الآية ١٦ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٦ من سورة الحديد

۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول الله تعالى : أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ، أي : تلين عند الذكر ، والموعظة ، وسماع القرآن ، فتفهمه ، وتنقاد له ، وتسمع له ، وتطيعه .

قال عبد الله بن المبارك : حدثنا صالح المري ، عن قتادة ، عن ابن عباس أنه قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن ، فقال : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) الآية ، رواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن حسين المروزي ، عن ابن المبارك به .

ثم قال هو ومسلم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال - يعني الليث - عن عون بن عبد الله ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) [ الآية ] إلا أربع سنين كذا رواه مسلم في آخر الكتاب .

وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية ، عن هارون بن سعيد الأيلي ، عن ابن وهب ، به ، وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي ، عن أبي حزم ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، مثله ، فجعله من مسند بن الزبير .

لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب ، عن أبي حازم ، عن عامر ، عن ابن الزبير ، عن ابن مسعود ، فذكره وقال سفيان الثوري ، عن المسعودي ، عن القاسم قال : مل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملة ، فقالوا : حدثنا يا رسول الله .

فأنزل الله تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) [ يوسف : 3 ] قال : ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يا رسول الله ، فأنزل الله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث ) [ الزمر : 23 ] .

ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يا رسول الله .

فأنزل الله : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) وقال قتادة : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أول ما يرفع من الناس الخشوع " وقوله : ( ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ) نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى ، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنا قليلا ونبذوه وراء ظهورهم ، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة ، وقلدوا الرجال في دين الله ، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، فعند ذلك قست قلوبهم ، فلا يقبلون موعظة ، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد .

( وكثير منهم فاسقون ) أي : في الأعمال ، فقلوبهم فاسدة ، وأعمالهم باطلة .

كما قال : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) [ المائدة : 13 ] ، أي : فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه ، وتركوا الأعمال التي أمروا بها ، وارتكبوا ما نهوا عنه ; ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية .

وقد قال بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا شهاب بن خراش ، حدثنا حجاج بن دينار ، عن منصور بن المعتمر ، عن الربيع بن أبي عميلة الفزاري قال : حدثنا عبد الله بن مسعود حديثا ما سمعت أعجب إلي منه ، إلا شيئا من كتاب الله ، أو شيئا قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم ، استهوته قلوبهم ، واستحلته ألسنتهم ، واستلذته ، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا : تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا ، فمن تابعنا عليه تركناه ، ومن كره أن يتابعنا قتلناه .

ففعلوا ذلك ، وكان فيهم رجل فقيه ، فلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ، ثم أدرجه ، فجعله في قرن ، ثم علق ذلك القرن في عنقه ، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل ، فادعوا فلانا فاعرضوا عليه كتابكم ، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس ، وإن أبى فاقتلوه .

فدعوا فلانا ذلك الفقيه فقالوا : تؤمن بما في كتابنا ؟

قال : وما فيه ؟

اعرضوه علي .

فعرضوه عليه إلى آخره ، ثم قالوا : أتؤمن بهذا ؟

قال : نعم ، آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن - فتركوه ، فلما مات نبشوه فوجدوه متعلقا ذلك القرن ، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله ، فقال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة .

فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة ، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن " .

قال ابن مسعود : [ وإنكم ] أوشك بكم إن بقيتم - أو : بقي من بقي منكم - أن تروا أمورا تنكرونها ، لا تستطيعون لها غيرا ، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره .

وقال أبو جعفر الطبري : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم قال : جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال : يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر .

فقال عبد الله : هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا ; إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ، اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم ، استهوته قلوبهم ، واستحلته ألسنتهم ، وقالوا : نعرض على بني إسرائيل هذا الكتاب فمن آمن به تركناه ، ومن كفر به قتلناه .

قال : فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ، ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له : أتؤمن بهذا ؟

قال آمنت به - ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه - ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب ؟

فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) : ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نـزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نـزله على رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) قال: تطيع قلوبهم.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (2) ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ...

) الآية.

ذُكر لنا أن شدّاد بن أوس كان يروي عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: " إن أوَّل مَا يُرْفعُ مِنَ النَّاس الخُشُوعُ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان شدّاد بن أوس يقول: أوّل ما يرفع من الناس الخشوع.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَمَا نـزلَ مِنَ الْحَقِّ )، فقرأته عامة القرّاء غير شيبة ونافع بالتشديد: نـزل، وقرأه شيبة ونافع: وما نـزل بالتخفيف، وبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب، لتقارب معنييهما.

وقوله: (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ) يقول تعالى ذكره: ألم يأن لهم أن ولا يكونوا، يعني الذين آمنوا من أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ) يعني من بني إسرائيل، ويعني بالكتاب: الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن أبى معشر، عن إبراهيم، قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه؛ فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟

قال: آمنت به، ويوميء إلى القرن الذي بين ثندوتيه، ومالي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن.

ويعني بقوله: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ): ما بينهم وبين موسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وذلك الأمد الزمان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: (الأمَدُ ) قال: الدهر.

وقوله: (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) عن الخيرات، واشتدّت على السكون إلى معاصي الله.(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )، يقول جلّ ثناؤه: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، من قبل أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فاسقون.

------------------------ الهوامش: (2) ‌سقط التفسير من قلم الناسخ، وفي الدر عن عكرمة: ألم يحن للذين آمنوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أي : يقرب ويحين ، قال الشاعر :ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلاوماضيه أنى - بالقصر - يأني .

ويقال : آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يئين أينا أي : حان ، مثل : أنى لك وهو مقلوب منه .

وأنشد ابن السكيت :ألما يئن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليافجمع بين اللغتين .

وقرأ الحسن " ألما يأن " وأصلها " ألم " زيدت " ما " فهي نفي لقول القائل : قد كان كذا ، و " لم " نفي لقوله : كان كذا .

وفي صحيحمسلم عن ابن مسعود قال : ما كنا بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم [ ص: 225 ] لذكر الله إلا أربع سنين .

قال الخليل : العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة ، تقول عاتبته معاتبة أن تخشع أي : تذل وتلين قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ترفهوا بالمدينة ، فنزلت الآية ، ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يستبطئكم بالخشوع فقالوا عند ذلك : خشعنا .

وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين ، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن .

وقيل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة .

وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت : الر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله : نحن نقص عليك أحسن القصص الآية ، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم ، فكفوا عن سلمان ، ثم سألوه مثل الأول فنزلت : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان .

قال السدي وغيره : ألم يأن للذين آمنوا بالظاهر وأسروا الكفر أن تخشع قلوبهم لذكر الله .

وقيل : نزلت في المؤمنين .

قال سعد : قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل : نحن نقص عليك فقالوا بعد زمان : لو حدثتنا فنزل : الله نزل أحسن الحديث فقالوا بعد مدة : لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ونحوه عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين ، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول : ما أحدثنا ؟

قال الحسن : استبطأهم وهم أحب خلقه إليه .

وقيل : هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا : والذين آمنوا بالله ورسله أي : ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن ، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى ، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم .قوله تعالى : ولا يكونوا أي : وألا يكونوا فهو منصوب عطفا على أن تخشع .[ ص: 226 ] وقيل : مجزوم على النهي ، مجازه ولا يكونن ، ودليل هذا التأويل رواية رويس عن يعقوب " لا تكونوا " بالتاء ، وهي قراءة عيسى وابن إسحاق .

يقول : لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى ، أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم .

قال ابن مسعود : إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم ، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم ، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم ، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، ثم قالوا : أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل ، فإن تابعوكم فاتركوهم وإلا فاقتلوهم .

ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم ، وقالوا : إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد ، وإن أبى قتلناه فلا يختلف علينا بعده أحد ، فأرسلوا إليه ، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في قرن وعلقه في عنقه ثم لبس عليه ثيابه ، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم ، وقالوا : أتؤمن بهذا ؟

فضرب بيده على صدره ، وقال : آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة ، وخير مللهم أصحاب ذي القرن .

قال عبد الله : ومن يعش منكم فسيرى منكرا ، وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره .

وقال مقاتل بن حيان : يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطئوا بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون يعني : الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع .

وقيل : من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم .

وقيل : هم من لا يؤمن في علم الله تعالى .

ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به ، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فسقهم الله .

وقال محمد بن كعب : كانت الصحابة بمكة مجدبين ، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ، ففتروا عما كانوا فيه ، فقست قلوبهم ، فوعظهم الله فأفاقوا .

وذكر ابن المبارك : أخبرنا مالك بن أنس ، قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون .

ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان : معافى ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية .

وهذه الآية ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله تعالى .

ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان القلانسي قال : حدثنا أبو [ ص: 227 ] محمد الحسن بن رشيق ، قال حدثنا علي بن يعقوب الزيات ، قال حدثنا إبراهيم بن هشام ، قال حدثنا زكريا بن أبي أبان ، قال حدثنا الليث بن الحارث قال حدثنا الحسن بن داهر ، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال : كنت يوما مع إخواني في بستان لنا ، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه ، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا ، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور ، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السحر ، وأراد سنان يغني ، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة ، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد ، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان - يعني العود الذي بيده - ويقول : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق قلت : بلى والله !

وكسرت العود ، وصرفت من كان عندي ، فكان هذا أول زهدي وتشميري .

وبلغنا عن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود :ألم يأن لي منك أن ترحما وتعص العواذل واللوماوترثي لصب بكم مغرم أقام على هجركم مأتمايبيت إذا جنه ليله يراعي الكواكب والأنجماوماذا على الصب لو أنه أحل من الوصل ما حرماوأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فرجع القهقرى وهو يقول : بلى والله قد آن ، فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة ، وبعضهم يقول لبعض : إن فضيلا يقطع الطريق .

فقال الفضيل : أواه أراني بالليل أسعى في معاصي الله ، قوم من المسلمين يخافونني !

اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر حال المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في الدار الآخرة، كان ذلك مما يدعو القلوب إلى الخشوع لربها، والاستكانة لعظمته، فعاتب الله المؤمنين [على عدم ذلك]، فقال: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم وتخشع لذكر الله، الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟

وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ } أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزل له الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك، فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) قال الكلبي ومقاتل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت : " نحن نقص عليك أحسن القصص " ( يوسف - 3 ) فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره ، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ( الزمر - 23 ) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية .

فعلى هذا التأويل ، قوله " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " يعني في العلانية وباللسان .

وقال آخرون نزلت في المؤمنين قال عبد الله بن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية : " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " إلا أربع سنين .

وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن ، فقال : " ألم يأن " ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله ( وما نزل ) قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها ( من الحق ) وهو القرآن ( ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ) وهم اليهود والنصارى ( فطال عليهم الأمد ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم ( فقست قلوبهم ) قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله والمعنى أن الله - عز وجل - ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر .

روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال لهم : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم .

( وكثير منهم فاسقون ) يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يَأنِ» يَحِن «للذين آمنوا» نزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح «أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزَّل» بالتشديد والتخفيف «من الحق» القرآن «ولا يكونوا» معطوف على تخشع «كالذين أوتوا الكتاب من قبل» هم اليهود والنصارى «فطال عليهم الأمد» الزمن بينهم وبين أنبيائهم «فقست قلوبهم» لم تلن لذكر الله «وكثير منهم فاسقون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم يحن الوقت للذين صدَّقوا الله ورسوله واتَّبَعوا هديه، أن تلين قلوبهم عند ذكر الله وسماع القرآن، ولا يكونوا في قسوة القلوب كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم- من اليهود والنصارى- الذين طال عليهم الزمان فبدَّلوا كلام الله، فقست قلوبهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله؟

وفي الآية الحث على الرقة والخشوع لله سبحانه عند سماع ما أنزله من الكتاب والحكمة، والحذر من التشبه باليهود والنصارى، في قسوة قلوبهم، وخروجهم عن طاعة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد كل ذلك حرض - سبحانه - المؤمنين ، على أن يروضوا أنفسهم على خشية الله - تعلاى - وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب فى قسوة القلب ، ووعدم - سبحانه - المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل ، وبالنور العظيم ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ .

.

.

) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْنِ ) للتقرير ، و " يأن " فعل مضارع ، يقال : أنى الشىء - كرمى - أنيا وأناء - بالفتح - وإِنى - بالكسر - إذا حان أناه ، أى : وقته ، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة ، ومنه قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) أى غير ناظرين حلول وقته .والخطاب فى الآية يحتمل أن يكون من باب العتبا لطائفة من المؤمنين ، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل ، فيما أمروا به من الاجتهاد فى طاعة الله - تعالى - بعد أن فتح الله - تعالى لهم أقطار الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش ، وخيرات الدنيا .ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك ، وبعد الرازق ، وابن المنذر عن الأعمش قال : لما قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأصابوا من لين العيس ما اصابوا .

بعد أن كان لهم من الجهد - وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ، فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية .ويحتمل أن يكون الخطاب فى الآية لجميع المؤمنين ، لعى سبيل الحض على المداومة على طاعة الله - تعالى - ، والتحذير من التقصير .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) .استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه ، والمعاتب - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم ، وغلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه .والخشوع : التذلل والخضوع ، واللام فى قوله ( لِذِكْرِ الله ) للتعليل ، والمراد بذكرالله - تعالى - : ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من الله - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح .وقيل : المراد به : القرآن الكريم ، فيكون قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ) من باب عطف الشىء على نفسه ، لاختلاف اللفظين ، كما فى قوله - تعالى - : ( سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى ) والمعنى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله - تعالى - وأن تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن ، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم ، وترق له مشاعرهم ونفوسهم .وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة فى طاعة الله - تعالى - وخشيته والإكثار من ذكره : نهاهم - سبحانه - عن التشبه بأهل الكتاب ، الذين طال عليهم الأمد فى الانغماس فى شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال - تعالى - ( وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى ، وبالكتاب : التوراة والإنجيل .والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - : ( تَخْشَعَ ) والأمد : الغاية من زمان أو مكان .

والمراد به هنا : الزمان الطويل .أى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق ، وآن الأوان - أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتثوا الكتاب من قبلهم ، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون فى الشهوات والملذات ، فقست قلوبهم ، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب ، ولا تفرق بين الحرام والحلال .

وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم .فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر الله - تعالى - بشدة ومداومة .

.

.

ونهتهم عن التشبه بأهل الكتاب فى عدم الخشوع وفى قسوة القلوب ، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ يَأْنِ ) من أنى الأمر إذا جاء أناه أى : وقته .

.

والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب فى قسوة القلوب ، وذلك أن بنى إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا روقت قلبوهم ، فلما طال عليهم الزمان ، غلبهم الجفاء والقسوة ، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره .فإن قلت : ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق؟

قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن ، لأنه جامع للأمرين : الذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء .وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله .

وإذا تلى القرآن ، كقوله - تعالى - : ( إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ) والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر الله ، والاسترسال فى الشهوات كل ذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وإلى الفسوق عن أمر الله - تعالى - .ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، تحض على الإكثار من ذكر الله - تعالى - قال - سبحانه - : ( والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) وفى الحديث الشريف : يقول - صلى الله عليه وسلم - : " لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم فيمن عنده " .ولقد كان سماع الآية الكريمة ، بتدبر وتفكر وخشوع ، على رأس الأسباب التى أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا .فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلا لارتكاب ما نهى الله عنه ، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية ، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول : بلى والله قد آن أوان الخشوع لذكر الله .اللهم إنى تبت إليك ، وجعلت توبتى إليك جوار بيتك الحرام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ الحسن: (ألما يأن)، قال ابن جني: أصل لما لم، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل، ولما نفي لقوله قد يفعل، وذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفاً، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي وقت قيامك قام زيد، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها، فيجوز أن تقول: جئت ولما، أي ولما يجيء، ولا يجوز أن يقول: جئت ولم.

وأما الذين قرأوا: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا جاء إناء أتاه أي وقته.

وقرئ: (ألم يئن)، من أن يئين بمعنى أنى يأني.

المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ﴾ فقال بعضهم: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمناً في الحقيقة إلا مع خشوع القلب، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن، وقال آخرون: بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة، لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية، وقد لا يكون كذلك، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها: لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة، فحثوا عليه بهذه الآية.

وثانيها: لعل قوماً كان فيهم خشوع كثير، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها، عن الأعمش قال: إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر: أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب، وأما قوله: ﴿ لِذِكْرِ الله ﴾ ففيه قولان: الأول: أن تقدير الآية، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني: أن الذكر مضاف إلى المفعول، والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزل من الحق، ثم قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ﴾ يعني القرآن.

المسألة الثانية: قال أبو علي: قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم، ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ﴾ خفيفة، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم، ﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ ، مشددة، وعن أبي عمرو ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ﴾ مرتفعة النون مكسورة الزاي، والتقدير في القراءة الأولى: أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق، وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق.

المسألة الثالثة: يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقاً، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله، ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ ﴾ قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم، وأن لا يكونوا، قال: ولو كان جزماً على النهي كان صواباً، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات، ثم قال: ﴿ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ ﴾ يريد اليهود والنصارى: ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير طول الأمد وجوهاً أحدها: طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم.

وثانيها: قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله.

وثالثها: طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب.

ورابعها: قال: ابن حبان: الأمد هاهنا الأمل البعيد، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم.

وخامسها: قال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام.

وسادسها: طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك، قاله القرظي.

المسألة الثانية: قرئ (الأمد) بالتشديد، أي الوقت الأطول، ثم قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ من أنى الأمر يأني، إذا جاء إناه، أي: وقته.

وقرئ: ﴿ ألم يئن ﴾ من آن يئين بمعنى: أنى يأنى، وألما يأن، قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبتا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن.

وعن الحسن رضي الله عنه: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون.

فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق.

وعن أبي بكر رضي الله عنه أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاءً شديداً، فنظر إليهم فقال هكذا كنا حتى قست القلوب.

وقرئ: ﴿ نزّل ونزل ﴾ وأنزل ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ ﴾ عطف على تخشع، وقرئ بالتاء على الالتفات، ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أنّ بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره.

فإن قلت: ما معنى: ﴿ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق ﴾ ؟

قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق: القرآن؛ لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى: ﴿ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زادتهم إيماناً ﴾ [الأنفال: 2] أراد بالأمد: الأجل، كقوله: ......

إذَا انْتَهَى أَمَدُهْ وقرئ: ﴿ الأمدّ ﴾ ، أي: الوقت الأطول ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ألَمْ يَأْتِ وقْتُهُ يُقالُ: أنى الأمْرُ يَأْنِي أنْيًا وأنًا وإنًا إذا جاءَ إناهُ، وقُرِئَ «ألِمْ يَئِنْ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ مِن آنَ يَئِينُ بِمَعْنى أتى و «ألَمّا يَأْنِ».

رُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ فَلَمّا هاجَرُوا أصابُوا الرِّزْقَ والنِّعْمَةَ فَفَتَرُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.

﴿ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ أيِ القُرْآنِ وهو عَطْفٌ عَلى الذِّكْرِ عَطْفُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ نَزَلَ بِالتَّخْفِيفِ.

وقُرِئَ «أنْزَلَ».

﴿ وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ ﴾ عَطْفٌ عَلى تَخْشَعَ، وقَرَأ رُوَيْسٌ بِالتّاءِ والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ فِيما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأجَلُ لِطُولِ أعْمارِهِمْ وآمالِهِمْ، أوْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ فَقَسَتْ قُلُوبُهم.

وقُرِئَ «الأمَدُّ» وهو الوَقْتُ الأطْوَلُ.

﴿ وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ مِن فَرْطِ القَسْوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَأْنِ} من أنى الأمر يأنى إذا جاءه انها أي وقته قيل كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت وعن مسعود رضي الله عنه ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية الا اربع سنين وعن ابي بكر رضي الله عنه إن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اهل اليمامية فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال هكذا كنا حتى قست القلوب {للذين آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ من الحق} القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء {وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ} القراءة بالياء عطف على تَخْشَعَ وبالتاء ورش على الالتفات ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا ذلك بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة

والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا احدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد} الأجل والزمان {فقست قلوبهم}

{وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات}

باتباع الشهوات وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ {فاسقون} خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين أي وقليل منهم مؤمنون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ يَأْنِ ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَأْنِ ﴾ الآيَةَ، وفي خَبَرِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ.

وأخْرَجَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ فَسَحَبَ رِداءَهُ مُحْمَرًّا وجْهُهُ فَقالَ: أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكم وقَدْ نَزَلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ﴾ إلَخْ ؟

قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ ؟

قالَ: تَبْكُونَ بِقَدْرِ ما ضَحِكْتُمْ،» وفي الخَبَرِ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمُ المِزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ ومَن مَعَهُ السّابِقُ مُقَدَّمٌ عَلى هَذِهِ الآثارِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ أهْلِ الحَدِيثِ، ( ويَأْنِ ) مُضارِعُ أنى الأمْرُ أنْيًا وأناءً وإناءً بِالكَسْرِ إذا جاءَ أناهُ أيْ وقْتُهُ، أيْ ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ - ألَمّا - بِالهَمْزَةِ، ولَمّا النّافِيَةِ الجازِمَةِ كَلَمْ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ يَئِنْ مُضارِعُ آنَ أيْنًا بِمَعْنى أنِيَ السّابِقِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ يَئِينُ أيْنًا الهَمْزَةُ مَقْلُوبَةٌ فِيهِ عَنِ الحاءِ وأصْلُهُ حانَ يَحِينُ حِينًا وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحِينِ ﴿ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ أيِ القُرْآنِ وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادُ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ نَحْوَ: هو المَلِكُ القَرِمُ وابْنُ الهُمامِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا بِأنْ كانَ المُرادُ بِهِ تَذْكِيرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فالعَطْفُ لِتَغايُرِ الذّاتَيْنِ عَلى ما هو الشّائِعُ في العَطْفِ وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إذا أُرِيدَ بِالذِّكْرِ التَّذْكِيرُ وهو كَما تَرى، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الذِّكْرُ عَلى القُرْآنِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ عَلى نُزُولِ السَّكِينَةِ مَعَهُ أيِ الوارِداتُ الإلَهِيَّةُ ويُعَضِّدُهُ ما رَوَيْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ عَنِ البَراءِ «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَغَشِيَتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنْزِلُ لِلْقُرْآنِ».

وفِي رِوايَةٍ «اقْرَأْ فُلانُ فَإنَّها السَّكِينَةُ تَنْزِلُ عِنْدَ القُرْآنِ ولِلْقُرْآنِ» انْتَهى، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ جِدًّا ولَعَلَّكَ تَخْتارُ حَمْلَ الذِّكْرِ وما نَزَلَ عَلى القُرْآنِ لِما يُحِسُّ مِمّا بَعْدُ مِن نَوْعِ تَأْيِيدٍ لَهُ، وفَسَّرَ الخُشُوعَ لِلْقُرْآنِ بِالِانْقِيادِ التّامِّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ والعُكُوفِ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ كَوْنَ اللّامِ صِلَةَ الخُشُوعِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ عَلى أوْجُهِ الذِّكْرِ فالمَعْنى ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ الحَقِّ النّازِلِ فَيُسارِعُوا إلى الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ وُجُوهِها، وفي الآيَةِ حَضٌّ عَلى الخُشُوعِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ إذا تَلاها بَكى ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ، وعَنِ الحَسَنِ أما واللَّهِ لَقَدِ اسْتَبْطَأهم وهم يَقْرَؤُونَ مِنَ القُرْآنِ أقَلَّ مِمّا تَقْرَءُونَ فانْظُرُوا في طُولِ ما قَرَأْتُمْ وما ظَهَرَ فِيكم مِنَ الفِسْقِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ قالَ بَيْنا أنا في بَعْضِ طُرُقاتِ البَصْرَةِ إذْ سَمِعْتُ صَعْقَةً فَأقْبَلْتُ نَحْوَها فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدْ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟

فَقالُوا: كانَ رَجُلًا حاضِرَ القَلْبِ فَسَمِعَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: ما هي ؟

فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فَأفاقَ الرَّجُلُ عِنْدَ سَماعِ كَلامِنا فَأنْشَأ يَقُولُ: أما آنَ لِلْهِجْرانِ أنْ يَتَصَرَّما ولِلْغُصْنِ غُصْنِ البانِ أنْ يَتَبَسَّما ولِلْعاشِقِ الصَّبِّ الَّذِي ذابَ وانْحَنى ∗∗∗ ألَمْ يَأْنِ أنْ يُبْكى عَلَيْهِ ويُرْحَما كَتَبْتُ بِماءِ الشَّوْقِ بَيْنَ جَوانِحِي ∗∗∗ كِتابًا حَكى نَقْشَ الوَشْيِ المُنَمْنَما ثُمَّ قالَ: إشْكالٌ إشْكالٌ إشْكالٌ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَرَّكْناهُ فَإذا هو مَيِّتٌ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، ولَعَلَّهُ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الطِّرازَ الأوَّلَ كانَ كَذَلِكَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ولَمْ يَتَأسَّوْا بِالسّابِقِينَ وغَرَضُهُ مَدْحُ أُولَئِكَ القَوْمِ بِما كانَ هو ونُظَراؤُهُ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ ما هو الظّاهِرُ، والكَلامُ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ كَقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكم، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَعْناهُ تَصَلَّبَتْ وأدْمَنَتْ سَماعَ القُرْآنِ وألِفَتْ أنْوارَهُ فَما تَسْتَغْرِبُهُ حَتّى تَتَغَيَّرَ كَما تَغَيَّرَ هَؤُلاءِ السّامِعُونَ انْتَهى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وفِيهِ نَوْعُ انْتِقاصٍ لِلْقَوْمِ ورَمْزٌ إلى أنَّ البُكاءَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ لا يَكُونُ مِن كامِلٍ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ النُّورانِيَّةِ ويَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كَلامُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «وما نَزَّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرو في رِوايَةِ يُونُسَ وعَبّاسٌ عَنْهُ «نُزِّلَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، وعَبْدُ اللَّهِ - أنْزَلَ - بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

﴿ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ ﴾ لا نافِيَةٌ وما بَعْدَها مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى تَخْشَعَ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وما بَعْدَها مَجْزُومٌ بِها ويَكُونُ ذَلِكَ انْتِقالًا إلى نَهْيِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ أنْ عُوتِبُوا بِما سَمِعْتَ وعَلى النَّفْيِ هو في المَعْنى نَهْيٌ أيْضًا، وقَرَأ أبُو بَحْرِيَّةَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وعَنْ شَيْبَةَ ويَعْقُوبَ وحَمْزَةَ في رِوايَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ «ولا تَكُونُوا» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وفي لا ما تَقَدَّمَ، والنَّهْيُ مَعَ الخِطابِ أظْهَرُ مِنهُ مَعَ الغَيْبَةِ.

﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ﴾ أيِ الأجَلُ بِطُولِ أعْمارِهِمْ وآمالِهِمْ، أوْ طالَ أمَدُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبُعْدُ العَهْدِ بِهِمْ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ القِيامَةِ والجَزاءِ، وقِيلَ: أمَدُ انْتِظارِ الفَتْحِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الأمَدِ والزَّمانِ بِأنَّ الأمَدَ يُقالُ الغايَةُ والزَّمانُ عامٌّ مِنَ المَبْدَأِ والغايَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ( الأمَدُّ ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ صَلُبَتْ فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴿ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، قِيلَ: مِن فَرْطِ القَسْوَةِ وذُكِرَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ حالٌ، وفِيهِ خَفاءٌ والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ السِّياقِ، والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ فالمَوْصُولُ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى وكانُوا كُلُّهم في أوائِلِ أمْرِهِمْ يَحُولُ الحَقُّ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ تَعالى ورَقَّتْ قُلُوبُهم فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ والقَسْوَةُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانُوا يَجِدُونَها عِنْدَ سَماعِ الكِتابَيْنِ وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا واتَّبَعُوا الأهْواءَ وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، والقَسْوَةُ مَبْدَأُ الشُّرُورِ وتَنْشَأُ مِن طُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَتَقْسُو قُلُوبُكم فَإنَّ القَلْبَ القاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَنْظُرُوا إلى ذُنُوبِ العِبادِ كَأنَّكم أرْبابٌ وانْظُرُوا في ذُنُوبِكم كَأنَّكم عِبادٌ والنّاسُ رَجُلانِ مُبْتَلًى ومُعافى فارْحَمُوا أهْلَ البَلاءِ واحْمَدُوا عَلى العافِيَةِ ومَن أحَسَّ بِقَسْوَةٍ في قَلْبِهِ فَلْيَهْرَعْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلاوَةِ كِتابِهِ يَرْجِعْ إلَيْهِ حالُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ فَهو تَمْثِيلٌ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم.

يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله  ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله.

فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب.

فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام.

قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف.

والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.

ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ  فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.

ويقال: خروج النبي  فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون.

ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم.

وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق.

قيل: وما خشوع النفاق؟

قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.

قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.

قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ  .

ومن قرأ: بالتشديد.

يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.

وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل.

يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق.

وقال ابن عباس  : فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.

ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم.

يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول.

يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.

ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم.

قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.

ثم وصف حال الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى أَلَمْ يَأْنِ: ألم يَحِنْ يقال: أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية «١» ، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع:

الإخبات والتضامن/ وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أوس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ» «٢» .

وقوله تعالى: لِذِكْرِ اللَّهِ أي: لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: أُوتُوا الْكِتابَ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى ع ولذلك قال: مِنْ قَبْلُ وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ [بأهل عصر نبيٍّ] .

وقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قيل: معناه: أَمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة، قال الفخر «٣» : وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ...

الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، والْمُصَّدِّقِينَ: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين.

ت: وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً» «١» وفي «الموطأ» عنه صلّى الله عليه وسلّم/ «رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ» «٢» قال ابن عبد البر في «التمهيد» : ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] : أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ- رضي اللَّه عنها- بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت: لا تَعْجَبْنَ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طيّبة» «٣» وإذا كان الله عز وجل يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ- فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه!

وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدّث

أَنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثه: أنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» «١» قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بصلة أو كذا، انتهى، والصِّدِّيقُونَ: بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزَّجَّاج «٢» .

وقوله تعالى: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ: اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة:

وَالشُّهَداءُ: معطوف على: الصِّدِّيقُونَ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد/ قاله مجاهد «٣» ، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية «٤» وإنّما خصّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها: الشُّهَداءُ هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال: هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك «٥» : الكلام تامٌّ في قوله: الصِّدِّيقُونَ، وقوله: وَالشُّهَداءُ: ابتداءٌ مستأنف،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا، وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، فَجَعَلَ المُؤْمِنُونَ يُعاتِبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والثّانِي:، أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَألَ المُنافِقُونَ سَلْمانَ الفارِسِيَّ فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنِ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها العَجائِبَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَثُّوا عَلى الرِّقَّةِ والخُشُوعِ.

فَأمّا مَن كانَ وصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالخُشُوعِ، والرِّقَّةِ، فَطَبَقَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَوْقَ هَؤُلاءِ.

فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً.

وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى: ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ألَمْ يَحِنْ، تَقُولُ: أنى الشَّيْءُ: إذا حانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ: تَرِقَّ وتَلِينَ لِذِكْرِ اللَّهِ.

المَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا ﴿ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "وَما نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ، والزّايِ، مَعَ تَشْدِيدِ الزّايِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ "نُزِّلَ" بِرَفْعِ النُّونِ، وكَسْرِ الزّايِ، مَعَ تَشْدِيدِها.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ "وَما أنْزَلَ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وفَتْحِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وكَسْرِ الزّايِ.

و"الحَقِّ" القُرْآنُ "وَلا يَكُونُوا" قَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لا تَكُونُوا" بِالتّاءِ ﴿ كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ، والنَّصارى ﴿ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ﴾ وهُوَ: الزَّمانُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمَدُ: الغايَةُ.

والمَعْنى: أنَّهُ بَعُدَ عَهْدُهم بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ أيْ: يُخْرِجُ مِنها النَّباتَ بَعْدَ يُبْسِها، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَتَأمَّلُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ﴾ اسْتِمْرارٌ في مُخاطَبَةِ المُنافِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَدِيثٌ.

وهُوَ: «أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ الكافِرَ فَيَقُولُ لَهُ: "أرَأيْتُكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافَ الدُنْيا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النارِ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في صُلْبِ أبِيكَ آدَمَ، لا تُشْرِكُ بِي، فَأبَيْتَ إلّا الشِرْكَ،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "يُؤْخَذُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: "تُؤْخَذُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ هُشامٍ عنهُ.

وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "هِيَ مَوْلاكُمْ"، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: هي أولى بِكُمْ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِأنَّها مِن حَيْثُ تَضُمُّهم وتُباشِرُهم هي تُوالِيهِمْ وتَكُونُ لَهم مَكانَ المَوْلى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ..............

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَأْنِ" الآيَةُ ابْتِداءٌ مَعْنًى مُسْتَأْنِفٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كَثُرَ الضَحِكُ والمُزاحُ في بَعْضِ تِلْكَ المُدَّةِ في قَوْمٍ مِن شُبّانِ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَلَّ الصَحابَةُ مِلَّةً فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

ومَعْنى "ألَمْ يَأْنِ" ألَمْ يَحِنْ، يُقالُ: أنَّ الشَيْءَ يَأْنِي إذا حانَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اَلَمّا يَأْنِ" ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "ألَمْ يَئِنْ"، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى مَعْنى الحَضِّ والتَقْرِيعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: عُوتِبَ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وسَمِعَ الفَضْلُ بْنُ مُوسى قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ والفَضْلُ يُحاوِلُ مَعْصِيَةً فَكانَتِ الآيَةُ سَبَبَ تَوْبَتِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ في صِباهُ حَرَّكَ العُودَ لِيَضْرِبَهُ فَإذا بِهِ قَدْ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَتابَ ابْنُ المُبارَكِ وكَسَرَ العُودَ وجاءَهُ التَوْفِيقُ.

و"الخُشُوعُ": الإخْباتُ والتَطامُنُ، وهي هَيْئَةٌ تَظْهَرُ في الجَوارِحِ مَتى كانَتْ في القَلْبِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ تَعالى القَلْبَ بِالذِكْرِ، ورَوى شَدّادُ بْنُ أوسٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ الناسِ الخُشُوعُ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: "لَذِكْرُ اللهِ" أيْ: لِأجْلِ ذِكْرِ اللهِ ووَحْيِهِ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِأجْلِ تَذْكِيرِ اللهِ إيّاهم وأمْرِهِ فِيهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "وَما نَزَلَ" مُخَفَّفَ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَما نَزَّلَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ، عَلى مَعْنى: نَزَّلَ اللهُ مِنَ الحَقِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عِياشٍ- وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، وابْنِ القَعْقاعِ: "وَما نُزِّلَ" بِكَسْرِ الزايِ وشَدِّها.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "وَلا يَكُونُوا" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ -فِيما رَوى عنهُ سُلَيْمٌ- "وَلا تَكُونُوا" عَلى مُخاطَبَةِ الحُضُورِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلى بَنِي إسْرائِيلَ المُعاصِرِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وذَلِكَ قالَ: "مِن قَبْلُ"، وإنَّما شَبَّهَ أهْلَ عَصْرِ نَبِيٍّ بِأهْلِ عَصْرِ نَبِيٍّ آخَرَ.

و"الأمَدُ" قِيلَ: مَعْناهُ انْتِظارُ الفَتْحِ، وقِيلَ: انْتِظارُ القِيامَةِ، وقِيلَ: أمَدُ الحَياةِ، و"قَسَتْ" مَعْناهُ: صَلُبَتْ وقَلَّ خَيْرُها وانْفِعالُها لِلطّاعاتِ وسَكَنَتْ إلى مَعاصِي اللهِ تَعالى فَفَعَلُوا مِنَ العِصْيانِ والمُخالَفَةِ ما هو مَأْثُورٌ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَدَبُوا إلى الخُشُوعِ، وهَذا ضَرْبُ مَثَلٍ واسْتِدْعاءٌ إلى الخَيْرِ بِرِفْقٍ وتَقْرِيبٍ بَلِيغٍ، أيْ: لا يَبْعُدُ عنكم أيُّها التارِكُونَ لِلْخُشُوعِ رُجُوعُكم إلَيْهِ وتَلَبُّسِكم بِهِ، فَإنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالقُلُوبِ، ويَرُدُّها إلى الخُشُوعِ بَعْدَ بُعْدِها عنهُ، وتَرْجِعُ هي إلَيْهِ إذا وقَعَتِ الإنابَةُ والتَكَسُّبُ مِنَ العَبْدِ بَعْدَ نُفُورِها مِنهُ كَما يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَيِّتَةً غَبْراءَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد علم من صدر تفسير هذه السورة أن هذه الآية نزلت بمكة سنة أربع أو خمس من البعثة رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلى ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ إلا أرْبَعُ سنين.

والمقصود من ﴿ الذين آمنوا ﴾ : إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذٍ بمكة فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في التعريض مثل قوله: " ما بال أقوام يفعلون كذا " وقوله تعالى: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران: 154].

وليس ما قاله ابن مسعود مقتضياً أن مثله من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية ولكنه يخشى أن يكون منهم حذراً وحيطة.

فالمراد ب ﴿ الذين آمنوا ﴾ المؤمنون حقاً لا من يُظهرون الإيمان من المنافقين إذ لم يكن في المسلمين بمكة منافقون ولا كان دَاع إلى نِفاق بعضهم.

وعن ابن مسعود «لما نزلت جعل بَعضنا ينظر إلى بعض ونَقول: ما أحدثْنا».

وإما أن يكون تحريضاً للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذرِ من التقصير.

والهمزة في ﴿ ألم يأن ﴾ للاستفهام وهو استفهام مستعمل في الإنكار، أي إنكار نفي اقتراب وقت فاعل الفعل.

ويجوز أن يكون الاستفهام للتقرير على النفي، وفعل ﴿ يأن ﴾ مشتق من اسم جامد وهو الإِنَى بفتح الهمزة وكسرها، أي الوقت قال تعالى: ﴿ غير ناظرين إناه ﴾ [الأحزاب: 53].

وقريب من قوله: ﴿ ألم يأن ﴾ قولهم: أما آن لك أن تفعل، مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم له " أَمَا آنَ لك يا ابنَ الخطاب أن تُسلم " وفي خبر إسلام أبي ذر من أن علي بن أبي طالب وجده في المسجد الحرام وأراد أن يُضيفه وقال له: «أما آن للرجل أن يعرِف منزله» يريد: أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله.

وهذا تلطف في عرض الاستضافة، إلا أن فعل ﴿ يأن ﴾ مشتق من الإِنى وهو فعل منقوص آخره ألف.

وفعل: آن مشتق من الأَين وهو الحين وهو فعل أجوف آخره نون.

فأصل: أنى أَنِيَ وأصل آنَ: آوِن وآل معنى الكلمتين واحد.

واللام للعلة، أي ألم يأن لأجل الذين آمنوا الخشُوع، أي ألم يحقَّ حضوره لأجْلهم.

و ﴿ أن تخشع ﴾ فاعل ﴿ يأن ﴾ ، والخشوع: الاستكانة والتذلل.

و ﴿ ذِكْر الله ﴾ ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم أو هو الصلاة.

و ﴿ ما نزل من الحق ﴾ القرآن، قال تعالى: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ [الأنفال: 2].

ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفاً له بأنه ذكر الله وتعريفاً لنفعه بأنه نزل من عند الله، وأنه الحق، فيكون قوله: ﴿ وما نزل من الحق ﴾ عطف وصف آخر للقرآن مثل قول الشاعر أنشده في «الكشاف»: إلى الملك القِرْم وابن الهمّام...

البيت *** واللام في ﴿ لذكر الله ﴾ لام العلة، أي لأجل ذكر الله.

ومعنى الخشوع لأجله: الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال.

وقرأ نافع وحفص عن عاصم ﴿ وما نزل ﴾ بتخفيف الزاي.

وقرأه الباقون بتشديد الزاي على أن فاعل ﴿ نزل ﴾ معلوم من المقام، أي الله.

و ﴿ لا يكونوا ﴾ قرأه الجمهور بياء الغائب.

وقرأه رويس عن يعقوب ﴿ ولا تكونوا ﴾ بتاء الخطاب.

و ﴿ لا ﴾ نافية على قراءة الجمهور والفعل معمول ل «أنْ» المصدرية التي ذكرت قبله، والتقدير: ألم يأن لهم أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب.

وعلى قراءة رويس عن يعقوب فتاء الخطاب الالتفات و(لا) نافية، والفعل منصوب بالعطف كقراءة الجمهور، أو (لا) ناهية والفعل مجزوم والعطف من عطف الجُمل.

والمقصود التحذير لا أنهم تلبسوا بذلك ولم يأن لهم الاقلاع عنه.

والتحذير مُنْصَبٌّ إلى ما حدث لأهل الكتاب من قسوة القلوب بعد طول الأمد عليهم في مزاولة دينهم، أي فليحذر الذين آمنوا من أن يكونوا مثلهم على حدثان عهدهم بالدين.

وليس المقصود عذر الذين أوتوا الكتاب بطول الأمد عليهم لأن طول الأمد لا يكون سبباً في التفريط فيما طال فيه الأمدُ بل الأمر بالعكس ولا قصدُ تهوين حصوله للذين آمنوا بعد أن يطول الأمد لأن ذلك لا يتعلق به الغرض قبل طول الأمد، وإنما المقصود النهي عن التشبه بالذين أوتوا الكتاب في عدم خشوع قلوبهم ولكنه يفيد تحذير المؤمنين بعد أن يطول الزمان من أن يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب.

ويستتبع ذلك الأنباءَ بأن مدة المسلمين تطول قريباً أو أكثر من مدة أهل الكتاب الذين كانوا قبل البعثة، فإن القرآن موعظة للعصور والأجيال.

ويجوز أن تجعل (لا) حرف نهي وتعلق النهي بالغائب التفاتاً أو المراد: أَبْلِغْهم أن لا يكونوا.

وفاء ﴿ فطال عليهم الأمد ﴾ لتفريع طول الأمد على قسوة القلوب من عدم الخشوع، فهذا التفريع خارج عن التشبيه الذي في قوله: ﴿ كالذين أوتوا الكتاب من قبل ﴾ ، ولكنه تنبيه على عاقبة ذلك التشبيه تحذيراً من أن يصيبهم مثل ما أصاب الذين أوتوا الكتاب من قبل.

والأمد: الغاية من مكان أو زمان والمراد به هنا: المدة التي أوصوا بأن يحافظوا على اتباع شرائعهم فيها المغيَّاةُ بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم المبشر في الشرائع ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبييئن لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ [آل عمران: 81].

والمعنى: أنهم نَسُوا ما أوصوا به فخالفوا أحكام شرائعهم ولم يخافوا عقاب الله يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً، وصار ديدناً لهم رويداً رويداً حتى ضرئوا بذلك، فقست قلوبهم، أي تمردت على الاجتراء على تغيير أحكام الدين.

وجملة ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ اعتراض في آخر الكلام.

والمعنى: أن كثيراً منهم تجاوزوا ذلك الحَدَّ من قسوة القلوب فنبذوا دينهم وبدلوا كتابهم وحرفوه وأفسدوا عقائدهم فبلغوا حدّ الكفر.

فالفسق هنا مراد به الكفر كقوله تعالى: ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثرهم فاسقون ﴾ [المائدة: 59]، أي غير مؤمنين بدليل المقابلة بقوله: ﴿ آمنا بالله ﴾ إلى آخره.

وبين قوله: ﴿ فقست ﴾ وقوله: ﴿ فاسقون ﴾ محسّن الجناس.

وهذا النوع فيه مركب مما يسمى جناس القلب وما يسمى الجناس الناقص وقد اجتمعا في هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ  ، قالَهُ ابْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: في المُنافِقِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وكَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها في المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ أبُو حازِمٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ بَيْنَ أنْ أسْلَمْنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، فَجَعَلَ يَنْظَرُ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ ويَقُولُ ما أحْدَثْنا.

قالَ الحَسَنُ: يَسْتَبْطِئُهم وهم أحَبُّ خَلْقِهِ إلَيْهِ.

الثّانِي: ما رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقالَ تَعالى ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

الثّالِثُ: ما رَواهُ المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: «مَلَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  مَرَّةً فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ ثُمَّ مَلُّوا مَرَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ » قالَ شَدّادُ بْنُ أوْسٍ: كانَ يُرْوى لَنا عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ)» .

وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ ألَمْ يَأْنِ ﴾ ألَمْ يَحِنْ، قالَ الشّاعِرُ ألَمْ يَأْنِ لِي يا قَلْبُ أنْ أتْرُكَ الجَهْلا وأنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُبِينُ لَنا عَقْلًا وَفِي ﴿ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ تَلِينَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنْ تَذَلَّ قُلُوبُهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنْ تَجْزَعَ قُلُوبُهم مِن خَوْفِ اللَّهِ.

وَفي ذِكْرِ اللَّهِ هاهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ما أنْزَلَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.

﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُلَيِّنُ القُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِها، قالَهُ صالِحٌ المُرِّيُّ.

الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنَّهُ يُصْلِحُ الفَسادَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِإحْياءِ المَوْتى.

رَوى وكِيعٌ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؟

فَقالَ: (يا أبا رَزِينَ أما مَرَرْتَ بِوادٍ مُمَحَّلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خُضْرَةً؟

قالَ: بَلى، قالَ كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ألمايان للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟

قال: تبكون قدر ما ضحكتم» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴾ يقول: ألم يحن للذين آمنوا.

وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ قال: تليين القلوب بعد قسوتها.

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلا أربع سنين.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟

أي شيء صنعنا؟.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت ﴿ ألم يأن للذين أمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت» .

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟

فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن.

قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأمد ﴾ قال: الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان (١) ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ الآية (٢) (٣) وقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي -  - ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية (٤) قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين (٥) وقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي -  -: "إن الله يستبطئكم بالخشوع" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا.

(٦) قال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي "لذكر الله" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر.

قال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء (٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله (٨) (٩) قال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك (١٠) قال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله عز وجل فهو معلوم أن الله عز وجل أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ (١١) قال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ يعني القرآن (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَكُونُوا ﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا.

قال: ولو كان جزماً على النهي كان صوابًا (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو قول مجاهد (١٥) والمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى (١٦) (١٧) ويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم.

وقال ابن حيان: الأمد (١٨) (١٩) (٢٠) وقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي -  - فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث (٢١)  - والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب (٢٢) قوله تعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد -  - هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين (٢٣) وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين (٢٤) ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي باللسان في العلانية.

قال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون (٢٥) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 125، و"اللسان" 1/ 122 (أني).

(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 276، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 89، وابن المنذر، و"الدر" 6/ 175.

(٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 أ - ب.

(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".

انظر: "الدر" 6/ 175، و"فتح القدير" 5/ 174.

(٥) أخرجه مسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 121، و"تفسير القرآن العظيم " 4/ 31.

(٦) ذكره القرطبي في "تفسيره" بدون سند، وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 165 أعن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وأورده ابن المبارك في "الزهد" ص 89 عنه.

(٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"لباب التأويل" 7/ 35، و"الوسيط" 4/ 25.

(٨) في (ك): (نزل).

(٩) قرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ نافع والمفضل وحفص عن عاصم بتخفيفها.

انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.

(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 359.

(١١) من الآية (105) من سورة الإسراء.

وانظر: المراجع السابقة.

قال النحاس: وليس يقع في هذا اختيار، ولو جاز أن يقال الذي مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل؛ لأن مثله ﴿ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ولم يقل: لتذكير الله.

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"فتح القدير" 5/ 172.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.

(١٤) وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق، ورويس، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وغيرهم.== انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249، و"البحر المحيط" 8/ 223، و"روح المعاني" 27/ 181.

(١٥) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"الوسيط" 4/ 255، و"معالم التنزيل" 4/ 297.

(١٦) انظر: "الوسيط" 4/ 250، و"لباب التأويل" 7/ 35.

(١٧) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 229، و"فتح القدير" 5/ 173.

(١٨) في (ك): (الأحد) والتصويب من "التفسير الكبير".

(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 230.

(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.

(٢١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 ب، و"الوسيط" 4/ 250، و"التفسير الكبير" 29/ 23.

(٢٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 132، و"الكشف والبيان" 13/ 66 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 31.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 64 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 297، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249.

(٢٤) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.

(٢٥) المرجع السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ﴾ معنى ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ : ألم يَحِنْ.

يقال: أنى الأمر إذا حان وقته، وذكر الله يحتمل أن يريد به القرآن أو الذكر، أو التذكير بالمواعظ وهذه أية موعظة وتذكير قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاثة عشر سنة من نزول القرآن، وسمع الفضيل بن عياض قارئاً يقرأ هذه الآية فقال: قد آن فكان سبب رجوعه إلى الله.

وحكي أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية فكسره ابن المبارك، وتاب إلى الله ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ ﴾ عَطَفَ ولا يكون أن تخشع ويحتمل أن يكون نهياً، والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد ﴾ أي مدة الحياة وقيل: انتظار القيامة، وقيل: انتظار الفتح والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله  ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.

ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله  الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله  المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.

ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله  قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية.

أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.

وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله  حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله  والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله  ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.

أو يقول: قد علمتم أن الله  هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.

أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله  يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله  .

أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله  أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب -  - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).

ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.

وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله  وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله  وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.

فإن قيل: إن أبابكر -  - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟

قيل: إن أبا بكر -  - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.

ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.

وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.

من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله  : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.

ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.

ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله  إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم يَحِنْ للذين آمنوا بالله ورسوله أن تلين قلوبهم وتطمئنّ لذكر الله سبحانه، وما نزل من القرآن من وعد أو وعيد، ولا يكونوا مثل الذين أُعطوا التوراة من اليهود، والذين أُعطوا الإنجيل من النصارى، في قسوة القلوب، فطال الزمن بينهم وبين بعثة أنبيائهم فقست بسبب ذلك قلوبهم، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله إلى معصيته؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.k1gnd"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله