الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ٢٦ من سورة الملك
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة الملك: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قل إنما العلم عند الله ) أي : لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ، عز وجل ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ، ( وإنما أنا نذير مبين ) وإنما علي البلاغ ، وقد أديته إليكم .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وَسلم: قل يا محمد لهؤلاء المستعجليك بالعذاب وقيام الساعة: إنما علم الساعة، ومتى تقوم القيامة عند الله لا يعلم ذلك غيره ( وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) يقول: وما أنا إلا نذير لكم أنذركم عذاب الله على كفركم به ( مُبِينٌ ) : قد أبان لكم إنذاره.
قوله تعالى : قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبينقوله تعالى : قل إنما العلم عند الله أي قل لهم يا محمد علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره .
نظيره : قل إنما علمها عند ربي .
الآية .وإنما أنا نذير مبين أي مخوف ومعلم لكم .
ولكن هذا الوعد بالجزاء، ينكره هؤلاء المعاندون { وَيَقُولُونَ } تكذيبًا: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } جعلوا علامة صدقهم أن يخبروا بوقت مجيئه، وهذا ظلم وعناد فإنما العلم عند الله لا عند أحد من الخلق، ولا ملازمة بين صدق هذا الخبر وبين الإخبار بوقته، فإن الصدق يعرف بأدلته، وقد أقام الله من الأدلة والبراهين على صحته ما لا يبقى معه أدنى شك لمن ألقى السمع وهو شهيد.
"قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين".
«قل إنما العلم» بمجيئه «عند الله وإنما أنا نذير مبين» بيِّن الإنذار.
ويقول الكافرون: متى يتحقق هذا الوعد بالحشر يا محمد؟
أخبرونا بزمانه أيها المؤمنون، إن كنتم صادقين فيما تدَّعون، قل -أيها الرسول- لهؤلاء: إن العلم بوقت قيام الساعة اختصَّ الله به، وإنما أنا نذير لكم أخوِّفكم عاقبة كفركم، وأبيِّن لكم ما أمرني الله ببيانه غاية البيان.
وهنا يأمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم للمرة الثالثة ، أن يرد عليهم الرد الذى يكبتهم فيقول : ( قُلْ إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) .أى : قل لهم يا محمد علم قيام الساعة ، وعلم اليوم الذى سننتصر فيه عليكم .
.
عند الله - تعالى - وحده ، لأن هذا العلم ليس من وظيفتى .وإنما وظيفتى أنى نذير لكم ، أحذركم من سوء عاقبة كفركم ، فإذا استجبتم لى نجوتم ، وإن بقيتم على كفركم هلكتم .واللام فى قوله : ( العلم ) للعهد : أى : العلم بوقت هذا الوعد ، عند الله - تعالى - وحده .والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدى ، أى : مبين لما أمرت بتبليغه لكم بيانا واضحا لا لبس فيه ولا غموض .
والمراد أن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع، فالعلم الأول حاصل عندي، وهو كاف في الإنذار والتحذير، أما العلم الثاني فليس إلا لله، ولا حاجة في كوني نذيراً مبيناً إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ الضمير للوعد.
والزلفة: القرب، وانتصابها على الحال أو الظرف، أي: رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي ساءت رؤية الوعد وجوههم: بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة، وكلحوا، وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب ﴿ وَقِيلَ ﴾ القائلون: الزبانية ﴿ تَدَّعُونَ ﴾ تفتعلون من الدعاء، أي: تطلبون وتستعجلون به.
وقيل: هو من الدعوى، أي: كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون.
وقرئ: ﴿ تدعون ﴾ ، وعن بعض الزهاد: أنه تلاها في أول الليل في صلاته، فبقي يكررها وهو يبكي إلى أن نودي لصلاة الفجر، ولعمري إنها لوقاذة لمن تصور تلك الحالة وتأملها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ أيِ الحَشْرُ أوْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والحاصِبِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يَعْنُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ قُلْ إنَّما العِلْمُ ﴾ أيْ عِلْمُ وقْتِهِ.
﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
﴿ وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ والإنْذارُ يَكْفِي فِيهِ العِلْمُ بَلِ الظَّنُّ بِوُقُوعِ المُحَذَّرِ مِنهُ.
﴿ فَلَمّا رَأوْهُ ﴾ أيِ الوَعْدَ فَإنَّهُ بِمَعْنى المَوْعُودِ.
﴿ زُلْفَةً ﴾ ذا زُلْفَةٍ أيْ قُرْبٍ مِنهم.
﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِأنْ عَلَتْها الكَآبَةُ وساءَتْها رُؤْيَةُ العَذابِ.
﴿ وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ تَطْلُبُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ تَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أوْ تَدَّعُونَ أنْ لا بَعْثَ فَهو مِنَ الدَّعْوى.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ إِنَّمَا العلم} أي علم وقت العذاب {عِندَ الله وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ} مخوّف {مُّبِينٌ} أبين لكم الشرائع
﴿ قُلْ إنَّما العِلْمُ ﴾ أيِ العِلْمُ بِوَقْتِهِ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ عَزَّ وجَلَّ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ﴾ ﴿ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أُنْذِرُكم وُقُوعَ المَوْعُودِ لا مَحالَةَ وأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ وُقُوعِهِ فَلَيْسَ مِن وظائِفِ الإنْذارِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يعني: حزب لكم ومنفعة لكم.
يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ يعني: من عذاب الرحمن ومعناه: هاتوا أخبروني من الذي يمنعكم من عذاب الله تعالى إن عصيتموه.
إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ يعني: ما الكافرون إلا في خداع وأباطيل.
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ يعني: من الذي يرزقكم إن حبس الله رزقه؟
وهذا كقوله: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 3] ؟
ثم قال: بَلْ لَجُّوا يعني: تمادوا في الذنب.
ويقال: تمادوا في الكفر.
ويقال: بل مضوا فِي عُتُوٍّ يعني: في تكبر وَنُفُورٍ يعني: تباعداً من الإيمان.
ثم قال عز وجل: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ يعني: الكافر يمشي ضالاً في الظلمة أعمى القلب.
أَهْدى يعني: هو أصوب دينا.
أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو المؤمن يعمل بطاعة الله يعني: على دين الإسلام.
وقال قتادة: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ، قال: هو الكافر عمل بمعصية الله، يحشره الله تعالى يوم القيامة على وجهه أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، هو المؤمن يعمل بطاعة الله تعالى، يسلك به يوم القيامة طريق الجنة.
وقال الزجاج: أعلم الله تعالى أن المؤمن يسلك الطريق المستقيم، وإن كان الكافر في ضلال بمنزلة الذي يمشي مكباً على وجهه.
قال مقاتل: نزلت في شأن أبي جهل وقال بعضهم: هو وجميع الكفار.
ثم قال: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ يعني: خلقكم وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لكي تسمعوا بها الحق، وَالْأَبْصارَ يعني: لكي تبصروا، وَالْأَفْئِدَةَ يعني: القلوب لكي تعقلوا بها الهدى.
قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: شكركم فيما صنع إليكم قليلاً.
ويقال: معناه خلق لَكُمُ السمع والابصار والافئدة آلة لطاعات ربكم، وقطعاً لحجتكم، وقدرة على ما أمركم فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ولم توحدوه.
ثم قال عز وجل: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: خلقكم.
ويقال: كثركم في الأرض، وأنزلكم في الأرض.
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يعني: إليه ترجعون بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: البعث بعد الموت إن كنتم صادقين أنَّا نبعث، خاطبوا به النبيّ بلفظ الجماعة.
ويقال: أراد به النبيّ وأصحابه.
قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم قيام الساعة عند الله.
وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوف أخوفكم بلغة تعرفونها.
قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ يعني: لما رأوا العذاب قريباً.
ويقال: لما رأوا القيامة قريبة وسيئت وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ذللت، ويقال: قبحت وسودت.
وقال القتبي: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً يعني: لما رأوا ما وعدهم الله قريباً منهم وقال الزجاج: سِيئَتْ أي: تبيَّن فيها السوء فى وجوه الذين كفروا.
وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ، أي: تشكون في الدنيا قرأ قتادة، والضحاك، ويعقوب الحضرمي: تَدْعُونَ بالتخفيف يعني: تستعجلون، وتدعون إليه في قولكم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقراءة العامة تَدَّعُونَ بالتشديد يعني: تكذبون.
ويقال: من أجله تَدَّعُونَ الأباطيل يعني: تدعون أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً، لا ترجعون ولا تجازون.
ويقال: تَدَّعُونَ أي: تتمنون.
قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ يعني: إن عذبنا الله أَوْ رَحِمَنا يعني: غفر لنا.
فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ يعني: من ينجيهم ويغيثهم مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يعني: إن النبيّ قال لهم: «نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بالله، وَنَتَوَسَّلُ بِعِبَادَتِهِ إلَيهِ، لاَ نَأْمَنُ عَذَابَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ مَعَ كُفْرِكُم بِهِ مِنْ عَذَابِهِ وَعُقُوبَتِهِ؟» فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ يعني: قل هو الرحمن بفضله، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا.
وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا يعني: فوضنا إليه أمورنا.
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: فستعرفون، عند نزول العذاب، من هو في خطأ بيِّن.
قرأ الكسائي: فَسَيَعْلَمُونَ بالياء بلفظ الخبر، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني: سوف تعلمون يا كفار مكة.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً يعني: إن صار ماؤكم غائراً، لا تناله الأيدي ولا الدعاء.
فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ يعني: بماء طاهر.
والغور والغائر، يقال: ماء غور.
ومياه غور وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع.
وقال مجاهد: بِماءٍ مَعِينٍ يعني: جار.
وروى عكرمة، عن ابن عباس- ما- يعني: الطاهر.
وروى أبو هريرة، عن النبيّ قال: «سُورَةٌ فِي القُرْآنِ ثَلاَثُونَ، شُفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ.
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» .
وروى زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: يؤتى بالرجل في قبره من قبل رأسه، فيقول له: ليس لكم علي من سبيل.
قد كان يقرأ على سورة الملك، فيؤتى من قبل رجليه، فيقول: ليس لك علي سبيل.
كان يقوم بسورة الملك، فيؤتى من قبل جوفه، فيقول: ليس لك علي سبيل.
قد أوعاني سورة الملك، قال: وهي المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر.
وروى ابن الزبير، عن جابر قال: كان النبيّ لا ينام حتى يقرأ سورة الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
في الحديث، ويُقالُ: أكَبَّ الرجلُ إذا دَرَّ وجهه إلى الأرض، وكبّه غيره، قال- عليه الصلاة والسلام-: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» «١» فَهَذَا الفِعْلُ على خلافِ القَاعِدَة المعلومةِ لأَنَّ «أَفْعَلْ» هنا لا يتعدّى، و «فَعَلَ» يَتَعَدَّى، ونظيرُه قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ فانْقَشَعَ، وقال- ص-: مُكِبًّا حالٌ وهو مِنْ أَكَبَّ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَكَبَّ متعدٍ، قال تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والهَمْزَةُ فيه للدخولِ في الشيءِ، أو للصيرورَةِ، ومطاوع/ كَبَّ: انْكَبّ، تَقُولُ كَبَبْتُه فانْكَبَّ، قال بَعْضُ الناس:
ولاَ شَيْءَ من بناءِ «أفْعَلَ» مطاوعاً، انتهى، وأَهْدى في هذه الآية أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الهُدَى.
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يريدونَ أمْرَ القيامةِ والعذابِ المتوعَّدِ به، ثم أمرَ سبحانه نبيه ع أنْ يخبرَهم بأنَّ علمَ القيامةِ والوعدَ الصدقَ مما تفرَّدَ اللَّهُ- سبحانه- بعلمهِ.
وقوله سبحانه: فَلَمَّا رَأَوْهُ الضميرُ للعَذَابِ الذي تَضَمَّنَه الوعدُ، وهذهِ حكايةُ حَالٍ تأتِي، والمَعْنى: فإذا رأوه.
وزُلْفَةً معناه قريبا، قال الحسن: عيانا «٢» .
وسِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا معناهُ: ظَهَرَ فيها السوءُ.
وتَدَّعُونَ معناه: تَتَدَاعَوْنَ أمْرَه بينكم، وقال الحسن: تدعون أنَّه لاَ جَنَّةَ ولاَ نار «٣» ، ورُوِيَ في تأويل قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ ...
الآية، أنَّهم كانوا يدعون على محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَه بالهلاكِ، فقال اللَّه تعالى لنبيه: قلْ لهم: أرأيتم
إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ معي أو رحمَنا، فمن يُجِيرُكُم مِنْ العذاب الذي يُوجِبُه كفرُكم؟، ثم وَقَفَهم سبحانه على مِيَاهِهِم التي يَعيشُونَ منها، إنْ غَارَتْ، أي: ذَهَبَتْ في الأرضِ، مَنْ يَجِيئُهم بماءٍ كثيرٍ كافٍ؟
- ص-: والغَوْرُ: مَصْدَرٌ بمعنى الغَائِر، انتهى، والمَعِينُ: فَعِيلٌ مِنْ مَعَنَ المَاءُ إذا كَثُرَ، وقالَ ابن عباس: معين عذب «١» :
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.
ولَفْظُ "الجُنْدِ" مُوَحَّدٌ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: " هَذا الَّذِي هو " والمَعْنى: لا جُنْدَ لَكم "يَنْصُرُكُمْ" أيْ: يَمْنَعُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ أرادَهُ بِكم "إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ" وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ يَغُرُّهُمْ، فَيَقُولُ: إنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِكم ﴿ أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ﴾ المَطَرَ وغَيْرَهُ ﴿ إنْ أمْسَكَ ﴾ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْكم ﴿ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ﴾ أيْ: تَمادٍ في كُفْرٍ ﴿ وَنُفُورٍ ﴾ عَنِ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لا يُبْصِرُ يَمِينًا، ولا شِمالًا، ولا مِن بَيْنِ يَدَيْهِ.
يُقالُ: أكَبَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ بِالألِفِ، وكَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وأرادَ: الأعْمى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ، والكافِرِ.
و"السَّوِيُّ" المُعْتَدِلُ، أيِ: الَّذِي يُبْصِرُ الطَّرِيقَ.
وقالَ قَتادَةُ: هَذا في الآخِرَةِ يَحْشُرُ اللَّهُ الكافِرَ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ يَمْشِي سَوِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم لا يَشْكُرُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: يَشْكُرُونَ قَلِيلًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَرَأكُمْ ﴾ أيْ: خَلَقَكم ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ بِالوَعْدِ: العَذابَ ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً ﴾ أيْ: رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا مِنهم ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: قُبِّحَتْ بِالسَّوادِ ﴿ وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ "تَدَّعُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى تَدْعُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وهو "تَفْتَعِلُونَ" مِنَ الدُّعاءِ.
يُقالُ: دَعَوْتُ، وادَّعَيْتُ، كَما يُقالُ: خَبَرْتُ واخْتَبَرْتُ، ومِثْلُهُ: يَدَّكِرُونَ، ويَدْكُرُونَ هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ مِن أجْلِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأكاذِيبَ، تَدَّعُونَ أنَّكم إذا مُتُّمْ لا تُبْعَثُونَ؟!
وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: "تَدْعُونَ" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وسُكُونِها، بِمَعْنى تَفْعَلُونَ مِنَ الدُّعاءِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانُوا يَدْعُونَ بِالعَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومَن مَعِيَ أو رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ هو الرَحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّ عِلْمَ يَوْمِ القِيامَةِ والوَعْدَ الصِدْقَ هو مِمّا يَنْفَرِدُ اللهُ تَعالى بِهِ، وأنْ مُحَمَّدًا إنَّما هو نَذِيرٌ يَعْلَمُ ما عُلِّمَ، ويُخْبَرُ بِما أُمِرَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوهُ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَذابِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الوَعْدُ، وهَذِهِ حِكايَةُ حالٍ تَأْتِي، والمَعْنى: فَإذا رَأوهُ، و"زُلْفَةً" مَعْناهُ: قَرِيبًا وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حاضِرًا، و"سِيئَتْ" مَعْناهُ: ظَهَرَ فِيها السُوءُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سِيئَتْ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، ونافِعٌ أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بِالإشْمامِ بَيْنَ الضَمِّ والكَسْرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدَّعُونَ" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها، عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَ، أيْ: تَتَداعُونَ أمْرَهُ بَيْنَكُمْ، وقالَ الحَسَنُ: تَدَّعُونَ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَسارٍ، وَسَلامٌ: "تَدْعُونَ" بِسُكُونِ الدالِ، عَلى مَعْنى: تَسْتَعْجِلُونَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ ، ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً ﴾ ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
ورُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومَن مَعِيَ أو رَحِمَنا ﴾ الآيَةُ..
أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ بِالهَلاكِ، وقِيلَ: بَلْ كانُوا يَتَآمَرُونَ بَيْنَهم بِأنْ يُهْلِكُوهم بِالقِتالِ ونَحْوِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى لَهُ: قُلْ لَهُمْ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ هَذا الَّذِي تُرِيدُونَ بِنا وتَمَّ ذَلِكَ فِينا، أو أرَأيْتُمْ إنْ رَحِمَنا اللهُ فَنَصَرَنا ولَمْ يُهْلِكْنا مَن يُجِيرُكم مِنَ العَذابِ الَّذِي يُوجِبُهُ كُفْرُكم عَلى كُلِّ حالٍ؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنْ أهْلَكَنِيَ اللهُ ومِن مَعِي" بِنَصْبِ الياءَيْنِ، وأسْكَنَ الكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - الياءُ فِي: "مَعِي"، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءَيْنِ، ورَوى الحَسَنُ عن نافِعٍ أنَّهُ أسْكَنَ الياءَ مَن "أهْلَكَنِي"، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَحْرِيكُ في الياءَيْنِ حَسَنٌ وهو الأصْلُ، والإسْكانُ -كَراهِيَةُ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِينِ- لِلنَّجاةِ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَسَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى مِياهِهِمُ الَّتِي يَعِيشُونَ مِنها إنْ غارَتْ -أيْ ذَهَبَتْ في الأرْضِ- مَن يَجِيئُهم بِماءٍ كَثِيرٍ كافٍ؟
و"الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابُ مَوْرًا والماءُ غَوْرًا".
و"المَعِينُ" فَعِيلٌ مِن "مَعِنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، أو مَفْعُولٍ مِن "العَيْنِ"، أيْ: جارٍ كالعَيْنِ، أصْلُهُ مَعْيُونٌ، وقِيلَ: هو مِنَ "العَيْنِ" لَكِنْ مِن حَيْثُ يَرى بِعَيْنِ الإنْسانِ، لا مِن حَيْثُ يُشْبِهُ العَيْنَ الجارِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: معِينٍ: عَذْبٍ، وعنهُ -فِي كِتاب الثَعْلَبِيِّ - مَعِينٍ: جارٍ، وفي كِتابِ النِقّاشِ: مَعِينٍ طاهِرٍ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وابْنُ الكَلْبِيُّ: أُشِيرَ في هَذا الماءِ إلى بِئْرِ زَمْزَمٍ وبِئْرِ مَيْمُونٍ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هاتانِ عِظَمَ ماءِ مَكَّةَ، وإلّا فَكانَتْ فِيها آبارٌ كَثِيرَةٌ كَخَمِّ والجَفْرِ وغَيْرِهِما.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ والحمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
لما لم تكن لهم معارضة للحجة التي في قوله: ﴿ هو الذي أنشأكم ﴾ [الملك: 23] إلى ﴿ هو الذي ذرأكم في الأرض ﴾ [الملك: 24] انحصر عنادهم في مضمون قوله: ﴿ وإليه تحشرون ﴾ [الملك: 24] فإنهم قد جحدوا البعث وأعلنوا بجحده وتعجبوا من إنذار القرآن به، وقال بعضهم لبعض ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جِنة ﴾ [سبأ: 78] وكانوا يقولون: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [سبأ: 29] واستمروا على قوله، فلذلك حكاه الله عنهم بصيغة المضارع المقتضية للتكرير.
و ﴿ الوعد ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي متى هذا الوعد فيجوز أن يراد به الحشر المستفاد من قوله: ﴿ وإليه تحشرون ﴾ [الملك: 24] فالإشارة إليه بقوله: ﴿ هذا ﴾ ظاهرة، ويجوز أن يراد به وعد آخر بنصر المسلمين، فالإشارة إلى وعيد سمعوه.
والاستفهام بقولهم: ﴿ متى هذا الوعد ﴾ مستعمل في التهكم لأن من عادتهم أن يستهزئوا بذلك قال تعالى: ﴿ فسيقولون من يُعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو ﴾ [الإسراء: 51] وأتوا بلفظ ﴿ الوعد ﴾ استنجازاً له لأن شأن الوعد الوفاء.
وضمير الخطاب في: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين لأنهم يلهجون بإنذارهم بيوم الحشر، وتقدم نظيره في سورة سبأ.
وأمر الله رسوله بأن يجيب سؤالهم بجملة على خلاف مرادهم بل على ظاهر الاستفهام عن وقت الوعد على طريقة الأسلوب الحكيم، بأن وقت هذا الوعد لا يعلمه إلاّ الله، فقوله: ﴿ قل ﴾ هنا أمر بقول يختص بجواب كلامهم وفصل دون عطف بجريان المقول في سياق المحاورة، ولم يعطف فعل ﴿ قل ﴾ بالفاء جرياً على سنن أمثاله الواقعة في المجاوبة والمحاورة، كما تقدم في نظائره الكثيرة وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).
ولام التعريف في العلم} للعهد، أي العلم بوقت هذا الوعد.
وهذه هي اللام التي تسمى عوضاً عن المضاف إليه، وهذا قصر حقيقي.
﴿ وإنما أنا نذير مبين ﴾ قصر إضافي، أي ما أنا إلاّ نذير بوقوع هذا الوعد لا أتجاوز ذلك إلى كوني عالماً بوقته.
والمبين: اسم فاعل من أبان المتعدي، أي مبين لما أمرت بتبليغه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى ﴾ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْهُدى والضَّلالَةِ، ومَعْناهُ لَيْسَ مَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ ولا يَنْظُرُ أمامَهُ ولا يَمِينَهُ ولا شِمالَهُ.
كَمَن يَمْشِي سَوِيًّا مُعْتَدِلًا ناظِرًا ما بَيْنَ يَدَيْهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالمُكِبُّ عَلى وجْهِهِ الكافِرُ يَهْوِي بِكُفْرِهِ، واَلَّذِي يَمْشِي سَوِيًّا المُؤْمِنُ يَهْتَدِي بِإيمانِهِ، ومَعْناهُ: أمَّنَ يَمْشِي في الضَّلالَةِ أهْدى أمْ مَن يَمْشِي مُهْتَدِيًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ المُكِبَّ عَلى وجْهِهِ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطَّرِيقَ الواضِحَ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ، فَيَكُونُ نَعْتًا لِلْمَثَلِ المَضْرُوبِ.
الثّانِي: هو الحَقُّ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَيَكُونُ جَزاءُ العاقِبَةِ الِاسْتِقامَةَ وخاتِمَةَ الهِدايَةِ.
﴿ قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: نَشَرَكم فِيها وفَرَّقَكم عَلى ظَهْرِها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْشَأكم فِيها إلى تَكامُلِ خَلْقِكم وانْقِضاءِ أجْلِكم.
﴿ وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ.
﴿ فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ظَهَرَتِ المَساءَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ كَراهَةً لِما شاهَدُوا، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
الثّانِي: ظَهَرَ السُّوءُ في وُجُوهِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى كُفْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ .
﴿ وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ وهَذا قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم، وفي قَوْلِهِ ﴿ كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَمْتَرُونَ فِيهِ وتَخْتَلِفُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: تَشُكُّونَ في الدُّنْيا وتَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ دُعاؤُهم بِذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: جبالها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة أن بشير بن كعب قرأ هذه الآية ﴿ فامشوا في مناكبها ﴾ فقال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله، قالت: فإن مناكبها جبالها، فسأل أبا الدرداء رضي الله عنه، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ مناكبها ﴾ قال: أطرافها وفجاجها.
وأخرج الخطيب في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية ﴿ قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ﴾ » .
وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ﴾ [ الأنعام: 98] إلى قوله: ﴿ يفقهون ﴾ ﴿ هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ﴾ إلى ﴿ تشكرون ﴾ فإنه يبرأ بإذن الله تعالى» .
وأخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان والحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف» وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد محترفاً» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟
قالوا: المتوكلون، فقال: أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه.
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أأمنتم من في السماء ﴾ قال: الله تعالى، وفي قوله: ﴿ فإذا هي تمور ﴾ قال: يمور بعضها فوق بعض واستدارتها، وفي قوله: ﴿ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ قال: يبسطن أجنحتهن ﴿ ويقبضن ﴾ قال: يضربن بأجنحتهن.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إلا في غرور ﴾ قال: في باطل.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول حسان: تمنتك الأماني من بعيد ** وقول الكفر يرجع في غرور وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: في الضلال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بل لجوا في عتو ونفور ﴾ قال: كفور، وفي قوله: ﴿ أفمن يمشي مكبّاً على وجهه ﴾ قال: في الضلالة ﴿ أمَّنْ يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ قال: على الحق المستقيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أفمن يمشي مكبّاً ﴾ قال: في الضلال ﴿ أمّن يمشي سويّاً ﴾ قال: مهتدياً.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن يمشي مكباً على وجهه ﴾ قال: هو الكافر عمل بمعصية الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه ﴿ أم من يمشي سويّاً على صراط مستقيم ﴾ يعني المؤمن عمل بطاعة الله يحشره الله على طاعته وفي قوله: ﴿ فلما رأوه ﴾ قال: لما رأوا عذاب الله ﴿ زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴾ قال: ساءت بما رأت من عذاب الله وهوانه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما رأوه زلفة ﴾ قال: قد اقترب.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ ﴿ وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ﴾ مخففة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم أنه قرأ ﴿ تدعون ﴾ مثقلة قال أبو بكر: تفسير تدعون تستعجلون.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ الضمير للكفار والوعد يراد به البعث أو عذابهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ من تفوّت ﴾ من التفعل: حمزة وعلي ﴿ هل ترى ﴾ بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ ولقد زينا ﴾ مثل ﴿ لقد سمع ﴾ : ابن فليح ﴿ فسحقا ﴾ بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون ﴿ أءمنتم ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر.
والباقون ﴿ ءأمنتم ﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿ نذيري ﴾ ﴿ ونكيري ﴾ كنظائرهما.
﴿ سيئت ﴾ مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.
﴿ يدعون ﴾ بسكون الدال: يعقوب.
﴿ أهلكني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة ﴿ معي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ فسيعلمون ﴾ على الغيبة: علي.
الوقوف ﴿ الملك ﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿ قدير ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ عملاً ﴾ ه ﴿ الغفور ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿ طباقاً ﴾ ط ﴿ تفاوت ﴾ ط ﴿ البصر ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿ فطور ﴾ ه ﴿ حسير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تفور ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿ الغيظ ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ يذنبهم ﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ أو اجهروا به ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ خلق ﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من رزقه ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ هي تمور ﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿ أم أمنتم ﴾ ﴿ حاصبا ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ ويقبض ﴾ م ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط ﴿ غرور ﴾ ه ﴿ رزقه ﴾ ط ﴿ ونفور ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ص ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ رحمنا ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج ومن قرأ ﴿ فسيعلمون ﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ معين ﴾ ه.
التفسير: كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ وهو على ﴾ إيجاد ﴿ كل ﴾ ممكن وإعدامه ﴿ قدير ﴾ بيانه أنه ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك.
فالموت نظير الإعدام والحياة مثلا الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهراً.
أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى.
قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم.
زعم الكلبي أنه قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه.
ومعنى الغاية في قوله ﴿ ليبلوكم ﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعياً إلى جسن العمل وزاجراً عن ضده.
وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.
عن النبي أنه تلاها فلما بلغ قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله.
وعنه أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى" والابتلاء مجاز كما مر في قوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ﴾ وفي الكهف قوله ﴿ أيكم أحسن عملاً ﴾ مفعول ثاني ﴿ ليبلوكم ﴾ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ﴿ الغفور ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما ﴿ الذي خلق سبع سموات طباقاً ﴾ أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.
ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ﴿ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ﴾ أو تفوّت قال الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله أو لكل راءٍ.
والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على أنه سبب تناسبهن كقوله " خلق الرحمن ".
فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل.
وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول " ق " ﴿ وما لها من فروج ﴾ وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى ﴿ خاسئاً ﴾ بعيداً عن إصابة الملمس، قوله ﴿ ولقد زينا ﴾ قد مر تفسيره في " حم السجدة ".
والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به.
وقيل: معناه جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم.
وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ﴿ وللذين كفروا ﴾ الآية.
ثم وصف جهنم بصفات منمها أن ﴿ لها شهيقاً ﴾ تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار.
ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران.
قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل.
وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله ﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً وغضباً فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجماً ومقداراً فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله ﴿ كلما ألقي ﴾ الآية.
على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع.
احتجوا بأنه ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير.
ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة ﴿ لو كنا نسمع ﴾ الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ﴿ ما كنا في أصحاب السعير ﴾ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم.
احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيهاً على أنه لا بد أولاً من إرشاد المرشد وهداية الهادي.
وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه.
قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أوعلى مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة.
قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن , وأيضاً لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد.
وأيضاً على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعاً فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلاً عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب.
والفاء في قوله ﴿ فاعترفوا ﴾ للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا ﴿ بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.
قال الفراء: الذنب ههنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلاً فيه ﴿ فسحقاً ﴾ أي فبعداً لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا.
والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقاً.
وقال أبو علي: إسحاقاً إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم " عمرك الله " ثم أتبهم الوعيد الوعد قائلاً ﴿ إن الذين ﴾ الآية.
وقد مر مراراً.
ثم هدد على العموم فقال ﴿ وأسروا ﴾ وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله ﴿ أنه عليم بذات الصدور ﴾ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بياناً لجهلهم.
ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلاً ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ ومحل " من " رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته من خلقه، وجوز أن يكون " من " بمعنى " ما " ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله .
وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضاً على ذلك لأن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها بناء على الآية.
ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل من أفعاله.
وأنكر في الكشاف أن يكون قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقادير كون " من " مرفوع المحل نحو " فلان يعطي " قال: لأن قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله ﴿ وهو اللطيف ﴾ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفاً، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ﴿ ألا يعلم ﴾ متروك المفعول على تقدير كون " من " مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور.
وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة.
قوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ﴾ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المناقد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز.
قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولاً فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى.
قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة.
ثم قال ﴿ وإليه النشور ﴾ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سراً وجهراً.
ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله ﴿ من في السماء ﴾ ظاهر.
وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم ﴿ أأمنتم من ﴾ تزعمون أنه ﴿ في السماء ﴾ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من السماء ملكوته أو سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء.
ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في " الطور".
والحاصل ريح فيها حصباء وقد مر أيضاً.
ثم هدد وأوعد قائلاً ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ قال عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمداً والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك.
وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة.
قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر.
وقال الواحدي: أراد إنكاري وتغييري.
ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ﴿ أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ﴾ أي باسطات أجنحتهن لأنهم إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.
قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿ ويقبضن ﴾ دون " قابضات " على نحو " صافات " لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارىء على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح.
وإنما قال في " النحل " ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ وفي هذه السورة ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن ﴾ لأن التسخير في جو السماء محض الآلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
﴿ إنه بكل شيء بصير ﴾ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.
قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان.
والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي ﴿ هو جند لكم ﴾ هو ﴿ ينصركم من دون الرحمن ﴾ إن أرسل عذابه عليكم ﴿ إن الكافرون إلا في غرور ﴾ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم, وأبطل الثاني بقوله ﴿ أمن هذا الذي ﴾ يشار إليه هذا الذي ﴿ يرزقكم ﴾ بزعمكم ﴿ إن أمسك ﴾ الله ﴿ رزقه ﴾ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم ﴿ بل لجوا في عتو ﴾ وتباعد عن الحق ﴿ ونفور ﴾ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية.
ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلاً ﴿ أفمن يمشي مكباً ﴾ قال الواحدي " أكب " مطاوع " كب".
وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع " كب " هو " انكب" ومثله " قشعت الريح السحاب فانقشع " وأما الهمزة في " أكب " و " أقشع " فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل.
وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة.
ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب.
وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر.
والأصح التعميم وإن كان السبب خاصاً.البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله.
البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم ﴿ في الأرض ﴾ ثم أشار إلى المعاد بقوله ﴿ وإليه تحشرون ﴾ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة " المؤمنين".
وحين أمر نبيه أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت.
قال أبو مسلم: المراد كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك ﴿ فلما رأوه ﴾ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ من قبيل ﴿ وسيق ﴾ وأجابهم الله بقوله ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافياً الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حجة في النذارة إلى ذلك.
والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب.
قال الحسن: أراد عياناً لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة.
وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكاناً ذا زلفة.
قوله ﴿ سيئت ﴾ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل.
وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازماً ومتعدياً بمعنى القبح أو التقبيح.
قوله ﴿ وقيل هذا الذي ﴾ الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية.
وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.
و ﴿ تدعون ﴾ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.
وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين.
وقيل: استفهام على سبل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول وعلى المؤمنين.
بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول.
﴿ قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ﴾ كما تتمنون فنقلب إلى الجنة ﴿ أو رحمنا ﴾ بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو ﴿ فمن يجير الكافرين من عذاب ﴾ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟
وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟
وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟
وإن رحمنا لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟
النوع الثاني في الجواب ﴿ قل هو الرحمن آمنا به ﴾ ولم نكفر كما كفرتم ﴿ وعليه ﴾ خاصة ﴿ توكلنا ﴾ لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟
ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً ﴾ أي غائراً مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.
عن الكلبي: لا تناله الدلاء.
والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في " الصافات ".
يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز.
قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .
فهذه الآية صلة قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً ﴾ ، ثم في ذكر الإنشاء وجعل السمع والأبصار والأفئدة تذكير قوته وسلطانه وعلمه وحكمته وآلائه وتعاليه عن الأشباه والأمثال.
فوجه [ تذكيره القوة] والسلطان والعلم والحكمة ما يوصف بعد هذا، ويذكر في سورة المرسلات وفي سورة ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ﴾ وسنذكر طرفا من ذلك هاهنا بعون الله وتوفيقه، فنقول بأن الله أنشأنا في أظلم مكان وأضيق موضع، بحيث لا ينتهي إليه تدبير البشر وعلومهم وحكمتهم وقواهم؛ لأن علم الخلق لا يجد نفاذا في الظلمات، وكذلك حكمته، ثم إن الله أنشأه في تلك الظلمات كيف شاء، وأجرى سلطانه وتدبيره على ذلك الشيء؛ ليعلم به أن علمه بالخفيات من الأمور كعلمه بما ظهر منها، ويعرف الخلائق أنه لا يخفى عليه شيء، فيدعوهم ذلك إلى المراقبة في كل ما يسرون وما يعلنون، ويوجب ما ذكرنا نفي تقدير قوته وعلمه وسلطانه بقوى البشر وعلومهم وسلطانهم؛ فيكون فيه إيضاح عن الشبه التي اعترت منكري البعث [في أمر البعث]، ويحملهم على الإيمان [به] إذا أمعنوا النظر فيه، وليعلموا أن من بلغت حكمته ما ذكرنا لا يجوز أن يخلقهم سدى لا يخاطبهم ولا ينهاهم بل يتركهم هملا.
وأما وجه تعاليه عن الأشباه والأشكال: هو أنه أنشأ الخلق في أظلم مكان وأضيقه كان فيه إبانة أنه لا يوصف بالكون في ذلك المكان الذي ظهر فيه آثار فعله؛ لأنه في وقت ما خلق عمرا في بطن أمه، فقد خلق زيدا في ذلك الوقت في بطن أمه، وخلق خلائق في بطون الأنعام والسباع وبطون بنات آدم، وأنشا النبات في الأرضين في ذلك الوقت، ولو كان يوصف بالكون في مكان الفعل، لكان إذا أخذ في خلق هذا لا يخلق في ذلك الوقت في أقطار الأرض وأمثاله من الخلائق؛ فدل أن الفعل ليس يتحصل منه بشهوده المكان الذي ظهر فيه فعله، وإنما يكون بما [ظهر لنا بمقتضى] قوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
وأما سائر الفَعَلة فهم لا يتمكنون من الفعل إلا بشهودهم مكان الفعل؛ فهذا الذي ذكرناه ينفي عنه شبه الخلق، ويوجب تعاليه عن الأشكال، وفيه تذكير نعمه ومننه على خلقه؛ ألا ترى أنه قال على أثر هذا: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ؟!
ولو لم يكن منعماً مُفْضِلاً، لم يكن يستأدي منهم الشكر.
ووجه النعمة: هو أنه قدره في تلك الظلمات وصانه عن الآفات، وعن كل أنواع الأذى، وغذاه في ذلك الموضع بما شاء من الأغذية، وستره عن أبصار الناظرين، وغيبه عن أعينهم؛ لأنه في تلك الحال بالمحل الذي يستعاف ويستقذر منه، ولا يمكن أن يدفع عنه المعنى الذي وقعت به الاستعافة والاستقذار بالتطهير، وأنشأ له السمع والبصر والفؤاد؛ ليصل بها إلى أنواع العلوم والمصالح؛ فلزمهم أن يقوموا بشكر ذلك.
وفيما ذكرنا نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يزعمون أن الله لو خلقهم على غير الوجه الذي ظهر، لكان جائراً؛ لأن من مذهبهم: أنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم، وإذا كان خلقهم هو الأصلح، ومن شرطه فعل الأصلح، فإذن هو صار قاضي حق، وليس لقاضي الحق على المقضي موضع منة، ولا منه بمكانة ولا نعمة يلزمه شكرها له.
ثم قوله عز وجل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ : أي: جعل لكم السمع؛ لتسمعوا ما غاب عنكم ونأى، فتعرفوه بالسمع، وأنشأ لكم الأبصار؛ لتبصروا بها ما حضر من الأشياء، وتعرفوا بها ما ينفعكم وما يضركم، وما خبث منها وما طاب، وأنشأ لكم أفئدة تدركون بها حقائق الأشياء، ومبادى الأمور ومآلها، وما حل منها وما حرم.
ثم خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر؛ لما بها يتوصل إلى العلوم ومعرفة الأشياء؛ قال الله - -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ، ومعناه: أنه أنشأ لكم هذه الأشياء؛ لتهتدوا بها، وتصلوا بها إلى أنواع العلوم؛ فثبت أن هذه الأشياء هي التي يتوصل بها إلى العلم والحكمة، وإلى ما به المصلحة والمنفعة؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ، فلو لم يقع بها الوصول إلى علم الأشياء، لكان لا يخص بالسؤال عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ جمع في هذه الآية بين خبرين: أحدهما: مما قد نوزع فيه، وهو قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فإن بعض الكفرة ينكرون الحشر والبعث.
والثاني: مما لم يقع فيه التنازع، وهو قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
ثم إن الله - - جعل ابتداء الخلق دلالة القدرة على الإعادة بقوله: ﴿ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ .
وإذا جعل الابتداء دليل الإعادة، لزمهم أن يستدلوا به، فهو وإن ذكره على [وجه الجمع لا على] وجه الاحتجاج، ففيه موضع الاحتجاج عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيه إخبار أنه خلقهم في الأرض؛ ليشاهد بعضهم خلق بعض في الابتداء؛ فيعلموا أنهم لم يكونوا على الحالة التي هم عليها للحال، بل كانوا نطفاً وعلقاً وأطفالاً إلى أن انتهوا إلى الحالة التي هم عليها، فإذا تقرر عندهم أمر الابتداء، أوجب لهم ذلك علما بالقدرة على الإعادة.
أو يكون قوله: ﴿ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنشأكم، وجعل لكم مساكن في الأرض، وبسطها لكم لتنتفعوا بها، وجعلها لكم كِفَاتاً؛ فيكون فيه تذكيره النعمة والقدرة والسلطان.
وقوله عز وجل: ﴿ ذَرَأَكُمْ ﴾ أي: كثركم من أصل واحد، كما قال - -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ .
ومعلوم بأن الخلق على كثرتهم، لم يكونوا في نفس واحدة، ومن قدر على خلق الأنفس من نفس واحدة، لقادر على إعادة ما قد سبق كونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، فقولهم هذا خرج مخرج الاستهزاء، أو الاستخفاف برسول الله فأمر الله - وتعالى - نبيه - - أن يجيبهم بالجواب الذي يليق من الحكماء، ولم يأذن له أن يجازيهم باستخفافهم إياه استخفافاً مثله؛ فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ يبين لهم أنه لا ينذرهم إلا بالذي أمره به، ولا يبلغ إليهم إلا ما قد أنزل إليه، وأمر بتبليغه، وفي هذه الآية دلالة نبوته، وآية رسالته؛ لأنه لو لم يكن رسولاً - كما زعموا - وكان مختلقاً من تلقاء نفسه، لكان يمكنه أن يحيل ذلك إلى وقت لا يظهر غلطه فيه، ولا كذبه لديهم، وهو أن يحيله إلى وقت لا يعيش إلى مثل ذلك الوقت؛ فإذا لم يفعل، بل قال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ دلهم ذلك على رسالته، وأنه إذا كان رسولاً، لم يكن له أن يزيد في الرسالة، ولا أن يتكلف من عنده فيها زيادة؛ كما ذكر في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أن فيه ما يقرر رسالته عندهم من الوجه الذي يذكر في تلك السورة، إن شاء الله .
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، أي: لا أزيد في الإنذار على القدر الذي أمرت به.
وقوله - -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، جائز أن يكون قوله : ﴿ رَأَوْهُ ﴾ ، أي: رأوا الذي وعدوا، وقوله: ﴿ زُلْفَةً ﴾ ، أي: قريبة.
ثم أنث "الزلفة"؛ لما أريد بها الأحوال التي تكون في ذلك اليوم من الأهوال والشدائد، ويكون قوله: ﴿ رَأَوْهُ ﴾ كناية عن ذلك اليوم، فذكر؛ لأن اليوم مذكر، وجعل "زلفة" بلفظ التأنيث؛ لأنها كناية عن الأهوال التي تكون في ذلك اليوم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ زُلْفَةً ﴾ ، أي: رأوا تلك الأهوال والشدائد قريبة عن الأوقات التي وعدوا فيها، فعلموا أنها كانت قريبة منهم وإن كانوا يستبعدونها في هذا اليوم، وهو كقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
وكذلك إذا رأوا شدائد ذلك اليوم وأهواله، علموا أن الوقت الذي كان يوعدهم رسول الله كان قريباً منهم.
وقوله: ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
فسيئت، من ساءت، أي: ساءت وجوههم، أو قبحت وجوههم بتغير ألوانها.
وقوله - -: ﴿ وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: معناه: تمنعون وتدفعون كقوله : ﴿ فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، أي: دفعاً.
وليس الأمر كما ذكره؛ لأنه لو كان من الدفع والمنع، لكان حقه أن يشدد العين، لا الدال كما شددت في قوله: ﴿ يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ﴾ ، فإذا شددت الدال دون العين، ثبت أن اشتقاقه ليس من "الدع"، ولكنه من "الادعاء"؛ إذ الدال هي المشددة؛ فتأويله - والله أعلم -: ﴿ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ﴾ ، أي: هذا الوقت الذي كنتم تكذبون رسول الله وتدعون عليه أنه كاذب في الإخبار.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ تَدَّعُونَ ﴾ ، أي: تَدْعُون، وقد يستعمل الإدعاء مكان الدعوة؛ كما يقال: ذكر واذَّكر، وخبر واختبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
ففي هذه الآية دلالة أن في حكمة الله مشيئة المغفرة والعقاب لمن ارتكب غير الكفر من الزلات، وإيجاب العقاب على من اعتقد الكفر والتزمه، وأن ليس في الحكمة عفو مثله من العقوبة؛ لأنه قال: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا ﴾ فأثبت فيه خيار الإهلاك ومشيئة الرحمة والمغفرة، ومعلوم بأنه يهلك ومن معه أو يرحم عندما يبتلى بالزلات؛ وكذلك قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فجعل لنفسه مشيئة المغفرة لمن توقَّى الكفر، وحكم بإيجاب العقاب على من أشرك به.
والذي يدل على أن الحكمة توجب ما ذكرنا: أن الكفر لنفسه قبيح لا يحتمل الإطلاق ولا رفع الحرمة؛ لما فيه من السفه؛ لأن من رضي بشتم نفسه فهو سفيه، فعلى ذلك عقوبته لا تحتمل في الحكمة رفعها والعفو عنها.
أو لما كان الكفر لا يحتمل الإباحة ورفع العقوبة، والإفضال بالمغفرة يخرج مخرج الإباحة لذلك - لم يجز القول فيه بالمغفرة والعفو، وسائر المآثم جائز رفع الحرمة عنها.
ولأن الكافر اختار عداوة الله وكفران نعمه، والذي اعتقد الإسلام اختار ولايته، والحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي العفو عنه وإكرامه والإحسان إليه تسوية بين الولي والعدو، و [في] ذلك تضييع الحكمة؛ ولأن الكافر عند نفسه أنه على الحق والصواب وغيره على الباطل والضلال، وأنه غير مستوجب للعذاب؛ يدل على ذلك حكايته عن أهل الكفر: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ، فالله إذا أنعم عليه بالعفو وتطول عليه بالإحسان، لم يقع ذلك عنده موقع التجاوز والغفران، بل يقع عنده أنه إنما أحسن إليه؛ لاستحقاقه الإحسان، وعفا عنه لما سبق منه ما يستوجب به العقاب، وإذا كان كذلك أدى ذلك إلى تضييع الإحسان وتضييع العفو وإبطال النعمة؛ فثبت أن الحكمة لا توجب العفو عن الكافر؛ إذ يحصل بذلك العفو في غير موضعه، وأما أهل الإسلام الذين سبقت منهم الأجرام فقد علموا أن الذي سبق منهم زلات ومآثم، وأن العذاب قد لزمهم، وأنهم مستوجبون للعقاب، فإذا عفا عنهم، علموا أنهم إنما نالوا العفو بفضل الله فيقع الإحسان موقعه.
ولأن من أحسن إلى عدوه في الشاهد، ولم يقصد بإحسانه إليه قصد استدراجه والمكر به، فهو إنما يحسن إليه لما يخاف ناحيته، ويخرج فعله هذا مخرج التذلل له، فلو لم يؤاخذ الله الكافر بما تعاطى من الكفر، بل أحسن إليه من غير تبعة عليه، خرج عفوه وإحسانه إليه مخرج الخوف وإظهار التذلل، والله يجل عن هذين الوصفين؛ فثبت أن الحكمة توجب القول بالتخليد وتمنع القول بالعفو، والله أعلم.
و [في] قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا ﴾ دلالة أن لله أن يعذب على الصغائر؛ لأن رسول الله مع من سبقه من الأنبياء - عليهم السلام - قد عصموا عن ارتكاب الكبائر؛ فلا يجوز أن يرتكبوا الكبائر فيهلكوا لأجلها؛ فثبت أنهم لو أهلكوا لأهلكوا بالصغائر، فلو لم يكن لله - - أن يعذب أهل الصغائر، لصار هو بإهلاكه إياه بمن معه جائرا ظالما، وجل الله عن الوصف بالجور، وقال - -: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ، ولو لم يكن لله - - أن يعذب على الصغائر أحداً، لم يكن له على رسوله موضع الامتنان بما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ثم الحق أن يقال: إن جميع الخوارج والمعتزلة لا يجوز أن يغفر الله لهم؛ لارتكابهم الكبائر، وإنما هذا الرجاء الذي ذكرنا لغيرهم من منتحلي الإسلام؛ لأنهم يقولون: لا يجوز أن يغفر الله لأهل الكبائر، ولا أن يتطول عليهم بالعفو، بل حق أمثالهم أن يخلدوا في النار أبد الآبدين، وإذا كان هذا هو الحكم فيهم، فالله إن غفر لهم ومن عليهم بالعفو، وقع عندهم أنه إنما عفا عنهم؛ لأن الذين ارتكبوا من المآثم لم تكن كبائر بل كانت صغائر؛ إذ لا يجوز المغفرة عن الكبائر؛ فيحصل العفو في غير موضعه والإحسان في غير موقعه، وأما غيرهم من منتحلي الإسلام فهم يرجون عفوه وسعة رحمته في كل آثامهم، فإذا تفضل عليهم بالمغفرة وقع العفو عندهم موقعه؛ فلا يكون فيه تضييع الإحسان، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
ثم [قوله عز وجل]: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ ﴾ .
أي: قل إن أهلكني الله ومن معي بما سبق من الأجرام والزلات، أو رحمنا بما سبق منا من الإيمان به والانقياد لأمره والخضوع لطاعته، ﴿ فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: أي شيء يجير الكافرين من عذابه، ولم يسبق منهم إلى ربهم حسنة يرحمون لأجلها، ولا طاعة يستوجبون الغفران بها؟!
أو فمن يجيرهم من عذاب الله إن حل بهم؟!
فكأنه قيل له: [قل لهم]: هذا لأنهم كانوا يعبدون الأصنام؛ رجاء أن تنصرهم من العذاب [الأليم]، فيقول: لا تجيرهم تلك الأصنام من العذاب الأليم، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ ﴾ .
فجائز أن يكون معناه: أن الذي خلق الموت والحياة وخلق سبع سماوات طباقاً، وجعل الأرض ذلولا، ويعلم السر والجهر - هو الرحمن؛ فيكون فيه إنباء أن خالق السماوات والأرض وخالق الموت والحياة وخالق أفعال العباد وأفعال الطير - هو الرحمن .
وقوله - عز وجل -: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ أي: آمنا أنه خالق ما ذكرنا، وأنه المتعالي - عن الأشباه والأمثال والبريء من كل العيوب.
وجائز أن يكون هو اسماً من أسماء الله على ما نذكره في سورة الإخلاص؛ فيكون هو والرحمن اسمين من أسمائه.
وقوله: ﴿ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ .
فجائز أن يكون رسول الله خوفه المشركون بأنواع من المخاوف، فقيل له: قل: عليه توكلنا، أي: اعتمدنا عليه؛ هو الذي يدفع عنا شركم وينصرنا عليكم.
وقوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
فجائز أن [يكونوا نسبوه أيضاً] إلى الضلال وادعوا أنهم على الهدى ولم ينظروا في آيات الله ليتيقنوا بها من المهتدي منهم ومن الضال؟
فقال: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ إذا جاءكم بأس الله، وذلك عند الموت أو في الآخرة.
وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً ﴾ .
فهذا صلة قوله: ﴿ أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ﴾ ، فيقول أيضاً: من الذي يأتيكم بماء معين إذا أصبح ماؤكم غوراً.
والمعين: هو الماء الذي تقع عليه العين [فيراه البصر]، والله أعلم.
قل -أيها الرسول-: إنما علم الساعة عند الله، لا يعلم متى تقع إلا هو، وإنما أنا منذر واضحٌ في نذارتي لكم.
من فوائد الآيات اطلاع الله على ما تخفيه صدور عباده.
الكفر والمعاصي من أسباب حصول عذاب الله في الدنيا والآخرة.
الكفر بالله ظلمة وحيرة، والإيمان به نور وهداية.
<div class="verse-tafsir" id="91.g1bPe"