الآية ٢١ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٢١ من سورة الملك

أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُۥ ۚ بَل لَّجُّوا۟ فِى عُتُوٍّۢ وَنُفُورٍ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) ؟

!

أي : من هذا الذي إذا قطع الله رزقه عنكم يرزقكم بعده ؟

!

أي : لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق ، وينصر إلا الله ، عز وجل ، وحده لا شريك له ، أي : وهم يعلمون ذلك ، ومع هذا يعبدون غيره ; ولهذا قال : ( بل لجوا ) أي : استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ) في عتو ونفور ) أي : معاندة ، واستكبارا ، ونفورا على أدبارهم عن الحق ، أي لا يسمعون له ولا يتبعونه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ (20) يقول تعالى ذكره: للمشركين به من قريش: من هذا الذي هو جند لكم أيها الكافرون به، ينصركم من دون الرحمن إن أراد بكم سوءا، فيدفع عنكم ما أراد بكم من ذلك (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ ) يقول تعالى ذكره: ما الكافرون بالله إلا في غرور من ظنهم أن آلهتهم تقرّبهم إلى الله زلفى، وأنها تنفع أو تضر.

القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ (21) يقول تعالى ذكره: أم من هذا الذي يطعمكم ويسقيكم، ويأتي بأقواتكم إن أمسك بكم رزقه الذي يرزقه عنكم.

وقوله: (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) يقول: بل تمادوا في طغيان ونفور عن الحقّ واستكبار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) يقول: في ضلال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) قال: كفور.

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ (22)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم من هذا الذي يرزقكم أي يعطيكم منافع الدنيا .

وقيل المطر من [ ص: 202 ] آلهتكم .إن أمسك - يعني الله تعالى - رزقه .بل لجوا أي تمادوا وأصروا .في عتو طغيانونفور عن الحق

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } أي: الرزق كله من الله، فلو أمسك عنكم رزقه، فمن الذي يرسله لكم؟

فإن الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم، فكيف بغيرهم؟

فالرزاق المنعم، الذي لا يصيب العباد نعمة إلا منه، هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، ولكن الكافرون { لَجُّوا } أي: استمروا { فِي عُتُوٍّ } أي: قسوة وعدم لين للحق { وَنُفُورٍ } أي: شرود عن الحق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) أي من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله [ عنكم ] ( بل لجوا في عتو ) تماد في الضلال ( ونفور ) تباعد من الحق .

وقال مجاهد : كفور .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أمَّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك» الرحمن «رزقه» أي المطر عنكم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم، أي لا رازق لكم غيره «بل لجوا» تمادوا «في عتو» تكبر «ونفور» تباعد عن الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أغَفَل هؤلاء الكافرون، ولم ينظروا إلى الطير فوقهم، باسطات أجنحتها عند طيرانها في الهواء، ويضممنها إلى جُنوبها أحيانًا؟

ما يحفظها من الوقوع عند ذلك إلا الرحمن.

إنه بكل شيء بصير لا يُرى في خلقه نقص ولا تفاوت.

بل مَن هذا الذي هو في زعمكم- أيها الكافرون- حزب لكم ينصركم من غير الرحمن، إن أراد بكم سوءًا؟

ما الكافرون في زعمهم هذا إلا في خداع وضلال من الشيطان.

بل مَن هذا الرازق المزعوم الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه ومنعه عنكم؟

بل استمر الكافرون في طغيانهم وضلالهم في معاندة واستكبار ونفور عن الحق، لا يسمعون له، ولا يتبعونه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : بل أخبرونى من هذا الذى يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم الرزق والخير ، إذا أمسك الله - تعالى - عنكم ذلك ، أو منع عنكم الأسباب التى تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام حياتكم ، كمنع نزول المطر إليكم ، وكإهلاك الزروع والثمار التى تنبتها الأرض .

.إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى الله - تعالى - .وقوله : ( بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) جملة مستأنفة جواب لسؤال تقديره : فهل انتفع المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا ، بل ( لجوا ) أى تمادوا فى اللجاج والجدال بالباطلو ( فِي عُتُوٍّ ) أى : وفى استكبار وطغيان ، وفى ( وَنُفُورٍ ) أى : شرود وتباعد عن الطريق المستقيم .أى : أنهم ساروا فى طريق أهوائهم حتى النهاية ، دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ أو مرشد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما الثاني فهو قوله: ﴿ أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ .

والمعنى: من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم، وهذا أيضاً مما لا ينكره ذو عقل، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى: ﴿ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّ وَنُفُورٍ ﴾ والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق، في عتو أي في تمرد وتكبر ونفور، أي تباعد عن الحق وإعراض عنه فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا وهو إشارة إلى فساد القوة العملية، والنفور بسبب جهلهم، وهذا إشارة إلى فساد القوة النظرية.

واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور، نبه على ما يدل على قبح هذين الوصفين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَمَّنْ ﴾ يشار إليه من الجموع ويقال ﴿ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الله ﴾ إن أرسل عليكم عذابه ﴿ أَمَّنْ ﴾ يشار إليه ويقال ﴿ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ وهذا على التقدير.

ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر والرازق.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا ﴾ [الأنبياء: 43] .

﴿ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق لثقله عليهم فلم يتبعوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ﴾ عَدِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ عَلى مَعْنى أوَلَمْ تَنْظُرُوا في أمْثالِ هَذِهِ الصَّنائِعِ، فَلَمْ تَعْلَمُوا قُدْرَتَنا عَلى تَعْذِيبِهِمْ بِنَحْوِ خَسْفٍ وإرْسالِ حاصِبٍ، أمْ لَكم جُنْدٌ يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَلَيْكم عَذابَهُ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ مَن يَنْصُرُهم إشْعارًا بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا هَذا القَسَمَ، ومِن مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُهُ والَّذِي بِصِلَتِهِ صِفَتُهُ ويَنْصُرُكم وصْفٌ لِ جُنْدٌ مَحْمُولٌ عَلى لَفْظِهِ.

﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ ﴾ لا مُعْتَمَدَ لَهم.

﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ ويُقالُ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم.

﴿ إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ بِإمْساكِ المَطَرِ وسائِرِ الأسْبابِ المُخَلِّصَةِ والمُوَصِّلَةِ لَهُ إلَيْكم.

﴿ بَلْ لَجُّوا ﴾ تَمادَوْا.

﴿ فِي عُتُوٍّ ﴾ عِنادٍ.

﴿ وَنُفُورٍ ﴾ شِرادٍ عَنِ الحَقِّ لِتَنْفِرَ طِباعُهم عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه وهذا على التقدير ويجوز أن

يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند الناصر والرازق فلما لم يتعظون أضرب عنهم فقال {بَل لَّجُّواْ} تمادوا {فِى عتو} استكبارا عن الحق {وَنُفُورٍ} وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه ثم ضرب مثلاً للكافرين والمؤمنين فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ رِزْقَهُ ﴾ بِإمْساكِ المَطَرِ وسائِرُ مَبادِئِهِ كالَّذِي مَرَّ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ لَجُّوا ﴾ إلَخِ مُنْبِئٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ أثَرُ التَّبْكِيتِ والتَّعْجِيزِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَلْ لَجُّوا وتَمادَوْا ﴿ فِي عُتُوٍّ ﴾ في عِنادٍ واسْتِكْبارٍ وطُغْيانٍ ﴿ ونُفُورٍ ﴾ شِرادٍ عَنِ الحَقِّ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ ناصِرَ الدِّينِ أمْ مَن هَذا الَّذِينَ هو إلَخِ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ عَلى مَعْنى ألَمْ يَنْظُرُوا في أمْثالِ هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ والإمْساكِ وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ فَلَمْ يَعْلُمُوا قُدْرَتَنا عَلى تَعْذِيبِهِمْ بِنَحْوِ خَسْفٍ وإرْسالِ حاصِبٍ أمْ لَكم جُنْدٌ يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَلَيْكم عَذابَهُ.

وقالَ إنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرِجَ الِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ مَن يَنْصُرُهم إشْعارًا بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا هَذا القِسْمَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ إلَخِ عَلى مَعْنى أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ ويُقالُ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم فَقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ في الأُولى (أمْ مُتَّصِلَةً و(مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وجَعَلَ في الثّانِيَةِ (أمْ مُنْقَطِعَةً و(مَن مَوْصُولَةٌ ( وهَذا الَّذِي ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ واقِعٌ صِلَةً عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ وقَدَّرَ لِاسْتِهْجانِ أنْ يُقالَ الَّذِي هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم ويَجْعَلُ هَذا قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ ومَن قِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ رازِقٍ لَكُمْ، وكَأنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى صِحَّةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ.

وحَدِيثُ لُزُومِ اجْتِماعِ الاسْتِفْهامَيْنِ في بَعْضِ الصُّوَرِ ودُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ لَيْسَ بِضائِرٍ إذْ لا مانِعَ مِنَ اجْتِماعِ الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ وقَدْ نَقَلَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ عَنْ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ أنَّ أمَ المُنْقَطِعَةَ أبَدًا بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ أيْ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى اسْتِفْهامٍ نَحْوَ ﴿ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ  ﴾ و ﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ .

ومَذْهَبُ غَيْرِهِمْ أنَّها قَدْ تَأْتِي بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ المُجَرَّدِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وأنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْإضْرابِ المُجَرَّدِ وقَدْ تَتَضَمَّنُهُ والِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ الطَّلَبِيِّ.

والزَّمَخْشَرِيُّ قالَ في المَوْضِعَيْنِ: أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ ويُقالُ هَذا الَّذِي وجَوَّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَفْرُوضٍ وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَمِيعِ الأوْثانِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يُحْفَظُونَ مِنَ النَّوائِبِ ويُرْزَقُونَ بِبَرَكَةِ آلِهَتِهِمْ، فَكَأنَّهُمُ الجُنْدُ والنّاصِرُ والرّازِقُ والآيَةُ عَلى هَذا لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ عَلى ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ كَلامَهُ: إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِحَدِيثِ الخَسْفِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ بِحَدِيثِ إرْسالِ الحاصِبِ عَلى سَبِيلِ النَّشْرِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ ﴾ فَتَضْطَرِبُ نافِرَةً بَعْدَ ما كانَتْ في غايَةِ الذِّلَّةِ عَقَّبَ بِقَوْلِ أمْ آمَنَكُمُ الفَوْجُ الَّذِي هو في زَعْمِكم هو جُنْدٌ لَكم يَمْنَعُكم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى وبَأْسِهِ عَلى أنَّ (أمْ مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ، وكَذَلِكَ لَمّا قِيلَ ﴿ أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ بَدَلَ ما يُرْسِلُ عَلَيْكم رَحْمَتَهُ ذَنَبَ بِقَوْلِ أمْ آمَنَكُمُ الَّذِي تَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ يَرْزُقُكم.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فاعْتِراضٌ يَشُدُّ مِن عَضُدِ التَّحْذِيرِ وأنَّ في الأُمَمِ الماضِينَ المَخْسُوفِ بِهِمْ والمُرْسَلِ عَلَيْهِمُ الحَواصِبُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَسْلُبُهُمُ الطُّمَأْنِينَةَ والوَقارَ لَوِ اعْتَبَرُوا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ تَصْوِيرٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ وإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَ الخَسْفُ وإرْسالُ الحاصِبِ عَلَيْهِ أهْوَنَ شَيْءٍ، وفِيهِ كَما أنَّهُ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ أمْسَكَ الطَّيْرَ كَذَلِكَ إمْساكُهُ العَذابَ وإلّا فَهَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَ كُلَّ نَكالٍ، وفي الإتْيانِ بِهَذا مِنَ التَّحْقِيرِ الدّالِّ عَلى تَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وتَقْدِيرِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى الزَّعْمِ والتَّأْكِيدِ بِالمَوْصُولَيْنِ الدّالِّ عَلى تَأكُّدِ اعْتِقادِهِمْ في ذَلِكَ الباطِلِ إنْ كانَ إشارَةً إلى الأصْنامِ أوْ كَمالِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَأنَّهم مُحَقَّقُونَ مَعْلُومُونَ إنْ كانَ إشارَةً إلى فَوْجٍ مَفْرُوضٍ لِأنَّ حالَهم في الأمْنِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وهَذا أبْلَغُ ولِذا قَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ويَلُوحُ الإعْجازُ التَّنْزِيلِيُّ كَأنَّهُ رَأْيُ العَيْنِ ثُمَّ قالَ: فَهَذا ما هُدِيتُ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ الِاعْتِرافَ مِن تَيّارِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَهُ رِجالٌ ما أبْعَدَ مِثْلِي عَنْهم ولَكِنْ أتَسَلّى بِقَوْلِ إمامِنا الشّافِعِيِّ: أُحِبُّ الصّالِحِينَ ولَسْتُ مِنهُمْ انْتَهى ولَعَمْرِي قَدْ أبْدَعَ وتَبَوَّأ ما قالَهُ مِنَ القَبُولِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ المَحَلَّ الأرْفَعَ ويُعْجِبُنِي طَرْفٌ تَدِرُّ دُمُوعُهُ.

عَلى فَضْلِهِ العالِي فَلِلَّهِ دَرُّهُ.

وظاهِرُهُ أنَّ مَن في المَوْضِعَيْنِ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أعْنِي أمَّنَكم لا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَما قِيلَ فِيما سَبَقَ وقَدْ جَوَّزَ في الآيَةِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن أوْجُهِ الإعْرابِ وهو أنْ يَكُونَ مَن خَبَرًا مُقَدَّمًا وهَذا مُبْتَدَأٌ ورَجَّحَ عَلى ما مَرَّ مَن عَكَسَهُ بِأنَّهُ سالِمٌ عَمّا فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ وجَوازُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ في الأُولى «أمَن» بِتَخْفِيفِ المِيمِ وشَدَّدَ في الثّانِيَةِ كالجَماعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يعني: حزب لكم ومنفعة لكم.

يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ يعني: من عذاب الرحمن ومعناه: هاتوا أخبروني من الذي يمنعكم من عذاب الله تعالى إن عصيتموه.

إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ يعني: ما الكافرون إلا في خداع وأباطيل.

ثم قال عز وجل: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ يعني: من الذي يرزقكم إن حبس الله رزقه؟

وهذا كقوله: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 3] ؟

ثم قال: بَلْ لَجُّوا يعني: تمادوا في الذنب.

ويقال: تمادوا في الكفر.

ويقال: بل مضوا فِي عُتُوٍّ يعني: في تكبر وَنُفُورٍ يعني: تباعداً من الإيمان.

ثم قال عز وجل: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ يعني: الكافر يمشي ضالاً في الظلمة أعمى القلب.

أَهْدى يعني: هو أصوب دينا.

أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو المؤمن يعمل بطاعة الله يعني: على دين الإسلام.

وقال قتادة: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ، قال: هو الكافر عمل بمعصية الله، يحشره الله تعالى يوم القيامة على وجهه أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، هو المؤمن يعمل بطاعة الله تعالى، يسلك به يوم القيامة طريق الجنة.

وقال الزجاج: أعلم الله تعالى أن المؤمن يسلك الطريق المستقيم، وإن كان الكافر في ضلال بمنزلة الذي يمشي مكباً على وجهه.

قال مقاتل: نزلت في شأن أبي جهل وقال بعضهم: هو وجميع الكفار.

ثم قال: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ يعني: خلقكم وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لكي تسمعوا بها الحق، وَالْأَبْصارَ يعني: لكي تبصروا، وَالْأَفْئِدَةَ يعني: القلوب لكي تعقلوا بها الهدى.

قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: شكركم فيما صنع إليكم قليلاً.

ويقال: معناه خلق لَكُمُ السمع والابصار والافئدة آلة لطاعات ربكم، وقطعاً لحجتكم، وقدرة على ما أمركم فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه.

ثم قال عز وجل: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: خلقكم.

ويقال: كثركم في الأرض، وأنزلكم في الأرض.

وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يعني: إليه ترجعون بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.

قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: البعث بعد الموت إن كنتم صادقين أنَّا نبعث، خاطبوا به النبيّ  بلفظ الجماعة.

ويقال: أراد به النبيّ  وأصحابه.

قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم قيام الساعة عند الله.

وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوف أخوفكم بلغة تعرفونها.

قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ يعني: لما رأوا العذاب قريباً.

ويقال: لما رأوا القيامة قريبة وسيئت وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ذللت، ويقال: قبحت وسودت.

وقال القتبي: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً يعني: لما رأوا ما وعدهم الله قريباً منهم وقال الزجاج: سِيئَتْ أي: تبيَّن فيها السوء فى وجوه الذين كفروا.

وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ، أي: تشكون في الدنيا قرأ قتادة، والضحاك، ويعقوب الحضرمي: تَدْعُونَ بالتخفيف يعني: تستعجلون، وتدعون إليه في قولكم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقراءة العامة تَدَّعُونَ بالتشديد يعني: تكذبون.

ويقال: من أجله تَدَّعُونَ الأباطيل يعني: تدعون أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً، لا ترجعون ولا تجازون.

ويقال: تَدَّعُونَ أي: تتمنون.

قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ يعني: إن عذبنا الله أَوْ رَحِمَنا يعني: غفر لنا.

فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ يعني: من ينجيهم ويغيثهم مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: إن النبيّ  قال لهم: «نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بالله، وَنَتَوَسَّلُ بِعِبَادَتِهِ إلَيهِ، لاَ نَأْمَنُ عَذَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ مَعَ كُفْرِكُم بِهِ مِنْ عَذَابِهِ وَعُقُوبَتِهِ؟» فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟

قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ يعني: قل هو الرحمن بفضله، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا.

وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا يعني: فوضنا إليه أمورنا.

فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: فستعرفون، عند نزول العذاب، من هو في خطأ بيِّن.

قرأ الكسائي: فَسَيَعْلَمُونَ بالياء بلفظ الخبر، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني: سوف تعلمون يا كفار مكة.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً يعني: إن صار ماؤكم غائراً، لا تناله الأيدي ولا الدعاء.

فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ يعني: بماء طاهر.

والغور والغائر، يقال: ماء غور.

ومياه غور وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع.

وقال مجاهد: بِماءٍ مَعِينٍ يعني: جار.

وروى عكرمة، عن ابن عباس-  ما- يعني: الطاهر.

وروى أبو هريرة، عن النبيّ  قال: «سُورَةٌ فِي القُرْآنِ ثَلاَثُونَ، شُفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ.

تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» .

وروى زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: يؤتى بالرجل في قبره من قبل رأسه، فيقول له: ليس لكم علي من سبيل.

قد كان يقرأ على سورة الملك، فيؤتى من قبل رجليه، فيقول: ليس لك علي سبيل.

كان يقوم بسورة الملك، فيؤتى من قبل جوفه، فيقول: ليس لك علي سبيل.

قد أوعاني سورة الملك، قال: وهي المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر.

وروى ابن الزبير، عن جابر قال: كان النبيّ  لا ينام حتى يقرأ سورة الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَرَاسِخُه، وأيامُه أمْيَالُه، وأنْفَاسُه خُطُواتُه، وطَاعَتُه بضاعتُه، وأوقَاتُه رؤوس أموالِه، وشَهَواتُه وأغْرَاضُه قطاع طريقِه، وربحه الفوز بلقاء الله- عز وجل- في دار السلام مع المُلْكِ الكبيرِ والنَّعِيمِ المقيم، وخسرانه البعد من الله- عز وجل- مع الأنْكَالِ والأَغْلاَلِ والعذاب الأليمِ في دَرَكَاتِ الجحيم، فالغافلُ عن نَفسِ واحدٍ من أنْفَاسِهِ، حتى يَنْقَضِيَ في غَيْرِ طاعةٍ تُقُرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى زُلْفَى مُتَعَرِّضٌ في يوم التَّغابُن لغَبِينَةٍ وحَسْرَةٍ مَا لها مُنْتَهَى، ولهذا الخطرِ العظيمِ والخَطْبِ الهائلِ شَمَّر المُوفَّقُونَ عن ساقِ الجِدِّ، وَوَدَّعُوا بالكليةِ ملاذَّ النَّفْسِ، واغْتَنَمُوا بَقايَا العُمْرِ، فَعَمَّرُوها بالطاعاتِ، بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الأوقَاتِ، انتهى، قال الشيخُ أبو مدين- رحمه اللَّه-: عُمْرُكَ نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ [أنْ يَكُونَ] لَكَ/ لاَ عليك، انتهى، والله الموفّق بفضله، والنُّشُورُ: الحياة بعد الموت، وتَمُورُ معناه: تَذْهَبُ وتَجِيءُ، كما يَذْهَبُ التراب المَوَارُ في الرِّيحِ، والحَاصِبُ البَرْدُ ومَا جَرى مَجْرَاه، والنَّكِيرُ مَصْدَرٌ بمعنى الإنْكَارِ، والنَّذِيرُ كذَلِكَ ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر]

فَأُنْذِرُ مِثْلَهَا نُصْحاً قُرَيْشاً ...

مِنَ الرحمن إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي «١»

ثم أحال- سبحانه- على العِبْرَةِ في أمْرِ الطير وما أحكمَ من خِلْقَتِها، وذلك بيَّنَ عجز الأصنام والأوثان عنه، وصافَّاتٍ جَمْع صَافَّة، وهي التي تَبْسُطَ جَنَاحَها وتَصُفُّه، وقَبْضُ الجَنَاحِ ضَمُّه إلى الجنبِ، وهاتان حالتَان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى.

وقوله سبحانه: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ هذا أيضاً توقيفٌ على أمْرٍ لاَ مَدْخَل للأصنامِ فيه.

وقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ قال ابن عباس والضحاك ومجاهد:

نزلَتْ مثَلاً للمؤمنينَ والكافرين على العمومِ «٢» ، وقال قتادةُ: نزلت مُخْبِرةً عن حال القِيَامَةِ، وأنَّ الكفارَ يَمْشُونَ على وجوهِهم، والمؤمنينَ يمشون على استقامة «٣» ، كما جاء

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

ولَفْظُ "الجُنْدِ" مُوَحَّدٌ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: " هَذا الَّذِي هو " والمَعْنى: لا جُنْدَ لَكم "يَنْصُرُكُمْ" أيْ: يَمْنَعُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ أرادَهُ بِكم "إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ" وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ يَغُرُّهُمْ، فَيَقُولُ: إنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِكم ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ المَطَرَ وغَيْرَهُ ﴿ إنْ أمْسَكَ ﴾ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْكم ﴿ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ﴾ أيْ: تَمادٍ في كُفْرٍ ﴿ وَنُفُورٍ ﴾ عَنِ الإيمانِ.

ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا يُبْصِرُ يَمِينًا، ولا شِمالًا، ولا مِن بَيْنِ يَدَيْهِ.

يُقالُ: أكَبَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ بِالألِفِ، وكَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وأرادَ: الأعْمى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ، والكافِرِ.

و"السَّوِيُّ" المُعْتَدِلُ، أيِ: الَّذِي يُبْصِرُ الطَّرِيقَ.

وقالَ قَتادَةُ: هَذا في الآخِرَةِ يَحْشُرُ اللَّهُ الكافِرَ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ يَمْشِي سَوِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم لا يَشْكُرُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: يَشْكُرُونَ قَلِيلًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَرَأكُمْ ﴾ أيْ: خَلَقَكم ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ بِالوَعْدِ: العَذابَ ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً ﴾ أيْ: رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا مِنهم ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُبِّحَتْ بِالسَّوادِ ﴿ وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ "تَدَّعُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى تَدْعُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وهو "تَفْتَعِلُونَ" مِنَ الدُّعاءِ.

يُقالُ: دَعَوْتُ، وادَّعَيْتُ، كَما يُقالُ: خَبَرْتُ واخْتَبَرْتُ، ومِثْلُهُ: يَدَّكِرُونَ، ويَدْكُرُونَ هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ مِن أجْلِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأكاذِيبَ، تَدَّعُونَ أنَّكم إذا مُتُّمْ لا تُبْعَثُونَ؟!

وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: "تَدْعُونَ" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وسُكُونِها، بِمَعْنى تَفْعَلُونَ مِنَ الدُّعاءِ.

وقالَ قَتادَةُ: كانُوا يَدْعُونَ بِالعَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ ﴾ ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ هَذا أيْضًا تَوْقِيفٌ عَلى أمْرٍ لا مَدْخَلَ لِلْأصْنامِ فِيهِ، والإشارَةُ بِالرِزْقِ إلى المَطَرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الأرْزاقِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لَجُّوا وتَمادَوْا في التَمَنُّعِ عن طاعَةِ اللهِ تَعالى، وهو العُتُوُّ، "والنُفُورُ" البُعْدُ عَنِ الحَقِّ بِسُرْعَةٍ ومُبادَرَةٍ، يُقالُ: نَفَرَ عَنِ الأمْرِ نُفُورًا، ونَفَرَ إلى الأمْرِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ نِفارًا.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا ﴾ الآيَةُ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن رُواةِ الأسْبابِ: نَزَلَتْ مَثَلًا لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ولَأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الكَلْبِيِّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ مَثَلًا لِمُحَمَّدٍ  ولِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: نَزَلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ مُخْبِرَةً بِأحْوالِ القِيامَةِ، وإنَّ الكُفّارَ يَمْشُونَ فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمْشُونَ عَلى اسْتِقامَةٍ، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ  : كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟

فَقالَ: "الَّذِي أمْشاهُ في الدُنْيا عَلى قَدَمَيْهِ قادِرٌ أنْ يُمْشِيهِ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَوَقَفَ الكُفّارُ عَلى ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ حِينَئِذٍ، فَفي الأقْوالِ الثَلاثَةِ الأوَّلُ المَشْيُ مَجاز يُتَخَيَّلُ، وفي القَوْلِ الرابِعِ هو حَقِيقَةٌ يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ.

ويُقالُ: "أكَبَّ الرَجُلُ" إذا رَدَّ وجْهَهُ إلى الأرْضِ، و"كَبَّهُ غَبَّرَهُ"، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَهَلْ يُكَبُّ الناسَ في النارِ عَلى مِنخارِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ"؟» فَهَذا الفِعْلُ خِلافٌ لِلْبابِ، أفْعَلُ لا يَتَعَدّى، وفَعَلَ يَتَعَدّى، ونَظِيرُهُ "قَشَعَتِ الرِيحُ السَحابَ فانْقَشَعَ".

و"أهْدى" في هَذِهِ الآيَةِ "أفْعَلُ" مِنَ الهُدى.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَن يَمْشِي" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وأفْرَدَ تَعالى السَمْعَ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ "وَقَلِيلًا" نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهم يَشْكُرُونَ قَلِيلًا، فَهَذا إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ ما عَسى أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ مِن شُكْرٍ، وهو قَلِيلٌ غَيْرُ نافِعٍ، وإمّا أنْ يُرِيدَ نَفْيَ الشُكْرِ عنهم جُمْلَةً فَعَبَّرَ بِالعِلَّةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "هَذِهِ أرْضٌ قلَّما تُنْبِتْ كَذا" وهي لا تُنْبِتُهُ البَتَّةَ، ومَن شُكْرِ رَسُولِ اللهِ  عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ «أنَّهُ كانَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: "سَجَدَ وجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ".» وَ"ذَرَأكُمْ" مَعْناهُ: بَثَّكُمْ، و"الحَشْرُ" المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْثُ القِيامَةِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هَذا الوَعْدُ )، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ أمْرَ القِيامَةِ ويُوقِفُونَ عَلى الصِدْقِ، في الإخْبارِ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال آخر والكلام على أسلوب قوله: ﴿ أم مَن هذا الذين هو جند لكم ﴾ [الملك: 20]، وهذا الكلام ناظر إلى قوله: ﴿ وكُلوا من رزقه ﴾ [الملك: 15] على طريقة اللف والنشر المعكوس.

والرزق: ما يَنتفِع به الناس، ويطلق على المطر، وعلى الطعام، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وَجَد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37].

وضمير ﴿ أمسَكَ ﴾ وضمير ﴿ رزقه ﴾ عائدان إلى لفظ ﴿ مِن دون الرحمان ﴾ [الملك: 20].

وجيء بالصلة فعلاً مضارعاً لدلالته على التجدد لأن الرزق يقتضي التكرار إذ حاجة البشر إليه مستمرة.

وكتب ﴿ أمَّن ﴾ في المصحف بصورة كلمة واحدة كما كتبت نظيرتها المتقدمة آنفاً.

استئناف بَياني وقع جواباً عن سؤال ناشئ عن الدلائل والقوارع والزواجر والعظات والعبر المتقدمة ابتداء من قوله: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ [الملك: 2] إلى هنا، فيتجه للسائل أن يقول: لعلهم نفعت عندهم الآيات والنذر، واعتبروا بالآيات والعِبر، فأجيب بإبطال ظنه بأنهم لَجُّوا في عُتُوّ ونفور.

و ﴿ بل ﴾ للإضراب أو الإبطال عما تضمنه الاستفهامان السابقان أو للانتقال من غرض التعجيز إلى الإِخبار عن عنادهم.

يقال: لجّ في الخصومة من باب سمع، أي اشتد في النزاع والخصام، أي استمروا على العناد يكتنفهم العُتّو والنفور، أي لا يترك مخلصاً للحق إليهم، فالظرفية مجازية، والعتوّ: التكبر والطغيان.

والنفور: هو الاشمئزاز من الشيء والهروب منه.

والمعنى: اشتدوا في الخصام متلبسين بالكبر عن اتباع الرسول حرصاً على بقاء سيادتهم وبالنفور عن الحق لكراهية ما يخالف أهواءهم وما ألفوه من الباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى ﴾ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْهُدى والضَّلالَةِ، ومَعْناهُ لَيْسَ مَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ ولا يَنْظُرُ أمامَهُ ولا يَمِينَهُ ولا شِمالَهُ.

كَمَن يَمْشِي سَوِيًّا مُعْتَدِلًا ناظِرًا ما بَيْنَ يَدَيْهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُكِبُّ عَلى وجْهِهِ الكافِرُ يَهْوِي بِكُفْرِهِ، واَلَّذِي يَمْشِي سَوِيًّا المُؤْمِنُ يَهْتَدِي بِإيمانِهِ، ومَعْناهُ: أمَّنَ يَمْشِي في الضَّلالَةِ أهْدى أمْ مَن يَمْشِي مُهْتَدِيًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ المُكِبَّ عَلى وجْهِهِ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطَّرِيقَ الواضِحَ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ، فَيَكُونُ نَعْتًا لِلْمَثَلِ المَضْرُوبِ.

الثّانِي: هو الحَقُّ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ جَزاءُ العاقِبَةِ الِاسْتِقامَةَ وخاتِمَةَ الهِدايَةِ.

﴿ قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: نَشَرَكم فِيها وفَرَّقَكم عَلى ظَهْرِها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْشَأكم فِيها إلى تَكامُلِ خَلْقِكم وانْقِضاءِ أجْلِكم.

﴿ وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ.

﴿ فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ظَهَرَتِ المَساءَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ كَراهَةً لِما شاهَدُوا، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

الثّانِي: ظَهَرَ السُّوءُ في وُجُوهِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى كُفْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ  ﴾ .

﴿ وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ وهَذا قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم، وفي قَوْلِهِ ﴿ كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَمْتَرُونَ فِيهِ وتَخْتَلِفُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: تَشُكُّونَ في الدُّنْيا وتَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ دُعاؤُهم بِذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: جبالها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة أن بشير بن كعب قرأ هذه الآية ﴿ فامشوا في مناكبها ﴾ فقال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: فإن مناكبها جبالها، فسأل أبا الدرداء رضي الله عنه، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها وفجاجها.

وأخرج الخطيب في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية ﴿ قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ﴾ » .

وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ﴾ [ الأنعام: 98] إلى قوله: ﴿ يفقهون ﴾ ﴿ هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ﴾ إلى ﴿ تشكرون ﴾ فإنه يبرأ بإذن الله تعالى» .

وأخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان والحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد محترفاً» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟

قالوا: المتوكلون، فقال: أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أأمنتم من في السماء ﴾ قال: الله تعالى، وفي قوله: ﴿ فإذا هي تمور ﴾ قال: يمور بعضها فوق بعض واستدارتها، وفي قوله: ﴿ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ قال: يبسطن أجنحتهن ﴿ ويقبضن ﴾ قال: يضربن بأجنحتهن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إلا في غرور ﴾ قال: في باطل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول حسان: تمنتك الأماني من بعيد ** وقول الكفر يرجع في غرور وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: في الضلال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: كفور، وفي قوله: ﴿ أفمن يمشي مكبّاً على وجهه ﴾ قال: في الضلالة ﴿ أمَّنْ يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ قال: على الحق المستقيم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أفمن يمشي مكبّاً ﴾ قال: في الضلال ﴿ أمّن يمشي سويّاً ﴾ قال: مهتدياً.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن يمشي مكباً على وجهه ﴾ قال: هو الكافر عمل بمعصية الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه ﴿ أم من يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ يعني المؤمن عمل بطاعة الله يحشره الله على طاعته وفي قوله: ﴿ فلما رأوه ﴾ قال: لما رأوا عذاب الله ﴿ زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴾ قال: ساءت بما رأت من عذاب الله وهوانه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما رأوه زلفة ﴾ قال: قد اقترب.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ ﴿ وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ﴾ مخففة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم أنه قرأ ﴿ تدعون ﴾ مثقلة قال أبو بكر: تفسير تدعون تستعجلون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ ﴾ خطاب للكفار على وجه التوبيخ والتهديد وإقامة الحجة عليهم، ودخلت ﴿ أَمَّ ﴾ التي يراد بها الإنكار على ﴿ مَّنْ ﴾ فأدغمت فيها، وكذلك ﴿ أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ ﴾ والضمير في أمسك: لله، أي من يرزقكم إن منع الله رزقه، ﴿ بَل لَّجُّواْ ﴾ أي تمادوا في العتوّ والنفور عن الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.

﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.

﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.

الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.

التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.

فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.

وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.

أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.

قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.

زعم الكلبي أنه  قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.

وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.

ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.

وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.

عن النبي  أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.

وعنه  أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.

ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله  أو لكل راءٍ.

والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".

فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.

وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج  ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".

والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.

وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.

وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.

ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.

ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.

قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.

وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.

ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.

على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه  حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.

احتجوا بأنه  ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.

ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه  جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.

احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.

وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.

قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.

قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.

وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.

والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.

قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.

ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.

والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.

وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.

وقد مر مراراً.

ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.

ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله  .

وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.

ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.

وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.

وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.

قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه  وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.

قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.

قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.

ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.

ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.

وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.

ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".

والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.

ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً  والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.

وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.

قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.

وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.

ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.

قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.

وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.

﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.

قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله  ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله  إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.

والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.

ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".

وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.

وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.

ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي  وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.

وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.

والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.

البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".

وحين أمر نبيه  أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.

قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق  ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.

والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.

قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.

وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.

قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.

وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.

قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.

وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.

و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.

وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.

وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.

يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول  وعلى المؤمنين.

بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.

﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟

وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟

وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟

وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟

النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟

ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.

عن الكلبي: لا تناله الدلاء.

والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".

يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.

قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا...

﴾ الآية.

وإذا ذلل لكم الأرض؛ لتمشوا في مناكبها، وتأكلوا من رزقه، فلا يجوز أن يكون خلقاً عبثا باطلا، فلا بد من الرجوع إليه، ليسألكم عما له خلق، أوفيتم بالذي خلق له، أو لم تفوا؛ وذلك أن المرء في الشاهد إذا أعطى إنسانا مالا استعمله في جهة من الجهات، فلا بد من أن يرجع إليه فيسأله هل استعمله في الذي أذن له فيه أم لا؟

وإذا ثبت أنه لم يخلقها عبثا باطلا، وإنما خلقت للمحنة؛ فلا بد من أن ينشروا إليه؛ ليخبروه عما بلاهم به وامتحنهم.

ثم احتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً  ﴾ فخلق تلك [الأشياء] كلها؛ ليمتحن أهلها [بها]، فعلى ذلك خلق الأرض ذلولا ليبلوكم بها.

ويحتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ  ﴾ فأمر هناك بالنظر مرة بعد مرة هل ترى فيه تفاوتا أو فطورا؛ ليتبين عنده إذا لم ير فيه تفاوتا ولا فطورا وحدانية الرب وقدرته وسلطانه وحكمته، فأمرهم - أيضاً - بالمسير في الأرض والمشي في مناكبها وهي أطرافها - هل يرون فيها فطوراً أو تفاوتا؟

فإذا لم يروا فيها شيئا من ذلك، تقرر عندهم بجميع ما ذكرنا من الحكمة هناك، فهو في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً ﴾ موجود؛ ولأنه ذكرهم لطيف خلقه وتدبيره في خلق الأرض، وما له على الخلق من [عظيم النعمة] في حقهم، وهو أنه قدر لهم فيها أرزاقهم إلى حيث يمشون فيها، وهيأ لهم الرزق هنالك، ولا يحتمل أن يذلل لهم الأرض؛ فيضربون فيها حيث شاءوا ويستخرجون منها أقواتهم أينما تصرفوا عبثا باطلا، بل لا بد أن يستأديكم شكر ما أنعم عليكم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ .

هذه الآية في موضع المحاجة على منكري البعث، فكأنه يقول - والله أعلم -: إذا أنكرتم البعث وقد عرفتم الفرق بين العدو والولي وبين المطيع والعاصي، فكيف أمنتم عذابه في الدنيا أن ينزل بكم من فوق رءوسكم أو من تحت أرجلكم.

أو قد عصيتموه وعاديتموه بتكذيبكم رسوله واختياركم عبادة غيره، فكيف أمنتم نزول عذاب عليكم في حالتكم هذه، وأنتم لا تقرون بالآخرة؛ ليتأخر عنكم العذاب؟!

ثم قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ ﴾ أي: قد أمنتم.

والثاني: أنكم كيف أمنتم عذاب الله  وأنتم تنكرون البعث؛ لتكون المحنة في الدنيا للجزاء في الآخرة، وهم يرون المحنة في الدنيا للجزاء في الدنيا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن من وسع عليه في رزقه والنعيم في الدنيا فإنما وسع جزاء لعمله، ومن ضيق عليه العيش فإنما ضيق عقوبة له بما أساء من عمله، كما قال الله  : ﴿ فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ  وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ  ﴾ ، فكانوا يعدون التضييق والتوسيع في الدنيا جزاء لصنيعهم، وكانوا يقرون بالمحنة في الدنيا، والمحنة تكون من الرجاء والخوف، وقد رجوتم إنزال الرزق عليكم من السماء، ورجوتم أن يخرج لكم من الأرض ما تتعيشون به وترزقون منه؛ فكيف لا تحذرون نزول العذاب عليكم من السماء أو إتيانه من الأرض، كما رجوتم النفع منهما جميعاً؟!

والثالث: أنكم إذا أنكرتم الرسول وجحدتموه، وقد انتهى إليكم حال من سبقكم من مكذبي الرسل، كيف عذبوا واستؤصلوا: فمنهم من أهلك بإمطار الحجارة [عليه من السماء]، ومنهم من أهلك بالخسف بالأرض، فكيف أمنتم أنتم أن ينزل عليكم ما نزل بهم وقد أوجدتم أنتم وتعاطيتم ما تعاطاه الذين أهلكوا من التكذيب؟!

ثم [قوله]: ﴿ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أراد نفسه  ، أخبر أنه إله السماء، لا على تثبيت أنه في الأرض سواه وعلى النفي أن يكون هو إله الأرض، بل هو في السماء إله وفي الأرض إله؛ وهو كقوله  : ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ ليس فيه أن النجوى إذا كانت بين اثنين فهو لا يكون ثالثهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: أأمنتم [من] في السماء ملكه وسلطانه، ولم تروا أحدا انتهى ملكه إلى السماء، فكيف تأمنون ممن بلغ ملكه السماء [؛ فكيف تأمنون مكره وتعادونه، وأنتم لا تجترئون على [معاداة] ملك من [ملوك الأرض] الذي لا يجاوز ملكه الأرض؛ هيبة منه وخوفاً من سلطانه، فكيف تأمنون عذاب من بلغ ملكه ما ذكرنا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ .

قيل: تهوي في الأرض أبداً إلى أسفل السافلين.

وقيل: تمور بأهلها في قعرها على ما كانت من قبل تمور على ظهرها قبل أن توتد بالجبال، والحاصب: الحجارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ .

أي: ستعلمون حال نذري الذين أنذروكم بالعذاب أنهم كانوا محقين فيه ولم يكونوا كاذبين كما زعمتم.

أو ستعلمون ما أنذركم به إذا وقع العذاب.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ﴾ .

يذكرهم حال من تقدمهم من المكذبين وما حل بهم من النكير؛ ليرتدعوا عن التكذيب؛ فلا يحل بهم ما حل بأولئك.

ثم قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ﴾ أي: كيف كان إنكاري عليهم أليس وجدوه شديدا وحقّاً؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ .

قيل: صافات بأجنحتها لا يتحرك منها شيء، ويقبضن فما يمسكهن إلا الله  في الحالين جميعاً، أعني: القبض والبسط.

وقال في آية أخرى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، [والجو: هو الهواء.

ثم قوله: ﴿ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ]، أي: لآيات للمؤمنين على الكفرة، وهكذا شأن الآيات إنما جعلت آيات للمؤمنين والأولياء على الكفرة والأعداء؛ لأن الكفرة تصل إليهم الآيات على ألسن الرسل والأنبياء والأولياء، فجعلت الآيات آيات للمؤمنين؛ ليحتجوا بها على أهل الكفر.

ثم الهواء ليس بمكان يمسك ما عليه من الأشياء مثل السماء والأرض فيما أنشئتا على حد يمسكان الأشياء ويقر عليهما الخلائق، وإذا كان كذلك [فإن الله]  بلطفه أمسك الطير وقت طيرانها ووقت قبضها في الهواء، ومن قدر على إمساك الطير مع ثقله وتقريره في مكان لا تقر فيه الأشياء، لقادر على ما يشاء.

ثم في هذه الآية إنباء: أن لله  في أفعال الطير صنعا وتدبيرا على ما يشاء؛ لأن الفعل الذي يوجد من الطائر الطيران إذا طار والوقوف إذا قبض، ثم أضاف فعل الإمساك؛ وكل ذلك إلى نفسه.

وذكر عن جعفر بن حرب في قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ : أن الإمساك كناية عن التعليم وعبارة عنه؛ لأنه قد يعبر بالإمساك عن التعليم؛ يقول الرجل لآخر فيما يعلم الرماية: أمسكت على يده حتى رمى، فيريد به، أي: توليت تعليمه الرماية، فقوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ أي: ما يعلم إمساكهن وقت الطيران إلا الله  ؛ وكذلك وقت القبض.

والجواب عن هذا أن القائل يقول: (أمسكت على يده حتى رمَى)، إنما يستجيز إطلاق هذا اللفظ من نفسه إذا وجد منه فعل الإمساك في وقت ما يهم الرامي بالرمي، وأما إذا لم يوجد منه في ذلك الوقت فعل الإمساك، لم يستقم أن يقال: أمسكت على يده، وإن كان هو الذي علمه الرمي؛ ألا ترى أن من علم آخر الخياطة حتى اهتدى الخياطة إذا خاط ثوباً، لم يستجز أستاذه أن يقول: أنا الذي خطته، وإن كان هو الذي علمه الخياطة؛ وكذلك من بنى بناء، لم يستقم من أستاذه أن يضيف فعل البناء إلى نفسه؛ فيقول: أنا الذي بنيته، ويريد به: أنا الذي علمته، وإذا لم يستقم هذا، بطل أن يضاف فعل الإمساك إلى الله  ، ولا فعل له في ذلك سوى التعليم، فلو كانت الإضافة إليه من حيث التعليم، لجاز أن ينسب إليه فعل الخياطة وفعل البناء والحياكة، فيقال: خائط وبانٍ وحائك؛ لأنه هو الذي علم، وإذا بطل أن ينسب إليه ما ذكرنا من الأفعال وإن كان هو الذي علم الخلق، بطل أن ينسب إليه فعل الإمساك من حيث التعليم، والله الموفق.

واحتج جعفر بن حرب - أيضا - في نفي الفعل عن الله  ، فقال: إن الله -  - لم يقل: ما خلق طيرانهن إلا الله ولا خلق القبض إلا الله، وإنما قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ، فثبت أنه لا صنع له في الإمساك، وبان أن الذي أضيف إليه من الإمساك هو على الوجه الذي ذكرنا.

فالجواب عن هذا: أن الأمة فهمت من قوله: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ما يفهم من قوله: ما خلق طيرانهن وقبضهن إلا الله؛ إذ هو يقتضي ما يقتضيه ذكر الخلق، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن يضيف الخلق نفسه، وبين أن يضيف فعل الإمساك، ثم لو ذكر الخلق مكان الإمساك، أمكن [جعفرا أن يتأول] في الخلق ما تأول في الإمساك، فيقول: معنى قوله: خلق طيرانهن، أي: علم طيرانهن، وقوَّاهن على الأسباب التي بها تطير، فلا يتهيأ لله  على قوله أن يثبت لخلقه و [لا] يقرر عندهم خلق شيء من الأشياء.

ثم الأصل أن الآيات المذكورة في القرآن إنما ذكرت لإثبات أوجه خمسة: أحدها: في تثبيت القدرة على البعث، وهي لا تثبت القدرة، ولا توجب القول بالبعث على قول المعتزلة؛ وذلك أن الله  احتج في تثبيت القدرة على البعث بقدرته على ابتداء الخلق، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، [فاحتج بأمر الابتداء] على تثبيت القدرة على الإعادة، [وليس فيه ما يثبت القدرة على الإعادة] عندهم؛ لأنهم نفوا خلق الأفعال عن الله  مع إقرارهم أن الله  هو الذي ابتدأ الخلائق، وهو الذي أنشأهم، ولم يكن في إثبات القدرة على خلق الأعيان إثبات قدرة منه على خلق الأفعال، وإن كان خلق الأفعال دون خلق الأنفس، فكيف ذكر قدرته على ابتداء الخلق على تثبيت القدرة على الإعادة، وإن كان أمر الإعادة أيسر من الابتداء، مع أن آثار الخلق في أفعال العباد وإثبات التدبير فيها أوجد منه في أمر البعث؛ وذلك أنك تجد من الأفعال أفعالا هي مؤذية لأهلها متعبة مؤلمة، ومعلوم بأن قصد أربابها أن يتلذذوا بها ويتمتعوا بها؛ فثبت أن لغيرهم فيها تدبيرا وصنعا حتى صارت كذلك؛ ولأنه يوجد في أفعالهم أحوال لا تبلغها أوهامهم ولا تقدرها عقولهم؛ لأن الفعل يأخذ من الجو والمكان والوقت ما لا تقدره الأوهام ولا تبلغه العقول؛ فثبت أن لغيره فيه صنعا وتدبيرا؛ ولأن فعله يخرج على قبيح وحسن، لا [يبلغ علم] فاعله أنه يبلغ في الحسن والقبح ذلك المبلغ، وينتهي في الحسن مبلغا لو أراد أن يخرج على ذلك الحد في المرة الثانية لم يخرج كذلك، فكل ما ذكرنا يبين أن جميع أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم، ثم مع ذلك أنكروا أن تكون الأفعال من جهة الخلق لله  ، ولم يظهر شيء من أمارات البعث ولا وجد فيه التدبير؛ فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق الأفعال، ولم يوجب القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء البعث والإعادة بعد الإفناء؛ فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله  دلالة إثبات البعث على قولهم.

والوجه الثاني: في تثبيت الوحدانية، وجعل دليل وحدانيته توحده بخلق الأشياء وتفرده بإنشائها؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، وعلى قول المعتزلة: هو غير متوحد بخلق الأشياء، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد لا بالله  ، وإذا لم يوجد منه التوحد والتفرد بخلق الأشياء ارتفع وجه الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع ووحدانيته، وإذا كان كذلك، لم تثبت وحدانية الله  - على قولهم - من الوجه الذي جعله دليل الإثبات.

والوجه الثالث: وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله  ، وجعل دليل حكمته خلق السماوات والأرضين وغيرهما من الأشياء، ونحن إنما عرفنا خلق السماوات والأرضين بما شاهدناهما مجتمعين، والاجتماع حادث فيهما، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث، ولولا ذلك لم نعرفه ولا يثبت لنا خلقهما، وعلى قول المعتزلة: الجمع والتفريق لا يدل على الخلق؛ لأن كل من له القوة يقدر على جمع الأشياء وتفريقها، والاجتماع والتفريق فعل الجامع والمفرق؛ لقولهم بالمتوالدات، فمن استحكمت قوته أمكنه جميع الأشياء؛ لقوته ومن ضعفت قوته جَمَعَ على قدر ما ينتهي إليه قوته، وإذا كان كذلك لم يتبين عند الخلائق على قولهم: إن الله -  - هو الذي خلق السماوات والأرضين؛ إذ خلقهما لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا؛ وذلك مما [لا] يجوز تحققه إلا بالله  .

وجائز أن يكون الله  أقدر ملكا من ملائكته وقواه على خلق السماوات والأرض، وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا: أن الله  هو الخالق لهما؛ فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين وفي خلق سائر الأشياء - دلالة حكمته وقدرته ووحدانيته، وقد جعل الله  خلقهما دلالة لهذه الأوجه التي ذكرناها.

والثاني: أنه جعل إتقان الأشياء وإحكامها علما لحكمته، وقد يقع الإتقان والإحكام للأشياء لا به، ثم لم يجعل الله -  - لشيء مما أتقن وأحكم علما يتميز من بين ما أتقنه غيره وأحكمه، فصار الإتقان والإحكام غير دال على حكمته، بل صار دليلا على عجزه وضعفه، حيث لم يتهيأ له تمييز ما صار به متقنا وما بغيره صار كذلك؛ ولأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه ويتبين ما له مما ليس له، ومن قولهم: إن الله  أعطى الكافر قوة الإيمان، ولم يبق في خزائنه ما جعل سببا يتوصل به إلى الإيمان إلا وقد أعطاه، مع علمه أنه لا يؤمن به، وهذا من أعظم الجهل وأبين السفه في الشاهد؛ لأن المرء إذا قام بسقي أرض وعمارتها بالكِرَاب والبنيان وألقى البذر فيها مع علمه أنها لا تنبت شيئاً عد ذلك منه سفهاً وجهلاً، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها حكيماً، وقال -  -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ، وعلى قول المعتزلة: قد خلق غيره الحياة والموت جميعاً؛ لأن القتيل ميت بالاتفاق، ثم لا يجعل أهل الاعتزال لله -  - في موته صنعاً، ويزعمون أنه مات قبل أجله، فإذا قدر غيره على الإماتة، ويقدر غيره أيضاً على الإحياء بالأسباب؛ لأنه يسقي الأرض والزرع ويكون في سقيه إحياؤها، فلم يتفرد هو بخلق الموت ولا بالحياة على قولهم، بل شركه غيره في خلق الأشياء، فيبطل امتداحه - على قولهم - نفسه بأنه خالق الأشياء.

والوجه الرابع: أنه احتج بعلمه بأفعال الخلق بخلقه تلك الأفعال، وذلك قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ  ﴾ ، وهم قد نفوا الخلق عن الأفعال، وإذا انتفى لم يقع له بها علم؛ فصارت الآيات التي فيها إثبات العلم لا تثبت علما على قولهم، ويكون فيه كذب في الخبر،  الله عن ذلك.

والوجه الخامس: أنه سمى نفسه: محسنا منعما، وأثبت إحسانه وإنعامه بآيات احتج بها على خلقه، وما من نعمة أنعم بها على العباد إلا وقد كانوا لها مستوجبين على الله  ؛ فيصير الله  بإعطائهم ذلك قاضيا ما عليه من الحق بالنعمة، ومن قضى آخر حقّاً كان [عليه] لم يصر به منعما مفضلا، وإنما صار قاضي حق، فصارت الآيات التي فيها إثبات النعم غير مثبتة على قولهم،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ .

أي: بكل شيء لَطُفَ أو جل أو استتر أو ظهر أو اختلط بغيره أو تميز، فهو بصير يبلغه إلى أجله الذي ضرب له، ويأتيه بالرزق الذي قدر له.

أو بصير بأفعال الخلق ما كان وما يكون؛ لأنه ذكر على أثر ذكر الأفعال، وهو قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ  أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ  ﴾ .

ثم في قوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ ترهيب وترغيب وإلزام المراقبة والتيقظ والتبصر؛ وكذلك في قوله: أنه ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ  ﴾ و ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ؛ لأن من علم أن عليه حافظا ورقيبا يعلم بكل شيء يتعاطاه فهو لا يتعاطى إلا المحمود من الفعال والمرضي منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

فهذا صلة قوله: ﴿ أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ إذا خسف بكم الأرض وأرسل عليكم حاصبا من السماء.

وجائز أن يكون على التقديم والتأخير؛ فيكون معناه: أمن هذا الذي هو جند لكم من دون الرحمن ينصركم من عذاب الله إن حل بكم.

أو يكون قوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ ﴾ يدفع عنكم العذاب من دون الله إذا حل بكم.

وجائز أن يكون أريد بالجند: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله  ، فكانوا يعبدونها لتنصرهم ويعزوا بها؛ قال الله -  -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، ثم هم قد علموا أنها لا تقوم بنصرهم ولا تدفع الذل عنهم فيعزوا بها؛ لأنهم كانوا يفزعون إلى الله  عندما يحل [بهم الشدائد] والذل، كما قال -  -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ  ﴾ ، ويتركون الفزع إلى آلهتهم؛ لعلمهم أنها لا تعزهم ولا تنصرهم، فذكرهم في حالة الأمن ما قد عرفوا وقوعه في حالة الخوف؛ لينقلعوا عن عبادة الأصنام ويقبلوا على عبادة رب الأنام؛ ليدفع عنهم الشدائد والأهوال والآلام إذا حلت بهم من خاص أو عام، ويقوم بعزهم إذا لحقهم الذل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ﴾ .

أي: اغتروا في عبادتهم آلهتهم؛ لتقوم بنصرهم وعزهم، مع ما علموا أنها لا تدفع عنهم شدة ولا تحصل لهم عزّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ .

هم كانوا يرجون رزقهم من السماء والأرض، فيقول: من [ذا] الذي يرزقكم إن لم يرسل عليكم من السماء مطرا، ولا زلل لكم الأرض للنبات.

وقد علموا أيضاً أن لا رازق لهم غير الله  ؛ لأنهم كانوا يفزعون إليه بالسؤال للرزق عندما يبلون بالقحط والجدوبة، فذكرهم في حال السعة ما له عليهم من عظيم النعمة في توسيع الرزق عليهم؛ ليشكروه ولا يكفروه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ .

فالعاتي: هو المارد الشديد السفه؛ فكأنه يقول: لجوا وعتوا في قبول الحق، وتمادوا في طغيانهم، ولم يتذكروا ولم يراقبوا الله  ، ولم يشكروا له، بل بعدوا عن قبول ذلك كله، فقوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: على التخويف والتهويل.

والثاني: على التنبيه والتذكير، وتسفيه أحلامهم.

والثالث: على البشارة لرسول الله  بالنصر له [وبإجابة دعوته] على أهل الكفر.

فوجه التنبيه والتذكير وتسفيه الأحلام ما ذكرنا: أنهم قوم كانوا يعبدون الأصنام لتنصرهم وتعزهم في الدنيا، وليبتغوا به الرزق من عندها؛ إذ هم كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ ليطلبوا بعبادتها عين الآخرة والنصر فيها، وإنما كانوا يطمعون ذلك منها في الدنيا، ثم هم في الدنيا كانوا إذا نزلت بهم الشدة والفزع تضرعوا إلى الله  ، كما قال: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، ولم يكونوا يفزعون إلى أصنامهم؛ فكيف اتخذوها جندا ينصرهم عند النوائب، وقد أحاط علمهم أنها لا تنصرهم ولا تغني عنهم من عذاب الله شيئاً؟!

فيكون فيه تسفيه أحلامهم، وتنبيه من عذاب الله؛ ليمنعهم ذلك عن عبادة غير الله  ، ويدعوهم إلى عبادة من يملك دفع الشدائد عنهم إذا حلت بهم.

وأما وجه التخويف، فهو: أنه يجوز أن يكون قيل لهم هذا عندما ابتلوا بالشدائد وضيق العيش، فيقول لهم: استنصروا من آلهتكم واسألوا الرزق من عندها، هل يملكون لكم رزقا أو يدفعون عنكم ذلا، وهل يقوون على نصركم؟!

وجائز أن يكون فيه بشارة لرسول الله  بالنصر له [وبإجابة دعوته] وقد وجد النصر له؛ لأنه غلب عليهم يوم فتح مكة، ولم يتهيأ لأهلها أن ينتصروا، بل غلبوا وقهروا وفاز رسول الله  بالغلبة والقهر ومن كان معه حتى استكانوا ولانوا وتضرعوا إلى رسول الله  في ذلك حتى دعا لهم، وابتلوا أيضاً بالقحط والسنين؛ بدعاء رسول الله  حتى رفع الله عنهم القحط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

ففي هذه الآية تذكير وتنبيه وتخويف وتهويل وتعريف حال هي على خلاف ما هم عليها في الحال.

ثم ذكر الصراط في الذي يمشي [سويّاً، ولم يذكر الصراط في الذي يمشي] مكبّاً، فهو على الإضمار كأنه يقول: أفمن يمشي مكبّاً على غير الصراط أهدى، أمن يمشي سويّاً على [صراط مستقيم]؟!

فيكون هذا تذكيراً وتنبيهاً وتسفيهاً لأحلامهم؛ لأن الذين آثروا الإيمان وسلكوا طريقه، فإنما سلكوا بالحجج والبراهين، والذين آثروا الكفر آثروه من غير حجة، بل حيرتهم وسفههم هما اللذان دعواهم إلى التزام الكفر [والتدين به]، ومن آثر [الحيرة والعمى] على الهدى والرشاد فهو سفيه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ ﴾ أي: أهدى طريقا، أم الذي يمشي سويا على صراط مستقيم، وحق هذا الكلام أن يقال: بل الذي يمشي على صراط مستقيم هو الأهدى من الذي يختار الطريق المعوج الزائغ عن الرشاد، فيكون في الوجه الأول معنى التخويف والتذكير والتنبيه جميعاً، وفي الوجه الثاني تذكير وتنبيه.

وقولنا بأن فيه تعريف حَالٍ خلاف الحال التي هم عليها: أن كل واحد من الفريقين - أعني به: أهل الإسلام وأهل الكفر - يزعم أنهم على الهدى، والفريق الآخر على الضلال، وإذا اتفقت الدعاوي على تضليل أحد الفريقين، ثم لا بد أن يكون جزاء الضال غير جزاء المهتدي، وجزاء الولي غير جزاء العدو.

ثم الدنيا تمر على الفريقين على جهة واحدة؛ فلا بد من تثبيت دار أخرى، والقول بها للجزاء، فيكون فيما ذكروا إيجاب القول بالبعث والإقرار به؛ فهذا الذي ذكرنا هو يعرفهما خلاف الحالة التي هم عليها؛ ولأن الذي يمشي مكبا على غير الطريق هو الأعمى الذي لا يبصر، [و] المقعد الذي لا يقوى على المشي، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو الذي ليست به زمانة ولا به عمى يمنعه عن الصراط؛ فيكون قوله: ﴿ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ هو الأعمى، والذي يمشي سويا على صراط مستقيم هو السميع البصير؛ فيكون معناه ما قال في سورة هود: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا أحد يرزقكم إن منع الله رزقه أن يصل إليكم، بل الحاصل أن الكفار تمادوا في العناد والاستكبار، والامتناع عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.bE6e0"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله