الإسلام > الأوقاف والملكية > خصائص عقد الوديعة
مسائلُ فقهيةٌ في خصائص عقد الوديعة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةخَصائصُ عَقدِ الوَديعةِ:
خَصائصُ عَقدِ الوَديعةِ عندَ العُلماءِ ثَلاثٌ:
الجَوازُ والتَبرُّعُ والأَمانةُ.
أولاً: عَقدُ الوَديعةِ عَقدٌ جَائزٌ مِنْ الطَّرفينِ:
عَقدُ الوَديعةِ مِنْ العقودِ الجائزةِ في الجُملةِ، فيَجوزُ لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودِعِ فسخُ الوَديعةِ متى شاءَ دونَ التَّوقُّفِ على رِضا الآخرِ أو مُوافقتِه على الفسخِ، وهذا في حقِّ المُودِعِ مما لا خلافَ فيه، فله أنْ يَستردَّ وَديعتَه وقتما يَشاءُ، ويَلزمُ المُستودَعَ ردُّها إليه؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، قالُ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأَجمعُوا على أنَّ الأَماناتِ مَردودةٌ إلى أَربابِها (١)، حتى لو حبسَها بعدَ الطَّلبِ فضاعَت ضمِنَ (٢).
وكذا إذا أَرادَ المُستودَعُ ردَّ الوَديعةِ على صاحبِها لزِمَه قَبولُها؛ لأنَّ المُستودَعَ مُتبَرِّعٌ بإِمساكِها فلا يَلزمُه التبَرُّعُ في المُستقبَلِ (٣).
إلا أنَّ الشّافِعيةَ استَثْنَوا مِنْ القَولِ بجَوازِ ردِّ الوَديعةِ في حقِّ المُستودَعِ متى شاءَ حالةَ ما إذا كانَ قَبولُها واجبًا عليه ولمْ يرضَ المالكُ بقَبولِ ردِّها عليه.
(١) «الإجماع» (٥٥٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٠).
(٣) «المغني» (٦/ ٣٠٠).
قالَ الشافِعيةُ: فللمُودِعِ الاستِردادُ وللوَديعِ الرَّدُّ في كلِّ وقتٍ، أما المُودِعُ فلأنَّه المالكُ، وأما الوَديعُ فلأنه مُتبَرِّعٌ بالحفظِ.
قالُوا: وحالةُ جَوازِ الرَّدِّ هذه إذا لمْ يَلزمْه قَبولُ الوَديعةِ ابتِداءً، أما إذا كانَ بحيثُ يَجبُ عليه قَبولُ الوَديعةِ ابتِداءً فيَحرمُ الرَّدُّ، وإنْ كانَ بحيثُ يَندُبُ القَبولُ فالرَّدُّ خِلافُ الأَولى إنْ لمْ يَرضَ به المالكُ، فإنْ طلَبَها المالكُ وجَبَ ردُّها إليه، فإنْ أخَّرَ بلا عُذرٍ مع الإِمكانِ ضمِنَ.
وقالَ الرَّمليُّ: ولو طالبَ المُودَعُ المالكَ بأخذِ وَديعتِه لزِمَه أَخذُها؛ لأن قَبولَ الوَديعةِ لا يَجبُ فكذا استَدامةُ حِفظِها، ومنه يُؤخَذُ أنه لو كانَ في حالةٍ يَجبُ فيها القَبولُ يَجوز للمالكِ الامتِناعُ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو عزَلَ المُستودَعُ نفسَه عن الوَديعةِ -في غَيبةِ المُودِعِ- هل يَنعزلُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُستودَعَ إذا عزَلَ نفسَه انفسَخَت الوَديعةُ؛ لأنَّها عَقدٌ وتَكونُ بعدَ ذلك أَمانةً شَرعيَّةً حُكمُها في يدِه حُكمُ الثوبِ إذا أَطارَته الرِّيحُ إلى دارِه يَجبُ ردُّه إلى مالكِه.
(١) «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٣/ ٨٤)، ويُنْظَر: «النجم الوهاج» (٦/ ٣٤٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٥)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣١٢)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٣٢).
جاءَ في «مَجلة الأَحكامِ العدليةِ» على المَذهبِ الحَنفيِّ المادةُ (٧٧٤): «لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودَعِ فسخُ عَقدِ الإِيداعِ متى شاءَ».
وجاءَ في شَرحِها: الإِيداعُ ليسَ عَقدًا لازمًا، يَعني أنه ليسَ لازمًا بحقِّ أحدٍ مِنْ الطَّرفينِ، وفي هذا التَّقديرِ للمُودعِ أنْ يَستردَّ وَديعتَه متى شاءَ؛ لأنَّه صاحبُ المالِ، ولصاحبِ الوَديعةِ أيضًا أنْ يَردَّ الوَديعةَ متى أَرادَ؛ لأنَّه مُتبَرِّعٌ بخُصوصِ حِفظِ الوَديعةِ (البَاجوريّ).
فبِناءً عليه لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودَعِ صَلاحيةُ فَسخِ الإِيداعِ متى أَرادَ، سَواءٌ أكانَ عَقدُ الإِيداعِ مُوقَّتًا لسنةٍ وَاحدةٍ مثلًا أم لمْ يَكنْ، ويُستفادُ مِنْ المادةِ أنَّ للمُودِعِ فسخُ الإِيداعِ وحدَه بالاستِقلالِ، فلذلك متى طلَبَ المُودِعُ وَديعتَه يُقدِّمُها له؛ لأنَّ هذا الطَّلبَ يَتضمَّنُ فسخَ عقدِ الإِيداعِ، فإذا امتَنعَ المُستودَعُ عن إِعادتِها ثمَّ هلَكَت الوَديعةُ لزِمَ ضَمانُها على المُستودَعِ، ولو كانَ هَلاكُها بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ، وعندَما تُطلَبُ الوَديعةُ مِنْ المُستودَعِ ليسَ له أنْ يَمتنِعَ عن تَسليمِها في الحالِ قائلًا: «حينَما سلَّمتَني كانَ ذلك بحُضورِ شاهِدينِ وأنا أيضًا أُسلِّمكَ بحضورِ شاهِدينِ»؛ لأنَّ المُستودَعَ مُصدَّقٌ باليَمينِ بمُوجَبِ المادةِ وغيرَ مُحتاجٍ لإِثباتِ الردِّ بالشُّهودِ، وعليه فلا حقَّ له بالتَّأخيرِ بحُجةِ الإِشهادِ (البَاجوريّ). إنما عَقدُ الإِيداعِ يَكونُ لازمًا في مَسألةٍ واحدةٍ، وهي: إذا كانَ الحِفظُ في مُقابلةِ أُجرةٍ، فحيثُ إنَّ عَقدَ الوَديعةِ هذا عَقدُ حفظٍ وفيه المُستودَعُ أَجيرٌ مُشتَرَكٌ فيَصيرُ العَقدُ المَذكورُ عَقدَ إِجارةٍ، وليسَ لأحدِ الطَّرفينِ أنْ يَفسخَه قبلَ تَمامِ المدَّةِ، كما هو مَذكورٌ
في كتابِ الإِجارةِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: ولكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُودَعِ تَركُ الوَديعةِ؛ لأنَّها مِنْ حيثُ ذاتُها مُباحةٌ للفاعلِ والقابلِ، فلربِّها أنْ يَأخذَها متى شاءَ، وللمُودَعِ أنْ يَردَّها لربِّها متى شاءَ، إلا لعارضٍ فيَحرمُ، وقد يَجبُ، وإلا أنْ يَكونَ الآخذُ بأُجرةٍ فإنها تَعودُ إِجارةً وهي لَازمةٌ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: إذا عزَلَ المُودَعُ نفسَه في غَيبةِ المُودِعِ انعزَلَ في أَصحِّ الوَجهينِ؛ لأنَّها عَقدٌ، وتَبقى الوَديعةُ أَمانةً شَرعيَّةً في يدِه كثَوبِ الغيرِ الذي طيَّرَه الرِّيحُ إلى دارِه، فيَجبُ عليه الرَّدُّ عندَ التَّمكُّنِ وإنْ لمْ يَطلُبْ صاحبُه على الأَصحِّ، فإنْ لمْ يَفعلْ ضمِنَ.
والثانِي: أنَّها أَمانةٌ، فلا يَضمَنُ إلا عندَ التَّقصيرِ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ بطَلَ حُكمُ الوَديعَةِ بقِيَ المالُ في يدِه أَمانةً، فإنْ تلِفَ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ ردِّه فهدَرٌ، وإنْ تلِفَ بعدَه فوَجهانِ (٤).
(١) «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٢/ ٢٢٨).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ١٤٠).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٥٧٧)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٧٥)، و «الأشباه والنظائر للسبكي» (١/ ٣٨١).
(٤) «الإنصاف» (٦/ ٣١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٣٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٤٨).
ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.