسخ.

وفي تأويلها ثلاثة أقوال: الأول: أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا فلا يلزم في شريعتنا الثاني: أن للإنسان ما عمل بحق وله ما عمل له غيره بهبة العامل له، فجاءت الآية في أثبات الحقيقة دون ما زاد عليها الثالث: أنها في الذنوب، وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدل على هذا قوله بعدها: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ وكأنه يقول: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى ﴾ قيل: معناه يراه الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحب لقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال لضعفه أهل الإيمان؛ ليرجعوا عن الإيمان بمحمد والتصديق له، ويكذبوا عليه.

وقوله: ﴿ وَأَكْدَىٰ ﴾ أي: قطع عنهم في وقت أيضاً.

وكذا قال القتبي: ﴿ وَأَكْدَىٰ ﴾ أي: قطع، وهو من كدية الركبة، وهي الصلابة فيها إذا بلغها الحافر يئس من حفرها؛ فقطع الحفر.

وقيل لكل من طلب شيئاً فلم يبلغ، أو أعطى فلم يتم: أكدى.

وقال أبو عوسجة: أكدى: بخل، ورجل مكدٍ: بخيل.

وقوله: ﴿ أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ ﴾ ، فهو - والله أعلم -: أعنده علم الغيب؛ فيأمر بتكذيب محمد  ، ويأذن له بالتولي عنه، وإعطاء المال على التكذيب له؛ أي: ليس عنده علم الغيب؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل والكتب، وأسباب العلم هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ ﴾ ، كأن هذا مقطوع من الأول؛ كأن أولئك الكفرة يقولون لأتباعهم: إنا نتحمل عنكم الظلم والوزرا؛ فلا تأنوا محمداً ولا تصدقوه؛ كقوله -  - حكاية عنهم: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ ﴾ ، أي: قد بينا في صفحها: ألا تزر وازرة وزر أخرى.

وقيل: لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضحى، وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول الله  أنه قال: "أتذرون ما وفى؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، [قال]: وَفَّى أربع ركعات [عند] الضحى" فإن ثبت هذا اكتفى عن [أي] تأويل آخر، وأصله: أ نه سماه: وفيّاً؛ لما قام بوفاء ما أمر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ فيه أن هذا في الكتب كلها: في صحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما من الكتب: ألاَّ يحمل أحد وزر آخر، إنما يحمل وزر نفسه.

وعن ابن عباس -  ما - أنه قال: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره.

وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ في الجاهلية بذنب غيره حتى نزلت الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ...

﴾ الآية.

يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ ﴾ أي: ليس على الإنسان إلا ما سعى؛ لأنه - جل وعلا - يثيب ويعطي الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه؛ كقوله -  -: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ، ونحو الصغار الذين لا سعي لهم، قد يعطيهم الثواب بفضله، وأما جزاء الشر، فإنه لا يكون إلا بالمثل؛ كقوله -  -: ﴿ فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ .

وجائز أن يكون "له" بمعنى "عليه" في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي: فعليها.

ويحتمل أن تكون الأية في أولئك الكافرين الذين نزل فيهم قوله -  -: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ يقول: ليس لذلك الإنسان إلا ما سعى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾ ، وحرف ﴿ سَوْفَ ﴾ من الله -  وتعالى - على التحقيق والإيجاب؛ كحرف "لعل" و"عسى"؛ فيكون قوله -  -: ﴿ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾ أي: يرى جزاء عمله لا محالة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ ﴾ جزاء الآخرة على الوفاء، لا نقصان فيه، خيرا كان أو شرّاً.

ويحتمل أن يكون ذلك للكافر يجزى جزاء الشرك وجميع ما يعمل من السوء، فأما المؤمن، فإنه يكفر سيئاته، ويجزي جزاء الخيرات؛ كقوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ سمى الآخرة: منتهى، ومصيراً، ورجوعا.

ويحتمل: أي: إلى جزاء ربك يُنْتهى.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ بين الله - جل وعلا - قدرته وسلطانه في إنشاء أنفسهم، وأحوالهم، وأفعالهم.

أما بيان قدرته في أنفسهم حيث قال: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما بيان قدرته في أحوالهم ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ .

وأما في أفعالهم قوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه بما ذكر؛ ليعلموا أنه لا يعجزه شيء.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على الكتابة والاستعارة؛ جعل الضحاك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الخوف، وكذا العرف في الناس له إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.

والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء؛ فهو على وجهين: أحدهما: أي: أنشأهم بحيث يضحكون ويبكون.

والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ .

قوله: ﴿ أَمَاتَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: جعلهم بحيث يموتون، وبحيث يحيون.

والثاني: أمات بإخراج روحهم، وأحيا بإدخال الروح فيهم، وهو كقوله -  - ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، فيحتمل إماتتهم في الدنيا وإحياءهم في الآخرة، وأصل ذلك: أنه يفعل بهم كل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾ اسم الزوج يحتمل الشكل، ويحتمل المقابل؛ أي: يجعل أحدهما شكلا للآخر وإن ك ان ضدين؛ يقول: جعلهم بحيث يتزاوجون ويتشاكلون، أو يتقابلون ويتضادون،، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴾ أي: تقذف.

قال الأصم: دل قوله: ﴿ نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴾ : أنها إذا لم تقذف تصير: مذيا، وإنما تقذف التي تخرج على شهوة، فأما التي تخرج لا على شهوة فإنه يكون مذيا، ولا يوجب الاغتسال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ أي: في الحكمة عليه النشأة الأخرى؛ لأنه لو لم تكن النشأة الأخرى، كانت النشأة الأولى باطلا، عبثا، غير حكمة.

أو يقول: إن عليه النشأة الأخرى؛ ليعلم أن له قدرة عليها كما له القدرة على الأولى؛ لأن أولئك الكفرة كانوا مقرين بالأولى والقدرة عليها، وينكرون الأخرى؛ فيخبر أن له القدرة عليهما، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: وسع عليهم ﴿ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: سيَّر لهم ما يقتنون من الخدم وغيرها؛ فيكون الإغناء هو التوسيع بأنواع الأموال، والإفناء هو إعطاء القنبة من الخادم وما يحتاج إليه للمهنة؛ فيكون في جعل الخدم له فضل حاجة، لا غناء، وذلك دليل على صحة مذهبنا في استجازتهم دفع الزكاة إلى من له الخدم.

وقيل: ﴿ أَغْنَىٰ ﴾ أي: أعطى ما يغنيه ويستغني به، ﴿ وَأَقْنَىٰ ﴾ أي: أقنعه، وأرضاه.

وقيل: على العكس: أغنى، أي: أرضى، وأقنى: أي: أخدم.

وعن ابن عباس -  - ﴿ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: أكثر.

وقال عطاء: ابنَ آدم، هو أغناك وأقناك، أي: أعطاك الخدم؛ على ما ذكرنا.

وقال القتبي: هو من القنية، وهي الكسب؛ يقال: أقنيته كذا.

وقال أبو عوسجة: هو من القنو؛ فنى: - أعطاه مالاً - يقنى قنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ ﴾ قيل: إن الشعرى: اسم كوكب كان يعبده بعض العرب؛ فكأنهم ظنوا أن ما في ذلك الكوكب من الحسن والجمال؛ لِقَدْرٍ له عند الله ومنزلة، وأن تدبيرهم يرجع إليه؛ فعبدوه لذلك.

ويحتمل أنهم عبدوه؛ لما لم يروا لأنفسهم أهلية لعبادة الرب -  - فعبدوه من دونه؛ وجاء التقرب إليه؛ على ما يخدم المرء المتصلين بملوك الأرض.

ولكن هذا فاسد؛ لأن من خدم المتصلين بملوك الأرض إنما يخدم لما لم يسبق لهم إليهم من خدمة متصلة، ولا الإذن بعبادة أنفسهم وخدمتهم، فأما الله -  - قد أمرهم بعبادة نفسه، ونهاهم عن عبادة غيره؛ فلم يسع لهم بعد الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره عبادة من دونه.

ذكر سفههم في عبادتهم الشِّعْرَى وأمثالها؛ أي: اعبدوا رب الشعرى؛ فإن ما فيه من الحسن والجمال هو الذي فعل، فإليه اصرفوا العبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ ، قرئ: ﴿ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ بإظهار التنوين والهمزة، وبغير الهمزة ولا إظهار التنوين؛ حتى تصير كأنها لام مثقلة.

ثم هذا ليس نوع ما ذكر من قبل، إنما ذكر هذا لهم؛ لينزجروا عن صنيعهم؛ أي: إذ أهلك عادا وهم أشد منكم قوة، وأكثر عدداً وأموالاً، فلما لم ينزجروا بمواعظ الرب -  - أهلكهم، فعلى ذلك يفعل بكم يا أهل مكة؛ إن لم تتعظوا.

أو إنه أهلك عادا فلم يتهيأ لهم القيام بدفع عذاب الله - عز وجل - مع قوتهم، فكيف أنتم يا أهل مكة؟!

ثم اختلفوا في قوله -  -: ﴿ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ منهم من قال: كانوا عادَيْنِ: أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس الأول.

ومنهم من قال: عاد الأولى: الذين أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهؤلاء عاد أخرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ ﴾ أي: أهلك ثموداً أيضاً.

وقوله: ﴿ فَمَآ أَبْقَىٰ ﴾ قال بعضهم: أي: استأصلهم لم يبق منهم أحداً؛ أي: ما أبقى لهم نسلا يذكرون بذلك بعد هلاكهم، كما أبقى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - من السنل.

أو ما لهم من آثار الخير شيئاً كما أبقى للرسل وأتباعهم إلى آخر الأبد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ﴾ ، أي: كانوا أفحش ظلما، وأكثر طغيانا، لأن نوحا - عليه الصلاة والسلام - دعاهم إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما زادهم إلا نفورا واستكبارا؛ على ما أخبر: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: قريات لوط -  - أي: أهلكها أيضاً.

وقوله: ﴿ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: أي: أهوى إلى النار.

وقيل: أي: أهوى من السماء إلى الأرض؛ على ما ذكر أن جبريل -  - رفعها إلى السماء وأرسلها إلى الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴾ .

قيل: غشاها بالحجارة بعد ذلك، فسواها بالأرض.

وقيل: غسى بالحجارة مسافريهم ومن غاب عنهم.

وقيل: المؤتفكة: المكذبة؛ من الإفك وهو الكذب.

وقيلأ: المنقلبة؛ ائتفكت: أي: انقلبت، ﴿ فَغَشَّاهَا ﴾ أي: غشى قريات لوط -  - من العذاب ما غشى أولئك الذين ذكر من قبل من عاد، ومن قوم نوح؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عبيدة: المؤتفكة: المخسوفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴾ فظاهر هذا وظاهر قوله -  -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ مشكل؛ لأنه ذكر آلاء، ولو عرف أنها ألاء ربه، لكان لا يكذبه، لكن يخرج على وجوه: على التقديم والتأخير والإضمار؛ كأنه يقول: فبأي آلاء من آلاء ربكم شاهدتموه وعاينتموه تتمارون، وكذلك: فبأي آلاء ربكما الذي أقررتم به تكذبونّي.

أو يقول: فبأي آلائه وإحسانه تتمارى، فكيف أنكرتم إحسانه بمحمد  ؟!

أو كيف صرفتم شكر نعمه إلى غيره.

أو تكون الاَلاء هاهنا هي الحجج؛ يقول: فبأي حجة من حجج ربك تنكر رسالة محمد  أو تتمارى فيها؛ أي: لا حجة لك في تكذيبك إياه أو إنكارك رسالته.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ ﴾ ، أي: الذي يدعوكم وينبئكم محمد  من النذر الأولى التي أنبأها الرسل الأولون، وأوعدوا قومه؛ فيكون صلة قوله - عز وجل - ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ...

﴾ إلى آخره.

وقيل: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ ﴾ أي: الرسل الأولى، وتمام هذا التأويل: أي: هذا نذير من البشر كالذين كانوا من قبل.

وقيل: هذا الذي ينذر محمد  هو من النذر التي في اللوح المحفوظ، أي: مما ينذر به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنه ليس للإنسان إلا ثواب عمله الذي عمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.WMAKN"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله