الآية ٢٦ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٢٦ من سورة الرحمن

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون ، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم ; فإن الرب - تعالى وتقدس - لا يموت ، بل هو الحي الذي لا يموت أبدا .

قال قتادة : أنبأ بما خلق ، ثم أنبأ أن ذلك كله كان .

وفي الدعاء المأثور : يا حي ، يا قيوم ، يا بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك .

وقال الشعبي : إذا قرأت ( كل من عليها فان ) ، فلا تسكت حتى تقرأ : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) .

وهذه الآية كقوله تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [ القصص : 88 ] ، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ( ذو الجلال والإكرام ) أي : هو أهل أن يجل فلا يعصى ، وأن يطاع فلا يخالف ، كقوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) [ الكهف : 28 ] ، وكقوله إخبارا عن المتصدقين : ( إنما نطعمكم لوجه الله ) [ الإنسان : 9 ] قال ابن عباس : ( ذو الجلال والإكرام ) ذو العظمة والكبرياء .

ولما أخبر عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة ، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة ، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) يقول تعالى ذكره: كلّ من على ظهر الأرض من جنّ وإنس فإنه هالك،

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كل من عليها فان الضمير في عليها للأرض ، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى : والأرض وضعها للأنام وقد يقال : هو أكرم من عليها يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر .

وقال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت : كل شيء هالك إلا وجهه فأيقنت الملائكة بالهلاك ، وقاله مقاتل .

ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ، ومع الموت تستوي الأقدام .

وقيل : وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" كل من عليها "، أي على الأرض من حيوان فإنه هالك " فان ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كل من عليها» أي الأرض من الحيوان «فان» هالك وعبر بمن تغليبا للعقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كل مَن على وجه الأرض مِن الخلق هالك، ويبقى وجه ربك ذو العظمة والكبرياء والفضل والجود.

وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى بما يليق به سبحانه، دون تشبيه ولا تكييف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ، ونعمه على عباده .

.

جاء الحديث عن تفرده - تعالى - بالبقاء ، بعد فناء جميع المخلوقات التى على ظهر الأرض ، وعن افتقار الناس إليه وحده - سبحانه - وغناه عنهم فقال - تعالى - : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ .

.

.

) .الضمير فى ( عَلَيْهَا ) يعود إلى الأرض بقرينة المقام ، والمراد بمن عليها : كل من يعيش فوقها ، ويدخل فيهم دخولا أوليا بنو آدم ، لأنهم هم المقصودون بالخطاب ، ولذا جىء بمن الموصولة الخاصة بالعقلاء .أى : كل من على الأرض من إنسان وحيوان وغيرهما سائر إلى الزوال والفناء.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجهان: أحدهما: وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض، وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ  ﴾ الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ المنشآت  ﴾ إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره وقال: لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه الثاني: أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال: الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعاً ولا ضراً، وقوله تعالى: ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجلال والإكرام  ﴾ يدل على أن الصحيح الأول وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ مِنْ ﴾ للعقلاء وكل ما على وجه الأرض مع الأرض فان، فما فائدة الاختصاص بالعقلاء؟

نقول: المنتفع بالتخويف هو العاقل فخصه تعالى بالذكر.

المسألة الثانية: الفاني هو الذي فنى وكل من عليها سيفنى فهو باق بعد ليس بفان، نقول كقوله: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ  ﴾ وكما يقال للقريب إنه واصل، وجواب آخر: وهو أن وجود الإنسان عرض وهو غير باق وما ليس بباق فهو فان، فأمر الدنيا بين شيئين حدوث وعدم، أما البقاء فلا بقاء له لأن البقاء استمرار، ولا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذي هو القول بأن الجسم لا يبقى زمانين كما قيل في العرض، لأنا نقول قوله: ﴿ مِنْ ﴾ بدل قوله (ما) ينفي ذلك التوهم لأني قلت: (من عليها فان) لا بقاء له، وما قلت: ما عليها فان، ومن مع كونه على الأرض يتناول جسماً قام به أعراض بعضها الحياة والأعراض غير باقية، فالمجموع لم يبق كما كان وإنما الباقي أحد جزأيه وهو الجسم وليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة (من)، فالفاني ليس ما عليها وما عليها ليس بباق.

المسألة الثالثة: ما الفائدة في بيان أنه تعالى قال: ﴿ فَانٍ ﴾ ؟

نقول: فيه فوائد منها: الحث على العبادة وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة، ومنها: المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول: إذا كان في نعمة إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله معتمداً على ماله وملكه، ومنها: الأمر بالصبر إن كان في ضر فلا يكفر بالله معتمداً على أن الأمر ذاهب والضر زائل، ومنها: ترك اتخاذ الغير معبوداً والزجر على الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب إلى الله تعالى فإن أمرهم إلى الزوال قريب فيبقى القريب منهم عن قريب في ندم عظيم لأنه إن مات قبلهم يلقى الله كالعبد الآبق، وإن مات الملك قبله فيبقى بين الخلق وكل أحد ينتقم منه ويتشفى فيه، ويستحي ممن كان يتكبر عليه وإن ماتا جميعاً فلقاء الله عليه بعد التوفي في غاية الصعوبة، ومنها: حسن التوحيد وترك الشرك الظاهر والخفي جميعاً لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَلَيْهَا ﴾ على الأرض ﴿ وَجْهُ رَبّكَ ﴾ ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان، و ﴿ ذُو الجلال والإكرام ﴾ صفة الوجه.

وقرأ عبد الله: ﴿ ذي ﴾ على: صفة ربك.

ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم.

أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك.

أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من عظيم صفات الله؛ ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» وعنه عليه الصلاة والسلام: أنه مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» فإن قلت: ما النعمة في ذلك؟

قلت: أعظم النعمة وهي مجيء وقت الجزاء عقيب ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِن خَلْقِ مَوادِّ السُّفُنِ والإرْشادِ إلى أخْذِها وكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها وإجْرائِها في البَحْرِ بِأسْبابٍ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِها وجَمْعِها غَيْرُهُ.

﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ مَن عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ ومَن لِلتَّغْلِيبِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

﴿ فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ ذاتُهُ ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ جِهاتِ المَوْجُوداتِ وتَفَحَّصْتَ وُجُوهَها وجَدْتَها بِأسْرِها فانِيَةً في حَدِّ ذاتِها إلّا وجْهَ اللَّهِ أيِ الوَجْهَ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ.

﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ والفَضْلِ العامِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى الأرْضِ الَّتِي وُضِعَتْ لِلْأنامِ مِنَ الحَيَواناتِ والمَرْكَباتِ ( ومَن ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلثَّقَلَيْنِ ﴿ فانٍ ﴾ هالِكٌ ﴿ ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أيْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ هو سُبْحانَهُ وتَعالى، فالإضافَةُ بَيانِيَّةٌ وحَقِيقَةُ الوَجْهِ في الشّاهِدِ الجارِحَةِ واسْتِعْمالِهِ في الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ كاسْتِعْمالِ الأيْدِي في الأنْفُسِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ الجِهَةُ واسْتِعْمالُهُ في الذّاتِ مِن بابِ الكِنايَةِ وتَفْسِيرُهُ بِالذّاتِ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الخَلَفِ القائِلِينَ بِالتَّأْوِيلِ، وتَعْيِينُ المُرادِ في مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ مَذْهَبِ السَّلَفِ، وقَدْ قَرَّرْناهُ لَكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَتَذَكَّرَهُ وعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّواجِذِ.

والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في - رَبِّكَ - لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هو لِلصّالِحِ لَهُ لِعِظَمِ الأمْرِ وفَخامَتِهِ، وفي الآيَةِ عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ كَلامٌ كَثِيرٌ مِنهُ ما سَمِعَتْ، ومِنهُ ما قِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى القَصْدِ ويُرادُ بِهِ المَقْصُودُ، أيْ ويُبْقى ما يَقْصِدُ بِهِ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأعْمالِ، وحَمَلَ كَلامُ مَن فَسَّرَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، وأقْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: وجْهُهُ تَعالى الجِهَةُ الَّتِي أمَرَنا عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها والتَّقَرُّبِ بِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ أيْضًا واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يُبْقِيهِ لِلْعَبْدِ إلى أنْ يُجازِيَهُ عَلَيْهِ ولِذا وُصِفَ بِالبَقاءِ أوْ لِأنَّهُ بِالقَبُولِ صارَ غَيْرَ قابِلٍ لِلْفَناءِ لِما أنَّ الجَزاءَ عَلَيْهِ قامَ مَقامَهُ وهو باقٍ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّعْلِيمِ في ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ وقِيلَ: وجْهُهُ سُبْحانَهُ الجِهَةُ الَّتِي يَلِيها الحَقُّ أيْ يَتَوَلّاها بِفَضْلِهِ ويَفِيضُها عَلى الشَّيْءِ مِن عِنْدِهِ أيْ إنَّذَلِكَ باقٍ دُونَ الشَّيْءِ في حَدِّ ذاتِهِ فَإنَّهُ فانٍ في كُلِّ وقْتٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ وجْهُهُ المُمْكِنُ وهي جِهَةٌ حَيْثِيَّةٌ ارْتِباطُهَ وانْتِسابُهَ إلَيْهِ تَعالى، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ فالمُمْكِنُ في حَدِّ ذاتِهِ أيْ إذا اعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِعِلَّتِهِ أعْنِي الوُجُودَ الحَقَّ كانَ مَعْدُومًا لِأنَّ ظُهُورَهُ إنَّما نَشَأ مِنَ العِلَّةِ ولَوْلاها لَمْ يَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقَوْلُ العَلامَةِ البَيْضاوِيِّ: لَوِ اسْتَقْرَيْتَ جِهاتَ المَوْجُوداتِ وتَفَحَّصْتَ وُجُوهَها وجَدْتَها بِأسْرِها فانِيَةً في حَدِّ ذاتِها إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى أيَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ سُبْحانَهُ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ وإنْ كانَ قَدْ فُسِّرَ الوَجْهُ قَبْلُ بِالذّاتِ، ولِلْعُلَماءِ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ اخْتِلافٌ، فَمِنهم مَن يَجْعَلُ قَوْلَهُ: لَوِ اسْتَقْرَيْتَ إلَخْ تَتِمَّةٌ لِتَفْسِيرِهِ الأوَّلِ، ومِنهم مَن يَجْعَلُهُ وجْهًا آخَرَ، وهو عَلى الأوَّلِ أخْذٌ بِالحاصِلِ، وعَلى الثّانِي قِيلَ: يَحْتَمِلُ التَّطْبِيقَ عَلى كُلٍّ مِن مَذاهِبَ في المُمْكِناتِ المَوْجُودَةِ، وذَلِكَ أنَّها إمّا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً بِمَعْنى أنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالوُجُودِ اتِّصافًا حَقِيقِيًّا بِأنْ يَكُونَ الوُجُودُ زائِدًا عَلَيْها قائِمًا بِها، وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الحُكَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ، وإمّا مَوْجُودَةٌ مَجازًا ولَيْسَ لَها اتِّصافٌ حَقِيقِيٌّ بِالوُجُودِ بِأنْ يَكُونَ الوُجُودُ قائِمًا بِها بَلْ إطْلاقُ المَوْجُودِ عَلَيْها كَإطْلاقِ الشَّمْسِ عَلى الماءِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُتَألِّهُونَ مِنَ الحُكَماءِ والمُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ إلّا أنَّ ذَوْقَ المُتَألِّهِينَ أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ أنَّ لَها نِسْبَةً مَخْصُوصَةً إلى حَضْرَةِ الوُجُودِ الواجِبِي عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وأنْحاءٍ شَتّى، والطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، فالوُجُودُ عِنْدَهم جُزْئِيٌّ حَقِيقِيٌّ قائِمٌ بِذاتِهِ لا يُتَصَوَّرُ عُرُوضُهُ لِشَيْءٍ ولا قِيامِهِ بِهِ ومَعْنى كَوْنَ المُمْكِنُ مَوْجُودًا أنَّهُ مُظْهِرٌ لَهُ ومَجْلى يَنْجَلِي فِيهِ نُورُهُ - فاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ - والمُمَكَّناتُ بِمَنزِلَةِ المَرايا المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنْعَكِسُ إلَيْها أشِعَةُ الشَّمْسِ ويَنْصَبِغُ كُلٌّ مِنها بِصَبْغٍ يُناسِبُهُ، ومَذاقُ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ أنَّها بِمَنزِلَةِ صِفاتٍ قائِمَةٍ بِذاتِ الواجِبِ سُبْحانَهُ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ عَلى مَذاقِهِمْ ذَواتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بَعْضُها واجِبٌ وبَعْضُها مُمْكِنٌ بَلْ ذاتٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَكَثِّرَةٌ وشُؤُوناتٌ مُتَعَدِّدَةٌ وتَجَلِّياتٌ مُتَجَدِّدَةٌ ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ  ﴾ والمَشْهُورُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَذاقَيْنِ.

ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الأوَّلِ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى هو الوُجُوبُ بِالغَيْرِ إذِ المُمْكِنُ - وإنْ كانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً عِنْدَ الجُمْهُورِ - لَكِنَّ وُجُودَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الواجِبِ بِالذّاتِ، وُجِهَةُ الِاسْتِفادَةِ لَيْسَتْ هي الذّاتَ ولا شَيْئًا آخَرَ مِنَ الجِهاتِ والوُجُوهِ كالإمْكانِ والمَعْلَوْلِيَّةِ والجَوْهَرِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ والبَساطَةِ والتَّرْكِيبِ وسائِرِ الأُمُورِ العامَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنها جِهَتُهُ الخِسَّةُ، ومُقْتَضى الفِطْرَةِ الإمْكانِيَّةُ البَعِيدَةُ بِمَراحِلَ عَنِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ المُنافِيَةِ لَهُ، وإنَّما جِهَةُ الشَّرَفِ القَرِيبَةُ المُناسِبَةُ لِلْوُجُوبِ الذّاتِيِّ جِهَةُ الوُجُوبِ بِالغَيْرِ فَهو وجْهٌ يَلِي جِهَةَ الواجِبِ ويُناسِبُهُ في كَوْنِهِ وُجُوبًا وإنْ كانَ بِالغَيْرِ، ولِذا يَعْقُبُهُ فَيَضانُ الوُجُودِ، ولِذا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: المُمْكِنُ ما لَمْ يَجِبْ لَوْ يُوجَدُ.

ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الثّانِي أنْ يُقالَ: الوَجْهُ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى هو تِلْكَ النِّسْبَةُ المَخْصُوصَةُ المُصَحَّحَةُ لِإطْلاقِ لِفَظِّ المَوْجُودِ عَلَيْها ولَوْ مَجازًا، فالمَعْنى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ مَعْدُومٌ لا يَصِحُّ أنْ يُطْلِقَ لَفْظُ المَوْجُودِ عَلَيْهِ ولَوْ مَجازًا إلّا بِاعْتِبارِ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى أيَّ النِّسْبَةِ المَخْصُوصَةِ إلى حَضْرَتِهِ تَعالى وهي كَوْنُهُ مَظْهَرًا لَهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الثّالِثِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى كَوْنُها شُؤُوناتٍ واعْتِباراتٍ لَهُ تَعالى.

فالمَعْنى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ مَعْدُومٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاعْتِباراتِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ سُبْحانَهُ والِاعْتِبارِ الَّذِي يَحْصُلُ مَقِيسًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو كَوْنُهُ شَأْنًا مِن شُؤُونِهِ واعْتِبارًا مِنَ اعْتِباراتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَتَأمَّلَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ أيْ يَجْعَلُهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ ويُثْبِتُونَ لَهُ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ فَهَذا راجِعٌ إلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ في قُلُوبِ مِن عَرِفَهُ عَزَّ وجَلَّ أوِ الَّذِي يُقالُ في شَأْنِهِ: ما أجَّلَكَ وما أكْرَمَكَ أيْ هو سُبْحانَهُ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ في شَأْنِهِ ذَلِكَ قِيلَ أوْ لَمْ يُقَلْ فَهو راجِعٌ إلى ما لَهُ تَعالى مِنَ الكَمالِ في نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ قُصُورُ الإدْراكِ عَنْ شَأْوِهِ، أوْ مِن عِنْدِهِ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُوَحِّدِينَ فَهو راجِعٌ إلى الفِعْلِ أيْ يُجِلُّ المُوَحِّدِينَ ويُكْرِمُهم، وفَسَّرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ( الجَلالِ ) بِالِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ ( والإكْرامِ ) بِالفَضْلِ التّامِّ وهَذا ظاهِرٌ، ووَجْهُ الأوَّلِ بِأنَّ الجَلالَ العَظَمَةُ وهي تَقْتَضِي تَرَفُّعَهُ تَعالى عَنِ المَوْجُوداتِ ويَسْتَلْزِمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْها، ثُمَّ أُلْحِقَ بِالحَقِيقَةِ، ولِذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: عَظَمَةُ الشَّيْءِ الِاسْتِغْناءُ عَنْ غَيْرِهِ وكُلُّ مُحْتاجٍ حَقِيرٌ، وقالَ الكَرْمانَيُّ: إنَّهُ تَعالى لَهُ صِفاتٌ عَدَمِيَّةٌ مِثْلُ (لا شَرِيكَ لَهُ ) [الأنْعامَ: 163] وتُسَمّى صِفاتَ الجَلالِ لِما أنَّها تُؤَدّى بِجُلٍّ عَنْ كَذا جُلٌّ عَنْ كَذا وصِفاتُ وجُودِيِّهِ - كالحَياةِ والعِلْمِ - وتُسَمّى صِفاتُ الإكْرامِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والظّاهِرُ أنَّ ( ذُو ) صِفَةٌ لِلْوَجْهِ، ويَتَضَمَّنُ الوَصْفُ بِما ذَكَرَ عَلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ الإشارَةَ إلى أنَّ فَناءَ ﴿ مَن عَلَيْها ﴾ لا يُخِلُّ بِشَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، والإشارَةُ إلى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ فَنائِهِمْ يَفِيضُ عَلى الثَّقَلَيْنِ مِن آثارِ كَرَمِهِ ما يَفِيضُ وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ووَصْفُ الوَجْهِ بِما وُصِفَ يُبْعِدُ كَوْنُهُ عِبارَةً عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ أوِ الجِهَةَ عَلى ما سَمِعَتْ آنِفًا وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ يَقُولُ: ( ذُو ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الرَّبِّ وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، ثُمَّ قُطِعَتْ عَنِ التَّبَعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةَ أُبَيِّ.

وعَبْدُ اللَّهِ - ذِي الجَلالِ - بِالياءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ تابِعَةٌ لِلرَّبِّ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ هَذا الوَصْفَ قَدْ خُصَّ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، فَهو مِن أجَلِّ أوْصافِهِ سُبْحانَهُ، ويَشْهَدُ لَهُ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ والإمامِ أحْمَدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِامِرٍ مَرْفُوعًا ««ألِظُّوا بِيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ»» أيِ الزَمُوهُ واثْبُتُوا عَلَيْهِ وأكْثِرُوا مِن قَوْلِهِ والتَّلَفُّظِ بِهِ في دُعائِكم، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ ««أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ بِما دَعا ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»».

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا يَتَضَمَّنُهُ ما ذَكَرَ فَإنَّ الفَناءَ بابٌ لِلْبَقاءِ، والحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والإثابَةِ بِالنِّعْمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ مَلْزُومُ مَعْناها لِأنَّها كِنايَةٌ عَنْ مَجِيءِ وقْتِ الجَزاءِ وهو مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ولِذَلِكَ خَصَّ ( الجَلالِ والإكْرامِ ) بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما يَدُلّانِ عَلى الإثابَةِ والعِقابِ المُرادُ مِنها تَخْوِيفُ العِبادِ وتَحْذِيرُهم مِنَ ارْتِكابِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ، والتَّحْذِيرُ مِن مَثَلِذَلِكَ نِعْمَةٌ، فَلِذا رَتَّبَ عَلَيْها بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ ﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِذاكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ يعني: أرسل البحرين.

ويقال: خلَّى البحرين.

ويقال: خلق البحرين يَلْتَقِيانِ يعني: مالح، وعذب، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يعني: حاجز لاَّ يَبْغِيانِ يعني: لا يختلطان فيغير طعمه.

وأصل البغي: التطاول، والجَوْرُ، والظلم.

وقال بعضهم: بينهما حاجز لطيف لا يراه الخلق، وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى.

ويقال: بعضهم ليس هناك شيء، وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى.

ويقال: يَلْتَقِيانِ أي: يتقابلان أحدهما بحر الروم، والآخر بحر فارس.

وقيل: بحر الهند بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيانِ أي: لا يختلطان بَيْنَهُما بَرْزَخٌ.

بلطف الله تعالى أي: باللطف تمنع عن الامتزاج، وهما بحر واحد، لن يمس أحدهما بالآخر.

وقال الزجاج: البرزخ الحاجز، فهما من دموع العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان.

وقيل: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي: جزيرة العرب.

وقيل: بحر السماء، والأرض، كقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) [القمر: 11- 12] وبينهما برزخ الهواء، والأرض، وسكان الأرض.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق البحرين لمنفعة الخلق، وبين لكم العبرة، وقدرته، ولطفه، لتعتبروا به، وتوحدوه، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى؟.

ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ يعني: من بحر مالح اللؤلؤ وَالْمَرْجانُ ما صغر منه.

ويقال: اللؤلؤ يعني: الصغار وَالْمَرْجانُ يعني: العظام.

وقرأ نافع وأبو عمرو يَخْرُجُ بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون: بنصب الياء، وضم الراء.

وقرأ بعضهم: بكسر الراء.

يعني: يخرج الله تعالى، ونصب اللؤلؤ، والمرجان لأنه مفعول به.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق، ولصلاحهم، ولكي تعتبروا به، فكيف تنكرون هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ يعني: السفن التي تجري في الماء كَالْأَعْلامِ يعني: كالجبال فشبّه السفن في البحر بالجبال في البر.

وقرأ حمزة المنشئات بكسر الشين.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالكسر يعني: المبتدئات في السير.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى.

ثم قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ يعني: كل شيء على وجه الأرض يفنى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، يعني: ذو الكرم، والتجاوز، فلما نزلت هذه الآية، قالت الملائكة: هلكت بنو آدم، فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أيقنوا بهلاك أنفسهم، وهذا من النعم، لأنه يحذرهم، وبين لهم ليتهيؤوا لذلك.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ومعناه إن الله تعالى يعينكم، فتوكلوا عليه، ولا تعتمدوا على الناس، لأنهم لا يقدرون على دفع الهلاك عن أنفسهم، والله هو الباقي بعد فناء الخلق، وهو الذي يتجاوز عنكم، ويعينكم، فكيف تنكرون ربكم الذي خلقكم، وأحسن إليكم؟.

قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الملائكة يسألون لأهل الأرض المغفرة، ويسأل أهل الأرض جميع حوائجهم من الله تعالى.

ثم قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يعني: في كل يوم يُعز، ويذل، ويحيي، ويميت، ويعطي، ويمنع.

وذلك أن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً فنزل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فأخبر الله تعالى أنه يقضي في جميع الأيام، وكان هذا من النعم.

وذكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل إلى محمد بن الحنفية يتوعده قال: لأفعلن بك كذا وكذا.

فأرسل إليه محمد بن الحنفية وقال: إن الله تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى اللوح المحفوظ، وكل يوم يعز، ويذل، ويعطي، ويمنع فأرجو أن يرزقني الله تعالى ببعض نظراته، أن لا يجعل لك علي سلطان.

فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك بهذه الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، ووضعها في خزانته، فكتب إليه ملك الروم يتوعده في شيء، فكتب إليه عبد الملك بتلك الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، فكتب إليه صاحب الروم: ولله ما هذا من كنزك، ولا من كنز أهل بيتك، ولكنها من كنز أهل بيت النبوة.

ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: تجحدون نعمته، وأنتم تسألون حوائجكم منه.

قوله عز وجل: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي: سنحفظ عليكم أعمالكم أيها الجن والإنس.

فنجازيكم بذلك.

وروى جبير عن الضحاك في قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال: هذا وعيد من غير شغل.

إن الله تعالى لا يشغل بشيء.

وقال الزجاج: الفارغ في اللغة على ضربين.

أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر القصد للشيء، كما تقول سأفرغ لفلان أي: سأجعل قصدي له.

قرأ حمزة، والكسائي، سيفرغ لَكُمْ بالياء.

والباقون: بالنون.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يعني: سيحفظ الله عليكم أعمالكم، ويحاسبكم بما تعملون.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: ما عملتم فإنه لا ينسى، ولا يمنح ثوابه، وينصفكم من ظلمكم، فكيف تنكرون هذه النعم بأنها ليست من الله تعالى؟

واعلموا أن هذه النعم كلها من الله، فاشكروه.

فكيف تنكرون من هو يجازيكم بأعمالكم، ولا يمنع ثواب حسناتكم، وينصركم على أعدائكم؟

فهذه النعم كلها من الله، فاشكروه، ووحدوه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، "فانٍ": أيْ؛ هالِكٌ.

﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: ويَبْقى رَبُّكَ ﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الجَلالُ: مَصْدَرُ الجَلِيلِ، يُقالُ: جَلِيلٌ بَيِّنُ الجَلالَةِ والجَلالِ.

والإكْرامُ: مَصْدَرُ أكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرامًا؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَحِقٌّ أنْ يُجَلَّ ويُكْرَمَ، ولا يُجْحَدَ ولا يُكْفَرَ بِهِ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ يُكْرِمُ أهْلَ وِلايَتِهِ ويَرْفَعُ دَرَجاتِهِمْ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهو الجَلالُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الصِّفَةِ لَهُ، والآخَرُ مُضافًا إلى العَبْدِ بِمَعْنى الفِعْلِ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ  ﴾ فانْصَرَفَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إلى اللَّهِ وهو المَغْفِرَةُ، والآخَرُ إلى العِبادِ وهو التَّقْوى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ المَعْنى أنَّ الكُلَّ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَيَسْألُونَهُ وهو غَنِيٌّ عَنْهم ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِثْلُ أنْ يُحْيِيَ ويُمِيتَ، ويُعِزَّ ويُذِلَّ، ويَشْفِيَ مَرِيضًا، ويُعْطِيَ سائِلًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي في يَوْمِ السَّبْتِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: ﴿ "كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ" .

﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" مَعْناهُ: أرْسَلَهُما إرْسالًا غَيْرَ مُنْحازٍ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: مَرَجَتِ الدابَّةُ، ومِنهُ: الأمْرُ المَرِيجُ، أيْ: المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ ﴿ مِن مارِجٍ مِن نارٍ  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في البَحْرَيْنِ - فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ وبَحْرُ الرُومِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: بَحْرُ القُلْزُمِ واليَمَنِ وبَحْرُ الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: بَحْرٌ في السَماءِ وبَحْرٌ في الأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا هو مَطَرُ السَماءِ -سَمّاهُ بَحْرًا- وبَحْرُ الأرْضِ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِما نَوْعَيِ الماءِ العَذْبِ والأُجاجِ، أيْ: خَلْطُهُما في الأرْضِ وأرْسَلَهُما مُتَداخِلَيْنِ في وضْعِهِما في الأرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، والعِبْرَةُ في هَذا التَأْوِيلِ مُنِيرَةٌ، وأنْشَدَ مُنْذِر بْن سَعِيد: ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبُ عَلى المِلْحِ طَيِّبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: "يَلْتَقِيانِ" فَعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعْناهُما: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ وحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ، وعَلى القَوْلِ الثالِثِ أنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَحْرٌ يَجْتَمِعُ في السَماءِ فَهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ اللِقاءُ فِيهِ وفي القَوْلِ الرابِعِ بِنُزُولِ المَطَرِ، وفي القَوْلِ الخامِسِ بِالأنْهارِ في البَحْرِ وبِالعُيُونِ قُرْبَ البَحْرِ.

و"البَرْزَخُ": الحاجِزُ في كُلِّ شَيْء، فَهو في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي بَعْضِها القُدْرَةُ، والبَرْزَخُ أيْضًا المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ لِلْمَوْتى، فَهُو حاجِزٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ ماءَ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ وإلّا فالعِيانُ لا يَقْتَضِيه، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يَجِبُ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَبْغِيانِ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: لا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا والحَسَنُ: لا يَبْغِيانِ عَلى الناسِ والعُمْرانِ، وهَذانَ القَوْلانِ عَلى أنَّ اللَفْظَ مِنَ البَغْيِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مِن قَوْلِكَ: بَغْيٌ إذا طَلَبَ، فَمَعْناهُ: لا يَبْغِيانِ حالًا مِنَ الأحْوالِ غَيْرَ حالَيْهِما اللَتَيْنِ خُلِقا وسُخِّرا لَهُما.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اللُؤْلُؤُ: كِبارُ الجَوْهَرِ والمَرْجانُ: صِغارُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ عَكْسُ هَذا، والوَصْفُ بِالصِغَرِ هو الصَوابُ في اللُؤْلُؤِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَرْجانُ حَجَرٌ أحْمَرُ، وهَذا هو الصَوابُ في المَرْجانِ، واللُؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ: اللُؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ -وَهُوَ طائِرٌ والبُؤْبُؤُ، وهو الأصْلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُما" - فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ المِلْحِ ومِنَ العَذْبِ، ورَدَّ الناسُ عَلى الشاعِرِ في قَوْلِهِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطْمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: إنَّما تَتَكَوَّنُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصُدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أجْوافَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: إنَّ خُرُوجَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنَ المِلْحِ لَكِنَّهُ تَعالى قالَ: "مِنهُما" تَجَوُّزًا، كَما قالَ الشاعِرُ: ..............

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وكَما قالَ الآخَر: ...........

∗∗∗ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا فَمِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا  ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ ، وإنَّما هو في إحْداهُنَّ وهي الدُنْيا إلى الأرْضِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: العَذْبُ فِيهِما كاللِقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ: الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَكَرِ والأُنْثى.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: "يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ "اللُؤْلُؤُ" رَفْعًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ عنهُ:- "يُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: بِتَمْكِينِهِ وقُدْرَتِهِ "اللُؤْلُؤَ" نَصْبًا، ورَواها أيْضًا بِالنُونِ مَضْمُومَةً وكَسَرَ الراءَ.

و"الجَوارِ" جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السُفُنُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ: "الجَوارِيَ" بِإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِحَذْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "المُنْشَآتِ" بِفَتْحِ الشِينِ، أيْ: أنْشَأها اللهُ تَعالى أوِ الناسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عنهُ-: "المُنْشِئاتِ" بِكَسْرِ الشِينِ، أيْ: تُنْشِئُ هي السَيْرَ إَقْبالًا وإدْبارًا، و"الأعْلامُ" الجِبالُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الظِرابِ والآكامِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ فَهو مِنَ المُنْشَآتِ وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "كالأعْلامِ" هو الَّذِي يَقْتَضِي هَذا الفَرْقَ، وأمّا لَفْظَةُ "المُنْشَآتُ" فَتَعُمُّ الكَبِيرَ والصَغِيرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ لِلْأرْضِ، وكَنّى تَعالى عنها ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذُكِرَ لِوُضُوحِ المَعْنى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، والإشارَةِ بِالفَناءِ إلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَغَلَبَتْ عِبارَةُ مَن يَعْقِلُ فَلِذَلِكَ قالَ: "مَن".

و"الوَجْهُ" عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ لِأنَّ الجارِحَةَ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا وجْهُ القَوْلِ والأمْرِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ وذاتُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى صِفَةِ لَفْظَةِ الوَجْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" عَلى صِفَةِ الرَبِّ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان قوله: ﴿ وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام ﴾ [الرحمن: 24] مؤذناً بنعمة إيجاد أسباب النجاة من الهلاك وأسباب السعي لتحصيل ما به إقامة العيش إذ يَسَّر للناس السفن عوناً للناس على الأسفار وقضاء الأوطار مع السلامة من طغيان ماء البحار، وكان وصف السفن بأنها كالأعلام توسعة في هذه النعمة أتبعه بالموعظة بأن هذا لا يحول بين الناس وبين ما قدره الله لهم من الفناء، على عادة القرآن في الفُرص للموعظة والتذكير كقوله: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ [النساء: 78].

وفائدة هذا أن لا ينسوا الاستعداد للحياة الباقية بفعل الصالحات، وأن يتفكروا في عظيم قدرة الله تعالى ويقبلوا على توحيده وطلب مرضاته.

ووقوع هذه الجملة عقب ما عدد من النعم فيه إيماء إلى أن مصير نعم الدنيا إلى الفناء.

والجملة استئناف ابتدائي.

وضمير ﴿ عليها ﴾ مراد به الأرض بقرينة المقام مثل ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32]، أي الشمس ومثله في القرآن وكثير وفي كلام البلغاء.

ومعنى ﴿ فانٍ ﴾ : أنه صائر إلى الفناء، فهذا من استعمال اسم الفاعل لزمان الاستقبال بالقرينة مثل ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ [الزمر: 30].

والمراد ب ﴿ من عليها ﴾ : الناس لأنهم المقصود بهذه العبر، ولذلك جيء ب (من) الموصولة الخاصة بالعقلاء.

والمعنى: أن مصير جميع من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء.

و ﴿ وجه ربك ﴾ : ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب.

قال في «الكشاف»: والوجه يعبر به عن الجملة والذات ا ه.

وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ [البقرة: 115] وقوله: ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ [الإنسان: 9].

وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس.

واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجاً إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرْي على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء، وكلا الفريقين خيرة الحنفاء.

وضمير المخاطب في قوله: ﴿ وجه ربك ﴾ خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وفيه تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم غير مرة.

والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكَّروا ويعتبروا.

ويجوز أن يكون خطاباً لغير معينّ ليعمّ كل مخاطب.

ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب ﴿ ذو الجلال ﴾ ، أي العظمة و ﴿ الإكرام ﴾ ، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإِكرام في عرف اللغة، وإنما يضاف للإِكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإِكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإِحسان.

وتفريع ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إنما هو تفريع على جملة ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف، الكريم الذي لا يقطع إنعامه، وذلك من الآلاء العظيمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ شَأْنَهُ في يَوْمَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّهْرُ كُلُّهُ يَوْمانِ: أحَدُهُما: مُدَّةُ أيّامِ الدُّنْيا، والآخَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ في أيّامِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، والإحْياءِ، والإماتَةِ، والإعْطاءِ، والمَنعِ، وشَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ الجَزاءُ، والحِسابُ، والثَّوابُ، والعِقابُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ شَأْنِهِ في كُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

وَفِي هَذا الشَّأْنِ الَّذِي أرادَهُ في أيّامِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن بُعِثَ مِنَ الأنْبِياءِ في كُلِّ زَمانٍ بِما شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ مِن شَرائِعِ الدِّينِ وكانَ الشَّأْنُ في هَذا المَوْضِعِ هو الشَّرِيعَةُ الَّتِي شَرَعَها كُلُّ نَبِيٍّ في زَمانِهِ ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ.

القَوْلُ الثّانِي: ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في خَلْقِهِ مِن تَبَدُّلِ الأحْوالِ واخْتِلافِ الأُمُورِ، ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ الوَقْتِ.

رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كُلُّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، يُجِيبُ داعِيًا، ويُعْطِي سائِلًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ.

وَقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، هو يَعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رِغابًا، ويَحْرِمُ عِقابًا.

وَقَدْ رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَرْبًا، ويَرْفَعَ قَوْمًا، ويَضَعَ آخَرِينَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: المنشآت ما رفع قلعة من السفن، فأما ما لم يرفع قلعة فليس بمنشآت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: السفن و ﴿ المنشآت ﴾ قال: بالشراع ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: هي السفائن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي في أماليه عن عمير بن سعد قال: كنا مع عليّ على شط الفرات فمرت به سفينة فقرأ هذه الآية ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر ﴾ قال: أي الفاعلات.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني الباديات.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأها على الوجهين بكسر الشين وفتحها.

قوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إذا قرأت ﴿ كل من عليها فان ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذو الجلال والإِكرام ﴾ قال: الكبرياء والعظمة.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن حميد بن هلال قال: قال رجل: يرحم الله رجلاً أتى على هذه الآية ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ فسأل الله تعالى بذلك الوجه الكافي الكريم ولفظ البيهقي بذلك الوجه الباقي الجميل.

قوله تعالى: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ يعني يسأل عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ قال: ﴿ يسأله من في السماوات ﴾ الرحمة ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض والأرض يسأله أهلها الرزق لهم.

وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي الدرداء «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين» ، زاد البزار: وهو يجيب داعياً.

وأخرج البزار عن ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يغفر ذنباً ويفرج كرباً» .

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يكشف كرباً ويجيب داعياً ويرفع قوماً ويضع آخرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق في كل نظرة، ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويغل ويفك، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبيد بن عمير ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفى سقيماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، يحيى حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، وهو مرد حاجات الصالحين، ومنتهى شكرهم وصريخ الأخيار.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي ميسرة ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يحيى ويميت، ويصور في الأرحام ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من شاء، ويفك الأسير.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم.

وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن جبلة الفزاري، وكان من التابعين، قال: إن ربكم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ يعتق رقاباً ويفحم عتاباً ويعطي رغاباً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يشغله شأن عن شأن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من أيام الدنيا كل يوم يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي على الأرض، وقد سبق ذكرها في قوله ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا ﴾ ، والمعنى أن كل من دب ودرج على أرض من حيوان فهو (فانٍ) هالك، قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ  ﴾ أيقنت الملائكة بالهلاك (١) قال الشعبي: إذا قرأت ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ فلا تسكت حتى تقول: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ (٢) وذكر أهل المعاني في الوجه هاهنا قولين: أحدهما: أن المعنى ويبقى ربك الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه، فالوجه على هذا عبارة عن الظهور.

الثاني: ويبقى ربك وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم (٣) (٤) قال أبو علي: قد جاء الجلال في غير الله سبحانه وأنشد: فلا ذا جلالٍ هبنه لجلال ...

ولا ذا ضياع هُنَّ يتركن للفقر (٥) هذا كلامه.

ويجوز أن يكون البيت جاهليًّا، والأصمعي يقول: لا يقال ذلك بعد الإسلام، أي: لا يستحقه إلا الله سبحانه (٦) وللإكرام هاهنا معنيان.

أحدهما: إكرام الله تعالى أنبياءه فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته.

والآخر: إن الإكرام بمعنى الإعظام من العبد لله بعبادته والثناء عليه بإحسانه وإنعامه.

والأول معنى قول الحسن: الذي يكرم أهل دينه وولايته (٧) (٨) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 38 أ، عن ابن عباس، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 165، عن ابن عباس ومقاتل، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 62.

(٢) انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 272 - 273.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 165، و"فتح القدير" 5/ 136.

قلت: المراد بالوجه عند أهل السنة والجماعة في هذه الآية وما يماثلها (الذات) أي: تبقى ذاته -سبحانه وتعالى-.

انظر: "مجموع الفتاوى" 2/ 434، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 973، و"روح المعاني" 27/ 18.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 488، و"اللسان" 1/ 487 (جلل).

(٥) البيت لهدبة بن خشرم العذري يصف المنايا وعمومها للخلق.

وقد ورد في "شواهد سيبويه" 1/ 72، و"المفصل" 2/ 37، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 254.

(٦) قلت: تفسير كلام الأصمعي بقول المؤلف: أي لا يستحقه إلا الله سبحانه هو الصواب إن شاء الله.

وأما البيت فهو لهدبة بن خشرم وهو شاعر إسلامى قتل ابن عمه زيادة بن زيد == فأقيد به في أيام معاوية بن أبي سفيان، ويقال أنه أول من أقيد في الإسلام وعليه فلا محذور في إطلاق الجلال على المخلوق فلله تعالى الجلال المطلق الذي يليق به سبحانه وللمخلوق جلاله المناسب لحالته، والله تعالى أعلم.

(٧) انظر: "الوسيط" 4/ 221، و"معالم التنزيل" 4/ 27.

(٨) لم أقف عليه <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ الضمير في عليها للأرض يدل على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر، ويعني بمن عليها من بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلّب العقلاء ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام ﴾ الوجه هنا عبارة عن الذات، وذو الجلال صفة للذات لأن من أسمائه تعالى الجليل، ومعناه يقرب من معنى العظيم، وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال في [الإسراء: 70] ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.

﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.

حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون  ﴾ ﴿ يا أيها الساحر  ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.

بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.

وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.

﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.

التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.

وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.

وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر  ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر  ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.

قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.

قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.

وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.

ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟

قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.

وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.

وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.

وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد  .

والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.

وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.

نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً  ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم  عسق  ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.

ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.

وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.

وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.

وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.

قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.

وقيل: للإنسان.

وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.

وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.

والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.

ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.

وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.

ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.

وقال الحسن وابن زيد.

على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.

ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله  سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟

للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.

وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.

وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.

قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.

وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.

والجان أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.

وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.

ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.

هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.

قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.

وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.

وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.

قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله  في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.

قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.

وعن مقاتل: بالضد.

ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.

يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.

ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.

والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.

والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.

والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.

وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.

والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.

وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله  عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .

قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.

وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.

فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".

والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.

والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.

ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.

نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.

وأقطار السموات والأرض نواحيهما.

واحدها قطر.

وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.

والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.

قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.

ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.

جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.

وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.

وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.

والنحاس والدخان.

ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.

ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.

ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.

وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.

وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.

وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل  ﴾ وهو دردي الزيت.

وقيل: الدهان الأديم الأحمر.

عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.

وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.

وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.

والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟

ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.

﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.

والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.

والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم  ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.

ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.

روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله  يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.

ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.

والآني الذي بلغ منتهى حره.

قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.

والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.

ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي  ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.

أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.

وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا  ﴾ وهو ضعيف.

والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.

وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.

قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟

ويجوز أن يكون ظائرها السندس.

والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم  ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.

وقيل: في الفرش أي عليها.

وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.

قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.

قال مقاتل: هن من حور الجنة.

وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.

قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.

قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.

ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.

وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.

وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.

روى أبو موسى عن النبي  : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.

قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.

وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.

والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.

واعلم أنه  قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.

وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.

والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.

امرأة مقصورة أي مخدرة.

روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وعن النبي  " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟

والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.

قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.

قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.

قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.

وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.

ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.

وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.

وقيل: الوسائد.

قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.

وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.

ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.

قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.

فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.

ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.

والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.

والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أنه ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.

وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه باق، والله أعلم.

والباطنية يقولون: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله  من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.

ويحتمل ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي: كل مايطلب من العمل وغيره رضاء الله  ، فكنى بالوجه عن الرضاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْجَلاَلِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على خلق إ جلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك.

والثاني: أن يجل الله  من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم من الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء والأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...

﴾ الآية [الأنعام: 63]، وقوله: عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ  ﴾ هنا صلة قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا هنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.

وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله  استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عد ذلك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.

وأصله: أن الله  إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله  لم يزل عالما بجلوسك الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله  لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟!

فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم يكن الخلق قديما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ الآية، قرئ: ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون والياء، [و] يرفع الراء في الحالين.

قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله  : ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر على المغابية، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.

قال الزجاج: قوله  : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل الآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.

ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.

وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.

وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله -  وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.

ثم قال: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟

وهو كقوله  : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟

وبماذا نجا من نجا؟

والله أعلم.

والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله  : ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنعام: 35].

وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود -  -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ .

وقال بضعهم: يبعث الله  ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.

وقيل: ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: الحجة.

وقال قتادة: إلا بملك.

وقال: إلا بقدرة الله  والله أعلم.

ثم أوعدهم فقال: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ .

قرئ ﴿ شُوَاظٌ ﴾ بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.

وقرئ ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ بكسر السين وضمه، فمن رفع ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ عطفه على قوله: ﴿ شُوَاظٌ ﴾ ومن كسره، عطفه على قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ .

ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس -  -: النحاس: الدخال.

وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.

وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.

وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.

وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.

وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ قيل: لا تمتنعان من ذلك.

ويحتمل: أي: لا نصار لكما كما يكون في الدنيا.

فإذا قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ بآخرها.

قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كل من على وجه الأرض من الخلائق هالك لا محالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.GEmoB"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله