الآية ٩ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٩ من سورة القمر

۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌۭ وَٱزْدُجِرَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( كذبت ) قبل قومك يا محمد ( قوم نوح فكذبوا عبدنا ) أي : صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون ، ( وقالوا مجنون وازدجر ) قال مجاهد : ( وازدجر ) أي : استطير جنونا .

وقيل : ( وازدجر ) أي : انتهروه وزجروه وأوعدوه : ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) [ الشعراء : 116 ] .

قاله ابن زيد ، وهذا متوجه حسن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) وهذا وعيد من الله تعالى ذكره, وتهديد للمشركين من أهل مكة وسائر من أرْسَل إليه رسولَه محمدا صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه, وتقدم منه إليهم إن هم لم ينيبوا من تكذيبهم إياه, أنه محلّ بهم ما أحل بالأمم الذين قصّ قصصهم في هذه السورة من الهلاك والعذاب, ومنجّ نبيه محمدا والمؤمنين به, كما نجَّى من قبله الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلَّها بأممهم, فقال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كذّبت يا محمد قبل هؤلاء الذين كذّبوك من قومك, الذين إذا رأوْا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمرّ - قوم نوح, فكذّبوا عبدنا نوحا إذ أرسلناه إليهم, كما كذّبتك قريش إذ أتيتهم بالحقّ من عندنا وقالوا: هو مجنون وازدجر, وهو افْتُعِل من زجرت, وكذا تفعل العرب بالحرف إذا كان أوّله زايا صيروا تاء الافتعال منه دالا من ذلك قولهم: ازدجر من زجرت, وازدلف من زلفت, وازديد من زدت.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي زَجَروه, فقال بعضهم: كان زجرهم إياه أن قالوا: استُطِير جنونا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) قال: استطير جنونا.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( وَازْدُجِرَ ) قال: استُطير جنونا.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن الحكم, عن مجاهد في هذه الآية ( وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) قال: استعر جنونا.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا زيد بن الحباب, قال: وأخبرني شعبة بن الحجاج, عن الحكم, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: بل كان زجرهم إياه وعيدهم له بالشتم والرجم بالقول القبيح.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) قال: اتهموه وزجروه وأوعدوه لئن لم يفعل ليكوننّ من المرجومين, وقرأ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح ذكر جملا من وقائع الأمم الماضية تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له .

قبلهم أي قبل قومك .فكذبوا عبدنا يعني نوحا .

الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله : فكذبوا بعد قوله : كذبت ؟

قلت : معناه كذبوا فكذبوا عبدنا ; أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب ، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا ; أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل .وقالوا مجنون أي هو مجنون وازدجر أي زجر عن دعوى النبوة بالسب والوعيد بالقتل .

وقيل إنما قال : وازدجر بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه.فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: { لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ } لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا، فإن ما جاء به هو الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وَازْدُجِرَ } أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم -قبحهم الله- عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( كذبت قبلهم ) أي : قبل أهل مكة ( قوم نوح فكذبوا عبدنا ) نوحا ( وقالوا مجنون وازدجر ) أي : زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد ، وقالوا : " لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين " ( الشعراء - 116 ) وقال مجاهد : معنى : ازدجر أي : استطير جنونا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كذَّبت قبلهم» قبل قريش «قوم نوح» تأنيث الفعل لمعنى قوم «فكذبوا عبدنا» نوحا «وقالوا مجنون وازدجر» انتهروه بالسب وغيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كذَّبت قبل قومك -أيها الرسول- قوم نوح فكذَّبوا عبدنا نوحًا، وقالوا: هو مجنون، وانتهروه متوعدين إياه بأنواع الأذى، إن لم ينته عن دعوته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عرضت السورة بعد ذلك جانبا من مصارع الغابرين ، لعل فى هذا العرض ما يروعهم عن الكفر والجحود ، وما يحملهم على انتهاج طريق الحق والهدى ، فقال - تعالى - : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ .

.

.

) .قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورة أخرى .

كسورة هود ، والمؤمنون ، ونوح ، والأعراف .ولكنها جاءت هنا - كغيرها من القصص - بصورة حاسمة قاصمة ، تزلزل النفوس ، وتفتح العيون على مصارع الغابرين ، لكى يعتبر الكافرون ، وينتهوا عن كفرهم .قال الآلوسى : قوله : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ .

.

.

) شروع فى تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للانزجار ، ونوع تفصيل لها ، وبيان لعدم تأثرهم بها ، تقريرا لفحوى قوله ( فَمَا تُغْنِ النذر ) والفعل " كذبت " منزل منزلة اللازم .

أى : فَعل التكذيب قبل قومك قوم نوح .

.وفى هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن المصيبة إذا عمت خفت ، وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - : ( وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ .

.

.

) وأسند - سبحانه - التكذيب إلى جميع قوم نوح - عليه السلام - .

لأن الذين آمنوا به منهم عدد قليل ، كما قال - تعالى - : فى سورة هود : ( وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) وقوله - تعالى - : ( فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ) تأكيد لتكذيبهم له - عليه السلام - ، فكأنه - سبحانه - يقول : إن قول نوح - عليه السلام - قد اصروا على تكذيبهم لعبدنا ونبينا ، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم ، حتى لكأن الكبار قد أوصوا الصغار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله : ( فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ) بعد قوله : ( كُذِّبَتْ ) ؟

قلت معناه : كذبوا فكذبوا عبدنا .

أى : كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب ، كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعهم قرن مكذب .أو معناه : كذبت قوم نوح الرسل ، فكذبوا عبدنا ، أى : لما كانوا مكذبين بالرسل ، جاحدين للنبوة رأسا ، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل .وقوله - سبحانه - : ( وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر ) بيان لما كانوا عليه من انطماس بصيرة ، ومن سوء خلق .

.

.

أى : أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير .

بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون ، والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب .فقوله : ( وازدجر ) معطوف على قوله ( قَالُواْ ) وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف ، وصيغة الافتعال للمبالغة فى زجره وإيذائه .وقد حكى القرآن فى آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قوله - تعالى - كما حكى عنهم : ( قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانوح لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر ﴾ فيها تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم فإن حاله كحال من تقدمه وفيه مسائل: المسألة الأولى: إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق وحسن، وإلحاق ضمير الجمع به قبيح عند الأكثرين، فلا يجوزون كذبوا قوم نوح، ويجوزون كذبت فما الفرق؟

نقول: التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولا تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعلها الذي هو فاعله فليس إذا قلنا: ضربت هذه كانت هذه أنثى لأجل الضرب بخلاف الجمع، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذي هم فاعلوه، فإنا إذا قلنا: جمع ضربوا وهم ضاربون ليس مجرد اجتماعهم في الوجود يصحح قولنا: ضربوا وهم ضاربون، لأنهم إن اجتمعوا في مكان فهم جمع، ولكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا: ضربوا، فضمير الجمع من الفعل فاعلون جمعهم بسبب الاجتماع في الفعل والفاعلية، وليس بسبب الفعل، فلم يجز أن يقال: ضربوا جمع، لأن الجمع لم يفهم إلا بسبب أنهم ضربوا جميعهم، فينبغي أن يعلم أولاً اجتماعهم في الفعل، فيقول: الضاربون ضربوا، وأما ضربت هند فصحيح، لأنه لا يصح أن يقال: التأنيث لم يفهم إلا بسبب أنها ضربت، بل هي كانت أنثى فوجد منها ضرب فصارت ضاربة، وليس الجمع كانوا جمعاً فضربوا فصاروا ضاربين، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم في الفعل ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث عليه فقيل: ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولاً لأنثى ولا لذكر، ولهذا لم يحسن أن يقال: ضرب هند، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون.

المسألة الثانية: لما قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ ؟

نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ أي بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا الثاني كذبت قوم نوح الرسل وقالوا: لم يبعث الله رسولاً وكذبوهم في التوحيد: فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول: لا تعلق لله بالعالم السفلي وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث: قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ للتصديق والرد عليهم تقديره: كذبت قوم نوح وكان تكذيبهم عبدنا أي لم يكن تكذيباً بحق كما يقول القائل: كذبني فكذب صادقاً.

المسألة الثالثة: كثيراً ما يخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِى  ﴾ ﴿ يا عِبَادِى  ﴾ ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنَا  ﴾ ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا  ﴾ وكل واحد عبده فما السر فيه؟

نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: ما قيل: في المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ نَاقَةُ الله  ﴾ الثاني: المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ عِبَادًا لّى  ﴾ أي حققوا المقصود الثالث: الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل: بمعبود سوانا، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهاً فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت لله فأكله وشربه وجميع أموره لوجه الله تعالى وقليل ما هم.

المسألة الرابعة: ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح فعلهم؟

نقول: قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفاً لكلام السيد من الرسول، فيكون كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ  ﴾ .

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه، وقالوا: هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنه كاذب، بل قالوا مجنون، أي يقول مالا يقبله عاقل، والكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق فقالوا: مجنون أي يقول مالم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب.

المسألة السادسة: ﴿ وازدجر ﴾ إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم، نقول: فيه خلاف منهم من قال: إخبار من الله تعالى وهو عطف على كذبوا، وقالوا: أي هم كذبوا وهو ازدجر أي أوذي وزجر، وهو كقوله تعالى: ﴿ كُذّبُواْ وَأُوذُواْ  ﴾ وعلى هذا إن قيل: لو قال كذبوا عبدنا وزجروه كان الكلام أكثر مناسبة، نقول: لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه فقال: وازدجر أي فعلوا ما يوجب الإنزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم وعدل عن الدعاء إلى الإيمان إلى الدعاء عليهم، ولو قال: زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة يقال: آذوني ولكن ما تأذيت، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله، ومنهم من قال: ﴿ وازدجر ﴾ حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر، تقديره قالوا: مجنون مزدجر، ومعناه: ازدجره الجن أو كأنهم قالوا: جن وازدجر، والأول أصح ويترتب عليه قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل أهل مكة ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يعني نوحاً.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُواْ ﴾ بعد قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ ؟

قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا أي: كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب.

أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوّة رأساً، كذبوا نوحًا؛ لأنه من جملة الرسل ﴿ مَّجْنُونٍ ﴾ هو مجنون ﴿ وازدجر ﴾ وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ [الشعراء: 116] وقيل: هو من جملة قيلهم، أي: قالوا هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه.

قرئ: (إني) بمعنى: فدعا بأني مغلوب، وإني: على إرادة القول، فدعا فقال: إني مغلوب غلبني قومي، فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمروبلغ السيل الزُّبا، فقد روى: أنّ الواحد من أمّته كان يلقاه فيخنقه حتى يخرّ مغشياً عليه.

فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وقرئ: ﴿ ففتحنا ﴾ مخففاً ومشدّداً، وكذلك وفجرنا ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ منصبّ في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً ﴿ وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً ﴾ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم ﴿ واشتعل الرأس شَيْباً ﴾ [مريم: 4] .

﴿ فَالْتَقَى الماء ﴾ يعني مياه السماء والأرض.

وقرئ: ﴿ الماآن ﴾ ، أي: النوعان من الماء السماوي والأرضي.

ونحوه قولك: عندي تمران، تريد: ضربان من التمر: برني ومعقلي.

قال: لَنَا إبْلاَنِ فِيهِمَا مَا علمْتُمُ وقرأ الحسن ﴿ الماوان ﴾ ، بقلب الهمزة واواً، كقولهم: علباوان ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ على حال قدرها الله كيف شاء.

وقيل: على حال جاءت مقدّرة مستوية: وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء.

وقيل: على أمر قد قدر في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ﴿ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ ﴾ أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتودي مؤداها.

بحيث لا يفصل بينها وبينها.

ونحوه: .........

وَلَكِنْ ** قمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِنْ حَدِيدِ أراد: ولكن قميصي درع، وكذلك: وَلَوْ فِي عُيُونِ النَّازِيَاتِ بِأَكْرُعِ أراد: ولو في عيون الجراد.

ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين: لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر: جمع دسار: وهو المسمار، فعال من دسره إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه ﴿ جَزآءً ﴾ مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده، أي فعلنا ذلك جزاء، ﴿ لّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفوراً لأنّ النبي نعمة من الله ورحمة.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] فكان نوح عليه السلام نعمة مكفورة، ومن هذا المعنى ما يحكى أنّ رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك، فقال: ما معنى هذا الكلام؟

قال: أنت نعمة حمدت الله عليها.

ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل.

وقرأ قتادة ﴿ كفر ﴾ أي جزاء للكافرين.

وقرأ الحسن ﴿ جزاء ﴾ ، بالكسر: أي مجازاة.

الضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة.

أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبر بها.

وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة.

وقيل: على الجودى دهراً طويلاً، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.

والمدّكر: المعتبر.

وقرئ: ﴿ مذتكر ﴾ على الأصل.

ومذكر، بقلب التاء ذالاً وإدغام الذال فيها.

وهذا نحو: مذجر.

والنذر: جمع نذير وهو الإنذار ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ ﴾ أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد ﴿ فَهَلْ مِن ﴾ متعظ.

وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه.

ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، من يسر ناقته للسفر: إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو، إذا أسرجه فألجمه.

قال: وَقمت إِلَيْهِ بِاللِّجَامِ مُيَسِّراً ** هُنَالِكَ يَجْزِيني الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ ويروى: أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظراً ولا يحفظونها ظاهراً كما القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ.

﴿ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ﴾ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وهو تَفْصِيلٌ بَعْدَ إجْمالٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا عَلى عَقِبِ تَكْذِيبٍ كُلَّما خَلا مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ تَبِعَهُ قَرْنٌ مُكَذِّبٌ، أوْ كَذَّبُوهُ بَعْدَما كَذَّبُوا الرُّسُلَ.

﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ ﴾ هو مَجْنُونٌ.

﴿ وازْدُجِرَ ﴾ وزُجِرَ عَنِ التَّبْلِيغِ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جُمْلَةِ قِيلِهِمْ أيْ هو مَجْنُونٌ وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وتَخَبَّطَتْهُ.

﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنِّي ﴾ بِأنِّي وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ مَغْلُوبٌ ﴾ غَلَبَنِي قَوْمِي.

﴿ فانْتَصِرْ ﴾ فانْتَقِمْ لِي مِنهم وذَلِكَ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنهم.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَلْقاهُ فَيَخْنُقُهُ حَتّى يَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَيُفِيقُ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} قبل أهل مكة {قَوْمُ نُوحٍ فكذبوا عبدنا} نوحا عليه السلام معنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وازدجر} زجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالقتل او هو من جملة الرسل {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي هو مجنون {وازدجر} الجن وتخبطته وذهب بلبه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبَةِ لِلِازْدِجارِ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لَها وبَيانٌ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِها تَقْرِيرًا لِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ قَوْمُ نُوحٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ  ﴾ إلَخْ، وفِيهِ مَزِيدُ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ لِلتَّكْذِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَذَّبُوا تَكْذِيبًا إثْرَ تَكْذِيبٍ كُلَّما خَلا مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ جاءَ عَقِيبُهُ قَرْنٌ آخَرُ مُكَذِّبٌ مِثْلُهُ، أوْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا أيْ لَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ جاحِدِينَ لِلنُّبُوَّةِ رَأْسًا كَذَّبُوا نُوحًا لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الرُّسُلِ، والفاءُ عَلَيْهِ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: مَعْنى كَذَّبَتْ قَصَدَتِ التَّكْذِيبَ وابْتَدَأتْهُ، ومَعْنى فَكَذَّبُوا أتَمُّوهُ وبَلَغُوا نِهايَتَهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِمَحَلِّهِ وتَشْنِيعٌ لِمُكَذِّبِيهِ.

﴿ وقالُوا مَجْنُونٌ ﴾ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ بَلْ نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ فَقالُوا هو مَجْنُونٌ ﴿ وازْدُجِرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى - قالُوا - وهو إخْبارٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ وزُجِرَ عَنِ التَّبْلِيغِ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ والتَّخْوِيفِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَرَأ ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ  ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: هو مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ أيْ هو مَجْنُونٌ، وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ وتَخَبَّطَتْهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وجُعِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِغَرَضِ الفاصِلَةِ، وطَهَّرَ الألْسِنَةَ عَنْ ذِكْرِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّ فِعْلَهم أسْوَأُ مِن قَوْلِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ يعني: جاءهم كلمة بالغة، وهو القرآن يعني: حكمة وثيقة فَما تُغْنِ النُّذُرُ يعني: لا تنفعهم النذر إن لم يؤمنوا، كقوله: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس: 101] ويقال: فَما تُغْنِ النُّذُرُ لم تنفعهم الرسل إذا نزل بهم العذاب إن لم يؤمنوا.

قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني: اتركهم، وأعرض عنهم، بعد ما أقمت عليهم الحجة.

يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ يعني: يدعو إسرافيل على صخرة بيت المقدس إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ يعني: إلى أمر فظيع، شديد، منكر خُشَّعاً يعني: ذليلة أَبْصارُهُمْ خاشعاً، نصب على الحال يعني: يخرجون، خاشعاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو خاشِعاً بالألف مع النصب.

والباقون: خاشعا بضم الخاء، بغير ألف، وتشديد الشين بلفظ الجمع، لأنه نعت للجماعة.

ومن قرأ: بلفظ الواحد، فلأجل تقديم النعت.

وقرأ ابن مسعود: خاشعة بلفظ التأنيث.

وقرأ ابن كثير: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ بجزم الكاف.

والباقون: بالضم، وهما لغتان.

ثم قال عز وجل: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعني: من القبور، كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ يعني: انتشروا عن معدنهم، ويجول بعضهم في بعض.

قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يعني: مقبلين إلى صوت إسرافيل يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ يعني: شديد عَسِر عليه.

وروي في الخبر: «أنَّهُمْ إذا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، يَمْكِثُونَ وَاقِفِينَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً» ويقال: مائة سنة، حتى يقولوا أرحنا من هذا، ولو إلى النار، ثم يؤمرون بالحساب.

ثم عزى نبيه  ليصبر على أذى قومه كما لقي الرسل من قومهم فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني: قبل قومك يا محمد قَوْمُ نُوحٍ حين أتاهم بالرسالة فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحاً وَقالُوا مَجْنُونٌ يعني: قالوا لنوح: إنك مجنون وَازْدُجِرَ يعني: أوعد بالوعيد.

ويقال: صاحوا به حتى غشي عليه.

وقال القتبي: وَازْدُجِرَ أي: زجر.

وهو افتعل من ذلك، فلما ضاق صدره فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ يعني: مقهور فيما بينهم فَانْتَصِرْ يعني: أعني عليهم بالعذاب، فأجابه الله كما في سورة الصافات: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (57) [الصافات: 75] .

قوله عز وجل: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ يعني: طرق السماء بِماءٍ مُنْهَمِرٍ يعني: منصباً كثيراً.

وقال القتبي: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أي: كثير، سريع الانصباب.

ومنه يقال: همر للرجل إذا كثر من الكلام، وأسرع فيه.

قرأ ابن عامر: فَفَتَحْنا بتشديد التاء على تكثير الفعل.

وقرأ الباقون: بالتخفيف، لأنها فتحت فتحاً واحدا.

قوله عز وجل: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً يعني: أخرجنا من الأرض عيوناً مثل الأنهار الجارية فَالْتَقَى الْماءُ يعني: ماء السماء، وماء الأرض، عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ يعني: على وقت قد قضى وَحَمَلْناهُ يعني: حملنا نوحاً عَلى ذاتِ أَلْواحٍ يعني: على سفينة قد اتخذت بألواح وَدُسُرٍ يعني: سفينة قد شدت بالمسامير.

وقال بعضهم: كانت سفينة نوح من صاج.

وقال بعضهم: من خشب شمشار.

ويقال: من الجوز.

وقال القتبي: الدسر المسامير، واحدها دسار، وهي أيضاً الشريط الذي يشد بها السفينة.

ثم قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يعني: تسير السفينة بمنظر منا، وأمرنا.

ويقال: بمراد وحفظ منا.

وقال الزجاج في قوله: فَالْتَقَى الْماءُ ولم يقل الماءان، لأن الماء اسم لجميع ماء السماء، وماء الأرض.

فلو قال: ماءان لكان جائزاً، لكنه لم يقل.

ثم قال: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ يعني: الحمل على السفينة، ثواب لنوح الذي كفر به قومه.

وقرأ بعضهم: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ بالنصب يعني: الفرق عقوبة لمن كذب بالله تعالى، وبنوح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ...

الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم.

وقوله: وَازْدُجِرَ: إخبار من الله عز وجل أنّهم زجروا نوحا ع بالسَّبِّ والنَّجْهِ «١» والتخويف، قاله ابن زيد «٢» .

وقوله: فَانْتَصِرْ أي: فانتصر لي منهم بأن تهلِكَهُمْ.

وقوله: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ قال الجمهور: هذا مجاز وتشبيه لأَنَّ المطر كأَنَّه من أبواب، وهذا مبدأ الانتصار من الكفار، والمُنْهَمِرُ: الشديد الوقوع الغزِيرُ، وقرأ الجمهور «٣» : فَالْتَقَى الْماءُ يعني: ماءَ السماء وماءَ العيون.

وقوله سبحانه: عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي: قد قُضِيَ وَقُدِّرَ في الأزل، وذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ: هي السفينة، والدَّسُرُ: المسامير، واحدها: دِسار وهذا هو قول الجمهور، وقال مجاهد «٤» : الدُّسُرُ: أضلاع السفينة، قال العراقيُّ: والدِّسَار أيضاً: ما تُشَدُّ به السفينة، انتهى.

وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا معناه: بحفظنا وتحتَ نظرٍ مِنَّا، قال البخاريّ: قال قتادة: أبقى الله عز وجل سفينةَ نوح حتَّى أدركها أَوائِلُ هذه الأُمَّةِ، انتهى، وقرأ جمهور «٥» الناس: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ مبنيًّا للمفعول، قال مكيُّ: قيل: «مَنْ» يرادُ بها نوحٌ والمؤمنون لأنَّهم كُفِروا من حيثُ كُفِرَ بهم، فجزاهم اللَّه بالنجاة، وقُرِىء شاذّا: «كفر»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ "قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا" نُوحًا ﴿ وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: افْتُعِلَ مِن زُجِرَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: زَجَرُوهُ عَنْ مَقالَتِهِ "فَدَعا" عَلَيْهِمْ نُوحٌ "رَبَّهُ" بِـ ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ كَذَّبَنِي.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيِّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ فَقالَ: هَذا عَلى إرادَةِ القَوْلِ، فالمَعْنى: قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ؛ ومَن فَتَحَ، وهو الوَجْهُ، فالمَعْنى: دَعا رَبَّهُ" بِـ"أنِّي مَغْلُوبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ.

فَأمّا المُنْهَمِرُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَثِيرُ السَّرِيعُ الِانْصِبابِ، ومِنهُ يُقالُ: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ مِنَ الكَلامِ وأسْرَعَ.

ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أبْوابَ السَّماءِ فُتِحَتْ بِالماءِ مِنَ المَجَرَّةِ، وهي شَرَجُ السَّماءِ.

وعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ القِصَّةِ في "هُودٍ: ٤٤" أنَّ المَطَرَ جاءَهُمْ، يَكُونُ هو المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَهُمُ الماءُ مِن فَوْقِهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وفُجِّرَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ عُيُونًا أرْبَعِينَ يَوْمًا.

﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "الماءانِ" بِهَمْزَةٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المايانِ" بِياءٍ وألِفٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: "الماوانِ" بِواوٍ وألِفٍ وكَسْرِ النُّونِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالماءِ: ماءَ السَّماءِ وماءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ الماءانِ، لِأنَّ اسْمَ الماءِ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ وماءَ السَّماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَيَكُونُ المَعْنى: عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وهو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهُ ﴾ يَعْنِي نُوحًا ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ.

أيْ: عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ألْواحُها: خَشَباتُها العَرِيضَةُ الَّتِي مِنها جُمِعَتْ.

وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَسامِيرُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الدُّسُرُ: المَسامِيرُ والشُّرُطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوِ السَّمُرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو دَسْرٌ، يُقالُ: دَسَرْتُ المِسْمارَ أدُسُرُهُ وأدْسِرُهُ.

والدَّسُرُ: واحِدُها دِسارٌ، نَحْوُ حِمارٍ، وحُمُرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ السَّفِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْسُرُ الماءَ، أيْ: يَدْفَعُهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ في العَنْبَرِ أنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ، أيْ: دَفَعَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ الدُّسُرَ: أضْلاعُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الدُّسُرَ: طَرَفاها وأصْلُها، والألْواحُ: جانِباها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ أيْ: بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كُفِرَ بِهِ.

وَفِي المُرادِ بِـ "مَن" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: عُوقِبُوا لِلَّهِ ولِكُفْرِهِمْ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نُوحٌ كُفِرَ بِهِ وجُحِدَ أمْرُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ "مَن"؛ بِمَعْنى "ما"؛ فالمَعْنى: جَزاءً لِما كانَ كُفِرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أغْرَقَهُمْ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ: "لِمَن كانَ كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّفِينَةُ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ عَلى الجُودِيِّ حَتّى أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

والثّانِي: أنَّها الفَعْلَةُ، فالمَعْنى: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ وأصْلُهُ مُدْتَكِرٌ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، ثُمَّ قُلِبَتْ دالًا مُشَدَّدَةً قالَ المُفَسِّرُونَ والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ؟

"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ" وفي هَذِهِ السُّورَةِ "وَنُذُرِ" سِتَّةُ مَواضِعَ، أثْبَتَ الياءَ فِيهِنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، تابَعَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ، والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي" ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، ومَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِذَلِكَ العَذابِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنُّذُرُ ها هُنا جَمْعُ نَذِيرٍ، وهو بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِثْلُهُ النَّكِيرُ بِمَعْنى الإنْكارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا تَخْوِيفٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ "لِلذِّكْرِ" أيْ: لِلْحِفْظِ والقِراءَةِ "فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ" أيْ: مَن ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ ويَقْرَؤُهُ؛ والمَعْنى: هو الحَثُّ عَلى قِراءَتِهِ وتَعَلُّمِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ مِن كُتُبِ اللَّهِ كِتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهِرًا إلّا القُرْآنَ.

وأمّا الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، فَقَدْ ذَكَرْناها في "حَم السَّجْدَةِ: ١٦٠" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ اليَوْمَ مَنعُوتٌ بِالنَّحْسِ.

والمُسْتَمِرُّ: الدّائِمُ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ.

﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ أيْ: تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ فَتَصْرَعُهم عَلى رِقابِهِمْ فَتَدُقُّ رِقابَهم فَتُبِينُ الرَّأْسَ عَنِ الجَسَدِ، فَـ ﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أعْجُزُ نَخْلٍ" بِرَفْعِ الجِيمِ.

مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كَأنَّهم عُجُزُ نَخْلٍ" بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ.

ومَعْنى الكَلامِ: كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" أيْ: مُنْقَلِعٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المُنْقَعِرُ: المُنْصَرِعُ مِنَ النَّخْلِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَعَرْتُهُ فانْقَعَرَ، أيْ: قَلَعْتُهُ فَسَقَطَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَهَذِهِ الآيَةُ عَلى لُغَةِ مَن ذَكَّرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ  ﴾ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: شَبَّهَهم حِينَ وقَعُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ بِالنَّخْلِ السّاقِطَةِ الَّتِي لا رُؤُوسَ لَها، وإنَّما شَبَّهَهم بِالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ، وكانَ طُولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ﴾ ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ ﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ ﴿ وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ ﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ  ﴾ ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ  ﴾ .

قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.

و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ.

و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا.

وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.

والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟

و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله: ﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ﴾ [القمر: 4] فإن من أشهرها تكذيب قوم نوح رسولهم، وسبق الإِنباء به في القرآن في السور النازلة قبل هذه السورة.

والخبر مستعمل في التذكير وليفرع عليه ما بعده.

فالمقصود النعي عليهم عدم ازدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهمّ من تلك الأنباء.

وفائدة ذكر الظرف ﴿ قبلهم ﴾ تقرير تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم أي أن هذه شنشنة أهل الضلال كقوله تعالى: ﴿ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ﴾ [فاطر: 4] ألا ترى أنه ذكر في تلك الآية قوله: ﴿ من قبلك ﴾ نظير ما هنا مع ما في ذلك من التعريض بأن هؤلاء معرِضون.

واعلم أنه يقال: كذَّب، إذا قال قولاً يدل على التكذيب، ويقال كذّب أيضاً، إذا اعتقد أن غيره كاذب قال تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ [الأنعام: 33] في قراءة الجمهور بتشديد الذال، والمعنيان محتملان هنا، فإن كان فعل ﴿ كذبت ﴾ هنا مستعملاً في معنى القول بالتكذيب، فإن قوم نوح شافهوا نوحاً بأنه كاذب، وإن كان مستعملاً في اعتقادهم كذبه، فقد دلّ على اعتقادهم إعراضهم عن إنذاره وإهمالهم الانضواء إليه عندما أنذرهم بالطوفان.

وعُرِّف ﴿ قوم نوح ﴾ بالإِضافة إلى اسمه إذ لم تكن للأمة في زمن نوح اسم يعرفون به.

وأسند التكذيب إلى جميع القوم لأن الذين صدقوه عدد قليل فإنه ما آمن به إلا قليل، كما تقدم في سورة هود.

والفاء في قوله: ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ لتفريع الإِخبار بتفصيل تكذيبهم إياه بأنهم قالوا: ﴿ مجنون وازدجر ﴾ ، على الإِخبار بأنهم كذّبُوه على الإِجمال، وإنما جيء بهذا الأسلوب لأنه لما كان المقصود من الخبر الأول تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فرّع عليه الإخبار بحصول المشابهة بين تكذيب قوممِ نوح رسولهم وتكذيب المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم في أنه تكذيب لمن أرسله الله واصطفاه بالعبودية الخاصة، وفي أنه تكذيب مشوب ببهتان إذ قال كلا الفريقين لرسوله: مَجنون، ومشوب ببذاءة إذ آذى كلا الفريقين رسولهم وازدجروه.

فمحل التفريع هو وصف نوح بعبودية الله تكريماً له، والإِخبار عن قومه بأنهم افتروا عليه وصفَه بالجنون، واعتدوا عليه بالأذى والازدجارِ.

فأصل تركيب الكلام: كذبت قبلهم قوم نوح فقالوا: مجنون وازدجر.

ولما أريد الإِيماء إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء جعل ما بعد التسلية مفرعاً بفاء التفريع ليظهر قصد استقلال ما قبله ولولا ذلك لكان الكلام غنياً عن الفاء إذ كان يقول: كذبت قوم نوح عبدنا.

وأعيد فعل ﴿ كذَّبوا ﴾ لإِفادة توكيد التكذيب، أي هو تكذيب قويّ كقوله تعالى: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جَبارين ﴾ [الشعراء: 130] وقوله: ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ [القصص: 63]، وقول الأحوص: فإذا تزول تزول عن متخمط *** تُخشى بوادِره على الأقران وقد نبه على ذلك ابن جنيّ في إعراب هذا البيت من «ديوان الحماسة»، وذَكَر أن أبا عليّ الفارسي نحا غير هذا الوجه ولم يبيّنه.

وحاصل نظم الكلام يرجع إلى معنى: أنه حصل فعل فكان حصوله على صفة خاصة أو طريقة خاصة.

ويجوز أن يكون فعل ﴿ كذبت ﴾ مستعملاً في معنى: إنهم اعتقدوا كذبه، فتفريع ﴿ فكذّبوا عبدنا ﴾ عليه تفريع تصريحهم بتكذيبه على اعتقادهم كذبه.

فيكون فعل ﴿ كذبوا ﴾ مستعملاً في معنى غير الذي استعمل فيه فعل ﴿ كذبت ﴾ ، والتفريع ظاهر على هذا الوجه.

وهذا الوجه يتأتّى في قوله تعالى: ﴿ وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي ﴾ في سورة سبأ (45).

ويجوز أن يكون قوله: كذبت قبلهم قوم نوح} إخباراً عن تكذيبهم بتفرد الله بالإِلهية حين تلقوه من الأنبياء الذين كانوا قبل نوح ولم يكن قبله رسول وعلى هذا الوجه يكون التفريع ظاهراً.

و ﴿ ازدجر ﴾ معطوف على ﴿ قالوا ﴾ وهو افتعل من الزجر.

وصيغة الافتعال هنا للمبالغة مثلها: افتقر واضطر.

ونكتة بناء الفعل للمجهول هنا التوصل إلى حذف ما يسند إليه فعل الازدجار المبني للفاعل وهو ضمير ﴿ قوم نوح ﴾ ، فعدل على أن يقال: وازدجروه، إلى قوله: ﴿ وازدجر ﴾ مُحاشاة للدّال على ذات نوح وهو ضمير من أن يقع مفعولاً لضميرهم.

ومرادهم أنهم ازدجروه، أي نهوه عن ادعاء الرسالة بغلظة قال تعالى: ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ [الأعراف: 66] وقال: ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾ [الشعراء: 116] وقال: ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ [هود: 38].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنْهَمِرَ الكَثِيرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ الثّانِي: أنَّهُ المُنْصَبُّ المُتَدَفِّقُ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ راحَ تَمْرِيَةَ الصِّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ شُؤْبُوبٌ جَنُوبٌ مُنْهَمِرُ وَفِي فَتْحِ أبْوابِ السَّماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ رِتاجِها وسَعَةُ مَسالِكَها.

الثّانِي: أنَّها المَجَرَّةُ وهي شَرَجُ السَّماءِ ومِنها فُتِحَتْ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ.

﴿ فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فالتَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: قُدِرَ بِمَعْنى قُضِيَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وقُدِّرَ لَهم إذا كَفَرُوا أنْ يُغْرَقُوا.

﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ أيِ السَّفِينَةِ، وفي الدُّسُرِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَعارِيضُ الَّتِي يُشَدُّ بِها عَرْضُ السَّفِينَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها المَسامِيرُ دُسِرَتْ بِها السَّفِينَةُ، أيْ شُدَّتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: صَدْرُ السَّفِينَةِ الَّذِي يَضْرِبُ المَوْجَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، لِأنَّها تُدَسِّرُ الماءَ بِصَدْرِها، أيْ تَدْفَعُهُ.

الرّابِعُ: أنَّها طَرَفاها، وأصْلُها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَرْأًى مِنّا.

الثّانِي: بِأمْرِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها.

الرّابِعُ: بِأعْيُنِ الماءِ الَّتِي أتْبَعْناها في قَوْلِهِ ﴿ وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ ، وقِيلَ: إنَّها تَجْرِي بَيْنَ ماءِ الأرْضِ والسَّماءِ، وقَدْ كانَ غَطّاها عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

﴿ جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مُكافَأةً لِنُوحٍ حِينَ كَفَرَهُ قَوْمُهُ أنْ حُمِلَ ذاتَ ألْواحٍ ودُسُرٍ.

﴿ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُها: الغَرَقُ.

الثّانِي: السَّفِينَةُ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ أبْقاها بِباقِرْدِي مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ عِبْرَةً وآيَةً حَتّى نَظَرَتْ إلَيْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي فَهَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: فَهَلْ مِن طالِبِ خَيْرٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: فَهَلْ مِن مُزْدَجِرٍ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ سَهَّلْنا تِلاوَتِهِ عَلى أهْلِ كُلِّ لِسانٍ، وهَذا أحَدُ مُعْجِزاتِهِ، لِأنَّ الأعْجَمِيَّ قَدْ يَقْرَأُهُ ويَتْلُوُهُ كالعَرَبِيِّ.

الثّانِي: سَهَّلْنا عِلْمَ ما فِيهِ واسْتِنْباطَ مَعانِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: هَوَّنّا حِفْظَهُ فَأيْسَرُ كِتابٍ يُحْفَظُ هو كِتابُ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا مجنون وازدجر ﴾ قال: استطير جنوناً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وازدجر ﴾ قال: تهددوه بالقتل.

وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن المجرة فقال: هي شرخ السماء، ومنها فتحت أبواب السماء بماء منهمر، ثم قرأ ﴿ ففتحنا أبواب السماء ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ قال: كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماءان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فالتقى الماء ﴾ قال: ماء السماء وماء الأرض ﴿ على أمر قد قدر ﴾ قال: كانت الأقوات قبل الأجساد وكان القدر قبل البلاء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قد قدر ﴾ قال: صاح بصاع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحملناه على ذات ألواح ودُسر ﴾ قال: الألواح ألواح السفينة والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الألواح الصفائح، والدسر العوارض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وحملناه على ذات ألواح ﴾ قال: معاريض السفينة ﴿ ودسر ﴾ قال: دسرت بمسامير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ ودسر ﴾ قال: المسامير.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: حدثنا أن دسرها مساميرها التي شدت بها.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ ودسر ﴾ قال: الدسر التي تحرز بها السفينة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟.

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: سفينة نوتي قد احكم صنعها ** مثخنة الألواح منسوجة الدسر وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الدسر كلكل السفينة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الدسر صدرها الذي يضرب به الموج.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى ﴿ جزاء لمن كان كفر ﴾ قال: جزاء الله هو الذي كفر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد تركناها آية ﴾ قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة.

أخرج آدم بن أبي اياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ قال: هوّنا قراءته.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله.

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنه مر برجل يقول سورة خفيفة قال لا تقل سورة خفيفة، ولكن قل سورة ميسرة لأن الله يقول ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ قال: هل من متذكر.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ قال: هل من منزجر عن المعاصي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ هل من مدكر ﴾ قال: هل من طالب خير يعان عليه؟

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مطر الوراق في قوله: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ﴾ قال: هل من طالب علم فيعان عليه؟

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فهل من مذكر ﴾ بالذال، فقال: ﴿ فهل من مدكر ﴾ بالدال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ ظاهر إلى قوله (وازدجر) قال ابن عباس: وانتهر، وقال الكلبي: زجر عن مقالته، وقالوا: مستطار الفؤاد (١) قال ابن زيد: توعدوه بالقتل (٢) (٣) والأفعال في هذه الآية مسندة إلى الفاعلين وبني ازدجر للمفعول لوفاق الفواصل، وإن كان للفاعلين الذين جرى ذكرهم.

قوله ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يقال: همر الماء وانهمر فهو هامر منهمر إذا سأل وانصب، قال المفسرون: منصب انصبابًا شديدًا لم ينقطع أربعين يومًا (٤) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 26.

(٢) انظر: "حامع البيان" 27/ 54.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 16.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 24 أ، ونسبه لابن عباس والقرطبي، و"معالم التنزيل" 4/ 26.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يعني نوحاً عليه السلام، ووصفه هنا بالعبودية تشريفاً له واختصاصاً ﴿ وازدجر ﴾ أي زجروه بالشتم والتخويف وقالوا له: ﴿ قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانوح لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين ﴾ [الشعراء: 116].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.

الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.

﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.

الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.

التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة  ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله  آية فانشق القمر مرتين.

وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.

وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم  هذا قول أكثر الفسرين.

وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.

وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.

وأيضاً إنه  جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.

وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.

هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.

وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.

ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.

واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً  ﴾ والأمر عند الله معلوم.

قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.

والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.

ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله  يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.

وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.

وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.

وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.

عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.

والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.

جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.

وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.

والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد  ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد  سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.

ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.

ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.

وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.

والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.

وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.

تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.

وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.

وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم  ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.

وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.

ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم  .

ثم إنه  أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.

ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.

وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.

وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.

وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.

وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.

ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".

وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.

ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.

قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.

ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.

وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.

والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.

فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح  لأن وجود النبي  نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.

يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.

فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.

والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين  ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.

وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.

وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.

سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟

والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.

ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟

فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.

والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.

فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.

ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة  ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.

وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.

قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.

وقيل: المستمر الشديد المرارة.

﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.

وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.

قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية  ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.

قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.

الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.

الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.

والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.

وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.

وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟

أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.

والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.

ثم قال  تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.

وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.

وذلك أصل مرفوض.

ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.

ثم إنه  خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.

﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.

وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.

﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.

والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".

ولعل التذكير بتأويل العذاب.

والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".

وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.

والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.

وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.

وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه  يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.

وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.

وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".

والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.

﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.

وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم  ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله  واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.

ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.

ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.

ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه  وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح  ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.

ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.

فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.

فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.

قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.

ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد  وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.

عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟

فلما رأى رسول الله  يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.

والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.

﴿ وأمر ﴾ من المرارة.

وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.

وقيل: من المرة الشدة.

قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.

روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله  في القدر فأنزل الله  هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.

أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.

والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.

قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.

واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي  هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.

والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله  .

وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.

ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد  كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.

وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.

قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".

وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.

ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.

ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.

قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.

وأما الرفع فيحتمل معنيين.

أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.

والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.

ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.

ثم ختم السورة بوعد المتقين.

والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.

ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون  ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".

ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".

قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.

والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.

ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا -  - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله -  - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟

قيل: إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضاً - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع [من] ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضاً - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.

فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.

قيل: إنما دعا على قومه ب الهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، أما رسول الله  لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكف؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.

أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ ﴾ ، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱزْدُجِرَ ﴾ ، أي: نوح -  - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح -  - مزدجر عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.

وقال بعضهم: زجروا نوحا -  - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾ ، أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ يحتمل قوله -  - ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.

﴿ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأبنعنا من أسفل.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله -  - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف [شاء]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ قيل: منصب.

وقال أبو عبيد: ﴿ مُّنْهَمِرٍ ﴾ ، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام، فأسرع.

وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، اي: أمطرت؛ فأكثرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ يذكر أن الماءين جميعاً: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله -  -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ  ﴾ أي: على تقدير وتدبير من الله  جئت، لا على غير تقديم منه.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).

وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.

وقال بعضهم: ﴿ قَدْ قُدِرَ ﴾ أ ي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ، وذكر في حرف حفصة -  ا - (وحملنا وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله -  -: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ ، ونحوه؛ فيكون ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ﴿ ذَاتِ أَلْوَاحٍ ﴾ السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ : قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.

وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.

وقيل: صدرها.

وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.

قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.

ثم في قوله: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله -  - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن الله في فعل العباد صنعا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بتقديرنا وبحفظنا.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي: حمل نوحاً -  - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جاء ما كفروا به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح -  - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.

وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله -  - أي: الغرق جزاؤه؛ لما كفروا بالله  .

وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كَفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله -  - أو بنوح -  -.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تركنا سفينة نوح -  - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله -  - سفينة نحو -  - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.

والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأبناءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟

ومن هلك لم هلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود -  - ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ أو (مُذَّكر)؟

فقال: أقرأني رسول الله  مدكر بالدال.

قال أبو عبيد: وأصله في العربية: "مدتكر"، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول - وهو الدال - في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: "ادخر"، أصله: "اتدخر"، من "الدخر" لما قلنا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ أي: هل [من] متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك فينزجر عن مثل صنيعهم.

[و] قال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب مصدقاً حقّاً، وأريد بقوله: ﴿ وَنُذُرِ ﴾ أي: رسلي.

والثاني: أليس وجدوا عذابي شديداً ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله -  -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً  ﴾ أي: موعودا، ولا وعده لا يكون مفعولا، إذ هو صفة أزلية".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ هذا يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: للحفظ، أي: صيرنا، بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.

والثاني: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ أي: لذكر ما نسوا من نعم الله -  - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.

والثالث: جائز أن يكون لرسول الله  خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله على ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، أمنه عن أن ينساه، ومنَّ عليه بالتيسير.

وقوله: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إما أنزل ليذكر ما فيه، وللإتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.

وعلى التأويل الآخر: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كذبت قبل هؤلاء المكذبين بدعوتك -أيها الرسول- قوم نوح، فكذبوا عبدنا نوحًا  لما بعثناه إليهم، وقالوا عنه: هو مجنون، وانتهروه بأنواع السب والشتم والتهديد إذا لم يترك دعوتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.5AQKN"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله