الآية ٢٨ من سورة الحاقة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ٢٨ من سورة الحاقة

مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الحاقة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) أي : لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه ، بل خلص الأمر إلي وحدي ، فلا معين لي ولا مجير

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ) يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يعني سلطانيه في الدنيا الذي هو الملك

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو وبال عليه لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله فيقول: { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ } أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ما أغنى عني ماليه"، لم يدفع عني من عذاب الله شيئاً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما أغنى عني مالية».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وَأمَّا من أعطي كتاب أعماله بشماله، فيقول نادمًا متحسرًا: يا ليتني لم أُعط كتابي، ولم أعلم ما جزائي؟

يا ليت الموتة التي متُّها في الدنيا كانت القاطعة لأمري، ولم أُبعث بعدها، ما نفعني مالي الذي جمعته في الدنيا، ذهبت عني حجتي، ولم يَعُدْ لي حجة أحتج بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) أى : ذهب عنى ، وغاب عنى فى هذا اليوم ما كنت أتمتع به فى الدنيا من جاه وسلطان ، ولم يحضرنى شئ منه ، كما أن حججى وأقوالى التى كنت أخاصم بها المؤمنين .

قد ذهبت أدراج الرياح .وعدى الفعل " هلك " بعن ، لتضمنه معنى غاب وذهب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ مَا أغنى ﴾ نفي أو استفهام على وجه الإنكار أي أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار، ونظيره قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً  ﴾ وقوله: ﴿ هَلَكَ عَنّي سلطانيه ﴾ في المراد بلسطانيه وجهان: أحدهما: قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا، وقال مقاتل: ضلت عني حجتي يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك والثاني: ذهب ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيراً ذليلاً، وقيل معناه: إنني إنما كنت أنازع المحقين بسبب الملك والسلطان، فالآن ذهب ذلك الملك وبقي الوبال.

واعلم أنه تعالى ذكر سرور السعداء أولاً، ثم ذكر أحوالهم في العيش الطيب وفي الأكل والشرب، كذا هاهنا ذكر غم الأشقياء وحزنهم، ثم ذكر أحوالهم في الغل والقيد وطعام الغسلين، فأولها أن تقول: خزنة جهنم خذوه فيبتدر إليه مائة ألف ملك، وتجمع يده إلى عنقه، فذاك قوله: ﴿ فَغُلُّوهُ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ﴾ قال المبرد: أصليته النار إذا أوردته إياها وصليته أيضاً كما يقال: أكرمته وكرمته، وقوله: ﴿ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ ﴾ معناه لا تصلوه إلى الجحيم، وهي النار العظمى لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس، ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل، وقوله: ﴿ ذَرْعُهَا ﴾ معنى الذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد، يقال: ذرع الثوب يذرعه ذرعاً إذا قدره بذراعه، وقوله: ﴿ سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه ليس الغرض التقدير بهذا المقدار بل الوصف بالطول، كما قال: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ يريد مرات كثيرة والثاني: أنه مقدر بهذا المقدار ثم قالوا: كل ذراع سبعون باعاً وكل باع أبعد مما بين مكة والكوفة، وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو، وقوله: ﴿ فَاْسْلُكُوهُ ﴾ قال المبرد: يقال سلكه في الطريق، وفي القيد وغير ذلك وأسلكته معناه أدخلته ولغة القرآن سلكته قال الله تعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سقر  ﴾ وقال: ﴿ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين  ﴾ قال ابن عباس: تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه، وقال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ ثم يجعل في عنقه سائرها، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في تطويل هذه السلسلة؟

الجواب: قال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، وإذا كان الجمع من الناس مقيدين بالسلسلة الواحدة كان العذاب على كل واحد منهم بذلك السبب أشد.

السؤال الثاني: سلك السلسلة فيهم معقول، أما سلكهم في السلسلة فما معناه؟

الجواب: سلكه في السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أجزاؤها وهو فيما بينها مزهق مضيق عليه لا يقدر على حركة، وقالوا الفراء: المعنى ثم اسلكوا فيه السلسلة كما يقال: أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي، ويقال: الخاتم لا يدخل في إصبعي، والإصبع هو الذي يدخل في الخاتم.

السؤال الثالث: لم قال في ﴿ سلسلة...

فاسلكوه ﴾ ، ولم يقل: فاسلكوه في سلسلة؟

الجواب: المعنى في تقديم السلسلة على السلك هو الذي ذكرناه في تقديم الجحيم على التصلية، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة لأنها أفظع من سائر السلاسل السؤال الرابع: ذكر الأغلال والتصلية بالفاء وذكر السلك في هذه السلسلة بلفظ ثم، فما الفرق؟

الجواب: ليس المراد من كلمة ثم تراخي المدة بل التفاوت في مراتب العذاب.

واعلم أنه تعالى لما شرح هذا العذاب الشديد ذكر سببه فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ ياليتها ﴾ للموتة: يقول: يا ليت الموتة التي متها ﴿ كَانَتِ القاضية ﴾ أي القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها؛ ولم ألق ما ألقى.

أو للحالة، أي: ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ، لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمرّ مما ذاقه من مرارة الموت وشدته؛ فتمناه عندها ﴿ مَآ أغنى ﴾ نفي أو استفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار ﴿ هَلَكَ عَنّى سلطانيه (29) ﴾ ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت فقيراً ذليلاً.

وعن ابن عباس: أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد.

وعن فناخسرو الملقب بالعضد، أنه لما قال: عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَابْنُ رُكْنِهَا ** مَلِكُ الأمْلاَكِ غَلاَّبُ الْقَدَرْ لم يفلح بعده وجنّ فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية.

وقال ابن عباس: ضلت عني حجتي.

ومعناه: بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ ﴾ لِما يَرى مِن قُبْحِ العَمَلِ وسُوءِ العاقِبَةِ.

﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها.

﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ القاطِعَةَ لِأمْرِي فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، أوْ يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ لِأنَّهُ صادَفَها أمْرٌ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها، أوْ يا لَيْتَ حَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ فِيها حَيًّا.

﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ مالِي مِنَ المالِ والتَّبَعِ وما نَفْيٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أوِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ مَفْعُولٌ لِأغْنى.

﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ، أوْ حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا، وقَرَأ حَمْزَةُ: «عَنِّي مالِي عَنِّي سُلْطانِي» بِحَذْفِ الهاءَيْنِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا أغنى عَنِّى مَالِيَهْ} أي لم ينفعني ما جمعته فى الدنيا فما نفعى والمفعول محذوف أي شيئاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ أيْ ما أغْنى عَنِّي شَيْئًا الَّذِي كانَ لِي في الدُّنْيا مِنَ المالِ ونَحْوِهِ كالِاتِّباعِ عَلى أنَّ ما في ﴿ ما أغْنى ﴾ نافِيَةٌ.

وما في مالِيَهْ مَوْصُولَةٌ فاعِلُ ( أغْنى ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ و(لَيَهْ جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ( مالِيَهْ ) عِبارَةً عَنْ مالٍ مُضافٍ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ والأوَّلُ أظْهَرُ شُمُولًا لِلْإتْباعِ ونَحْوِها إذْ لا يَتَأتّى اعْتِبارُ ذَلِكَ عَلى الثّانِي إلّا بِاعْتِبارِ اللُّزُومِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ما ( أغْنى ) اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ ( ومالِيَهْ ) عَلى احْتِمالِيَّةٍ أيْ أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِيَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أي: تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب ويقال: تُعْرَضُونَ على الله تعالى، كقوله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] ثم قال: لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ يعني: لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء.

قرأ حمزة، والكسائي لاَ يخفى، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ خافية مؤنث.

ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى يعني: لا يخفى منكم خاف، والهاء ألحقت للمبالغة.

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: كتابه الذي عمله، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك، فَيَقُولُ لأصحابه: هاؤُمُ يعني: تعالوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ.

قال القتبي: هاؤُمُ في اللغة بمنزلة خذ وتناول ويقال للاثنين: هاؤما، وللجماعة هاؤموا.

والأصل هاكم، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات.

فأما عرضتان، فهما الخصومات والمعاذير.

وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.

وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا.

ثم قال: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ يعني: أيقنت وعلمت أني أحاسب.

قال الله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: مرتفعة.

قُطُوفُها دانِيَةٌ يعني: اجتناء ثمارها قريب، يعني: شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد، فيقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً يعني: كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هنيئا يعني: طيباً بلا داء، ويقال: حلال لا إثم فيه.

بِما أَسْلَفْتُمْ يعني: بما عملتم وقدمتم فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ يعني: في الدنيا.

ويقال: بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية، يعني: في الدنيا.

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد، ويقال: في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار.

فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ يعني: لم أعط كتابيه، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ يعني: لم أعلم ما حسابي.

قوله تعالى: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين، ويقال: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ يعني: المنية.

قال مقاتل: يتمنى الموت.

مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ يعني: ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا.

هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ يعني: بطل عني عذرِي وحجتي.

يقول الله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ يعني: بالأغلال الثّقال.

ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ يعني: أدخلوه.

ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ يعني: أدخلوه في تلك السلسلة.

إِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ يعني: لا يصدق بالله العظيم.

وَلا يَحُضُّ يعني: لا يحث نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يطعم المسكين في الدنيا.

فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ يعني: قريب يمنع منه شيئاً، يعني: أحداً يمنع من العذاب.

وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ يعني: ليس له فيها طعام إلا من غسلين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الغسلين.

وروي عنه أنه قال: الغسلين: ما يسقط عن عروقهم، وذاب من أجسادهم.

وقال القتبي: هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة.

لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: المشركين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً قرأ عنده: لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ وقال ابن عباس: كلنا نخطئ، ولكن لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: العاصين الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَفِظْتَه، انتهى، ثم/ ذَكَّر تعالى بأمر القيامةِ، وقرأ الجمهور «١» : «وَحُمِلَتْ» بتخفيفِ الميمِ بمعنى: حَمَلَتْهَا الريح أو القدرة، وفَدُكَّتا معناه سُوِّيَ جميعُها، وانشقاقُ السماءِ هو تَفَطُّرُهَا وتميُّزُ بعضِها من بعضٍ، وذلك هو الوَهْيُ الذي ينالُها، كما يقال في الجدرات الباليةِ المتشققةِ واهيةٌ، والملَكُ اسْمُ الجنسِ يريدُ به الملائكةَ، وقال جمهور من المفسرين:

الضميرُ في أَرْجائِها عائدٌ على السَّمَاءِ أي: الملائِكَة على نواحيها، والرجاء الجَانِبُ مِنْ البئر أو الحائط ونحوه، وقال الضحاكُ وابنُ جبير وغيرهما: الضميرُ في: أَرْجائِها عائدٌ عَلى الأرْضِ «٢» ، وإنْ كان لم يتقدم لها ذكرٌ قريبٌ لأنَّ القصةَ واللفظَ يَقْتَضِي إفهَام ذلك، وفَسَّرُوا هذه الآيةَ بما رُوِيَ من أن اللَّه تعالى يأمر ملائِكَةَ سَمَاءِ الدنيا، فيقفونَ صَفًّا على حَافَّاتِ الأرضِ، ثم يأمرُ ملائكة السماءِ الثانية فَيَصُفُّونَ خلفَهم، ثم كذلك ملائكةُ كُلّ سماءٍ، فكلما نَدَّ أحدٌ من الجنِ أو الإنسِ، وَجَدَ الأرضَ قد أُحِيطَ بها، قالوا: فهذا تفسير هذه الآية وهو أيضاً معنى قوله: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] وهو تفسير: «يَوْمَ التناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ» [غافر: ٣٢- ٣٣] على قراءةِ من شَدَّدَ الدال، وهو تفسيرُ قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ...

[الرحمن: ٣٣] الآية، واختلفَ الناسُ في الثمانيةِ الحاملينَ للعرشِ، فقال ابن عباس: هي ثمانيةُ صفوفٍ مِنَ الملائكة لا يَعْلَم أَحَدٌ عِدَّتَهم «٣» ، وقال ابن زيدِ: هُمْ ثمانيةُ أمْلاَكٍ على هيئةِ الوُعُولِ «٤» ، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناسِ أرجلُهم تَحْتَ الأرْضِ السابعةِ، ورؤوسهم وكواهلهم فَوْقَ السماءِ السابعةِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الدرة الفاخرة» : هم ثمانيةُ أمْلاَكٍ قَدَمُ المَلَكِ منهم مسيرةُ عشرينَ ألْفَ سنةٍ، انتهى، والضميرُ في قوله: فَوْقَهُمْ قيل: هو للملائكَةِ/ الحَمَلَةِ، وقيل: للعالم كلّه.

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)

وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ خطابٌ لجميعِ العَالَمِ، وفي الحديثِ الصحيحِ:

«يُعْرَضُ النَّاسُ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَعِنْدَهَا تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ» «١» ، قال الغَزَّالِيُّ: يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ البِدَارُ، إلى مُحَاسَبَةِ نفسِه كما قال عمرُ- رضي اللَّه عنه-: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا «٢» ، وإنَّمَا حِسَابُهُ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَتُوبَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَ المَوْتِ تَوْبَةً نَصُوحاً، وَيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ في فَرَائِضِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- ويردَّ المظالمَ حَبَّةً حَبَّةً، ويستحلَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّضَ له بلسانِه ويدِه، وسوء ظِنّه بقلبِه، ويُطَيِّبَ قلوبَهم حتى يموتَ، ولم يَبْقَ عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل بغيرِ حِسَابٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى، انتهى من آخِر «الإحياء» ، ونَقَلَ القرطبيُّ في «تذكرَتِه» هذه الألفاظَ بعينها.

وقوله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ معناه تَعَالُوا، وقَوْله: اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هُو استبشارٌ وسرورٌ- ص-: هاؤُمُ «ها» بمعنَى خُذْ، قَالَ الكسائي: والعربُ تقول: هَاءِ يَا رَجُلُ، وللاثنين رجلين أو امرأتين: هَاؤُمَا، وللرجال: هَاؤُمْ، وللمرأَةِ: هَاءِ بهمزة مكسورة من غير ياء، وللنساء: هَاؤُنَّ، وزعم القُتَبِيُّ أَنَّ الهمزةَ بَدَلٌ من الكافِ، وهو ضعيفٌ، إلا أنْ يعني أنها تحلُّ محلَّها في لغةِ مَنْ قال: هَاكَ وهَاكِ، وهَاكُمَا وهَاكُمْ وَهَاكُنَّ، فذلكَ مُمْكِنٌ، لا أَنَّه بَدَلٌ صناعيٌّ لأَنّ الكافَ/ لاَ تُبْدَلُ من الهمزةِ ولا الهمزةُ منها.

انتهى.

وقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ عبارةٌ عن إيمانه بالبعث وغيره، وظَنَنْتُ هنا واقَعةٌ موقع: تَيَقَّنْتُ، وهي في مُتَيَقَّنٍ لم يقعْ بَعْدُ ولا خرج إلى الحسِّ، وهذا هُو باب الظنِّ الذي يوقع موقعَ اليقين، وراضِيَةٍ بمعنى مَرْضِيَّة، والقُطُوفُ: جمع قَطْفٍ وهو ما يُجْتَنَى من الثمارِ، ويقطفُ، ودنوُّها هُوَ أَنهَا تأتي طوع التّمنّي فيأكلها القائم والقاعد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا  ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.

قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.

والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.

والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.

قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.

والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.

وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.

﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.

بِمَنزِلَةِ هاكم.

تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.

ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.

والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.

وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.

وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.

ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.

والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.

ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.

والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .

والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى:"تُعْرَضُونَ" لِجَمِيعِ العالِمِ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ في القِيامَةِ عُرْضَتَيْنِ، فِيهِما مَعاذِيرُ، وتَوْقِيفٌ، وخُصُوماتٌ، وجِدالٌ، ثُمَّ تَكُونُ عُرْضَةً ثالِثَةً تَتَطايَرُ فِيها الصُحُفُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةِ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى مُراعاةِ تَأْنِيثِ "خافِيَةٌ"، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "خافِيَةٌ" مَعْناهُ: ضَمِيرٌ ولا مُعْتَقَدٌ.

"والَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ أهْلِ الإيمانِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العَقْلِ والعِلْمِ في الفِرْقَةِ الَّتِي يَنْفُذُ فِيها الوَعِيدُ مِن أهْلِ المَعاصِي، مَتى تَأْخُذُ كُتُبَها؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: الأظْهَرُ أنَّها تَأْخُذُها مَعَ الناسِ، وذَلِكَ يُؤْنِسُها مُدَّةَ العَذابِ، قالَ الحَسَنُ: فَإذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ لَمْ يَقْرَأْهُ حَتّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ، فَإذا أذِنَ لَهُ قالَ: ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إذا أُخْرِجُوا مِنَ النارِ، والإيمانُ يُؤْنِسُهم فى وقْتِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَن يَسِيرُ إلى النارِ كَيْفَ يَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ؟

وأمّا "هاؤُمُ" فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ "هاؤُمُوا" ثُمَّ نَقَلَهُ التَخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ المِيمُ ضَمِيرُ الجَماعَةِ.

وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، والمَعْنى عَلى كُلِّ وجْهٍ: تَعالَوْا، فَهو اسْتِدْعاءٌ لِلْفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وقَوْلُهُ: "اقْرَءُوا كِتابِيَهْ" هو اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ.

وقَوْلُهُ: "إنّى ظَنَنْتُ" الآيَةُ، عِبارَةٌ عن إيمانِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: ظَنَّ هَذا ظَنًّا يَقِينًا فَنَفَعَهُ، وقَوْمٌ ظَنُّوا ظَنَّ شَكِّ فَشَقُّوا بِهِ، و"ظَنَنْتُ" هُنا واقِعَةٌ مَوْقِعَ "تَيَقَّنْتُ"، وهي في مُتَيَقِّنٍ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ، وهَذا هو بابُ الظَنِّ الَّذِي يُوقِعُ مَوْقِعَ اليَقِينِ، وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" و"مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ" بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ اقْتِداءً بِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي في الوَصْلِ بِنِيَّةِ الوُقُوفِ لِأنَّها هاءُ السَكْتِ فَلا مَعْنى لَها في الوَصْلِ، وطَرَحَ الهاءاتِ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَتُنا إثْباتُ الهاءاتِ في الوَقْفِ وطَرْحُها في الوَصْلِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إثْباتُ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عنهُ أحَدٌ عَلِمْتُهُ.

و"راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، فَهو بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ، ولَيْسَتْ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، و"عالِيَةٍ" مَعْناهُ: في المَكانِ والقَدَرِ وجَمِيعِ وُجُوهِ العُلُوِّ.

و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ ويُقْطَفُ، ودُنُوُّها هو أنَّها تَأْتِي طَوْعَ التَمَنِّي فَيَأْكُلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها.

و"أسْلَفْتُمْ" مَعْناهُ: قَدَّمْتُمْ، و"الأيّامُ الخالِيَةُ" هي أيّامُ الدُنْيا لِأنَّها في الآخِرَةِ قَدْ خَلَتْ وذَهَبَتْ، وقالَ وكِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: المُرادُ: بِما أسْلَفْتُمْ مِنَ الصَوْمِ.

وعُمُومُها في كُلِّ الأعْمالِ أولى وأحْسَنُ.

و"الَّذِينَ يُؤْتُونَ كِتابَهم بِشَمائِلِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في النارِ أهْلُ الكُفْرِ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا مَعْدُومِينَ لا يَجْرِي عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَوْتَةِ الدُنْيا، أيْ لَيْتَها لَمْ يَكُنْ بَعْدَها رُجُوعٌ ولا حَياةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ لِنَفْسِهِ والتَوْبِيخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ النَفْيَ المَحْضَ، و"السُلْطانُ" في الآيَةِ: الحُجَّةُ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، قالَ بَعْضُهم -وَنَحا إلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ -: تنْطِقُ بِذَلِكَ مُلُوكُ الدُنْيا الكَفَرَةُ.

والظاهِرَةُ عِنْدِي أنَّ سُلْطانَ كُلِّ أحَدٍ حالُهُ في الدُنْيا مِن عَدَدٍ وعُدَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُؤَمَّنُ الرَجُلُ في سُلْطانِهِ، ولا يَجْلِسُ عَلى تَكْرِمَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا قَسِيم ﴿ من أُوتي كتابه بيمينه ﴾ [الحاقة: 19]، فالقول في إيتائه كتابه بشماله قد عرف وجَهه ممَّا تقدم.

وتمنِّي كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يُؤْت كتابه، لأنه علم من الإِطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب فيتمنى أن لا يكون عَلِم بذلك إبقاء على نفسه من حزنها زمناً فإن ترقُّب السوء عذاب.

وجملة ﴿ ولم أدْرِ ما حسابيه ﴾ في موضع الحال من ضمير والمعنى: إنه كان مكذباً بالحساب وهو مقابل قول الذي أوتي كتابه بيمينه: ﴿ إِني ظننتُ أني ملاقٍ حسابيه ﴾ [الحاقة: 20].

وجملة الحال معترضة بين جملتي التمني.

ويجوز أن يكون عطفاً على التمني، أي يا ليتني لم أدر مَا حسابيَه، أي لم أعرِف كنه حسابي، أي نتيجته، وهذا وإن كان في معنى التمني الذي قبله فإِعادته تكرير لأجْل التحسر والتحزن.

و ﴿ ما ﴾ استفهامية، والاستفهام بها هو الذي عَلَّق فعل ﴿ أدْرِ ﴾ عن العمل، و ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ تمنَ آخر ولم يعطف على التمنّي الأول لأن المقصود التحسر والتندم.

وضمير ﴿ ليتها ﴾ عائد إلى معلوم من السياق، أي ليت حالتي، أو ليت مصيبتي كانت القاضية.

و ﴿ القاضية ﴾ : الموت وهو معنى قوله تعالى: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ [النبأ: 40]، أي مقبوراً في التراب.

وجملة ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ من الكلام الصالح لأن يكون مثلاً لإيجازه ووفرة دلالته ورشاقة معناه عبر بها عما يقوله من أوتي كتابه بشماله من التحسر بالعبارة التي يقولها المتحسر في الدنيا بكلام عربي يؤدي المعنى المقصود.

ونظيره ما حكي عنهم في قوله تعالى: ﴿ دَعَوا هنالك ثبوراً ﴾ [الفرقان: 13] وقوله: ﴿ يا وَيْلَتَا ليتني لم أتَّخِذْ فُلاناً خليلاً ﴾ [الفرقان: 28] وقوله: ﴿ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب الآية ﴾ [الكهف: 49].

ثم أخذ يتحسر على ما فرط فيه من الخير في الدنيا بالإِقبال على ما لم يُجْدِه في العالم الأبدي فقال: ﴿ ما أغنى عني مَاليَه ﴾ ، أي يقول ذلك من كان ذا مال وذا سلطان من ذلك الفريق من جميع أهل الإشراك والكفر، فما ظنك بحسرة من اتبعوهم واقتدوا بهم إذا رأوهم كذلك، وفي هذا تعريض بسادة مشركي العرب مثل أبي جهل وأمية بن خلف قال تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النَّعمة ﴾ [المزمل: 11].

وفي ﴿ أغْنَى عَنّي ﴾ الجناس الخَطِّي ولو مَع اختلاف قليل كما في قولهم «غرّك عِزُّك فَصَار قصارى ذَلِك ذُلّك».

ومعنى هلاك السلطان: عدم الانتفاع به يومئذٍ فهو هلاك مجازي.

وضمّن ﴿ هلك ﴾ معنى (غاب) فعدي ب (عن)، أي لم يحضرني سلطاني الذي عهدته.

والقول في هاءَات ﴿ كتابيهْ، وحسابيهْ، وماليهْ، وسلطانيهْ ﴾ ، كالقول فيما تقدم إلاّ أن حمزة وخلفاً قرآ هنا ﴿ ما أغنى عني مالِيه هلك عني سلطانيه ﴾ بدون هاء في حالة الوصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ راجِيًا.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مَسْتُورًا فافْتَضَحَ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ القَبُولِ والرَّدِّ وبَيْنَ الكَرامَةِ والهَوانِ، بِاليَمِينِ والشِّمالِ، فَتَجْعَلُ اليَمِينَ بَشِيرًا بِالقَبُولِ والكَرامَةِ، وتَجْعَلُ الشِّمالَ نَذِيرًا بِالرَّدِّ والهَوانِ.

﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما شاهَدَ مِن كَثْرَةِ سَيِّئاتِهِ وكانَ يَظُنُّها قَلِيلَةً، لِأنَّهُ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ.

الثّانِي: لِما رَأى فِيهِ مِن عَظِيمِ عَذابِهِ وألِيمِ عِقابِهِ.

﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مَوْتًا لا حَياةَ فِيهِ بَعْدَها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَمُوتَ في الحالِ، ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا أكْرَهُ إلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كَثْرَةَ مالِهِ في الدُّنْيا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: لِأنَّ رَغْبَتَهُ في زِينَةِ الدُّنْيا وكَثْرَةِ المالِ هو الَّذِي ألْهاهُ عَنِ الآخِرَةِ.

﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ضَلَلْتُ عَنْ حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: سُلْطانُهُ الَّذِي تَسَلَّطَ بِهِ عَلى بَدَنِهِ حَتّى أقْدَمَ بِهِ عَلى مَعْصِيَتِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مُطاعًا في أتْباعِهِ، عَزِيزًا في امْتِناعِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

وَحُكِيَ أنَّ هَذا في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَكَرَ الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ الحَمِيمُ: القَرِيبُ، ومَعْناهُ لَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ كَما كانَ يَفْعَلُ مَعَهُ في الدُّنْيا.

﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ غَسّالَةُ أطْرافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، قالَ الأخْفَشُ: هو فِعْلِينُ مِنَ الغَسْلِ.

الثّانِي: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرَةٌ في النّارِ هي أخْبَثُ طَعامِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحارُّ الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ نُضْجُهُ، بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ قال: تمنوا الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره عندهم من الموت، وفي قوله: ﴿ هلك عني سلطانيه ﴾ قال: أما والله ما كل من دخل النار كان أمير قرية، ولكن الله خلقهم وسلطهم على أبدانهم وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته.

وأخرج هناد عن الضحاك في قوله: ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ قال: يا ليتها كانت موتة لا حياة بعدها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ هلك عني سلطانيه ﴾ قال: حجتي.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ هلك عني سلطانيه ﴾ قال: يعني حجته.

وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ قال: حجتي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ هلك عني سلطانيه ﴾ قال: ضلت عني كل بينة فلم تغن عني شيئاً.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خذوه فغلوه ﴾ قال: أخبرت أنه أبو جهل.

وأخرج ابن المبارك وهناد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن نوف الشامي في قوله: ﴿ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً ﴾ قال: الذراع سبعون باعاً، والباع ما بينك وبين مكة، وهو يومئذ بالكوفة.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن كعب قال: إن حلقه من السلسلة التي ذكر الله في كتابه مثل جميع حديد الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاسلكوه ﴾ قال: تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ فاسلكوه ﴾ قال: قال ابن عباس: السلسلة تدخل في استه ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: بلغني أن السلسلة تدخل من مقعده حتى تخرج من فيه، يوثق بها بعد أو من فيه حتى تخرج من معدته.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الدرداء قال: إن لله سلسلة لم تزل تغلي فيها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم القيامة تلقى في أعناق الناس وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم فحضّي على طعام المسكين يا أم الدرداء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)﴾ أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ﴾ هم الكفار بدليل قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم ﴾ [الحاقة: 33] فجعل علة إعطائهم كتبهم بشمالهم عدم إيمانهم، وأما المؤمنون فيعطون كتبهم بأيمانهم، لكن اختلف فيمن يدخل النار منهم، هل يعطى كتابه قبل دخول النار أو بعد خروجه منها؟

وهذا أرجح لقوله: ﴿ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ﴾ [الحاقة: 19]، لأن هذا كلام سرور فيبعد أن يقوله من يحمل إلى النار ﴿ فَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴾ أي يتمنى أنه لم يعط كتابه، وقال ابن عطية: يتمنى أن يكون معدوماً لا يجري عليه شيء والأول أظهر ﴿ ياليتها كَانَتِ القاضية ﴾ أي ليت الموتة الأولى كانت القاضية بحيث لا يكون بعدها بعث ولا إحياء ﴿ مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ يحتمل أن يكون نفياً، أو استفهاماً يراد به النفي ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ أي زال عني ملكي وقدرتي وقيل: ذهبت عني حجتي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.

الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.

وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.

وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.

قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.

وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.

قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.

والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟

وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟

وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.

قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.

﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.

قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".

وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.

ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.

وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.

قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.

واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.

ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.

ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.

الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.

قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.

قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال  ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً  ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.

قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.

والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.

وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.

ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.

والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.

الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.

وقيل: ومكفىء الظعن.

والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.

وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.

وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم  ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.

ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.

والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.

وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.

﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .

ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.

قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين  ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى  لزم التخصيص من غير مخصص.

ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.

ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.

والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.

قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.

يقال: أوعيت المتاع في البيت.

والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.

عن النبي  أنه قال لعلي  عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.

قال علي  : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.

وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.

ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.

قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.

والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.

والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.

والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.

والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.

سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟

الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.

وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.

قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟

فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله  " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.

ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.

قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.

وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه  خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.

فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله  تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.

روي أن في القيامة ثلاث عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.

قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.

ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.

" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.

" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.

قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.

وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات  ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.

وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.

وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.

وعن أبي هريرة أنه  قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.

ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.

والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.

يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.

والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.

ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.

وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون  ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.

والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.

وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.

ثم أخذ في قصة الأشقياء.

وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.

والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.

ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.

وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.

قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.

قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.

ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.

وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.

يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.

ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله  ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.

وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله  ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.

والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.

والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.

وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.

والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.

وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.

وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.

قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.

قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.

عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.

وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".

ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.

ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.

قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟

وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.

والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.

وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.

والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.

يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.

وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.

فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.

ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.

قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.

ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.

وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.

والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد  لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً  وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل  لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.

وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.

وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.

وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.

وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.

أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.

وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.

على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.

وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.

ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.

وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.

ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.

ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.

والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".

والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.

وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله  كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين  ﴾ أي من قبل الحق.

والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.

وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.

قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".

ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ﴾ والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴾ يقول هذا في الوقت الذي قرأ ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعاً من الذين آمنوا، وأقرب منزلة إلى الله -  - كما قال: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً  ﴾ فظهر [له بقراءته] الكتاب أنه لم يكن على ما حسب؛ بل قد أساء صنيعه؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه؛ لئلا تظهر مساوئه.

ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتاً ولم يُحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ أي: ياليت الميتة الأولى ﴿ كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ ، أي: يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي.

وقال بعض أهل التأويل: يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك، لم تكن محيية باعثة، والله أعلم.

وقال قتادة: تمنّوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضي، وليس بقاضٍ، فحقه أن يقول: يا ليتها [كانت مقضية]؛ ولكن هذه اللفظة [يذكرها الناس في كل مكروه] من الأمور؛ ألا ترى أن الناس يدعون الله -  - بأن يصرف عنهم قضاء السوء، وليس بقضاء الله؛ بل هو مقضيِهِ؛ فخرج القول على ما تعارفوا، وهذا كما يقال: (الصلاة أمر الله)، وليست هي بأمره، ولكن تأويله: أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضاً قضاء الله، وهو في الحقيقة مقضيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ فالأصل أن الكفرة كانوا يفتخرون بكثرة أموالهم، فيقولون: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ فيزعمون أن الله -  - بما آتاهم من الأموال يدفعون عن أنفسهم العذاب بأموالهم إن حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني عنهم شيئاً، فيقول كل واحد منهم: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ ذكر عن ابن عباس -  ما - أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، فالأصل: أن الكافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة، فمرة يقول: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، ويقول مرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، ومرة يقول: هذا سحر، ومرة يقول: هو مجنون، وغير ذلك، فيعبر بقوله: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ أي: هلكت تلك الحجج التي [كنا] نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج.

ومنهم من يقول: السلطان: هو القدر والشرف؛ أي: ذهب ذلك كله.

وقيل: أي: هلك عني تكبّري وسلطاني على الأنبياء - عليهم السلام - في الدنيا وترك الاكتراث إليهم.

وجائز أن يكون أراد به: أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع؛ لأنه كان يملك استعمالها في مرضاة الله -  - فيقول: قد انقطع ذلك السلطان؛ لأني لا أملك استعمالها فيما أستوجب به مرضاة الله؛ لأنه يسلم فلا يقبل منه إسلامه.

ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات على معنى الإشارات إلى الأنفس، أو على تأكيد الأمر والمبالغة: كالنسابة، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك، وقد تدخل الهاء في النداء؛ كقوله يا ربّاه، ويا سيّداه.

وجائز أن يكون الوقف وإجمام الكلام، وأهل النحو يسمّونه: هاء الاستراحة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ، وقال في موضع آخر ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ  ﴾ وهو السوق على العنف، وقال في موضع آخر: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ ، فكأنهم - والله أعلم - يغلون، وبدأ بالأمر بالإغلال؛ لأن الناس في الدنيا يجتهدون كل الجهد في منع العذاب بأيديهم، فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة؛ فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل بهم من العذاب؛ فيكون ذلك أشد في العذاب عليهم، ويكون حالهم كما قال الله -  -: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ فتغل يداه؛ كي يتقي النار بوجهه، ثم يدخلون في السلاسل فيجرون ويسحبون ويساقون على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أي: أدخلوه، يقال: لحم مصلي: أي مشوي؛ فجائز أن يؤمر بأن يشوى في الجحيم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾ فذكر أولاً: أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى الجهنم، ولكنّه يشبه أن يكونوا أولاً يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ وإذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ؛ فلا يتهيأ لهم الهرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله العظيم.

ثم قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ جائز أن يكون لا يؤمن [بوحدانية الله]، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث، وإلا فهم يؤمنون بالله، ولكن من لم [يكن مؤمناً] بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة؛ لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس ليسوا يطلبون من [المساكين الجزاء] لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله  ، ورجاء الثواب في الآخرة، والكافر غير مؤمن بالجزاء؛ ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا؛ فكأنه يقول: إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله -  - أو بالبعث.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ إثبات السخرية من الذي ترك الحض على أهله بالإطعام؛ كقوله: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ  ﴾ يقول: كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه؟!

فلو كان أهلاً للإطعام لكان الأولى من يطعمه هو الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ ﴾ أي: قريب يرجو منه، وهو كقوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] فليس له قريب يرجوه، أو ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه.

وقوله: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ  لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ  فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ  ﴾ والزقوم غير الضريع؛ فهذا - والله أعلم - يدل أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها [يجدون غير ذلك، وأهل دركة منها] طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا، أوجب ما ذكرناه [اختلافاً، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ].

ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم؛ فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله -  - لهم من ذلك الوجه طعاماً في الجحيم يهانون به.

وقال الحسن: إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ ، و ﴿ مِّن زَقُّومٍ  ﴾ ، وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ فجائز أن يكون هذا اسماً لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله -  - الخلق على علم ذلك ومعرفته في الدنيا، وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد؛ ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله -  - اسماً للشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال ﴿ عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً  ﴾ ، والسلسبيل غير معروف فيما بين أهل اللسان.

وقال بعضهم: الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هو الصديد والقيح.

وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله -  - وطلبوا منه ما يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم؛ فيسمى ما يزول عنهم: غسلينا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ ﴾ ، فهم الذين قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ .

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه -  - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، والله - عز وجل - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل.

وذكر عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون - أو قال: أيسر - عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ  ﴾ ".

وعن الحسن أنه قال: "إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه لله -  - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول: والله إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما لي من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، والله ما أعذر، والله لا أعود لهذا إن شاء الله -  - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسِير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها.

فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان رشداً أمضاه وأنفذه، وإن كان غيّاً انتهى عنه، كما قال [النبي] -  -: "إذا أردت أمراً فدبّر عاقبته، فإن كان رشداً فأمضه، وإن كان غيّاً فانته عنه" وقال في خبر آخر: "إن المؤمن وقّاف وزان" ، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور.

ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب محرماً، تاب عنه، واستغفر لله -  - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان ذلك فعلاً مرضياً حمد الله -  - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي [محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب] من الأفعال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لم يدفع عني مالي من عذاب الله شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.bwO0l"

مزيد من التفاسير لسورة الحاقة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل