الآية ٣٨ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٣٨ من سورة القمر

وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌۭ مُّسْتَقِرٌّۭ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) أي : لا محيد لهم عنه ، ولا انفكاك لهم منه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) يقول تعالى ذكره: ولقد صُبِّحَ قوْمُ لوط بُكْرةً ذكر أن ذلك كان عند طلوع الفجر.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( بُكْرَةً ) قال: عند طلوع الفجر.

وقوله ( عَذَابِ ) وذلك قلب الأرض بهم, وتصيير أعلاها أسفلها بهم, ثم إتباعهم بحجارة من سجيل منضود.

كما حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ ) قال: حجارة رموا بها.

وقوله ( مُسْتَقِرّ ) يقول: استقرّ ذلك العذاب فيهم إلى يوم القيامة حتى يوافوا عذاب الله الأكبر في جهنم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ) يقول: صبحهم عذاب مستقرّ, استقرّ بهم إلى نار جهنم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ) ...

الآية, قال: ثم صبحهم بعد هذا, يعني بعد أن طمس الله أعينهم, فهم من ذلك العذاب إلى يوم القيامة, قال: وكل قومه كانوا كذلك, ألا تسمع قوله حين يقول : أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( مُسْتَقِرّ ) استقرّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر أي دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة .

وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها .

و " بكرة " هنا نكرة فلذلك صرفت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ } قلب الله عليهم ديارهم، وجعل أسفلها أعلاها، وتتبعهم بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك للمسرفين، ونجى الله لوطا وأهله من الكرب العظيم، جزاء لهم على شكرهم لربهم، وعبادته وحده لا شريك له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد صبحهم بكرة ) جاءهم وقت الصبح ( عذاب مستقر ) دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة ، وقيل : عذاب حق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد صبحهم بكرة» وقت الصبح من يوم غير معين «عذاب مستقر» دائم متصل بعذاب الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد جاءهم وقت الصباح عذاب دائم استقر فيهم حتى يُفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وذلك العذاب هو رجمهم بالحجارة وقلب قُراهم وجعل أعلاها أسفلها، فقيل لهم: ذوقوا عذابي الذي أنزلته بكم؛ لكفركم وتكذيبكم، وإنذاري الذي أنذركم به لوط عليه السلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب فقال : ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ .

.

.

) .

والبكرة : أول النهار وهو وقت الصبح ، وجىء بلفظ بكرة للإشعار بتعجيل العذاب لهم ، أى : والله لقد نزل بهم عذابنا فى الوقت المبكر من الصباح نزولا دائما ثابتا مستقرا لا ينفك عنهم ، ولا ينفكون عنه .

.

وقلنا لهم : ذوقوا عذابى ، وسوء عاقبة تكذيبكم لرسولى لوط - عليه السلام - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ صَبَّحَهُم ﴾ فيه دلالة على الصبح، فما معنى: ﴿ بُكْرَةً ﴾ ؟

نقول: فائدته تبيين انطراقه فيه، فقوله: ﴿ بُكْرَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنها منصوبة على أنها ظرف، ومثله نقوله في قوله تعالى: ﴿ أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ وفيه بحث، وهو أن الزمخشري قال: ما الفائدة في قوله: ﴿ لَيْلاً ﴾ وقال: جواباً في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل، وتمسك بقراءة من قرأ: ﴿ مِّنَ اليل ﴾ وهو غير ظاهر، والأظهر فيه أن يقال: بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم وأنه لا يريد بيانه، كما يقول: خرجنا في بعض الأوقات، مع أن الخروج لابد من أن يكون في بعض الأوقات، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين، ولو قال: خرجنا، فربما يقول السامع: متى خرجتم، فإذا قال: في بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته، فكذلك قوله تعالى: ﴿ صَبَّحَهُم بُكْرَةً ﴾ أي بكرة من البكر و ﴿ أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ أي ليلاً من الليالي فلا أبينه، فإن المقصود نفس الإسراء، ولو قال: أسرى بعبده من المسجد الحرام، لكان للسامع أن يقول: أيما ليلة؟

فإذا قال: ليلة من الليالي قطع سؤاله وصار كأنه قال: لا أبينه، وإن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل، فإنه يقول: لا أعلم الوقت، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلاً، فاعلم مثله في: ﴿ صَبَّحَهُم بُكْرَةً ﴾ ويحتمل أن يقال: على هذا الوجه: ﴿ صَبَّحَهُم ﴾ بمعنى قال لهم: عموا صباحاً استهزاء بهم، كما قال: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ فكأنه قال: جاءهم العذاب بكرة كالمصبح، والأول أصح، ويحتمل في قوله تعالى: ﴿ صَبَّحَهُم بُكْرَةً ﴾ على قولنا: إنها منصوبة على الظرف مالا يحتمله قوله تعالى: ﴿ أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ وهو أن: ﴿ صَبَّحَهُم ﴾ معناه أتاهم وقت الصبح، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار، فإذا قال: ﴿ بُكْرَةً ﴾ أفاد أنه كان أول جزء منه، وما أخر إلى الإسفار، وهذا أوجه وأليق، لأن الله تعالى أوعدهم به وقت الصبح، بقوله: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح  ﴾ وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجيء العذاب في أول الصبح، ومجرد قراءة: ﴿ صَبَّحَهُم ﴾ ما كان يفيد ذلك، وهذا أقوى لأنك تقول: صبيحة أمس بكرة واليوم بكرة، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن المراد بكرة من البكر الوجه الثاني: أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته سوطاً ضرباً فإن المنصوب في ضربته ضرباً على المصدر، وقد يكون غير المصدر كما في ضربته سوطاً ضرباً، لا يقال: ضرباً سوطاً بين أحد أنواع الضرب، لأن الضرب قد يكون بسوط وقد يكون بغيره، وأما: ﴿ بُكْرَةً ﴾ فلا يبين ذلك، لأنا نقول: قد بينا أن بكرة بين ذلك، لأن الصبح قد يكون بالإتيان وقت الإسفار، وقد يكون بالإتيان بالأبكار، فإن قيل: مثله يمكن أن يقال: في ﴿ أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ قلنا: نعم، فإن قيل: ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء، نقول: هو كقول القائل: ضربته شيئاً، فإن شيئاً لابد منه في كل ضرب، ويصح ذلك على أنه نصب على المصدر، وفائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه، وكأن القائل يقول: إني لا أبين ما ضربته به، ولا أحتاج إلى بيانه لعدم تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل: بماذا ضربه بسوط أو بعصا، فكذلك القول في: ﴿ أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ يقطع سؤال السائل عن الإسراء، لأن الإسراء هو السير أول الليل، والسرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك.

المسألة الثانية: ﴿ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: عذاب لا مدفع له، أي يستقر عليهم ويثبت، ولا يقدر أحد على إزالته ورفعه أو إحالته ودفعه ثانيها: دائم، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم، فإن الموت يخلص من الألم الذي يجده المضروب من الضرب والمحبوس من الحبس، وموتهم ما خلصهم ثالثها: عذاب مستقر عليهم لا يتعدى غيرهم، أي هو أمر قد قدره الله عليهم وقرره فاستقر، وليس كما يقال: إنه أمر أصابهم اتفاقاً كالبرد الذي يضر زرع قوم دون قوم، ويظن به أنه أمر اتفاقي، وليس لو خرجوا من أماكنهم لنجوا كما نجا آل لوط، بل كان ذلك يتبعهم، لأنه كان أمراً قد استقر.

المسألة الثالثة: الضمير في ﴿ صَبَّحَهُم ﴾ عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير في أعينهم فيعود لفظاً إليهم للقرب، ومعنى إلى الذين تماروا بالنذر، أو الذين عاد إليهم الضمير في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حاصبا ﴾ ريحا تحصبهم بالحجارة، أي: ترميهم ﴿ بِسَحَرٍ ﴾ بقطع من الليل، وهو السدس الأخير منه.

وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، وأنشد: مَرَّتْ بِأَعْلَى السَّحَرَيْنِ تَذْأَلُ وصرف لأنه نكرة.

ويقال: لقيته سحر أذا لقيته في سحر يومه ﴿ نِّعْمَةًَ ﴾ إنعاماً، مفعول له ﴿ مَن شَكَرَ ﴾ نعمة الله بإيمانه وطاعته ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ ﴾ لوط عليه السلام ﴿ بَطْشَتَنَا ﴾ أخذتنا بالعذاب ﴿ فَتَمَارَوْاْ ﴾ فكذبوا ﴿ بالنذر ﴾ متشاكين ﴿ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق.

روى أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة خلهم يدخلوا، ﴿ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ ﴾ [هود: 81] فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يتردّدون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ فقلت لهم: ذوقوا على ألسنة الملائكة ﴿ بُكْرَةً ﴾ أوّل النهار وباكره، كقوله: (مشرقين)، و(مصبحين).

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما: ﴿ بكرة ﴾ ، غير منصرفة، وتقول: أتيته بكرة وغدوة بالتنوين.

إذا أردت التنكير، وبغيره إذا عرّفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ ثابت قد استقرّ عليهم إلى أن يفضى بهم إلى عذاب الآخرة.

فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ؟

قلت: فائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبإ من أنباء الأوّلين ادكاراً واتعاظاً، وأن يستأفنوا تنبهاً واستيقاظاً، إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، يقعقع لهم الشن تارات؛ لئلا يغلبهم السهو ولا تستولى عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير، كقوله: ﴿ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدّها في سورة الرحمن، وقوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب.

مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أنْذَرَهُمْ ﴾ لُوطٌ.

﴿ بَطْشَتَنا ﴾ أخْذَتَنا بِالعَذابِ.

﴿ فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ﴾ فَكَذَّبُوا بِالنُّذُرِ مُتَشاكِّينَ.

﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ قَصَدُوا الفُجُورَ بِهِمْ.

﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ فَمَسَحْناها وسَوَّيْناها بِسائِرِ الوَجْهِ.

رُوِيَ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا دارَهُ عَنْوَةً صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفْقَةً فَأعْماهم.

﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ فَقُلْنا لَهم ذُوقُوا عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ أوْ ظاهِرِ الحالِ.

﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً ﴾ وقُرِئَ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مُعَيَّنٍ.

﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ.

﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً} أول النهار {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} ثابت قد استقر

عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الاخر وفائدة تكرير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً ﴾ أوِ النَّهارَ وهي أخَصُّ مِنَ الصَّباحِ فَلَيْسَ في ذِكْرِها بَعْدَهُ زِيادَةٌ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصٍ.

﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ ويَدُومُ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ، أوْ لا يُدْفَعَ عَنْهم، أوْ يَبْلُغَ غايَتَهُ.

﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يعني: سهلناه للحفظ، لأن كُتب الأولين يقرؤها أهلها نظراً، ولا يكادون يحفظون من أولها إلى آخرها، كما يحفظ القرآن فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ به.

قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ يعني: بالرسل، لأن لوطاً-  - يدعوهم إلى الإيمان بجميع الرسل، فكذبوهم، ولم يؤمنوا، فأهلكهم الله تعالى.

وهو قوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يعني: حجارة من فوقهم إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ يعني: وقت السحر.

قوله تعالى: نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا يعني: رحمة من عندنا على آل لوط.

صار نعمة نصباً لأنه مفعول.

ومعناه: ونجيناهم بالإنعام عليهم كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ يعني: هكذا يجزي الله تعالى من شكر نعمته، ولم يكفرها.

ويقال: مَنْ شَكَرَ يعني: من وحد الله تعالى، لم يعذبه في الآخرة مع المشركين، فكما أنجاهم في الدنيا ينجيهم في الآخرة، ولا يجعلهم مع المشركين.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا يعني: خوفهم لوط عقوبتنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ يعني: شكوا بالرسل، فكذبوا، يعني: لوط.

ويقال: معناه شكوا بالعذاب الذي أخبرهم به الرسل أنه نازل بهم.

قوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ يعني: طلبوا منه الضيافة، وكانت أضيافه جبريل مع الملائكة، فمسح جبريل بجناحه على أعينهم، فذهب أبصارهم، وذلك قوله: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يعني: أذهبنا أعينهم، وأبصارهم، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الخبر.

يعني: فذوقوا عذاب الله تعالى، أي: عقوبة الله ما أخبر الله تعالى.

ثم قال: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ يعني: أخذهم وقت الصبح عذاب دائم.

يعني: عذاب الدنيا موصولة بعذاب الآخرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ يقال لهم: ذوقوا عذاب الله تعالى، وإنذاره.

ثم قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد ذكرناها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.

وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:

وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلاماً تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.

وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.

وقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .

ثم قال تعالى لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:

كنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟!

فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣» : وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعاً في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿ نَجَّيْناهُمْ ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها.

وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] .

وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً" ﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" .

وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ ﴾ ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ  ﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ.

و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.

و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ الآيَةُ...

خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟

أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟

قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  : أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القول في تأكيده بلام القسم تقدم آنفاً في نظيره.

والبكرة: أول النهار وهو وقت الصبح، وقد جاء في الآية الأخرى قوله: ﴿ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ﴾ [هود: 81]، فذكر ﴿ بكرة ﴾ للدلالة على تعجيل العذاب لهم.

والتصبيح: الكون في زمن الصباح وهو أول النهار.

والمستقر: الثابت الدائم الذي يجري على قوة واحدة لا يقلع حتى استأصلهم.

والعذاب: هو الخسف ومطر الحجارة وهو مذكور في سورة الأعراف وسورة هود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَصْبَ الحِجارَةُ الَّتِي رُمُوا بِها مِنَ السَّماءِ، والحَصْباءُ هي الحَصى وصِغارُ الأحْجارِ.

الثّانِي: أنَّ الحاصِبَ الرَّمْيُ بِالأحْجارِ وغَيْرِها، ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ لِما تَسْفِيهِ الرِّيحُ حاصِبًا، قالَ الفَرَزْدَقُ مُسْتَقْبِلِينَ شِمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ الثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ السَّحابُ الَّذِي حَصَبَهم.

الرّابِعُ: أنَّ الحاصِبَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ حَصَبُوهم.

الخامِسُ: أنَّ الحاصِبَ الرِّيحُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الحَصْباءَ.

﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي ولَدَهُ ومَن آمَنَ بِهِ.

﴿ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ والسَّحَرُ هو ما بَيْنَ آخِرِ اللَّيْلِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وهو في كَلامِ العَرَبِ اخْتِلاطُ سَوادِ آخِرِ اللَّيْلِ بِبَياضِ أوَّلِ النَّهارِ لِأنَّ هَذا الوَقْتَ يَكُونُ مَخايِيلَ اللَّيْلِ ومَخايِيلَ النَّهارِ.

﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ يَعْنِي ضَيْفَ لُوطٍ وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ الرِّجالِ، وكانُوا عَلى أحْسَنِ صُوَرِهِمْ، فَراوَدُوا لُوطًا عَلَيْهِمْ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ.

﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ والطَّمْسُ مَحْوُ الأثَرِ ومِنهُ طُمِسَ الكِتابُ إذا مُحِيَ، وفي طَمْسِ أعْيُنِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَفَوْا عَنْ أبْصارِهِمْ حَتّى لَمْ يَرَوْهُمْ، مَعَ بَقاءِ أعْيُنِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أعْيُنُهم طُمِسَتْ حَتّى ذَهَبَتْ أبْصارُهم وعَمُوا فَلَمْ يَرَوْهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بِالعَذابِ الأدْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَقْرِيعٌ بِما نالَهم مِن عَذابِ العَمى الحالُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: شقاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: في ضلال وعناء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وسعر ﴾ قال: ضلال، وفي قوله: ﴿ كل شرب محتضر ﴾ قال: يحضرون الماء إذا غابت الناقة وإذا جاءت حضروا اللبن، وفي قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: الرجل هشم الحنتمة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فتعاطى فعقر ﴾ قال: تناول أحيمر ثمود الناقة فعقرها، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كرماد محترق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالعظام المحترقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالحشيش تأكله الغنم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: هو الحشيش قد حظرته فأكلته يابساً فذهب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: التراب الذي يسقط من الحائط.

قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم لوط ﴾ الآيات.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ قال: لم يصدقوا بها، وفي قوله: ﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ قال: ذكر لنا أن جبريل استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً، وأنهم عاجلوا الباب ليدخلوا عليهم، فصعقهم بجناحه فتركهم عمياناً يترددون، وفي قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: استقر بهم في نار جهنم، وفي قوله: ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ قال: عزيز في نقمته إذا انتقم لا يخاف أن يسبق، وفي قوله: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير ممن قد مضى.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: عذاب في الدنيا استقر بهم في الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: ليس كفاركم خيراً من قوم نوح وقوم لوط.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ قال: أكفاركم أيتها الأمة خير مما ذكر من القرون الأولى الذين أهلكتهم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير من أولئكم الذين مضوا ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ يعني في الكتب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ﴾ يقال صَبَحتُ فلاناً وصَبَّحتُه، أتيته صباحاً، والخيل المصبح الذين أتوا صباحاً (١) قوله تعالى: ﴿ عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ، قال ابن عباس: يعني نزول العذاب بهم، وقال مقاتل: يعني استقر بهم العذاب بكرة (٢) (٣) والعذاب المستقر على ما ذكروا ذلك العذاب الذي نزل بهم.

وقال غيرهم: معنى المستقر أي: ذلك العذاب استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة (٤) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 263، و"اللسان" 2/ 41 (صبح).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ، و"الوسيط" 4/ 212.

(٣) في (ك): (لاحق)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 19.

(٤) قاله ابن عباس في رواية الكلبي، وقتادة انظر: "تنوير المقباس" 5/ 31، و"جامع البيان" 27/ 63، و"الكشف والبيان" 12/ 28 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 263.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَتَمَارَوْاْ بالنذر ﴾ تشككوا ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ الضيف هنا: هم الملائكة الذين أرسلهم الله إلى لوط، ليهلكوا قومه.

وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم، فاستوت مع وجوههم، وقيل: إن الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحداً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: بالرسل - عليهم السلام - أو بما تقع به النذارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ على تأويل من يقول بأن تلك القرياتت قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا  ﴾ - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على الإضمار، كأنه قا ل: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، والله أعلم.

[و]على تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ ، أي: منعنا عنهم العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر [منعماً].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من الله  عليهم؛ فيكون عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله  : ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ  ﴾ يحتمل أن يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، -  -.

والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أن يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يخرج على الوجهين اللذين ذكراناهما.

أحدهما: تماورا بالواقع من النذارة.

والثاني: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: الرسل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ ﴾ أي: طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.

وقوله: ﴿ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ ، ذكر أن جبريل -  - مسح جناحيه على أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي: نزل بهم صباحا بالبكرة ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم، وأهلكهم، وأما طمس الأعين، فقد انقضى.

وقوله: ﴿ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد جاءهم في وقت الصباح عذاب مستمرّ معهم حتى يَردُوا الآخرة فيأتيهم عذابها.

<div class="verse-tafsir" id="91.lK465"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله