الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف
مسائلُ فقهيةٌ في شروط حد القذف على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةشُروطُ حَدِّ القَذفِ:
لِحَدِّ القَذفِ شُروطٌ بعضُها يَرجعُ إلى القاذِفِ، وبَعضُها يَرجعُ إلى المَقذوفِ، وبَعضُها يَرجعُ إلى الصِّيغةِ.
أولاً: شُروطُ القاذِفِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في القاذِفِ حتَّى يُقامَ الحَدُّ عليه أنْ يَكونَ:
١ - بالِغًا: فلا حَدَّ على صَغيرٍ إذا قذَفَ مُحصَنًا؛ لعَدمِ التكليفِ ولرَفعِ القَلمِ عنهُ ولعَدمِ حُصولِ الإيذاءِ بقَذفِه.
٢ - عاقِلًا: فلا حَدَّ على مَجنونٍ إذا قذَفَ مُحصَنًا؛ لعَدمِ التَّكليفِ، ولرَفعِ القَلمِ عنه، ولعَدمِ حُصولِ الإيذاءِ بقَذفِه، وهذانِ مَحلُّ اتِّفاقٍ، وقالَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ: يُعزَّرُ القاذِفُ المُميِّزُ الصَّبيُّ، زادَ الشافِعيةُ: أو المَجنونُ الذي له نَوعُ تَمييزٍ، زَجرًا له وتأديبًا.
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأما القاذِفُ فإنهُم اتَّفقُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه وَصفَينِ، وهُمَا البُلوغُ والعَقلُ، وسَواءٌ أكانَ ذكَرًا أو أنثَى، حُرًّا أو عبدًا، مُسلِمًا أو غيرَ مُسلمٍ (١).
٣ - مُختارًا: فلا حَدَّ على مُكرَهٍ إذا قذَفَ في حالةِ الإكراهِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وهو مُقتضَى كَلامِ المالِكيةِ؛
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٠).
لرَفعِ القَلمِ عنه، ولأنه لم يَقصدِ الأذَى بذلكَ؛ لإجبارِه عليهِ، ولا على مُكرِهٍ، والفَرقُ بينَه وبينَ القتلِ أنه يُمكِنُه جَعلُ يَدِ المُكرَهِ كالآلةِ له بأنُ يأخُذَ يَدَه فيَقتلَ بها، ولا يُمكِنُه أنْ يأخُذَ لِسانَه فيَقذفَ بهِ.
وفي قَولٍ للحَنفيةِ أنه لا يُشترطُ في القاذِفِ أنْ يكونَ مُختارًا، بل يُحَدُّ وإنْ كانَ مُكرَهًا (١).
٤ - قَذفُ السَّكرانِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على إقامةِ الحَدِّ على السَّكرانِ إذا قذَفَ في حالِ سُكْرِه بمُحرَّمٍ؛ لأنَّ حَدَّ القذفِ في معنَى حَقِّ العِبادِ، وسُكْرُه لا يَمنعُ وُجوبَ الحدِّ عليهِ بقذفِه؛ لأنه معَ سُكرِه مُخاطَبٌ، لأنَّ بعضَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أخَذَ حَدَّ الشُّربِ مِنْ القَذفِ على ما رُويَ عن عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إذا شَربَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى، وحَدُّ المُفتَرينَ في كِتابِ اللهِ ثَمانونَ جَلدةً» (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٢٠)، و «البيان» (١٢/ ٣٩٦)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٣٣)، و «المغني» (٨/ ٤٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٩٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣١٤).
(٢) «المبسوط» (٢٤/ ٣٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٢٠)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٣٣)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٩٨).
٥ - وأنْ يَكونَ غيرَ أصلٍ: فلا يُحَدُّ الأصلُ ولو أُنثى بقَذفِ الولَدِ وإنْ سَفَلَ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والنَّهيُ عن التأفيفِ نَصًّا نهيٌ عن الضربِ دَلالةً، ولهذا لا يُقتَلُ به قِصاصًا، ولقولِه تبارك وتعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، والمُطالِبُ بالقَذفِ ليسَ مِنْ الإحسانِ في شَيءٍ، فكانَ مَنفيًّا بالنصِّ، ولأنَّ تَوقيرَ الأبِ واحتِرامَه واجبٌ شَرعًا وعَقلًا، والمُطالَبةُ بالقَذفِ للجَدِّ تَركُ التَّعظيمِ والاحتِرامِ، فكانَ حَرامًا، لكنَّه يُعزَّرُ؛ للإيذاءِ، وهذا شَرطٌ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ.
وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ-: يُحَدُّ الأبُ بقَذفِ ابنِه (١).
٦ - والعِلمُ بالتَّحريمِ: فلا حَدَّ على جاهِلٍ بالتحريمِ لقُربِ عَهدِه بالإسلامِ أو بُعدِه عن العُلماءِ عندَ الشافِعيةِ (٢).
وأما الحَنفيةُ فقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: وأما كَونُه عالِمًا بالحُرمةِ حَقيقةً أو حُكمًا بكَونِه ناشِئًا في دارِ الإسلامِ فيُحتملُ أنْ يكونَ شَرطًا أيضًا، لكنْ في «كافي الحاكِمِ»: حَربيٌّ دخَلَ دارَ الإسلامِ بأمانٍ فقذَفَ مُسلمًا لم يُحَدَّ في قَولِ أبي حَنيفةَ الأولِ، ويُحَدُّ في قَولِه الأخيرِ، وهو قَولُ صاحِبَيه. اه، فظاهِرُه أنه يُحَدُّ ولو في فَورِ دُخولِه، ولَعلَّ وجْهَه أنَّ الزنا حَرامٌ في كلِّ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣١٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٢)، و «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٦٩) «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٩٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣١٤).
(٢) «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨).
مِلَّةٍ، فيَحرمُ القَذفُ به أيضًا، فلا يُصدَّقُ بالجَهلِ، هذا ما ظهَرَ لي، ولمْ أَرَ مَنْ تعرَّضَ لشيءٍ منهُ (١).
٧ - التِزامُ الأحكامِ: فلا حَدَّ على حَربيٍّ؛ لعَدمِ التِزامِه الأحكامَ عندَ الشافِعيةِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: يُحَدُّ الكافِرُ الحَربيُّ المُستأمنُ إذا قذَفَ مُسلمًا ودخَلَ دارَ الإسلامِ بأمانٍ، فإنه يُحَدُّ ولو في فَورِ دُخولِه؛ لأنَّ الزنا حرامٌ في كلِّ ملَّةٍ، فيَحرمُ القَذفُ به (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يُقامُ الحَدُّ على القاذِفِ الكافرِ إذا كانَ القَذفُ صادِرًا منه في بلادِ الإسلامِ، وأمَّا الكافرُ ببِلادِ الحَربِ إذا قذَفَ مُسلمًا فيها ثمَّ أسلَمَ أو أُسرَّ فلا حَدَّ عليهِ اتفاقًا (٤).
٨ - أنْ يكونَ في دارِ العَدلِ: فلا حَدَّ على القاذِفِ في دارِ الحَربِ أو البغيِ عندَ الحَنفيةِ (٥).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإسلامِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أصحابُ الرأيِ: لا حَدَّ عليه؛ لأنه في دارٍ لا حَدَّ على أهلِها.
(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨).
(٣) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٥).
(٤) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٣٢٠).
(٥) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٥).
ولنا: عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٤] الآيَة، ولأنه مُسلمٌ مُكلَّفٌ قذَفَ مُحصنًا، فأشبَهَ مَنْ في دارِ الإسلامِ (١).
٩ - وعَدمُ إذنِ المَقذوفِ: فإذا قالَ المُحصَنُ لغيرِه: «اقذِفنِي» فقذَفَه فلا يَجبُ عليه الحدُّ على الصحيحِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه إذنٌ في سَبِّه، فلمْ يَجبِ الحَدُّ عليه كالقِصاصِ والقَطعِ في السَّرقةِ، ويُعزَّرُ؛ لأنه فعَلَ مُحرَّمًا لا حدَّ فيه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ اختارَه القاضِي والإمامُ والغزاليُّ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجبُ الحَدُّ ولا يُباحُ بالإذنِ وإنْ كانَ المَقذوفُ زانِيًا (٢).
(١) «المغني» (٩/ ٧٧).
(٢) «المهذب» (٢/ ٢٧٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٤)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٣٨)، و «الكافي» (٤/ ٢٢٣)، و «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٢٩)، و «المبدع» (٩/ ٩٥)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٠٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٣٤).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.