الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الثاني: المقر له
مسائلُ فقهيةٌ في الركن الثاني: المقر له على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثانِي: المُقَرُّ له:
المُقَرُّ له هو مَنْ يَثبُتُ له الحَقُّ المُقَرُّ به، ويَحِقُّ له المُطالَبةُ به أو العَفوُ عَنه.
وقد اشتَرَطَ الفُقهاءُ في المُقَرِّ له عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصِحَّ الإِقرارُ له، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يُصدِّقَ المُقَرُّ له المُقِرَّ في إِقرارِه:
اتَّفَقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ تَصديقُ المُقَرِّ له للمُقِرِّ بما أقَرَّ لأنَّه لا يُدخِلُ مالَ الغَيرِ في مِلكِ أحَدٍ جَبرًا فيما عَدا الميراثَ، فإنْ كذَّبَه بأنْ أقَرَّ له بألفٍ مَثَلًا فقالَ المُقَرُّ له: ليسَ عليك شَيءٌ لي، أو لا عِلمَ لي بذلك، بطَلَ الإِقرارُ إنِ استَمرَّ التَّكذيبُ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو رجَعَ المُقِرُّ عن الإِقرارِ، أو عادَ المُقَرُّ له إلى التَّصديقِ.
فقالَ الحَنفيةُ: إنْ عادَ المُقِرُّ له إلى التَّصديقِ لم يَصِحَّ إلا بإِقرارٍ جَديدٍ.
وإنْ رجَعَ المُقِرُّ في حالِ إِنكارِ المُقَرِّ له صحَّ رُجوعُه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إنْ كَذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ حَقيقةً كَ «ليسَ لي عليه شَيءٌ»، أو حُكمًا، كقَولِه: «لا عِلمَ لي بذلك»، بطَلَ الإِقرارُ إنِ استَمَرَّ على التَّكذيبِ.
فإنْ رجَعَ المُقَرُّ له إلى تَصديقِ المُقِرِّ في الثانِي فأنكَرَ المُقِرُّ عقِبَ تَصديقِ المُقَرِّ له صحَّ الإِقرارُ ولا عِبرةَ بإِنكارِ المُقِرِّ بعدَ ذلك، وأوْلَى إنْ رجَعَ المُقَرُّ له لتَصديقِ المُقِرِّ، ولم يَحصُلْ مِنْ المُقِرِّ إنكارٌ.
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٧٦).
وإنْ رجَعَ المُقَرُّ له إلى تَصديقِ المُقِرِّ في الأوَّلِ فأنكَرَ المُقِرُّ عقِبَ تَصديقِ المُقَرِّ له فهَل يَصحُّ إِقرارُه أيضًا أو يَبطُلُ؟ قَولانِ في المَذهَبِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ كذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ ترَكَ المالَ في يَدِ المُقِرِّ في الأصَحِّ؛ لدِلالَتِها على المِلكِ ظاهِرًا، والإِقرارُ عارَضَه التَّكذيبُ فسقَطَ.
فعلى هذا يَجوزُ له التَّصرُّفُ فيه كيفَما شاءَ إلا إذا كانَ ظانًّا أنَّ المالَ للمُقَرِّ له فيَمتَنِعُ عليه التَّصرُّفُ.
وقيلَ: يَحفَظُه القاضِي إلى أنْ يَظهَرَ مالِكُه؛ لأنَّه كالمالِ الضّائِعِ.
فإنْ رجَعَ المُقِرُّ في حالِ تَكذيبِ المُقَرِّ له وقالَ: «غَلِطتُ» في الإِقرارِ، أو «تَعمَّدتُ الكَذبَ» قُبلَ قَولُه في الأصَحِّ، بِناءً على أنَّ المالَ يُتْرَكُ في يدِه.
والثانِي: لا يُقبَلُ قَولُه بِناءً على أنَّ الحاكِمَ يَنزِعُه منه إلى ظُهورِ مالِكِه.
وإنْ كَذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ ثم رجَعَ المُقَرُّ له فلا يُقبَلُ على الأصَحِّ، ولا يُصرَفُ إليه إلا بعدَ إقرارٍ جَديدٍ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: ومَن أقَرَّ لمُكلَّفٍ بمالٍ في يَدِه وكَذَّبَه مُقَرٌّ له في إقرارِه؛ بَطَلَ إِقرارُه بتَكذيبِه، ويُقِرُّ المُقِرُّ به في يَدِ المُقِرِّ لأنَّه مالٌ بيَدِه لا يَدَّعيه غَيرُه؛ أشبَهَ اللُّقطةَ، وكانَ للمُقِرِّ أنْ يَتَصرَّفَ فيما أقَرَّ به بما شاءَ.
(١) «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٧)، و «شرح الزرقاني» (٦/ ١٦٥)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٨٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٠٣).
(٢) «النجم الوهاج» (٥/ ٩٠، ٩١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٣٢، ٢٣٤)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٥٩٢، ٥٩٣).
ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع الأبواب.